«سد النهضة»: مصر تشدِّد على حتمية ضمان «حقوق» دولتَي المصب

وزير الخارجية قال إن بلاده لن تتنازل عن «قطرة واحدة» من حصتها المائية

مؤتمر صحافي بالقاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره المجري بيتر سيارتو (الخارجية المصرية)
مؤتمر صحافي بالقاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره المجري بيتر سيارتو (الخارجية المصرية)
TT

«سد النهضة»: مصر تشدِّد على حتمية ضمان «حقوق» دولتَي المصب

مؤتمر صحافي بالقاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره المجري بيتر سيارتو (الخارجية المصرية)
مؤتمر صحافي بالقاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره المجري بيتر سيارتو (الخارجية المصرية)

شدَّد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الثلاثاء، على أهمية التوصل مع إثيوبيا إلى اتفاق قانوني مُلزِم لتشغيل وإدارة «سد النهضة» على نهر النيل، مؤكداً أنه «لا تنازُل عن قطرة مياه واحدة» من حصة بلاده المائية.

وتبني إثيوبيا «سد النهضة» على الرافد الرئيسي لنهر النيل منذ عام 2011، بداعي توليد الكهرباء، لكنَّ دولتَي المصب - مصر والسودان - تخشيان من تأثّر حصتَيهما من مياه نهر النيل.

وقال عبد العاطي، خلال مؤتمر صحافي مشترك، مع وزير الشؤون الخارجية والتجارة المجري بيتر سيارتو، الذي يزور القاهرة: «تحدثنا عن الأمن المائي المصري، وأنه لا تفريط في قطرة مياه إلى مصر؛ لأن ما يرِد إلى مصر سنوياً من مياه النيل التي نعتمد عليها كلياً لا تكفي حتى 60 في المائة من احتياجاتنا السنوية، وبالتالي تقوم مصر بإعادة تدوير المياه أكثر من مرة حتى نسد الفجوة الحالية».

وتبلغ حصة مصر من مياه نهر النيل 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، في حين أن «استهلاكها الحالي يتجاوز 85 مليار متر مكعب، يتم تعويض الفارق من المياه الجوفية، ومشروعات تحلية مياه البحر»، وفق وزارة الموارد المائية والري.

وشدّد الوزير المصري على أنه «لا مجال للتنازل عن قطرة مياه واحدة؛ لأن المعدلات الراهنة لا تكفي احتياجاتنا، وأن هناك ضرورة حتمية للتوصل إلى اتفاق قانوني مُلزِم لتشغيل السد».

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وتجمَّدت المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن النزاع منذ أكثر من عام. وفي شكوى قدَّمَتها لمجلس الأمن الدولي، مطلع سبتمبر (أيلول) الحالي، قالت القاهرة إن «أديس أبابا ترغب فقط في استمرار وجود غطاء تفاوضي لأمد غير منظور، بغرض تكريس الأمر الواقع».

مصر والمجر... شراكة استراتيجية

من جهة أخرى، أكّد وزير الخارجية المصري، وجود تفاهم وتوافق سياسي مشترك بين مصر والمجر، مشيراً إلى حرص البلدين على «مزيد من تعزيز العلاقات، ورفع مستوى العلاقات إلى الشراكة الاستراتيجية».

وأضاف خلال المؤتمر الصحافي، أن المجر الذي تتولى منذ يوليو (تموز) الماضي، رئاسة الاتحاد الأوروبي، «ويُتوقَّع منها مزيد من الدعم للمواقف المصرية داخل الاتحاد»، ونوَّه بالالتزام المشترك للبلدين بتطوير العلاقات الثنائية، على ضوء الإرادة السياسية من قيادتي البلدين.

ولفت إلى أن معدلات السياحة المجرية في مصر عادت إلى معدلاتها الطبيعية قبل جائحة «كورونا»، وأضاف: «نتطلع إلى مزيد منها».

مقابلة ثنائية بين عبد العاطي وسيارتو قُبيل جلسة مباحثات موسّعة (الخارجية المصرية)

ونوّه عبد العاطي إلى تكرار الزيارات المتبادلة، وفي مقدّمتها زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى المجر، خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2021، ثم زيارة رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان إلى مصر، خلال فبراير (شباط) 2023، وهي الزيارة التي أسهمت في ترفيع العلاقات.

وأكّد التعاون الوثيق مع المجر في قطاع النقل وتحديث قطاع السكك الحديدية في مصر، لا سيما مشروع توريد أكثر من 1350 عربة قطار؛ بوصفها الصفقة الأكبر من نوعها في تاريخ هيئة «سكك حديد مصر»، مشيراً إلى أن عملية التسليم تتم بوتيرة إيجابية وجيدة، حيث جرى توريد أكثر من 970 عربة قطار، والمتبقّي يتم توريده وفقاً للجدول الزمني.

وحول العلاقات الاقتصادية والتجارية، أكّد حرص مصر على زيادة التفاعل للقطاع الخاص في مصر والمجر؛ لتحقيق مزيد من دفع للاستثمارات المجرية في مصر، وتطوير هذه العلاقات.

ونوّه إلى وجود علاقات تعاون قوية في المجالين الزراعي والمائي، لا سيما في ضوء التكنولوجيا المجرية المتقدمة في مجال إدارة الموارد المائية وترشيد استخدامها، لافتاً إلى أنه سيكون هناك إعلان عن مشروعات للتعاون في هذا القطاع قريباً، كما تحدّث عن تعاون ثلاثي موجَّه للقارة الأفريقية، وخصوصاً في القطاع الطبي والأدوية.

أزمات إقليمية متفجرة

وقال عبد العاطي إنه بحث مع نظيره المجري في العديد من الأزمات المتفجرة التي تحيط بمصر، وبشأن ليبيا، أكّد الوزير المصري أهمية التوصل إلى اتفاق يقضي بسرعة إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية بما يحفظ لليبيا وحدتها، وأن تكون هناك تسوية ليبية، بعيداً عن أي تدخلات خارجية، مضيفاً: «الدور الخارجي - للأسف الشديد - يتّسم بالسلبية».

وفيما يخص السودان، أوضح أن «المناقشات دارت كذلك حول الأوضاع السودانية، والأعباء الهائلة التي تتحمَّلها الدولة المصرية في استيعاب مئات آلاف بل الملايين من أشقائنا»، مطالباً بـ«التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار، يحفظ للسودانيين أرواحهم، ويحفظ الدم السوداني بطبيعة الحال»، وأهمية «نفاذ المساعدات إلى داخل السودان، والوقف الفوري لتدفق الأسلحة».

متطوعون يوزّعون الطعام في العاصمة السودانية (أرشيفية - رويترز)

وحول الوضع في منطقة القرن الأفريقي، شدّد عبد العاطي على «وحدة الأراضي الصومالية، والرفض الكامل لأي سياسات تنال من وحدة الصومال».

كما شدّد على «الأولوية القصوى للوقف الفوري للعدوان ولإطلاق النار في قطاع غزة»، وضرورة «التوصل إلى صفقة تقضي بإطلاق سراح جميع الرهائن والأسرى المحتجزين، وتضمن النفاذ الكامل وغير المشروط للمساعدات الإنسانية والطبية إلى الأهالي في قطاع غزة».

الهجرة غير الشرعية

بدوره، وصف وزير الشؤون الخارجية والتجارة المجري بيتر سيارتو، مصر بأنها «أحد ضمانات الأمن الأوروبي، وهي الحاجز الحامي والستار الواقي لجنوب القارة الأوروبية»، لافتاً إلى أن «المجر تحترم الدور الذي تلعبه مصر في وقف الهجرة غير الشرعية، وتُثمّن وتُقدّر عدم وجود ضغط على أوروبا من الجانب المصري في مسألة الهجرة».

وقال سيارتو إن «مصر والمجر يرغبان في العيش بأمان، لهذا هناك حاجة أولاً لإنهاء الحروب التي تعصف بمنطقتنا في أقرب وقت ممكن، وإيقاف موجات الهجرة غير الشرعية».

وأكّد الوزير المجري أن بلاده «ستعمل على تسريع تنفيذ الاتفاقية التي تم توقيعها في يونيو (حزيران) الماضي بين مصر والاتحاد الأوروبي، حول تخصيص دعم مالي من أوروبا إلى مصر، حيث سيتم تحويل هذه المبالغ إلى مصر في أسرع وقت ممكن».

وطالب وزير الخارجية المجري بضرورة تسريع حصول مصر من صندوق السلام الأوروبي على مساعدة مالية، موضحاً أن مصر لديها مسؤولية حماية حدودها مع السودان وليبيا.

وحذَّر من «خسارة التعامل الإيجابي مع مصر في مسألة الهجرة غير الشرعية»، مؤكداً أنه «سيكون لدينا مصاعب كبيرة في التعاطي مع الضغط الذي سيكون على أوروبا، ونحن نحتاج إلى حليف كمصر؛ لأنه خلال الـ20 سنة المقبلة سيزيد عدد سكان أفريقيا بمقدار 750 مليون نسمة، وهذا سيؤدي إلى أمرين؛ إما كارثة إنسانية، أو موجات ضغط من المهاجرين على أوروبا».

مراسم توقيع مذكرة تفاهم بين مصر والمجر في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية (الخارجية المصرية)

تعاون نووي

وأعلنت مصر عن تعاون مع المجر في مجال تكنولوجيا المفاعلات النووية، في ظل تدشينها محطة «الضبعة» النووية، حيث وقّع البلدان على هامش الزيارة «مذكرة تفاهم حول التعاون بين محطة (الضبعة) المصرية ومحطة (باكش 2) المجرية».

وقال وزير الكهرباء والطاقة المتجددة المصري محمود عصمت إن «نموذج المفاعل النووي المجري مماثل لنموذج المفاعل النووي الذي اختارته مصر لديها»، بينما أشاد وزير الخارجية المجري بـ«التقدم الذي وصلت إليه مصر في مسألة بناء المفاعلات»، متوقعاً أن «يكون هناك تكنولوجيات مجرية يمكن أن تُسهم في بناء مفاعل الضبعة داخل مصر أيضاً».


مقالات ذات صلة

قمة «جيبوتي - إثيوبيا - الصومال» تعزز التفاهمات بشأن ملفات التوتر

تحليل إخباري رئيس جيبوتي يستقبل نظيره الصومالي ورئيس وزراء إثيوبيا (وكالة الأنباء الصومالية)

قمة «جيبوتي - إثيوبيا - الصومال» تعزز التفاهمات بشأن ملفات التوتر

أثارت قمة رئاسية بين قادة جيبوتي وإثيوبيا والصومال، تعقد للمرة الثانية خلال نحو 40 يوماً، تساؤلات حول موقف مصر، خصوصاً في ظل تصاعد التوتر مع أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري يناقش مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة التعاون بين دول حوض النيل (الخارجية المصرية)

رفض مصر نفاذ إثيوبيا للبحر الأحمر يُعقد حلّ نزاع «سد النهضة»

جددت القاهرة موقفها الرافض لنفاذ إثيوبيا، الدولة الحبيسة بأفريقيا، إلى البحر الأحمر، نافية قبولها ذلك مقابل مرونة من أديس أبابا بشأن «سد النهضة».

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الكيني ويليام روتو يلتقي وزير الخارجية المصري ويتسلم رسالة خطية من السيسي (وزارة الخارجية المصرية)

مصر تتمسك بـ«توافق» دول حوض النيل ورفض الأحادية

تتمسك مصر بضرورة تحقيق التوافق بين دول حوض النيل، ورفض الإجراءات الأحادية، بما يضمن تحقيق المنفعة المشتركة لجميع الأطراف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح «سد النهضة» في سبتمبر الماضي (حسابه على إكس)

«سد النهضة»: مصير غامض للوساطة الأميركية وسط تشدد مصري - إثيوبي

رغم مرور نحو شهر على عرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب وساطته بين القاهرة وأديس أبابا، فإن التباين لا يزال واضحاً في مواقف البلدين.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل.

علاء حموده (القاهرة)

مفترق طرق أميركي ــ عراقي

عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفترق طرق أميركي ــ عراقي

عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

دخلت العلاقات الأميركية ـ العراقية مفترق طرق جديداً بعد تحذيرات حادة أطلقتها سفارة واشنطن في بغداد، أمس (الخميس)، شملت دعوة الرعايا الأميركيين إلى مغادرة العراق «فوراً»، والتنبيه إلى احتمال هجمات تنفذها ميليشيات متحالفة مع إيران خلال 24 إلى 48 ساعة.

وتزامن التصعيد الدبلوماسي مع إعلان مكافأة قدرها 3 ملايين دولار مقابل معلومات عن منفذي الهجمات على المنشآت الأميركية، ومع ضربات جوية استهدفت مواقع لفصائل مسلحة في الأنبار ونينوى من دون خسائر بشرية معلنة.

وقال مستشار سابق لدى الحكومة العراقية، طلب عدم ذكر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن التحذير الصادر عن السفارة الأميركية «يُمثل مؤشراً إلى تراجع الثقة بقدرة بغداد على اتخاذ إجراءات حاسمة ضد الفصائل المسلحة»، مضيفاً أن السياسة الأميركية «انتقلت من منح الحكومة مساحة للتحرك إلى ممارسة ضغط مباشر عليها لإظهار موقف واضح».

في المقابل، شدد ائتلاف «إدارة الدولة» على رفض انتهاك السيادة العراقية، ومنع استخدام أراضي البلاد للاعتداء على دول الجوار.


من واشنطن إلى أمستردام... قرارات الحظر تحاصر «الإخوان»

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

من واشنطن إلى أمستردام... قرارات الحظر تحاصر «الإخوان»

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

تتواصل الضربات لجماعة «الإخوان المحظورة» ما بين قرارات حظر أميركية لأفرع الجماعة في عدة بلدان، وصولاً لحراك برلماني في هولندا قد يمهد لقيود جديدة تجاه الجماعة، التي تصنفها دول عربية «إرهابية».

تلك التحركات ضد «الإخوان» سلّط إعلام مصري الضوء عليها بكثافة، وعدّها خبراء «خطوة للأمام متأخرة أوروبياً، واستكمالاً لحصار أنشطتها في العالم». وتوقعوا «عمليات ترحيل للعناصر المتورطة في أعمال عنف من دول أوروبية للقاهرة لمحاسبتهم قضائياً».

وأفادت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الأربعاء، بأن «هولندا تتحرك لحظر (الإخوان)»، لافتة إلى أن «هناك تصويتاً برلمانياً يفتح باب المواجهة في أوروبا».

وتحدث الموقع الإلكتروني لصحيفة «الأخبار» الرسمية بمصر، الثلاثاء، عن أن هناك «مخاوف تتنامى للقيادات والكوادر والعناصر (الإخوانية) الهاربة بدولة هولندا من قيام أجهزتها الأمنية بإرجاء النظر في منح الحاصلين منهم على حقّ اللجوء السياسي للجنسية الهولندية. الأمر الذي قد يهدد بترحيل عدد منهم خارج الأراضي الهولندية».

وتأتي المخاوف مع إقرار البرلمان الهولندي، في مارس (آذار) الماضي، مقترحاً يدعو إلى حظر جماعة «الإخوان» والمنظمات المرتبطة بها، وصوّت كل من حزب «الاتحاد» (يمين وسط) وحزب «Plus 50» (وسط) لصالح الاقتراح، ما منحه أغلبية بـ76 مقعداً من أصل 150 مقعداً، ولم يدخل حيز التنفيذ بعد في ظل دراسة الحكومة آلياته.

الخبير الأمني المصري، اللواء فاروق المقرحي، يرى أن «هذه خطوة للأمام متأخرة لحصار خطر تلك الجماعة»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الحراك يجب أن تتبعه قرارات بترحيل عناصر تلك الجماعة، لمحاسبتهم بالقانون على جرائمهم في حق مصر وشعبها».

فيما يضيف الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، منير أديب، لـ«الشرق الأوسط»، أن «حظر فروع جماعة (الإخوان) من واشنطن، ثم تحرك أمستردام، وإمكانية امتداده لدول أوروبية أخرى، يعكس نجاعة القاهرة في ملاحقة (الإخوان) وتنامي القناعات العربية والدولية بخطر تلك الجماعة».

ويتوقع أديب أن يصل الحظر إلى دول أوروبية أخرى تباعاً، مثل ألمانيا وبلجيكا، حتى يتم إدراج «الإخوان» على «قوائم الإرهاب»، ويتم التعامل معها كـ«القاعدة» و«داعش» باعتبارهما تنظيمين متطرفين وإرهابيين.

ووفق تقرير حديث لـ«مركز تريندز للبحوث» في الإمارات، فإن موافقة البرلمان الهولندي تعدّ تطوراً لافتاً يعكس تنامي الوعي الأوروبي بمخاطر الإسلام السياسي، ومحطة مفصلية في مسار المواجهة الأوروبية.

ويشير التقرير إلى أن التحرك الهولندي في هذا التوقيت يستفيد من زخم دولي غير مسبوق، دشّنته الإدارة الأميركية، مطلع عام 2026، عبر سلسلة من قرارات التصنيف الإرهابي التي شملت فروعاً رئيسية للجماعة في الشرق الأوسط؛ لتنتقل المواجهة من مربع المراقبة السلبية إلى مربع المواجهة المباشرة والتفكيك المؤسسي ونهاية سياسة الاحتواء.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، صنّفت واشنطن جماعة «الإخوان» بمصر، رفقة فرعيها في الأردن ولبنان، باعتبارها «منظمات إرهابية»، وتلاه في مارس الماضي وضع فرعها في السودان بالقائمة ذاتها.

ووافقت أغلبية بالبرلمان الفرنسي في يناير الماضي على دعوة المفوضية الأوروبية، لإضافة جماعة «الإخوان» وقادتها إلى قائمة المنظمات الإرهابية.

وتصنّف السلطات المصرية «الإخوان»، «جماعة إرهابية» منذ عام 2013، و«تنتشر الجماعة في واشنطن وأوروبا تحت لافتات إسلامية، لا ترفع اسم الجماعة صراحة»، بحسب مراقبين.

ويأتي هذا الحراك الأوروبي مع خطوات مصرية لتجفيف منابع الجماعة وملاحقة عناصرها، وأحدثها قبل أيام مع بثّ وزارة الداخلية اعترافات قيادي بحركة «حسم» الإرهابية بشأن مخططات تخريبية كانت تستعد الحركة للقيام بها ضد الدولة المصرية.

ويعتقد المقرحي أن الضربات، التي تلاحق الجماعة أميركيا وأوروبياً وعربياً، ستجعل «الإخوان» تنغلق على نفسها، خاصة أن الضربات الأمنية في مصر متواصلة ضد عناصرها، ولم يغلق ملفهم، ولن يغلق مهما مرت السنوات.

ويؤكد أديب أن «قرارات الحظر ستؤدي إلى فرض قيود صارمة على الجماعة، تشمل حركة الأموال، وتنقل القيادات، والأنشطة والفعاليات التي يقومون بها»، كما يشير إلى أن «أوروبا، التي كانت تمثل ملاذاً لهذه التنظيمات وتوفر لها منصات إعلامية وحاضنة، سوف تشهد قيوداً حقيقية على بقائهم وعملهم، ما سيؤثر بشكل عام على نشاطهم، وتدفع لترحيل عناصر منهم إلى مصر»، وفق رأيه.


ما حقيقة حصول حفتر على «مسيّرات قتالية» رغم الحظر الدولي؟

آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)
آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)
TT

ما حقيقة حصول حفتر على «مسيّرات قتالية» رغم الحظر الدولي؟

آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)
آليات في عرض عسكري في شرق ليبيا في مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)

وجد «الجيش الوطني» الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، نفسه أمام تساؤلات عديدة مجدداً بشأن حصوله فيما يبدو على «أسلحة جديدة» في ظل الحظر الدولي المفروض على ليبيا منذ عام 2011.

وجاءت هذه التساؤلات بعد تقرير لوكالة «رويترز»، الخميس، عن وجود ثلاث طائرات «مسيرة قتالية» جديدة أظهرتها صور أقمار اصطناعية تجارية في قاعدة «الخادم» الجوية بشرق ليبيا، يعتقد خبراء أنها «صينية وتركية الصنع»، دون نفي أو تأكيدات رسمية من «الجيش الوطني».

وتأتي هذه الأنباء في ظل سعي «الجيش الوطني» للتسلح، وتطوير أسلحته بقصد الدفاع عن سيادة البلاد، لكن قياداته دائماً ما تشكو الحظر الأممي وتداعياته.

طائرات في عرض عسكري بحضور حفتر في شرق ليبيا مايو الماضي (إعلام القيادة العامة)

وأمام أحاديث متضاربة بشأن إدخال الجيش أسلحة جديدة إلى ترسانته، فضّل مصدر عسكري ليبي عدم التحدث في هذا الأمر؛ لأنه غير مخوّل بالحديث إلى وسائل الإعلام، مكتفياً بالقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الملف «حساس وليس في سلطاتي الخوض فيه»، لتبقى الحقيقة معلقة أمام صور الأقمار الاصطناعية التي أظهرت الطائرات، بحسب «رويترز»، الخميس.

ونقلت «رويترز» عن ثلاثة خبراء، قالت إنهم بعد مراجعة صور الأقمار الاصطناعية «يرجحون» أن تكون إحدى المسيرات هي الطائرة فيلونغ - 1 (إف إل - 1) صينية الصنع، وهي طائرة استطلاع وهجوم متطورة. واتفق الخبراء الثلاثة على أن الطائرتين الأخريين تبدوان من طراز «بيرقدار تي بي 2» التركية الصنع، وهي طائرات أقل قوة، لكنهم لم يستبعدوا أن تكونا من طرازات أخرى.

ولا ينقطع الحديث عن سباق تسلح محموم بين طرفي النزاع في ليبيا، التي تخضع لحظر تصدير السلاح وفق قرار أممي، إبان الحرب الأهلية التي أعقبت «الثورة» ضد نظام الرئيس الراحل معمر القذافي.

المشير خليفة حفتر (الجيش الوطني)

الباحث العسكري محمد الترهوني فضل التذكير بقرار مجلس الأمن الدولي بتخفيف حظر التسلح على ليبيا في مطلع عام 2025، والذي يسمح بتوريد أسلحة ومعدات لأغراض «الدفاع ومكافحة الإرهاب»، بناءً على طلب حكومي، مشيراً إلى أن هذا القرار «أسهم في رفع مستوى التسليح والجاهزية».

ورأى الترهوني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن خطوة اقتناء الطائرات المسيرة «منطقية وضرورية»، بالنظر إلى ما أثبتته هذه الطائرات من كفاءة وفاعلية في ميادين القتال في الشرق الأوسط، مشيراً إلى «التحديات الأمنية على الشريط الحدودي مع دول الساحل والصحراء، بما في ذلك نشاط الجماعات المتطرفة العابرة للحدود».

وأضاف الترهوني موضحاً أن الطائرات توفر «أدوات مراقبة وهجوم حديثة لتعزيز قدرة الجيش على التصدي للتهديدات وحماية الأمن الوطني».

وتوصل «الجيش الوطني» الليبي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي إلى اتفاق لشراء معدات عسكرية، بقيمة أربعة مليارات دولار من باكستان، تشمل طائرات مقاتلة من طراز «جيه إف - 17»، التي تم تطويرها بالتعاون مع الصين.

ويعتقد الترهوني أن الجيش عزز التعاون العسكري والتدريبي مع دول ذات وزن عسكري، مثل روسيا وبيلاروسيا وباكستان ومصر وتركيا، حيث حصل أفراد عسكريون ليبيون على دورات تدريبية متقدمة، ما رفع من «القدرة على التسليح والتأهب العملياتي».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وأشار الترهوني إلى الانفتاح الملحوظ للسلطات في شرق ليبيا على تركيا في المجالات العسكرية والاقتصادية وإعادة الإعمار، مؤكداً أن زيارات نائب القائد العام للجيش، الفريق صدام حفتر، إلى أنقرة أسهمت في تعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي، بما في ذلك لقاءات مع رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالين ووزير الدفاع.

ومنذ أعوام، قطع «الجيش الوطني» خطوات لتعزيز قوته، حيث أعلن إطلاق خطة «2030» لتطوير الجيش، كما استعرض قوته العسكرية في عرض ضخم في مايو الماضي، بمناسبة ذكرى إطلاق عملية الكرامة ضد الجماعات المتطرفة في شرق ليبيا.

ورغم ذلك، لا يستبعد محللون أن يبقى الحديث عن التسليح في ليبيا مفتوحاً على تساؤلات أخرى، في ضوء الصراع المستمر في البلاد بين شرقها وغربها، والقيود الدولية في مقابل الاحتياجات الأمنية المتصاعدة، علماً بأن «الجيش الوطني» خاض مواجهات مع تشكيلات مسلحة و«جماعات إرهابية» في شرق ليبيا وعلى حدودها الجنوبية من عام 2014.

ولم تتمكن «رويترز» من تحديد الجهة التي وردت منها الطائرات المسيرة أو متى حدث ذلك. ولم يرد «الجيش الوطني» الليبي وحكومتا الصين وتركيا، والشركتان المصنعتان للطائرات المسيرة، وهما «تشونغ تيان فيلونغ» الدفاعية التي تتخذ من مدينة شيآن مقراً، و«بايكار» ومقرها إسطنبول، على أسئلة تفصيلية. كما لم تعلق الحكومة التي ‌تتخذ من طرابلس مقراً أيضاً.