الإرهاب يسلط الضوء على انقسامات بلجيكا اللغوية والسياسية

عمدة مولنبيك تسلمت أسماء 80 متطرفًا محتملاً قبل اعتداءات باريس

استمرار الاستنفار الأمني في العاصمة البلجيكية بروكسل رغم إعادة فتح المدارس والمتاجر وقطارات الأنفاق أمس («الشرق الأوسط»)
استمرار الاستنفار الأمني في العاصمة البلجيكية بروكسل رغم إعادة فتح المدارس والمتاجر وقطارات الأنفاق أمس («الشرق الأوسط»)
TT

الإرهاب يسلط الضوء على انقسامات بلجيكا اللغوية والسياسية

استمرار الاستنفار الأمني في العاصمة البلجيكية بروكسل رغم إعادة فتح المدارس والمتاجر وقطارات الأنفاق أمس («الشرق الأوسط»)
استمرار الاستنفار الأمني في العاصمة البلجيكية بروكسل رغم إعادة فتح المدارس والمتاجر وقطارات الأنفاق أمس («الشرق الأوسط»)

قبل شهر من وقوع هجمات باريس الإرهابية، تسلمت فرنسواز شيبمانز، عمدة مولنبيك أحد أحياء العاصمة البلجيكية بروكسل المعروف منذ فترة طويلة بأنه ملاذ المتطرفين، قائمة بأسماء وعناوين أكثر من 80 شخصًا مشتبهًا في أنهم متشددون إسلاميون يعيشون في منطقتها.
وتضمنت القائمة، بناء على معلومات جهاز الأمن البلجيكي، أسماء شقيقين شاركا في هجمات باريس، بالإضافة إلى رجل مشتبه في أنه العقل المدبر للمؤامرة الإرهابية، عبد الحميد أباعود، وهو من سكان مولنبيك، كان قد غادر إلى سوريا للقتال إلى جانب تنظيم داعش في أوائل عام 2014.
وقالت شيبمانز، خلال مقابلة أُجريت معها أخيرًا: «ماذا كان يفترض علي فعله بتلك القائمة؟ فوظيفتي ليست تعقب الإرهابيين المحتملين». وأضافت: «هذه مسؤولية الشرطة الاتحادية».
من جانبه، أرسل جهاز الشرطة الاتحادية تقارير إلى وزير الداخلية البلجيكي، جان جامبون، وهو قومي فلمنكي لديه شكوك حول إذا ما كان ينبغي على بلجيكا، المنقسمة بين المتحدثين الفرنسيين والهولنديين والألمان، البقاء كدولة واحدة.
وظلت بروكسل مغلقة لأربعة أيام لمواجهة ما تصفه السلطات بالتهديد الإرهابي الوشيك. ويسلط إخفاق السلطات في توقيف شقيقين مصنفين بأنهما إرهابيان قبل ارتكاب مجزرة باريس الضوء على الانقسامات «القبلية» في تلك الدولة التي عملت دون حكومة فاعلة لمدة 541 يومًا.
واغتنم القوميون الفلمنكيون التواقون لإظهار أن بلجيكا غير فعالة في شكلها الحالي، الفرصة لانتقاد منافسيهم. وكتب كارل فانلووي، عضو مجلس الشيوخ البلجيكي، مقالا في صحيفة «لو سوار»، يوم الثلاثاء، يقول إن «20 عاما من التراخي» من جانب الحزب الاشتراكي المتحدث باللغة الفرنسية حوّل بروكسل إلى «قاعدة خلفية للبربرية الإسلامية».
ومن المعتاد أن الخلل المزمن في تلك الدولة الصغيرة، البالغ تعداد سكانها 11.2 مليون نسمة فقط، لن يتجاوز حدودها، لكن ساستها يوجهون اللوم الآن لبعضهم البعض في تحويل بلجيكا إلى ملاذ للنشاط الإرهابي الذي يهدد حياة الآخرين والتكامل المتعثر في القارة الأوروبية.
وانتخبت بلجيكا الآن حكومة، على عكس فترة الجمود الطويلة التي أعقبت الانتخابات غير الحاسمة في عام 2010. لكن ومع إصابة عاصمتها بالشلل، وتوجيه النخبة السياسية أصابع الاتهام إلى بعضهم البعض بشأن من سمح للمتطرفين بالتفشي دون رادع، تجري السخرية من البلاد مجددا بأنها الدولة الفاشلة الأكثر ازدهارا في العالم.
وأطلقت صحيفة إيطالية على بلجيكا اسم «بلجيستان»، فيما وصفتها صحيفة ألمانية بأنها غير فعالة. وذكر الكاتب الفرنسي، إريك زيمور، في مقابلة إذاعية أجريت معه أخيرا، أنه بدلا من قصف الرقة، وهو معقل تنظيم داعش سوريا «ينبغي على فرنسا قصف مولنبيك».
ولم تُثِر الانتقادات حفيظة البلجيكيين المعتادين على السخرية، لا سيما من الفرنسيين، رغم أن فرنسيس فان دي ووستين، رئيس تحرير صحيفة «لا ليبر»، اشتكى، أول من أمس (الثلاثاء) من أن «الهبوط بالمستوى الفرنسي ليس له حدود». ويتساءل البلجيكيون أيضًا عن الخلل الذي حدث في مولنبيك، وفي النظام ككل.
ومع اندماج ثلاث مجموعات سكانية مع بعضها بصعوبة، أصبح لدى بلجيكا عدد هائل من المؤسسات والأحزاب السياسية المنقسمة على أسس لغوية أو آيديولوجية أو ببساطة انتهازية، وهو ما يتسبب في عجز الدولة على ما يبدو عن معالجة التهديد الإرهابي.
وكان من الصعب العثور على الشقيقين في مولنبيك قبل مساعدتهما في مقتل 130 شخصا في هجمات باريس. فكانا يعيشان بالقرب من مبنى بلدية مولنبيك، في شقة سكنية يمكن رؤيتها من شرفة الطابق الثاني بمبنى البلدية. وعمل شقيقهما الثالث في إدارة الحي مع العمدة شيبمانز.
وكان من الصعب التفاوض على مسارات تربط، وتقسم، الكثير من الهيئات المسؤولة عن الأمن في بروكسل، وهي عاصمة لديها ست قوات شرطة محلية وجهاز شرطة اتحادية. ولدى بروكسل ثلاثة برلمانات، و19 مجلس بلدية، ومقرات لجهازي مخابرات، أحدها عسكري والثاني مدني، بالإضافة إلى وحدة تقييم التهديد الإرهابي، التي استقال رئيسها، الذي سئم من المعارك الداخلية على النفوذ، في يوليو (تموز)، لكنه ما زال في منصبه.
وفقد وسط هذه المتاهة الشقيقان إبراهيم عبد السلام، الذي فجر حزاما ناسفا في باريس، وصلاح عبد السلام، وهو الهدف من حملة مطاردة واسعة تسبب في إرباك الشرطة أثناء مداهمة المنازل في جميع أنحاء البلاد، دون نتائج حتى الآن.
وبسبب تزايد حدة الانتقاد للنظام، يعتبر حجم الإجراءات الأمنية نفسها، التي شملت التحذير الأمني الذي تسبب في إغلاق المدارس، وكثير من المحلات التجارية، ومترو الأنفاق في بروكسل، انعكاسا لتناسق عشوائي أكثر من إشارته إلى سلطة مركزة واستخبارات عملية.
ومن بين الـ16 شخصا المعتقلين في الحملة الضخمة مساء يوم الأحد، جرى إطلاق سراح 15 منهم. ولم تعثر السلطات على متفجرات أو أسلحة، وهو ما يمثل ضربة للجهود الرامية إلى تجنب ما تؤكد الحكومة الاتحادية أنه تهديد «خطير ووشيك» على غرار الهجمات الإرهابية في باريس.
ولا يحدث تبادل المعلومات بسهولة في دولة لا يمكن للمنافسين الشرسين التحدث مع بعضهم البعض في بعض الحالات، على الأقل بسبب عدم تحدثهم اللغة نفسها. وعلاوة على ذلك، قال سوس فان إلزين، كاتب فلمنكي، ومحرر سابق بمجلة سياسية: «في جيناتنا، نرفض كل سلطة مركزية. وعلى كل جوانب الانقسام اللغوي، هناك عدم ثقة في الغرباء».
وأضاف إلزين أن تاريخ بلجيكا يعد «قصة غير سعيدة» من التراجع المستمر أمام قوات التدخل، لا سيما الإسبانية والفرنسية والألمانية، التي سعت إلى فرض نظام مركزي.
وتشكلت بلجيكا من جزء مما كان معروفًا باسم البلدان المنخفضة، التي خاض دوقات بورغوندي وأباطرة هابسبورغ وحكام فرنسا نزاعات عليها لمدة قرون. وأصبحت اللغتان الرئيسيتان الهولندية والفرنسية السائدتين في السلطة. وعقب هزيمة نابليون في عام 1815، جعل مؤتمر فيينا بلجيكا الكاثوليكية الرومانية الكبيرة جزءا من هولندا، تحت حكم الملك البروتستانتي. وقاد الاتحاد اضطرابات، وفي نهاية المطاف أشعل التمرد. وفي عام 1813، أنشأ تجمع آخر من القوى الأوروبية العظمى مملكة بلجيكا. واليوم، يبدو أن النظام المركزي هو المشكلة، إلا عندما يتعلق الأمر بتعقب الإرهابيين. وحتى إذا تحدث جميع خبراء الاستخبارات اللغتين الرئيسيتين، فجميعهم لا يزالون منقسمين إلى إقطاعيين متناحرين.
وقد لا تمنع الانقسامات اللغوية خبراء الاستخبارات من التواصل، لكنها تشكل البيئة السياسية التي يعمل فيها الخبراء، ويقررون من خلالها من يملأ المناصب الوزارية التي تحدد أولوياتها. وقد أثار جامبون، وزير الداخلية القومي الفلمنكي، غضب كثيرين من متحدثي اللغة الفرنسية البلجيكيين، بسبب ما يعتبرونه تلميحًا إلى أن اللوم يقع عليهم وحدهم في تصاعد التشدد الإسلامي في بلجيكا. وذكر جامبون، بعد يومين من حدوث هجمات باريس: «تجبرنا العلاقات التي تأسست من جديد بين الإرهاب وقواتنا على النظر في المرآة». وتابع: «السؤال الذي أطرحه على نفسي الآن: لماذا نجحنا في القضاء على التطرف في أنتويرب والمدن الفلمنكية الأخرى، ولا ننجح في العمل في بروكسل؟»، في مقارنة واضحة بين منطقته فلاندرز التي تتحدث اللغة الهولندية، مع العاصمة بروكسل التي يتحدث معظمها اللغة الفرنسية.
من جهة أخرى، تعاني أجهزة الاستخبارات البلجيكية أيضًا من الحسابات السياسية والقيود في البلاد. وقال هوبرت فان هومبيك، معلق سياسي بلجيكي: «رغم السخرية في كثير من الأحيان من الفوضى والمشاكسة الموجودة على السلطة، تعد بلجيكا (منظمة للغاية)، مع تداخل الكثير من الهيئات والوكالات التي لا يكون أحد مسؤولا عنها حقا». وأضاف: «إنها تعمل بشكل طبيعي، لكن عندما يحدث شيء غير متوقع مثل الإرهاب، تتضارب كل تلك المؤسسات». وتابع هومبيك: «هنا يكمن مرض بلجيكا. يقول الجميع دائما إن هذا ليس خطأهم، وغالبا ما يكونون على حق».
* خدمة «واشنطن بوست»
(خاص بـ {الشرق الأوسط})



إقالة مسؤولَين بارزَين في جهاز الأمن الأوكراني على خلفية شبهات فساد

قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
TT

إقالة مسؤولَين بارزَين في جهاز الأمن الأوكراني على خلفية شبهات فساد

قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)

أعلن جهاز الأمن الداخلي الأوكراني (إس بي يو)، الأربعاء، إقالة مسؤولَين رفيعين ورد اسماهما في تحقيق على صلة بمراكز اتصال احتيالية.

وقال جهاز الأمن الداخلي إن رئيسه أوليكسندر بوكلاد، أعفى مسؤولَين كبيرَين في الجهاز من مهامهما بعد ورود اسميهما في تحقيق يجريه المكتب الوطني لمكافحة الفساد (نابو).

وأضاف في بيان عبر تلغرام أن بوكلاد يتوقّع إجراء تحقيق «شفاف وموضوعي ونزيه» من جانب المكتب، رغم التوتر بين المؤسستين. وتفاقم الخلاف بينهما العام الماضي بعدما حاول الرئيس فولوديمير زيلينسكي تقليص استقلالية مكتب مكافحة الفساد.

من جهته، قال مكتب مكافحة الفساد، إن أحد مسؤولي جهاز الأمن «هدد باستخدام سلاح ناري» ومنع المحققين من دخول مواقع كانوا ينفذون فيها عمليات تفتيش الأربعاء.

ووفقًا للمكتب، فإن مسؤولين كبارًا في جهاز الأمن والنيابة العامة والشرطة دفعوا رشاوى لعناصر من أجهزة إنفاذ القانون مقابل غض الطرف عن أنشطة مراكز اتصال احتيالية.

وأضاف أن عمليات الاحتيال استهدفت أوكرانيين وأجانب، وشملت بيع مخدرات وإنتاج سجائر مقلدة وعملات أجنبية مزورة.

واتهم مجموعة إجرامية مؤلفة من 12 شخصًا على الأقل بتنظيم «اعتداءات وخطف وهجمات مخطط لها».

وكانت التحقيقات دفعت المدعي العام الأوكراني رسلان كرافتشينكو إلى الاستقالة في أيلول/سبتمبر بعد تفتيش مكاتب تابعة له، علمًا أنه نفى ارتكاب أي مخالفات.

وبحسب المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومقرها سويسرا، يوفر قطاع مراكز الاتصال الاحتيالية في أوكرانيا وظائف لنحو 60 ألف شخص، أي ما يعادل نحو ثلثي العاملين في القطاع المصرفي.

وتقدّر المبادرة أن هذه الأنشطة تدر إيرادات قد تصل إلى مليار دولار شهريًا.


زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة أجريت معه الأربعاء، إنه يأمل في أن تؤدي المكاسب التي حققها الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي بالولايات المتحدة إلى توفير مزيد من الدعم لأوكرانيا في حربها مع روسيا.

وذكر أنه يأمل في أن تكون التغييرات التي ستنتج عن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ العام المقبل في صالح كييف.

وأوضح: «أنا ممتن أيضاً للجمهوريين، لكن الديمقراطيين يتحدثون بمزيد من الوضوح عن دعم أوكرانيا وتقديم المساعدة لها».

وأضاف: «إنهم يتحدثون عن تجديد العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا... ولذلك، هناك أمل في أن يتشكل توازن للقوى وأن نتلقى مزيداً من الدعم».

وقال زيلينسكي إن تلقي المزيد من المساعدات الأميركية ربما يكون له تأثير على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وبذل زيلينسكي جهوداً كبيرة لتعزيز العلاقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لا سيما بعد اجتماع شهد توتراً في المكتب البيضاوي في فبراير (شباط) 2025، عندما اتُهم الرئيس الأوكراني «بعدم الامتنان» تجاه المساعدات الأميركية.

وفي الأسابيع الماضية، اتخذ ترمب عدة خطوات تظهر محاباة لروسيا، بما في ذلك اتفاق لاستيراد الديزل الروسي وتخفيف العقوبات.

لكن من المقرر أن تُستأنف محادثات ثلاثية تقودها الولايات المتحدة مع أوكرانيا وروسيا الأسبوع المقبل، بعد توقف دام عدة أشهر.


أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)

عندما فاز دونالد ترمب بولايته الرئاسية الثانية، استقرَّت في الأوساط الأوروبية موجة من القلق الذي كان يتراكم جراء المخاوف التي تولَّدت من إقامته الأولى في البيت الأبيض، ومن الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية وانتهت بوضع الحليف التقليدي في خانة الخصوم، والوعيد المبطّن بتقويض المشروع الأوروبي.

وعندما ظهرت النتائج الأولى للانتخابات النصفية فجر الأربعاء، وتأكدت سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، سادت في المؤسسات ومعظم العواصم الأوروبية أجواء من الارتياح الحذر؛ خرج عنه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الذي يلعب بكل أوراقه في انتخابات عامة مسبقة مصيرية أواخر هذا الشهر، إذ قال: «اقترع المجتمع الأميركي، أمس، ضد السياسات التي تتسبب بالفقر، وضد الحقد والذكورية، وضد إنكار التغيُّر المناخي، وضد مزايا النخب»، ثم أضاف: «هذا ما حصل في البرازيل، والآن في الولايات المتحدة، وقريباً في إسبانيا».

ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «ناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو الماضي (أ.ب)

لكن العواصم الكبرى في الاتحاد اختارت عدم التعليق مباشرة على نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، وكذلك فعلت المؤسسات الأوروبية، إدراكاً منها بأن الهزيمة القاسية التي أصابت النهج الترمبي هي رسالة احتجاج شديدة دوافعها محلية بامتياز: ضد غلاء المعيشة المطرد، وطرد مئات الآلاف من المهاجرين وإساءة معاملتهم، وتقليص الخدمات الصحية العامة، والفساد الجامح المتفشي في المحيط العائلي للرئيس، وأن فقدان الأغلبية في الكونغرس لن ينتقص من صلاحياته الواسعة جداً في السياسة الخارجية، لا، بل من المرجح أن يدفعه إلى التركيز عليها أكثر لاستعادة الهيبة التي فقدها داخلياً.

جميع الأوساط الأوروبية التي استمزجتها «الشرق الأوسط» بعد صدور النتائج النهائية للانتخابات النصفية تميل إلى الاعتقاد أن الهزيمة ستحفِّز الرئيس الأميركي على مضاعفة جهوده لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وفتح الأبواب أمام أسرته وشركائه لمزيد من الصفقات المجزية في روسيا قبل خروجه من البيت الأبيض.

ويخشى الأوروبيون أنه لن يتردَّد في استخدام الوسائل والأدوات التي في متناوله لدفع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نحو مزيد من التنازلات الاستسلامية، مثل المعلومات الاستخباراتية الحيوية التي تزوِّد بها واشنطن القوات المسلحة الأوكرانية، وخدمة «ستارلينك» الساتلية، والأسلحة التي منذ فترة تبيعها الولايات المتحدة لكييف.

ويستبعد الأوروبيون أن ينجح الكونغرس الأميركي الجديد في دفع ترمب نحو تغيير سياسته من حرب أوكرانيا، خصوصاً ما يتعلق منها بالعقوبات المفروضة على روسيا والتي رفع كثيراً منها مؤخراً، ما لم يخرج من صفوف النواب الجمهوريين العدد الكافي من الرافضين لهذه السياسة، وينضموا إلى الأغلبية الديمقراطية الجديدة التي تعارض التخلي عن أوكرانيا في أحرج مراحل الحرب.

من اليمين: رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الأوكراني ونظيره الفنلندي وستيف ويتكوف (أ.ب)

وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس صرَّح مؤخراً بأن روسيا خسرت في الشهر الماضي وحده 52 ألف جندي بين قتيل وجريح، وأن هذا «عدد غير قابل للاحتمال».

على الجبهة الأطلسية، لا يتوقع الأوروبيون مزيداً من الصدمات والمفاجآت بعد فصول الضغط الأخيرة التي تعرَّضوا لها لزيادة الإنفاق العسكري والتَّوصُّل إلى اتفاق جديد مع الدنمارك حول غرونلاند.

لكن يخشى البعض، في حال تجدُّد الهجمات ضد إيران، أن يلجأ ترمب إلى التصعيد في وجه الدول التي امتنعت، في السابق، عن فتح مجالها الجوي، أو استخدام قواعدها المشتركة، أمام المقاتلات الحربية الأميركية.

لكن أكثر ما يبعث على الارتياح في الأوساط التي تخشى من عواقب صعود القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة على المشروع الأوروبي، وتماهيها مع أهداف استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة التي من بينها دعم المقاومة لهذا المشروع، أن دائرة الذين يجنحون نحو الخروج من تحت المظلة الترمبية مرشحة للاتساع في المعسكر اليميني المتطرف، خصوصاً بعد سقوط أوربان في المجر، وبولسونارو في البرازيل، وبعد أن كانت أحزاب يمينية متطرفة وازنة في أوروبا، مثل «التجمع من أجل الجمهورية» في فرنسا، و«إخوان إيطاليا»، قد سلكت هذا الطريق، علماً بأن أحزاباً أخرى مثل «فوكس» الإسباني و «البديل من أجل ألمانيا» ما زالت على ولائها للرئيس الأميركي.

الاشتراكيون الأوروبيون كانوا الأكثر احتفالاً بالنصر الديمقراطي في الانتخابات النصفية الأميركية، إذ صرَّحت رئيسة الكتلة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي، إيراتشي غارسي، بقولها: «إنها الموجة الزرقاء، وهي بداية نهاية حروب ترمب، والرسوم الجمركية غير القانونية، والاعتداءات على النظام الديمقراطي». أما الكتلة الشعبية المحافظة في البرلمان الأوروبي، فقد اكتفت بتصريح مقتضب جاء فيه: «نتيجة هذه الانتخابات كانت واضحة، والاتحاد الأوروبي جاهز للتعاون مع الكونغرس الجديد، بجناحيه، الديمقراطي والجمهوري».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

العبرة الرئيسية التي يخرج بها المحللون الأوروبيون من هذه الهزيمة المدوية التي مُني بها الجمهوريون وترمب في الانتخابات النصفية الأميركية، هي أن الديمقراطية ما زالت حيّة في الدولة التي احتفلت هذه السنة بمرور 250 عاماً على تأسيسها، وأن النظام الديمقراطي قادر دائماً على احتواء الشطط التوتاليتاري ومنع تفشيه أو رسوخه. لكن ثمة مَن يحذِّر من أن هذه الهزيمة قد تؤجِّج عند الرئيس الجريح نزعته الانتقامية المتأصلة، وتدفعه نحو مزيد من التصعيد على أكثر من جبهة.