غارات جوية على مواقع «الدعم السريع» عقب معارك ضارية في الفاشر

أنباء عن تقدم قوات «حميدتي» إلى قلب المدينة

سوق مدمَّرة جراء معارك سابقة بمدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور (أرشيفية - أ.ف.ب)
سوق مدمَّرة جراء معارك سابقة بمدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

غارات جوية على مواقع «الدعم السريع» عقب معارك ضارية في الفاشر

سوق مدمَّرة جراء معارك سابقة بمدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور (أرشيفية - أ.ف.ب)
سوق مدمَّرة جراء معارك سابقة بمدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور (أرشيفية - أ.ف.ب)

نفّذ الطيران الحربي للجيش السوداني، الجمعة، غارات جوية مكثفة على مناطق تمركز قوات «الدعم السريع»، في الجزء الشرقي من مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور (غرب البلاد)؛ لوقف أي هجوم محتمل للتقدم إلى وسط المدينة.

وسبق هذا الهجومَ الجوي معاركُ، وُصفت بـ«الضارية»، دارت بين الأطراف المتحاربة في الفاشر منذ اندلاع القتال حولها قبل 5 أشهر.

وقال المتحدث الرسمي باسم الجيش السوداني، نبيل عبد الله، ليل الخميس - الجمعة، إن القوات المسلَّحة والقوة المشتركة و«المقاومة الشعبية» دحرت هجوماً كبيراً شنّته ميليشيا آل دقلو (يقصد قوات «الدعم السريع») على الفاشر، وكبّدتها خسائر كبيرة في الأفراد والمركبات.

بدورها قالت القوة المشتركة للفصائل الدارفورية المسلّحة، التي تُقاتل في صفوف الجيش السوداني، إنها صدّت هجوماً واسعاً لقوات «الدعم السريع» على مدينة الفاشر من المحورين الجنوبي والشرقي.

وأضافت أن هذا الهجوم يُعدّ رقم 133 من حيث العدد، وأن قواتها تمكنت من القضاء على أكثر من 80 من جنود وضباط «الدعم السريع»، وتدمير أكثر من 20 آلية عسكرية.

امرأة وطفلها في مخيم «زمزم» للنازحين بالقرب من الفاشر شمال دارفور بالسودان (أرشيفية - رويترز)

وتحدثت منصات إعلامية، تابعة لـ«الدعم السريع»، عن مقتل عدد من أفرادها وقادتها الميدانيين، أبرزهم عبد الرحمن، الشهير باسم «قرن شطة».

وقال شهود عيان، لـ«الشرق الأوسط»، إن طائرات الجيش حلّقت، صباح الجمعة، في سماء المدينة، وقصفت الأحياء الشرقية، التي تُعدّ مراكز متقدمة لـ«الدعم السريع». وأضافوا: «أعقبت الضربات الجوية سماع دويّ ضخم وانبعاث دخان وألسنة النيران من المناطق المستهدفة».

وكانت قوات «الدعم السريع» قد شنّت هجمات من عدة محاور على مدينة الفاشر، بعدما حشدت قوات كبيرة على مدار أسبوعين لاجتياحها.

لكن مصادر محلية مقيمة في الفاشر، أفادت بأن المعارك الشرسة التي دارت، الخميس، أسفرت عن مقتل أعداد كبيرة، وسط القوات من الأطراف المتحاربة.

وأوضحت المصادر نفسها، التي فضّلت حجب هويتها، أنه لا توجد اشتباكات برية، الجمعة، لكن قوات «الدعم السريع» مستمرة في القصف المدفعي على الأحياء السكنية.

وأعلنت «حركة تحرير السودان»، التي يتزعمها حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، أن مدينة الفاشر تشهد هدوءاً نسبياً منذ ليل الخميس، وذلك بعد تدمير كل تحركات ميليشيات «الجنجويد»، والقضاء على معظم قيادتها الميدانية.

دخان كثيف يتصاعد في مدينة الفاشر بإقليم دارفور على أثر معارك سابقة بين الجيش وقوات «الدعم السريع» (د.ب.أ)

وأضافت، في بيان على حسابها بـ«فيسبوك»، أن جميع مقاتلي القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلّح على أهبة الجاهزية والاستعداد للتعامل مع بقايا «ميليشيا الدعم السريع» وردعها عسكرياً في كل المحاور حول المدينة.

وتجدّدت الاشتباكات والقصف المدفعي المتبادل، الخميس، بين الجيش السوداني وقوات الحركات المسلّحة من جهة، و«الدعم السريع» من جهة أخرى في الفاشر، غداة تجديد مجلس الأمن الدولي حظر السلاح في الإقليم.

وتُعدّ الفاشر المَعقل الأخير للجيش السوداني والفصائل المتحالفة معه، وبسقوطها تكون قوات «الدعم السريع»، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) تسيطر على كامل إقليم دارفور الغربي.

وتتحدث منصات محسوبة على قوات «الدعم السريع»، على منصة «إكس»، عن تقدم كبير لقواتها، وسيطرتها على الخنادق الدفاعية المتقدمة للجيش والقوات المتحالفة معه، على بُعد بضعة كيلومترات من القاعدة العسكرية الرئيسية، الواقعة غرب وسط الفاشر.

ونشرت تلك المنصات مقاطع فيديو لقوات من «الدعم السريع» تتوغل إلى مناطق في وسط، لم يتسنَّ التأكد من دقتها.

وتُظهر التسجيلات المصوَّرة المتداولة بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي، التقدم الكبير لقوات «الدعم السريع» في المحور الجنوبي للفاشر، وتجاوزها الدفاعات المتقدمة للجيش والفصائل المتحالفة بالقرب من المستشفى الجنوبي الذي يقع وسط المدينة. كما تتداول أنباء أخرى عن أن القائد الثاني لقوات «الدعم السريع»، عبد الرحيم دقلو، شقيق حميدتي، يشرف بشكل مباشر على المعارك التي تدور حالياً حول مدينة الفاشر.

وتفرض «الدعم السريع» حصاراً مُحكماً على الفاشر، بعدما أحكمت قبضتها على أربع مدن في إقليم دارفور، من أصل خمس.

وقُتل أكثر من 800 شخص، على الأقل، في صفوف المدنيين، في القتال الدائر بمدينة الفاشر، ونزح عشرات الآلاف، خلال الأشهر الماضية، بسبب القصف المدفعي والصاروخي العشوائي.

ووفقاً لإحصائيات «الأمم المتحدة» وشركاء العمل الإنساني في السودان، قُتل أكثر من 188 ألف شخص، وأُصيب أكثر من 33 ألف شخص، منذ اندلاع الصراع بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023.


مقالات ذات صلة

428 ألف سوداني عادوا طوعاً من مصر حتى نهاية 2025

المشرق العربي عبد القادر عبد الله القنصل العام للسودان لمحافظات جنوب مصر (سانا)

428 ألف سوداني عادوا طوعاً من مصر حتى نهاية 2025

مسؤول سوداني يقول إن أكثر من 428 ألف سوداني عادوا طوعاً من مصر حتى نهاية 2025.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 احتفالاً بالذكرى الـ71 لتأسيس الجيش (أ.ف.ب)

رئيس وزراء السودان يعلن عودة للحكومة إلى الخرطوم

أعلن رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، عودة الحكومة رسمياً إلى العاصمة الخرطوم بعد نحو 3 سنوات من انتقالها إلى مقرها المؤقت في بورتسودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)

حرب مُسيَّرات متصاعدة في دارفور ومعارك قرب الحدود التشادية

تواصلت المواجهات بين الجيش وحليفته «القوة المشتركة»، و«قوات الدعم السريع»، قرب حدود تشاد، وسط تبادل للاتهامات بشأن السيطرة الميدانية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزارة الري المصرية تؤكد متابعة حالة الجاهزية الفنية لمنظومة «السد العالي» وخزان أسوان (مجلس الوزراء المصري)

مصر تطور منظومة تشغيل «السد العالي» لحماية أمنها المائي

احتفت مصر، الجمعة، بمرور 66 عاماً على قيام الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر بوضع حجر الأساس لمشروع «السد العالي» في 9 يناير عام 1960.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا مقاتلة باكستانية من طراز جاي.إف 17 ثاندر في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)

باكستان لتزويد السودان بطائرات هجومية ومسيرات بقيمة 1.5 مليار دولار

قال مسؤول كبير سابق في القوات الجوية إن باكستان في المراحل النهائية لإبرام صفقة بقيمة 1.5 مليار دولار لتزويد السودان بأسلحة وطائرات هجومية ومسيّرات.

محمد أمين ياسين (نيروبي) «الشرق الأوسط» (لندن)

لماذا «تتعثر» الملاحقة المصرية لـ«الشائعات»؟

نهر النيل ليلاً بالعاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)
نهر النيل ليلاً بالعاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

لماذا «تتعثر» الملاحقة المصرية لـ«الشائعات»؟

نهر النيل ليلاً بالعاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)
نهر النيل ليلاً بالعاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)

رصدت الحكومة المصرية ارتفاعاً ملحوظاً في كثافة الشائعات وتفاقم وتيرتها، رغم جهودها لملاحقاتها؛ إذ بلغت الشائعات ذروتها في عام 2025.

ووفق تقرير سنوي صادر عن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري، تضمن عدداً من الإنفوغرافات، فإن نسبة الشائعات ارتفعت إلى 14.5 في المائة عام 2025، مقارنة بـ13.8 في المائة بالعام السابق، وإن قطاعات الاقتصاد والتعليم والصحة والسياحة هي الأكثر استهدافاً.

وأرجع التقرير زيادة الشائعات بأكثر من 3 أضعاف خلال الفترة من 2020 إلى 2025، مقارنة بالفترة من 2014 إلى 2019، إلى «تأثير الجهود التنموية والتداعيات السلبية للأزمات العالمية على معدل انتشار الشائعات في مصر خلال السنوات الأخيرة».

وتتبنى الحكومة المصرية «نهجاً تواصلياً يعتمد على إصدار بيانات دورية وإنفوغرافات لتفنيد الشائعات»، وفق التقرير. لكن رغم ذلك، تُظهر الأرقام أن الشائعات لا تزال تجد طريقها إلى الجمهور، ما يثير تساؤلاً حول سرعة انتشار الشائعات، التي أشار التقرير إلى «تنوع أساليب ترويجها، مدفوعة بالتطورات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم».

إنفوغراف عن أكثر القطاعات المصرية تعرضاً للشائعات في 2025 (مجلس الوزراء المصري)

وبحسب التقرير فإن «أخطر شائعات 2025» تمثلت في «بيع منطقة وسط البلد لإحدى الدول الخليجية، وكذلك غرق بهو المتحف المصري الكبير نتيجة تسرب كميات كبيرة من مياه الأمطار داخله، فضلاً عن اعتزام الحكومة بيع المطارات المصرية، بالإضافة إلى شائعة اتصال البنوك بالعملاء هاتفياً بدعوى تحديث بيانات حساباتهم».

وكذلك شائعة «منح الممر الملاحي لقناة السويس بنظام حق الانتفاع، وانتشار جنيهات أو سبائك ذهبية مغشوشة بالأسواق لغياب الرقابة، فضلاً عن انتشار فيروس مجهول عالي الخطورة في مصر، وتزايد حالات الوفيات في المدارس، إلى جانب وجود أزمة في الغذاء نتيجة تراجع الحكومة في شراء القمح المحلي، بالإضافة إلى شائعة عودة تخفيف الأحمال وقطع الكهرباء خلال فصل الصيف».

عضو مجلس الشيوخ المصري، ناجي الشهابي، رئيس حزب «الجيل الديمقراطي» قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «تصاعد الشائعات في مصر خلال عام 2025، ينُم عن حالة توتر وقلق مجتمعي ناتجة عن ضغوط اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة، جعلت المواطن أكثر حساسية لأي معلومة تمس أمنه ومستقبله».

وأوضح أن «الشائعات لا تنشأ في الفراغ؛ بل تجد بيئة خصبة حين تتسع الفجوة بين ما يعيشه المواطن على الأرض وما يصل إليه من معلومات، أو حين يتأخر التوضيح الرسمي»، مؤكداً أن «غياب التواصل السريع والشفاف يفتح المجال أمام الأخبار الكاذبة لتملأ الفراغ وتضخم المخاوف».

وأشار رئيس «حزب الجيل» إلى أن «عام 2025 شهد اتساعاً غير عادي في الشائعات، بسبب تزامن إصلاحات اقتصادية قاسية مع تحديات إقليمية وضغوط خارجية تستهدف الدولة المصرية».

ويؤمن الشهابي بأن مواجهة الشائعات «لا تكون بالإجراءات الأمنية وحدها؛ بل باستعادة الثقة عبر المكاشفة، والعدالة الاجتماعية، وسرعة إتاحة المعلومة الصحيحة، وإشراك القوى الوطنية في شرح التحديات بصدق».

ونقل التقرير الحكومي توجيهات رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، للمسؤولين، الشهر الماضي، للتصدي للشائعات؛ منها سرعة إعداد وإصدار القانون الخاص بتنظيم تداول البيانات والمعلومات الرسمية، كما وجه بتفعيل دور المكاتب الإعلامية بالوزارات للتصدي للشائعات، إلى جانب التوجيه بإطلاق المنصة الرقمية للمركز الإعلامي لمجلس الوزراء، للتحقق من صحة الأخبار المنشورة بشكل سريع.

إنفوغراف عن أخطر شائعات واجهتها مصر عام 2025 (مجلس الوزراء المصري)

ويرى الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن «تصاعد الشائعات وتعثر مواجهتها ليس مجرد نتيجة لجهود مغرضة أو حملات تضليل خارجي فقط؛ بل انعكاس مباشر لتراجع الشفافية، ما يخلق بيئة خصبة لتكاثر المعلومات المضللة»، كما لفت إلى «عوامل نفسية واجتماعية تجعل الجمهور أكثر قابلية لتصديق الشائعات».

ويقول صادق لـ«الشرق الأوسط»: «حين تعلن وزارة البترول مثلاً إنها لن ترفع الأسعار، ثم يُفاجأ الناس بزيادات فعلية بعد أيام، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن هي أن الحكومة لا تقول الحقيقة، فهذا التناقض يفتح الباب واسعاً أمام الشائعات»، مشيراً إلى أن «الصمت الرسمي أو التضارب في التصريحات بمثابة دعوة مفتوحة للشائعات، ويسمح بوجود فراغ معلوماتي يعدّ تربة تنمو فيها الشائعات».

هذا «الفراغ» يشير إليه أيضاً المدرّب المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، مؤكداً «ضرورة تصدي الحكومة للشائعات لتفادي تأثيرها على المجتمع بصورة سلبية تضرب قطاعاته الحيوية، وتصحيح ما ورد بحقها بكل وسائل الإيضاح».

ويضيف نادي لـ«الشرق الأوسط»: «مع عدم المقدرة على المواجهة الكاملة، هناك ضرورة تتعلق بصدور قانون إتاحة المعلومات، مع انخراط الدولة في إدارة منظومة تشغيل تتضمن فرق عمل تتولى المسؤولية عن منصة تحققّ موحدة قابلة للبحث، ومُحدثة باستمرار عبر الاستعانة بأشكال تواكب العصر الرقمي؛ من فيديوهات قصيرة، ومشاهير لديهم الثقة والاحترام، وبطاقات أو صور وقوالب مرئية، والرد على الأسئلة الشائعة، وغيرها من الأمور التي تساعد في درء ووأد الشائعات بشكل فوري عبر حسابات الحكومة الرسمية والوزارات، مع وجود متحدثين إعلاميين للرد بشكل سريع ودقيق عما يشغل بال المواطنين».

أما الذكاء الاصطناعي، بحسبه، فيصبح صاحب الفائدة الكبرى، بشرط قدرة الإنسان على هندسته والتحكم فيه ومراجعته بدقة عبر الاستعانة ببرامج معاونة لها القدرة في العمل بوصفها نظام إنذار مبكر قبل أن تظهر الشائعات على رادار «الترندات».


انقسام في الزنتان بعد مطالب بتسليم سيف الإسلام القذافي للعدالة

سيف الإسلام نجل الرئيس الراحل معمر القذافي (أ.ف.ب)
سيف الإسلام نجل الرئيس الراحل معمر القذافي (أ.ف.ب)
TT

انقسام في الزنتان بعد مطالب بتسليم سيف الإسلام القذافي للعدالة

سيف الإسلام نجل الرئيس الراحل معمر القذافي (أ.ف.ب)
سيف الإسلام نجل الرئيس الراحل معمر القذافي (أ.ف.ب)

في تغيّر لافت في موقف قوى محلية بمدينة الزنتان الليبية تجاه سيف الإسلام، نجل الرئيس الراحل معمر القذافي، ترددت مطالب بتسليمه إلى العدالة، بدعوى أن «الجرائم المنسوبة إليه لا تزال قائمة، وغير قابلة للسقوط بالتقادم»، مما أحدث انقساماً داخل المدينة.

وظل سيف الإسلام القذافي مقيماً في الزنتان، الواقعة على بعد 160 كيلومتراً جنوب غربي طرابلس، تحت حراسة مشددة، ولم يظهر للعيان طوال عشرة أعوام إلى حين تقدمه بأوراق ترشحه للانتخابات التي كانت مقررة عام 2021. ويقول مقربون منه إنه يتنقل بين الزنتان وبعض مدن الجنوب الليبي.

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي مستقبلاً الشيخ علي أبو سبيحة قبيل مراسم اعتماد الميثاق الوطني للمصالحة 7 يناير 2026 (المجلس الرئاسي)

وصعّد «مخاتير محلات» بلدية الزنتان للمرة الأولى ضد سيف الإسلام، حيث قالوا في بيان أُمهر بـ17 ختماً وتناولته وسائل إعلام محلية إنه «مطلوب للعدالة»، وطالبوا النائب العام الصديق الصور باتخاذ الإجراءات القانونية العاجلة، وضبط وإحضار جميع المطلوبين على ذمة قضايا جنائية سابقة، وتفعيل مذكرات القبض الصادرة بحقهم. كما طالبوا بمنع الشيخ علي أبو سبيحة رئيس الفريق الممثل لسيف الإسلام في «المصالحة الوطنية»، وكل من يمثل نجل القذافي، من دخول الزنتان.

«ورقة سياسية رابحة»

وأحدث موقف «مخاتير المحلات» حالة من الانقسام في أوساط الزنتان، التي تعدّ سيف الإسلام «ورقة سياسية رابحة».

وقال المحلل السياسي الليبي خالد الحجازي إن موقف مخاتير الزنتان «يمثل تجاوزاً خطيراً لمبادئ الدولة، واعتداءً صريحاً على اختصاص القضاء»، واعتبره «محاولة لإحياء خطاب الإقصاء والتخوين الذي عانت منه البلاد طويلاً».

وأضاف عبر صفحته على «فيسبوك»: «لا يملك أي طرف حق منع الليبيين من دخول مدنهم بسبب آرائهم أو مواقفهم السياسية»، وشدد على أن «التحريض ومنطق المنع وتوسيع دائرة الاتهام دون أحكام قضائية عادلة، لا يقود إلا إلى الفوضى وتعميق الانقسام».

وأبو سبيحة هو رئيس المجلس الأعلى لقبائل ومدن منطقة «فزان» الليبية؛ وترجع أسباب غضبة «مخاتير المحلات» في الزنتان إلى رفضه الوقوف لتحية النشيد الوطني خلال بدء مراسم اعتماد الميثاق الوطني للمصالحة الوطنية، الأسبوع الماضي، التي رعاها المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي.

الشيخ علي أبو سبيحة بين المشاركين خلال مراسم اعتماد الميثاق الوطني للمصالحة في طرابلس 7 يناير 2026 (المجلس الرئاسي)

وأعرب أبو سبيحة عن أسفه لما وصفه بـ«سوء الفهم وعدم إدراك الحقائق» من قبل البعض، مؤكداً أن ردود الفعل التي صاحبت الواقعة كانت مبالغاً فيها. وأوضح في حديث لـ«الشرق الأوسط» ملابسات عدم وقوفه أثناء عزف النشيد الوطني خلال مراسم تسليم ميثاق المصالحة، قائلاً: «هذه ليست المرة الأولى التي لا أقف فيها، فأنا لست مقتنعاً به».

«الثورتان»

كشف أبو سبيحة أن الاجتماع الذي ضم نخبة من السياسيين لم يشهد اعتراضاً على جلوسه سوى من شخصين من مدينة الزنتان، مما أدى إلى مشادة كلامية بينهم.

وتابع موضحاً خلفية الخلاف: «هم ربطوا مسألة وقوفي من عدمها بالاعتراف بـ(ثورة فبراير) ونتائجها، بينما جلوسي يعكس اختلافنا؛ فنحن لا نعترف بـ(فبراير)، وفي المقابل لم نطلب من أحد الاعتراف بـ(ثورة سبتمبر)».

واختتم أبو سبيحة بتأكيد موقفه الذي أعلنه عقب التوقيع على الميثاق، مشدداً على رفضه «فرض أي نشيد أو علم لا يقتنع به»؛ وشارحاً أن «الطرف الآخر قد يكون نقل صورة مغلوطة أو زاد عليها، خاصة مع تطور النقاش لاحقاً ليصل إلى ملف الشهداء».

و«الفاتح من سبتمبر» إشارة إلى «الثورة» التي قادها القذافي عام 1969، فيما «17 فبراير» هي «الثورة» التي أسقطت نظامه سنة 2011.

وعدّت بعض الكيانات في الزنتان، ومنها «مخاتير المحلات»، عدم وقوف أبو سبيحة إهانة لـ«النشيد الوطني» الذي يعد رمزاً لـ«ثورة 17 فبراير 2011»، محذرين المجلس الرئاسي والبعثة الأممية من «أي إجراءات أو حوارات تمس الثوابت الوطنية والاستحقاقات الدستورية المستمدة من الثورة أو تفتح المجال لعودة رموز النظام السابق تحت أي مسمى».

كما حمّلوا المجلس الرئاسي وحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة والبعثة الأممية المسؤولية عن تمكين أو اعتماد كيانات أو أحزاب سياسية تضم رموزاً من النظام السابق.

وسبق لـ«كتيبة أبو بكر الصديق»، وهي إحدى المجموعات المسلحة التي تسيطر على مدينة الزنتان، إطلاق سراح سيف الإسلام القذافي في يونيو (حزيران) عام 2017، طبقاً لقانون العفو العام الصادر عن برلمان شرق ليبيا؛ لكنها أبقته تحت حراستها نحو 10 أعوام، قبل أن يظهر خلال تقديم أوراق ترشحه للانتخابات عام 2021.

إدانات ورفض

والموقف الذي أبداه أبو سبيحة لاقى «إدانة شديدة» أيضاً من مجلس قبائل الزنتان، الذي أعرب عن رفضه للتصرفات الصادرة في اجتماع «المصالحة الوطنية»، وقال إن «رفض الوقوف للنشيد الوطني هو تقليل من تضحيات الشهداء، وطعن في وجدان الليبيين ومساس برموز السيادة».

وفد المصالحة التابع للمرشح الرئاسي سيف الإسلام القذافي خلال التوقيع على ميثاق «المصالحة الوطنية» في أديس أبابا في فبراير 2025 (أبو سبيحة)

ومن دون أن يأتي «مجلس قبائل الزنتان» على ذكر اسم أبو سبيحة، طالب الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية من دون تهاون، مشدداً على ضرورة تحميل القائمين على اللقاء مسؤولية التقاعس وضرورة توضيح موقفهم أمام الرأي العام.

وذهب «مجلس قبائل الزنتان» إلى القول: «من يعيش بيننا أو يحتمي بنا عليه احترام ثوابتنا، وإلا فلا مقام له بيننا»؛ وانتهى إلى أن «الرهان على عودة النظام السابق واهم ولا مكان له؛ وستظل الزنتان دائماً حارسة للوطن، مدافعة عن وحدته وكرامته، ولا مساومة على القضايا الوطنية».

وتعتقد شخصيات سياسية أن موقف «مخاتير المحلات» أو مجلس قبائل الزنتان لا يعبر عن مجمل القوى في المدينة، مشيرين إلى قرب صدور بيان يؤكد التمسك بموقفها من سيف الإسلام.

ودخلت قناة «الزنتان الأحرار» - التي تتبنى الدفاع عن نجل القذافي - على خط الأزمة، وقالت إنه «مواطن ليبي، قضت محكمة ليبية ببراءته، ويتمتع بكامل حقوقه القانونية والدستورية كأي مواطن آخر».

«الجنائية الدولية»

وسبق ووجهت منظمة «هيومن رايتس ووتش» المعنية بحقوق الإنسان انتقادات حادة لقطاع العدالة في ليبيا، مطالبة السلطات بتوقيف سيف الإسلام القذافي وتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وتتهم المحكمة الجنائية سيف الإسلام بارتكاب أعمال «قتل واضطهاد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية» بحق مدنيين، خلال أحداث «ثورة 17 فبراير».

وكان المنفي قد استقبل بمقر المجلس في العاصمة طرابلس، الأحد، وفداً من أعيان وحكماء مدينة الزنتان، حيث تناول اللقاء - بحسب مكتبه - مناقشة عدد من الملفات المهمة المتعلقة بالأوضاع العامة في الزنتان.


سوريون بنوا أوضاعاً مستقرة بمصر مترددون في العودة

محال الأطعمة السورية باتت لها مكانة في السوق المصرية (الشرق الأوسط)
محال الأطعمة السورية باتت لها مكانة في السوق المصرية (الشرق الأوسط)
TT

سوريون بنوا أوضاعاً مستقرة بمصر مترددون في العودة

محال الأطعمة السورية باتت لها مكانة في السوق المصرية (الشرق الأوسط)
محال الأطعمة السورية باتت لها مكانة في السوق المصرية (الشرق الأوسط)

منذ أيام عاد رجل الأعمال السوري الشاب هيثم عثمان (31 عاماً) إلى منزله في مدينة «6 أكتوبر» غرب العاصمة المصرية القاهرة، بعد جولة عمل خارجية تضمنت عدة دول، من بينها وطنه سوريا، والتي زارها منذ سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، عدة مرات، ومع ذلك «لا ينوي أن يودع مصر» التي استقر بها منذ العام 2018، وتزوج وأنجب فيها.

يقول عثمان لـ«الشرق الأوسط»: «رغم محاولة عائلتي إعادة نشاطها الصناعي في سوريا، والذي يتطلب السفر إليها كل فترة، لكنهم قرروا البقاء في مصر، والتي توفر لهم ألفة، وحياة مستقرة بعيدة عن المشاحنات، والتوترات»، خصوصاً مع قدرتهم على تقنين أوضاعهم بالإقامة الاستثمارية، وتتجدد كل 5 سنوات.

نجاح لافت لمشاريع الطعام السوري في مصر (الشرق الأوسط)

وعلى عكس بعض السوريين الذين قرروا العودة إلى سوريا بعد سقوط بشار، فإن آلاف العائلات السورية الأخرى -خاصة أصحاب المشاريع الاستثمارية الكبيرة- ما زالت تتردد في العودة، وفق رجل الأعمال السوري المقيم في مصر، أنس محمد ربيع.

يقول ربيع الذي يعمل في مجال الصناعات الغذائية لـ«الشرق الأوسط»: «ليس من السهل الاستغناء عن النجاح الذي حققه المستثمرون السوريون في مصر، والعودة إلى بلدهم».

وجاء ربيع إلى مصر مع أسرته عام 2015، وافتتح مشروعاً غذائياً لتصنيع الشوكولاته، ومع الوقت توسع مشروعه واكتسب شركاء مصريين وسوريين آخرين، ووصل حالياً لـ3 مصانع في منطقتي «بدر» و«العاشر من رمضان». يقول إن «غالبية رجال الأعمال السوريين باقون في مصر، بعدما وفرت لهم بيئة خصبة للاستثمار، فحتى لو رغبوا في افتتاح مشاريع بسوريا لن يستغنوا عن نجاحهم واستقرارهم هنا».

وقدر رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر، أحمد الوكيل، أعداد السوريين المقيمين في مصر بنحو 1.5 مليون سوري، ممن يعملون ويستثمرون في مختلف القطاعات الاقتصادية، لافتاً إلى أن أكثر من 15 ألف شركة سورية مسجلة لدى اتخاد الغرف التجارية باستثمارات تقترب من مليار دولار، وفق تصريحاته خلال الملتقى الاقتصادي السوري-المصري، الذي استضافته دمشق الأحد.

لاجئون سوريون في مصر (مفوضية اللاجئين)

ويرى رئيس تجمع رجال الأعمال السوري بمصر ورئيس لجنة المستثمرين السوريين في الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، المهندس خلدون الموقع، أن «التحرير في سوريا خلق حالة من الأمل لدى مجتمع الأعمال السوري بمصر بإمكانية حدوث تغيير في النهج، والأداء، والسياسة الاقتصادية في سوريا، بما يتيح لهم فرصة جديدة للمساهمة في العمل الاقتصادي السوري، وفي عملية إعادة الإعمار والبناء، وفي نفس الوقت أعطى ارتياحاً على مستوى الأمن الشخصي لهم ولعائلاتهم في حالة أي زيارة، أو عودة».

وأضاف الموقع لـ«الشرق الأوسط»: «رجال الأعمال السوريون الذين أسسوا ونجحوا في مصر لم يفكروا ولن يفكروا في إغلاق استثماراتهم بمصر، وإنما في إمكانية فتح استثمارات جديدة بسوريا، أو إعادة تدوير ما هو قائم من مصانع هناك، فرأس المال يستقر ويستمر في المكان الذي يجد فيه الفائدة والأمان»، معتبراً أن «قبول الدولة المصرية والشعب للسوريين كمستثمرين ومجتمع أجنبي يعيش بينهم أهم عوامل القناعة في استمرار الاستثمارات والمستثمرين والوجود السوري بمصر».

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل وفد غرفة القاهرة التجارية في دمشق 11 يناير 2026 (غرفة القاهرة التجارية)

وأثنى الرئيس السوري أحمد الشرع على استضافة المصريين للسوريين خلال السنوات الماضية، قائلاً خلال استقباله وفد رجال الأعمال المصري ضمن أعمال ملتقى دمشق: «أشكر الشعب المصري على استقباله الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب، أنتم مشهود لكم بالكرم والأخوة»، مشيراً إلى أن «مصر كانت من أكثر الأماكن التي شعر فيها السوريون بالراحة».

وعلى مدار الأعوام الماضية، اختبر السوري هيثم عثمان -هو وعائلته الكبيرة المكونة من أشقائه وأبناء عمومته، ممن استقروا في مصر- هذه الحفاوة، حتى بات قرار مغادرة مصر «ليس وارداً لديهم الآن، في ظل استقرار عائلي، وتوسع استثماري».

يعمل عثمان وعائلته في قطاع الكيماويات، وتحديداً في المنظفات، ولديهم مصنعان في مدينة «6 أكتوبر»، وسيفتتحون الثالث قريباً. وكانت مصر خيارهم الأول حين تدمرت أعمالهم بسوريا، نظراً لوجود صلات تجارية قديمة لأسرته مع رجال أعمال مصريين منذ الثمانينات، ومع الوقت تأكدت العائلة من صواب اختيارها مع «الأخوة وحسن معاملة المصريين لهم والعيش بأمان دون تهديد».

الحفاوة نفسها والشعور بـ«الألفة» في القاهرة ضمن الدوافع الرئيسة التي تشجع رجل الأعمال السوري أنس ربيع على الاستقرار هنا، قائلاً: «رغم ارتفاع تكلفة الإقامة، والتي تصل لنحو 130 ألف جنيه مصري (الدولار نحو 48 جنيهاً) له ولأسرته التي تضم 3 أبناء، فأنا أستطيع تحملها، عكس أصحاب المشاريع الصغيرة ممن فضلوا العودة ونقل تجارتهم لسوريا».

أطفال سوريون في مصر (مفوضية اللاجئين)

وإلى جانب مجال الأغذية والكيماويات بشقيها في المنظفات والعطور التي برع السوريون وثبتوا استثماراتهم فيها بمصر، يوجد مجال المنسوجات على أنه واحد من أكثر المجالات ارتباطاً بالسوريين في مصر. ويشهد مجال المنسوجات السورية انتشاراً كبيراً في كافة المولات والأسواق الكبيرة بمصر تقريباً.

ولم تلاحظ المصرية بسمة إبراهيم (30 عاماً)، التي تقيم في منطقة الحسين السياحية بوسط القاهرة، تراجعاً في مشاريع السوريين بمنطقتها خلال العام الماضي، سواء التي تتعلق بالطعام أو العطور أو المنسوجات، وجميعها موجودة في محيطها. تقول لـ«الشرق الأوسط»: إن «حسن تجارتهم وألسنتهم تجعلهم وجهة مفضلة لكثير من المصريين، ما تجعل تجارتهم تنمو ووجودهم يستمر».

وبخلاف الإقامة الاستثمارية التي تتيح لكبار رجال الأعمال السوريين البقاء في مصر بشكل قانوني، يعتمد آخرون على الكارت الأصفر الذي تمنحه مفوضية اللاجئين أو أنواع أخرى من الإقامات للدراسة أو السياحة، ويفتحون مشاريع صغيرة ومتوسطة في مصر، ويرغبون في الاستقرار بها، غير أن جزءاً منهم «مهدد بترحيله» كما يقول ربيع.