بندول بنعبدالعالي!

بين قطبي الفلسفةِ العربيةِ الإسلامية القديمة والفلسفة الأوروبية المعاصرة

عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو
TT

بندول بنعبدالعالي!

عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو

بنعبدالعالي يقومُ بتفكيكِ المفاهيمِ الفلسفيةِ والنفاذِ إلى لُبِّها، من دون أن يدّعيَ أنَّه فيلسوفٌ، فهو ليس لديه ثقافةٌ كلاسيكيةٌ حسب قوله يقول الناقدُ المغربيُّ عبد الفتّاح كيليطو في أحد استجواباتهِ الصحافية إنه لم يرَ نفسَهُ جديراً بالخوضِ في الأدبِ الفرنسي. وهكذا حين ناقشَ، في إطارِ شهادةِ الدراساتِ العليا، رسالتَهُ عن رواياتِ فرنسوا مورياك، سنحتْ لهُ فرصةٌ ثمينةٌ لنشرِها، لكنه رفضَ لأنها بدتْ لهُ ضعيفةً جدّاً مقارنةً بكتبِ النقدِ التي كان قد اطّلعَ عليها في ذلك الوقت (رولان بارت، شارل مورون...). بعد مدةٍ من الترددِ قامَ بتسجيلِ «المقامات» موضوعاً للدكتوراه.

بنعبدالعالي

ومن المعلومِ أن مقاماتِ الهمذانيِّ والحريريِّ تُعدُّ من نماذجِ النثرِ الفنّي، الذي اشتغلَ عليهِ «الدكاترة» زكي مبارك في منتصفِ الثلاثينات من القرن المنصرم، في أطروحتهِ «النثرِ الفني في القرنِ الرابع الهجري» في جامعةِ السوربون تحتَ إشرافِ المسيو ميرسيه. وقد اختلفَ تلميذُهُ الحادُّ الطبعِ والنبرةِ مع أستاذهِ المتمركزِ أوروبياً حولَ نشأةِ النثرِ عند العربِ، دونَ أن ينصاعَ لأمرهِ الأكاديميِّ بحذفِ ما كتبَهُ مبارك حولَ هذه النشأةِ، رغمَ نصيحةِ بعضِ الأساتذةِ الفرنسيين المستشرقين، وفي طليعتهم ماسينيون. ومع ذلك فقد رضخَ الأستاذُ لرغبةِ الطالبِ الحادة!.. لقد أخبرَهُ ماسينيون بعدَ الانتهاءِ من حصولهِ على الدكتوراه بأن «ميرسيه لا يحبُّك لكنه لا ينساك».

وقد ترجمَ الدكتور مبارك أطروحتهُ بنفسهِ إلى اللغةِ العربية. مبارك لم يكن بعيداً عن قضيةِ الفلسفةِ في أطروحتَيه الأخريين «الأخلاق عند الغزالي» و«التصوف الإسلامي».

طه حسين

يبدو أن كيليطو عاشقٌ للسانينِ، كما يكتبُ عنهُ صديقهُ عبد السلام بنعبدالعالي في كتابهِ الأخير بعدَ كتابهِ الأولِ «الأدب والميتافيزيقيا» باللغتين العربيةِ والفرنسيةِ، وكأنه بمخاطبتهِ العربَ والفرنسيينَ أسواريٌّ جديد! نعم، يبدو كيليطو هو الآخرُ يحاولُ التخلّصَ من تأثيرِ المركزيةِ الأوروبيةِ، وقد اشتغلَ - خصوصاً في أحدِ مؤلفاتِه الأولى (الكتابةُ والتناسخ) الذي ترجمَهُ بنعبدالعالي من الفرنسيةِ إلى العربيةِ - على إعادةِ قراءةٍ نقديةٍ مبدعةٍ لنصوصٍ تراثيةٍ، مستلهماً رولان بارت في أطروحتِه عن «موت المؤلف»، حيثُ ركّزَ فيها كيليطو على الجاحظِ، الذي قدّمَ في أدبِهِ الموسوعيِّ شارل بيلا كتاباً رائعاً، بدّدَ سأمَهُ من دراسةِ الأدبِ العربي. وهذا ما فتحَ عينَ كيليطو على براعةِ الجاحظِ، ومنها ما ذكره الجاحظُ في كتابِهِ «البيانِ والتبيين» عن موسى سيار الأسواري الذي «كان من أعاجيبِ الدنيا، كانت فصاحتُهُ بالفارسيةِ في وزنِ فصاحتِهِ بالعربية، وكان يجلسُ في مجلسِهِ المشهورِ به، فتقعدُ العربُ عن يمينِهِ، والفرسُ عن يسارِهِ، فيقرأُ الآيةَ من كتابِ الله، ويفسّرُها للعربِ بالعربيةِ، ثم (يحوّل) وجههُ إلى الفرسِ، فيفسّرُها لهم بالفارسية. فلا يدري بأي لسانٍ هو أفصح».

محمد عابد الجابري

لكن هل هذا هو شأنُ عبد الفتّاح كيليطو وهو يُطلُّ على القراء العرب - بعدما تَكَوَّن في تعليمه المزدوج - متعوداً ألا يقرأَ إلا النصوصَ التي كُتِبَت بالفرنسية أو بالفصحى - قارئاً ومدوّناً - مستمتعاً بلذةٍ «بارتيةٍ» في قراءةِ النصوص الأدبية؟ هذا اللسانُ المفلوقُ - كما يُعبر كيليطو - هو بصورةٍ أخرى ما أصبح عليه دارسُ الفلسفةِ العربيةِ الإسلاميةِ القديمةِ والفرنسيةِ المعاصرة. صديقُهُ د. عبدُ السلامِ بنعبدالعالي أستاذُ الفلسفةِ بجامعةِ الملكِ محمد الخامس، متتلمذاً على يدي محمد عزيز الحبابي ومحمد عابد الجابري. ما زلتُ أتذكر لقائي ببنعبدالعالي في صيفِ الرباطِ سنة 1993 - بعد يومينِ من وفاةِ الحبابي - حيث عرفني على زميليهِ الراحلينِ سالم يفوت ومحمد وقيدي، وكذلك من أصبحَ يكتبُ معه «بيدينِ» محمد سبيلا، وقد أصبحَ بنعبدالعالي اليومَ ملءَ السمعِ والبصر، اسماً لامعاً وألمعياً في فضاءِ التأليفِ الفلسفيِّ وترجمتِه. محاولاً النزولَ بالفلسفةِ من عليائها المطلقِ وتجريداتِها الذهنيةِ، إلى أرضِ الواقعِ المغربيِّ والعربيِّ الملتبس - لا أريدُ هنا مشابهتَهُ بأستاذِ الفلسفةِ المصريِّ مراد وهبة، في أطروحتهِ ومؤتمرِه عن الفلسفةِ ورجلِ الشارعِ في القاهرةِ سنةَ 1983... خشيةَ إعادةِ سجالِ المشرقِ والمغربِ جذعة! بعد أطروحةِ أستاذهِ الجابري، في برهانيةِ المغربِ الرشديةِ وعرفانيةِ المشرقِ السينية، التي جاءت إليهِ عبرَ ابنِ عربي الأندلسيِّ من المغرب! حيث لا يزالُ من تلامذةِ الجابري من يذهبُ إلى أن حفريةَ المعنى مخصوصةٌ بمتفلسفي المغربِ، والتاريخُ للأفكارِ في شكلِ العلاقةِ بين العربيِّ والفلسفةِ محدودٌ بمتفلسفي المشرق!

على أيِّ حالٍ فإن د. بنعبدالعالي يقومُ بتفكيكِ المفاهيمِ الفلسفيةِ والنفاذِ إلى لُبِّها، دون أن يدّعيَ أنَّه فيلسوفٌ، فهو ليس لديه ثقافةٌ كلاسيكيةٌ - حسب قوله - فلم يسبق له - غالباً - أن تبنَّى أيَّ أطروحةٍ، ما دامَ لا يشعرُ بامتلاكِه القدرةَ على صياغةِ عملٍ مرتبٍ (أكاديمياً)، وإنما هو يستلهمُ المفاهيمَ سواءً من دولوز أو غيرِه من فلاسفةِ فرنسا وألمانيا. فالمفهومُ الفلسفيُّ بالنسبةِ إليهِ آليةٌ لإعمالِ الفكرِ في اللامفكَّر فيه، متفاعلاً مع متغيراتِ الحياةِ وفوائضِ المعرفة - في جملةٍ من كتبِه (المقالية) العديدة ذات الصفحاتِ القليلةِ المكثفةِ الرشيقة - تأليفاً وترجمةً - نائياً بكتاباتهِ المثيرةِ للأسئلةِ عن مطولاتِ باحثي الفلسفةِ ومنظريها المشارقةِ والمغاربة. بل إنَّهُ يثورُ على نَسَقهِ الجينيالوجيِّ من آبائهِ (الحبابي والعروي والجابري)، وإن كان يبدو أقربَ إلى مؤلفِ «النقد المزدوج» و«الاسم العربي الجريح» تلميذِ رولان بارت عبدِ الكبيرِ الخطيبي بـ«ذاكرتهِ الموشومة»، مستخلصاً - بنعبدالعالي بجرحهِ وتعديلِه - من تجربةِ الخطيبي في النقدِ الأدبيِّ المتفلسفِ والكتابةِ الاجتماعيةِ والتاريخيةِ، ما جعلهُ يتماهى معه ويختلفُ معهُ في آن.

محمد رضا نصر الله

وإذ يشتغلُ بنعبدالعالي بعالمِ الفلسفةِ وكونيةِ الأدبِ والترجمةِ بتاريخِها المثقلِ بترجمةِ النصوصِ متعدّدةِ اللغاتِ، يقوم بمحو فعل الترجمة، نصّاً لا تشتم فيه رائحة اللغة الأخرى، بوصف الترجمة عملاً تراكمياً منعشاً... أو كما يُعبرُ كيليطو في مقدمتهِ المنبهرةِ بكتابِ صديقهِ «انتعاشةِ اللغة»، فلأنَّ تاريخَ الفلسفةِ هو في العمقِ تاريخُ الترجمة، كما هو ابنُ رشدٍ في ترجمتِه أرسطو، معتمداً على ما قامَ بهِ السريانُ العربُ المسيحيونَ من قبل، في ترجمةِ كتبِ أرسطو، خاصةً كتابيهِ «فن الشعر» و«فن الخطابة»، بوصفِهِما كتابينِ في المنطق. إذ عكف السريانُ على نقلِها لاستخدامها في مجادلاتِهم الدينية، التي «انتعشت» على أفكارهما، فقامَ تراجمتُهم وفي طليعتهم متى بن يونس، بترجمةِ كتاب «فن الشعر» لأرسطوطاليس، الذي شكّكَ أبو سعيد السيرافي في مناظرتهما أمام الخليفةِ المقتدر، بأنَّ متى لا يُحسنُ الترجمةَ من اليونانيةِ، رغم وجودِ رواياتٍ عن ترنُّمِ متى (منتعشاً) بأشعارِ هوميروس بأصلها اليوناني. وبسببِ تسلُّلِ المنطقِ الأرسطيِّ إلى بغدادَ العباسيةِ في ذروةِ انفتاحِها الفكري، وجدنا أبا نصر الفارابي - لبنعبدالعالي أطروحةٌ لافتةٌ في فلسفتهِ السياسيةِ المدنية - يهتمُّ بالفكرِ اليونانيِّ ويؤلفُ عن «فلسفةِ أرسطوطاليس» و«الجمعِ بين الحكيمين» أي أفلاطونَ وأرسطو، وهما كتابانِ عُني بهما أستاذُ كرسي الدراساتِ العربيةِ بجامعةِ هارفارد العراقي د. محسن مهدي، الذي ألّف كتاباً عنه: «الفارابي وتأسيس الفلسفة الإسلامية السياسية».

هذا... وقد نفختِ الترجمةُ الحياةَ في نصوصِ الأغارقةِ، لتسري إلى الغربِ الأوروبي القروسطي، ممزقةً الظلامَ الكنسيَّ بنورِها المتثاقفِ المنعش، عبر الرشديةِ اللاتينيةِ حسبَ وصفِ إرنست رينان في كتابه الشهير «ابن رشد والرشدية». يقول بنعبدالعالي في كتابه «انتعاش اللغة» (لا تعني كونيةُ الآدابِ تطابقاً يذيبُ الآدابَ المحليةَ في وحدةٍ ميتافيزيقية، وإنما وعي الذاتِ بأن الآخر مكوّنٌ من مكوّناتها، فعندما «تذبل» الآدابُ القوميةُ «تنتعش» وترى الحياةَ من جديدٍ عن طريق الآخر).

نعم.. وهاك شعراء التفعيلة - مثلاً ساطعاً - فمنذ ترجمَ علي أحمد باكثير «روميو وجولييت» سنة 1936 من الإنجليزية إلى العربيةِ على وزنِ وحدة التفعيلة، خارقاً بمغامرتِه الجريئةِ جدارَ الوزنِ الخليليِّ التاريخي الصلب. ووجدنا الشعرَ العربيَّ المعاصرَ ينتعشُ على آثارِ تداعياتِ الحربِ العالمية الثانية، مع بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة متثاقفين - مباشرةً أو مترجمين - مع نصوصِ شكسبير وت. س. إليوت وأديث ستويل وغيرهم، مشكلين بإبداعهم الشعري نقيضاً موضوعياً لجثوم الاستعمارِ الأوروبيِّ المثلثِ بلغاتِه وآدابه، على مشرقِ العالمِ العربي ومغربِه. وكان اللبنانيُّ أمينُ الريحاني قد ألقى إلينا قبلهما من مهجرهِ الأمريكي - مبدعاً ومترجماً - بقعةَ ضوءٍ غيرَ معهودةٍ بقصيدة النثر، متأثراً بخطى الشاعرِ الأميركي والت ويتمان.

أما السيّاب فقد ألهبَ ذائقةَ المستعربِ الفرنسي جاك بيرك، وهو يُلقي قصيدة «أنشودة المطر» بلسانهِ الفرنسي على أبناءِ قريته، فوجدهم يبكون - كما أخبرني في لقاءٍ متلفز - وكأنَّه «جعلَ الغريبَ ضيفاً على دارهم»، كما يعبر بنعبدالعالي في كتابهِ، حيث تفاعلَ فلاحو القرية الفرنسية بعدما «أنعشتهم» ترجمةُ القصيدة، وكأنهم وجدوا في أجواءِ قصيدةِ السيّابِ قريتهِ جيكور ونخيلها وأشجارها ونهيرها الصغير... وجدوا فيها قريتهم مؤتلفين إنسانياً مع فلاحي جيكور، رغم بُعد المسافةِ بين ضفتي لغتهم.

إذن فالترجمةُ كما يقول بنعبدالعالي عبورٌ وحركةُ انتقالٍ عبر جسرٍ يأتي بالضفتينِ إليهما، متوسلاً بتعبير هايدغر الألماني «أن التعددية ليست تساكناً بين عدةِ أشكال، حيث لا ترمي الترجمةُ إلى توحيدِ اللغاتِ وإلغاء الاختلافِ بينها، وإنما إلى بعثِ الغرابة»، وهو ما يُمثِّله بنعبدالعالي عن ترجمةِ الشاعرِ والمترجم البريطاني إدوارد فيتزجيرالد لرباعيات الخيام، حيث أعطى عمر الخيام مكاناً خالداً بين الشعراء العظام في فضاءِ الإنجليزية الثقافي. وكذلك فإن الشاعر الغنائي المصري أحمد رامي - هو الآخر - أعطى رباعيات الخيام عبر صوتِ أم كلثوم، بإعادةِ كتابتها مكاناً مؤثراً في الذوق العربي العام، بترجمتها من الفارسيةِ مباشرةً، وقد تعلَّمها في معهد اللغات الشرقية بباريس سنة 1924، سابقاً بها ترجمةَ أحمد الصافي النجفي العراقي، وإبراهيم العريض البحراني الأدق من الفارسيةِ مباشرةً، لتصبحَ هذه الترجمات لغةً ثالثةً، ذات طاقةٍ تأويليةٍ هائلةٍ في النص الخيامي المترجم.

غير أن السؤالَ المنتصب - هنا - يدورُ حول ترجمةِ النصوص عبر لغةٍ وسيطة، حيث قامَ سامي الدروبي - مثلًا - بترجمةِ رواياتِ تولستوي وديستويفسكي الروسية من الفرنسيةِ إلى العربية، ليكتشفَ المترجمُ المغربي إدريس الملياني الضليع في اللغةِ الروسية أخطاءً جسيمةً وقعت فيها ترجمات الدروبي.

أما حينما يستشهدُ بنعبدالعالي ببروست القائل «إن المؤلفات الرائعة تبدو وكأنها كُتبت بلغةٍ أجنبية»، فإنَّه يجعلني أتذكرُ على الفور مقولةَ عبد الفتّاح كيليطو (الكافكوية) في كتابه «أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية»، مخاطباً القارئ العربي «أن تمرَّ عبر البعيد لتعرفَ القريب وتعترفَ به»، مستشهداً بما كتبه د. عبد الله العروي في كتابه «خواطر الصباح» حول كتابةِ أطروحتهِ المبكرةِ عن «الآيديولوجية العربية المعاصرة» التي لقيت اهتماماً عربياً، بسبب كتابتها بالفرنسية قبل ترجمتها إلى العربية.

لكن أليسَ ذلك يُشكل عقدة نقصٍ ثقافية؟

يُجيب كيليطو في نفس مورد كلامهِ أنها «لعنةٌ تثقل كاهلَ العربِ منذ أكثر من قرن».المعروف أن جهاتٍ فرنسيةً رسمية أصبحت تتبنى نشرَ بعض النصوصِ الروائية (المغاربية) المكتوبةِ باللغةِ الفرنسية، باعتبارها إبداعاً «فرانكفونياً»، خصوصاً حين يجدون في معالجاتها ما يدعم الصورةَ النمطية المقلوبة عن المجتمعاتِ العربية المرسومة (استشرافياً) في مخيلاتهم الأوروبية.

الكاتبةُ والمخرجةُ الجزائرية آسيا جبار التي قابلتها في فندق الوحدة بالجزائر صيفَ سنة 1978، واجهتْ هذه الصورةَ الاستخذائيةَ الذليلة، وقد جاءتني تحمل أحد مؤلفاتها المسرحية «عند احمرار الفجر» عن الثورةِ الجزائرية مترجماً من الفرنسية إلى العربية، فقد عجز - وقتذاك - لسانُها عن الحديث بالعربية، رغم استشهادها في مسرحيتها بأبياتٍ من الشعر العربي القديم، فما كان منها إلا أن ترقرقت دمعةٌ متحسرةٌ في مآقي عيونها، وهي تغادرني معتذرةً عن إجراء لقاء تلفزيوني إلى دارها.

هل لهذا اندلعت الخصومةُ القديمةُ الشهيرة بين طه حسين وزكي مبارك المتخرجينِ في فرنسا، وقد أخذ مبارك على طه حسين أنه خضع لأستاذه كازانوفا، بينما أصرَّ هو على الاختلاف مع أستاذه مرسيه، وهما يناقشان أطروحتيهما، مراهنين على ما نجح فيه بعدهما عبد الفتّاح كيليطو بمهارة، وهو يسعى في كتاباته النقدية الآسرة المبهرة «ألا يكتبَ كالأوروبيين وأن يختلفَ في الآن نفسه عن الكتاب العرب».

فيا ترى، هل هو نفسُ الرهانِ الصعب الذي يُحاوله بنعبدالعالي، وبندول أطاريحه يتراوحُ منذ عقودٍ، بين قطبي الفلسفةِ العربيةِ الإسلامية القديمة والفلسفة الأوروبية المعاصرة - مؤلفاً ومترجماً، محاولاً خلخلة الثقافة النمطية والمفاهيم السائدة؟



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.