كميل منسّى يختم نشرته الأخيرة ويمضي

سيرة ذاتية للإعلامي اللبناني تواكب عصر الصحافة الذهبي وزمنَ الحرب الدامي

صدر كتاب السيرة الذاتية للإعلامي اللبناني كميل منسّى بعد أشهر على وفاته (الشرق الأوسط)
صدر كتاب السيرة الذاتية للإعلامي اللبناني كميل منسّى بعد أشهر على وفاته (الشرق الأوسط)
TT

كميل منسّى يختم نشرته الأخيرة ويمضي

صدر كتاب السيرة الذاتية للإعلامي اللبناني كميل منسّى بعد أشهر على وفاته (الشرق الأوسط)
صدر كتاب السيرة الذاتية للإعلامي اللبناني كميل منسّى بعد أشهر على وفاته (الشرق الأوسط)

كثيرةٌ هي القبّعات التي اعتمرها كميل منسّى خلال مسيرته المهنيّة الحافلة، لكنّ أكثر قبّعة أحبّها الجمهور عليه هي إدارته لنشرات الأخبار اللبنانية، رئيسَ تحريرٍ ومدير فريق ومذيعاً. يذكرونه وجهاً كان «يمسّي عليهم» قارئاً نشرات الأخبار، ومعلناً لهم أبرز الأحداث في لبنان والعالم، يوم كان التلفزيون ما زال يحتفظ بحصريّة الخبر العاجل والدهشة.

من القناة الرسمية «تلفزيون لبنان» مطلع الستينات، مروراً بقناة LBC بعد 20 عاماً، وصولاً إلى MTV في بداية التسعينات، رسّخ كميل منسّى أعمدة نشرات الأخبار، فكان أحد أبرز مؤسسي الإعلام المرئي في لبنان. ويوم قرر أن يسكب مذكّراته على الورق، لم تُصبه الحيرة كثيراً لدى انتقائه عنواناً لها.

منسّى هو من أول مقدّمي الأخبار الذين أطلّوا عبر الشاشة اللبنانية (أرشيف وليد منسّى)

«النشرة الكاملة»، هذا هو العنوان العريض لسيرة منسّى «في زوابع الصحافة والإعلام»، كما يسمّيها. الكتاب الصادر حديثاً عن دار «أنطوان» اللبنانية، قدّم له نجل منسّى، وليد، مستذكراً والداً تعامل بتجرّد ومهنيّة مع الأحداث التي واكبها، على كثرتها وفظاعتها.

أمضى كميل منسّى آخر 3 أعوام من حياته منشغلاً بمذكّراته. اعتنى بمشروع الكتاب حتى يومه الأخير، لكنه رحل قبل خروجه من المطبعة. لم يُقدّر له أن يجمع الأصدقاء والزملاء في حفل توقيع كما كان يتمنّى. وضع المخطوطة أمانةً في يد وليد الذي تولّى اللمسات الأخيرة، وهو يشارك «الشرق الأوسط» ذكرياته مع أبيه وكواليس الإعداد لكتاب الختام.

هو الولد الذي فتح عينَيه على أبٍ كان يتصدّر شاشة التلفزيون، وهو الشاب الذي أدرك قيمة ذاك الأب من خلال عيون الناس وأحاديثهم، وهو الرجل الذي كان صديق والده ورفيق اللحظات الأخيرة.

«خلال الأشهر الستة التي سبقت وفاته، واظبتُ على الجلوس معه مرتَين أسبوعياً لإعادة قراءة الكتاب»، يقول وليد منسّى. كما شارك في المراجعة صديق منسّى الأب، الصحافي فرنسوا عقل.

كميل منسّى مع ابنه وليد وحفيدتَيه سارة ماريا ولورا (أرشيف وليد منسّى)

من الطفولة بين المدن الجنوبيّة: صور، وصيدا، وجزّين، وصولاً إلى الجلسات مع الرؤساء والقادة والملوك، مروراً بالسنوات التي تنقّل خلالها بين غرف الأخبار، تختصر سيرة كميل منسّى جزءاً أساسياً من العصر الذهبي للإعلام اللبناني.

تخصّص في الحقوق إلّا أنّ حلم الصحافة هو الذي غلب الاختصاصات والوظائف كلها. كانت البدايات في صحيفة «لوريان لو جور» الناطقة بالفرنسية، حيث تتلمذ منسّى على يد جورج نقّاش، الذي «لطالما عدّه أستاذه في الصحافة المكتوبة»، وفق ابنه وليد.

من الورق انتقل إلى الشاشة عام 1959 وتحديداً إلى تلفزيون لبنان، حيث عمل مترجماً فورياً للأفلام ثم مقدّماً لنشرة الأخبار. تحضر في الكتاب لحظاتٌ تلفزيونية أسرته وأثّرت به، كإعلانه اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي، وقراءته خبر مشي أول إنسان على سطح القمر، وإذاعته وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر.

مع مرور السنوات، تحوّل التلفزيون من مدرسته إلى ملعبه ومقرّ نجاحه. تلك التجربة التي دامت عقداً من الزمن، هي التي رسمت صورة كميل منسّى في ذاكرة اللبنانيين. «كانت من بين أحبّ التجارب المهنية إلى قلبه»، وفق وليد.

الموعد التلفزيوني كان يومياً مع كميل منسّى من بداية الستينات حتى مطلع السبعينات (أرشيف وليد منسّى)

في تلك الفترة كذلك، تولّى إدارة المركز الوطني للسينما بالتزامن مع إدارة الأخبار والبرامج السياسية في «شركة التلفزيون اللبنانية». ويسرد الكتاب مواكبة منسّى عن كثب العصر الذهبي للسينما اللبنانية، فهو جالسَ المخرج العالمي يوسف شاهين يوم كان يعمل على فيلم «بياع الخواتم» مع الأخوين رحباني وفيروز. كما شهد على ترشيح أول فيلم لبناني إلى جائزة السعفة «الذهبية» في مهرجان «كان».

ما بين التلفزيون وإذاعة لبنان حيث تولّى إدارة البرامج، رحلةٌ تعرّف خلالها منسّى على شخصياتٍ أثّرت فيه ونسج معها علاقاتٍ وطيدة. من بين هؤلاء الأديب ميخائيل نعيمة، والإمام موسى الصدر، والعميد ريمون إده، والصحافي غسان تويني. وقد كانت للأخير اليد الطولى في عودة منسّى إلى الصحافة المكتوبة من باب جريدتَي «النهار» و«لوريان لو جور».

مرّت سنوات الحرب اللبنانية 1975 - 1990 ثقيلةً على المستوى الشخصي ومثمرةً مهنياً. تنوّعت تغطيات منسّى خلالها ما بين محلّية وخارجية، فهو كان مراسلاً لعدد من وسائل الإعلام الأجنبية. يمرّ في مذكّراته على لقاءاتٍ جمعته بشخصيات عربية عدة، من بينها الملك سعود بن عبد العزيز، وعاهل الأردن الملك حسين، والرئيس المصري جمال عبد الناصر، وغيرهم.

كميل منسّى في مكتبه في صحيفة «لوريان لو جور» (أرشيف وليد منسّى)

أما لبنانياً، فتأخذ معرفتُه برؤساء الجمهورية حيّزاً من الكتاب. تأثّر بفؤاد شهاب مع أنه لم يلتقِه سوى مرة واحدة أعرب فيها شهاب عن «عدم ارتياحه إلى ممارسة الحياة الرئاسية؛ لأن السياسيين اللبنانيين لا يتمتّعون بالنزاهة والاستقامة». أما شارل حلو، فقد درّبه منسّى على إلقاء خطاباته والكلمات المتلفزة. ولسليمان فرنجية الجدّ حكاية معه، فهو الذي تفرّد بإعلان فوزه مباشرةً على الهواء، ما دفع بأهل بلدة الرئيس، زغرتا، إلى حمل كميل منسّى على الأكتاف يوم توجّه لتهنئته.

يخبر وليد منسّى أن اغتيال الرئيس بشير الجميّل شكّل حدثاً محورياً بالنسبة إلى والده. لم يكن الأخير غريباً عن بشير، فقد اعتنى بجزءٍ من شؤونه الإعلامية. يكتب منسّى: «انتُخب الشيخ بشير، وبدأ إعداد الترتيبات لجلسة أداء اليمين الدستورية. وعندما جهز الخطاب الذي سيلقيه في تلك الجلسة، تقرر عقد لقاء عند الرابعة من بعد ظهر 14 سبتمبر (أيلول) في مكتب كريم بقرادوني في السوديكو لتدريب الرئيس المنتخب على إلقائه، ولإدخال التعديلات التي يراها مناسبة. وصلتُ قبل الموعد بربع ساعة. دقت الساعة الرابعة ولم يصل صاحب المكتب ولا الرئيس المنتخب. (...) بعدها بعشر دقائق سمعنا دويّ انفجار».

يتوقّف الكتاب كذلك عند محطات محوريّة جمعته بالرؤساء أمين الجميّل وميشال عون اللذَين واكبهما إعلامياً، وإلياس الهراوي الذي كتب له منسّى سيرته الذاتية بعنوان «عودة الجمهورية من الدويلات إلى الدولة».

كميل منسّى موقّعاً سيرة الرئيس إلياس الهراوي عام 2002 (أرشيف وليد منسّى)

في أول تحقيق صحافي كتبه عام 1964، تطرّق كميل منسّى إلى بطء العمل في القصر الجمهوري. شاء القدر أن يودّع الإعلاميّ المخضرم وطنه بقصرٍ رئاسي فارغ. لكنه رغم ذلك، وضع الأمل في الأجيال القادمة، وأهدى سيرته إلى حفيدتَيه سارة ماريا، ولورا.


مقالات ذات صلة

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر
كتب النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون «قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.