دونالد ترمب... من عالم الثروة والعقارات إلى البيت الأبيض

«أميركا العظيمة» تُلهمه القتال ولو تحت أزيز الرصاص

TT

دونالد ترمب... من عالم الثروة والعقارات إلى البيت الأبيض

دونالد ترمب... من عالم الثروة والعقارات إلى البيت الأبيض

يوصَف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، بأنه «سريع البديهة»، حتى مع أزيز الرصاص.

في اللحظة التي تعرض فيها لمحاولة اغتيال، في يوليو (تموز) الماضي في بنسلفانيا، ارتمى أرضاً فَنَجا. ثم نهض مُدمىً، ليرفع قبضته هاتفاً لجمهوره الواسع: «قاتِلوا، قاتِلوا، قاتِلوا!» من أجل «فوزي» في انتخابات 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، و«عودتي» إلى البيت الأبيض.

لم تكن هذه المرة الوحيدة التي ينجو فيها مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات المقبلة. لكن صاحب الشخصية الاستثنائية، الذي وفد من عالم الأعمال والعقارات في نيويورك إلى الحياة السياسية الأميركية في واشنطن، لم تربكه حتى الرصاصة التي لامست الجزء الأعلى من أذنه اليمنى بدل أن تخترق رأسه وتصرعه. بل أعطت ربما الصورة الأوضح عنه لأنصاره، بصموده مهما بلغت محاولات إسقاطه سياسياً وقضائياً ومالياً وحتى اجتماعياً.

ولم يعد غريباً أن يواجه ترمب الكثير من التحديات، وعدداً قياسياً من المتاعب القانونية والقضائية منذ اقتحامه الحلبة السياسية.

يقرأ الأميركيون الذين يشكلون قاعدة ترمب الشعبية، وغالبيتهم من البيض الذي يمثّلون 61 في المائة من مجموع الشعب الأميركي، شعاراته الشعبوية بشكل متمايز. يعكس شعاره الرئيسي «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، («ماغا» اختصاراً)، وجهة نظر تفيد بأن «عظمة» الولايات المتحدة تَضمر ليس بسبب صعود الأمم الأخرى، ومنها الصين وروسيا خصوصاً، بل بسبب «مؤامرة» متواصلة لـ«تسميم» المجتمعات الأميركية بموجات مهاجرين غير شرعيين من ألوان مختلفة، يطغى عليهم «المجرمون» و«العاطلون عن العمل» و«المتاجرون» بالبشر وبالمخدرات و«الهاربون» من بلدانهم الفاشلة عبر الحدود «السائبة» لأميركا. يعتقد بعضهم أن التغيّر الديمغرافي أدى عام 2008 إلى وصول رجل أسود (باراك أوباما) إلى البيت الأبيض، ويُنذر عام 2024 بوصول امرأة من أصول أفريقية وآسيوية (كامالا هاريس) إلى الوظيفة التي لطالما كانت مخصصة للرجال البيض. في المقابل، يُفضّل بعض ناخبيه تجاوز تصريحاته وتصرفاته «المثيرة للجدل»، ليركّزوا بدل ذلك على إنجازاته الاقتصادية وسياساته في ملفّات الأمن والسياسة الخارجية.

إجلاء ترمب من فوق المنصة بعد إصابته خلال التجمع الانتخابي في بنسلفانيا بعد إطلاق النار عليه وإصابته بأذنه يوليو 2024 (رويترز)

«دون كيشوتي»

تثير سيرة ترمب الكثير من علامات التعجب والتساؤل، وأحياناً السخرية بين خصومه، في عدد من المسائل والمواضيع التي يقاربها. يتهمونه بأنه «دون كيشوتي»، لكنه لا يكترث إلا قليلاً بالأمور والقضايا التي لا تخصه مع هذه الشريحة الاجتماعية من الأميركيين. وعندما يفعل، يرد غالباً بتغريدة حادة، أو بتصريحات مثيرة.

يحاول ترمب في انتخابات عام 2024 تكرار تجربته الانتخابية الناجحة عام 2016. ورغم «طرده» المؤقت من منصة «تويتر»، (الاسم السابق لـ«إكس»)، بعد خسارته انتخابات عام 2020، عثر ترمب على وسائل مختلفة لمهاجمة خصومه من الجمهوريين والديمقراطيين على السواء حاولوا من دون جدوى إقصاءه عن الحلبة السياسية الأميركية. وأنشأ منصته «تروث سوشيال»، واستخدم فيها بفاعلية استثنائية الكلمات الحادة لمواجهة الحملة الضارية ضده، من خلال عديد من القضايا التي تلاحقه منذ كان رئيساً عبر محاولتَي عزل فاشلتين في الكونغرس على خلفية دعمه المزعوم لمصالح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ثم بتهمة السعي إلى قلب نتائج الانتخابات التي فاز فيها الرئيس جو بايدن (واشنطن العاصمة وجورجيا)، وكذلك بتهمة النقل غير المشروع لوثائق سريّة للغاية من البيت الأبيض في واشنطن إلى بيته الخاص في مارالاغو (فلوريدا)، بالإضافة إلى إدانته بارتكاب جنايات على خلفية علاقة مزعومة مع ممثلة إباحية (نيويورك).

مَن ترمب؟

قبل أن يترشح في المرة الأولى للانتخابات الرئاسية، كان ترمب من أشهر المليارديرات الأميركيين وأكثرهم حيوية. ورث الثروة عن أبيه وصنع الشهرة من خلال برنامجه «ذا أبرانتيس» للمبتدئين والمبتدئات في تلفزيون الواقع. وعندما بدأ يتحدث عن طموحاته الرئاسية قبل عام 2016، رأى القريبون منه أن هذا الطموح «بعيد المنال» أمام كل السياسيين الذين نافسوه، وغالبهم أكثر حنكة منه سياسياً في السباق التمهيدي للجمهوريين، وكذلك أمام منافسته الديمقراطية عامذاك هيلاري كلينتون. ورغم إسقاطه في المواجهة الرئاسية التالية عام 2020 مع منافسه جو بايدن، عاد عام 2024 إلى الحلبة ليستعيد «النتائج المسروقة» منه قبل أربعة أعوام.

حياة مثيرة

في صغره، كان لدى ترمب، الطفل الرابع لرجل الأعمال العقاري في نيويورك فريد ترمب، طموح أن يتسلم وظيفة متدنية داخل شركة والده. لكن رغم ثروة الأسرة، أُرسل إلى الأكاديمية العسكرية عندما بلغ من العمر 13 عاماً، وبدأت تظهر علامات على سوء السلوك. ثم التحق بجامعة بنسلفانيا، وصار المرشح المفضل لخلافة والده بعدما قرر شقيقه الأكبر فريد الابن أن يصير طياراً. لكنّ هذا الأخير توفي عن 43 عاماً بسبب معاقرته الخمر. ويقول ترمب إنه دخل في سوق العقارات بقرض «صغير» قيمته مليون دولار من والده، قبل أن ينضم الى الشركة ليساعد في إدارة المحفظة الواسعة لوالده من مشاريع الإسكان في أحياء مدينة نيويورك، ثم سيطر على الشركة وسماها «منظمة ترمب» عام 1971.

بعد وفاة والده عام 1999، غيّر ترمب أعمال عائلته من وحدات الإسكان في بروكلين وكوينز إلى المشاريع الجذابة في مانهاتن، فبنى فندق «غراند هايات» على أنقاض فندق الكومودور المتهدم و«برج ترمب» الفاخر والمكون من 68 طابقاً في الجادة الخامسة. ثم أنشأ علامات تجارية عديدة، وأبرزها بين عامي 1996 و2015، حين كان مالكاً لمسابقات ملكة جمال الكون وملكة جمال الولايات المتحدة وملكة جمال المراهقات. وخلال هذه المرحلة، ظهر للمرة الأولى عام 2003 في برنامج تلفزيون الواقع على شبكة «إن بي سي»، حيث يتنافس المتسابقون للحصول على وظيفة إدارية داخل مؤسسة ترمب.

وتفيد مجلة «فوربس» الأميركية بأن صافي ثروة ترمب يبلغ بضعة مليارات دولار، لكنه يُصرّ على أن قيمتها تستحق أكثر من عشرة مليارات دولار.

رغم أنه تزوج ثلاث مرات، لا تزال زوجته الأولى الرياضية وعارضة الأزياء التشيكية إيفانا زيلنيكوفا هي الأشهر. وأنجب منها ثلاثة أطفال، هم: دونالد جونيور وإيفانكا وإريك. وأدت دعوى الطلاق بينهما عام 1990، إلى ظهور عديد من القصص المثيرة عن ترمب في الصحف الشعبية. ثم تزوج من الممثلة مارلا مابلز عام 1993، وأنجب منها ابنة سمياها تيفاني، قبل أن ينفصلا عام 1999. وعام 2005، تزوج من العارضة ميلانيا كناوس وأنجب منها ابناً سمياه بارون وليام. ولا يزال أولاده من زواجه الأول يساعدون في إدارة شركته المعروفة باسم «منظمة ترمب».

ترمب يتفاعل مع أنصاره خلال فعالية انتخابية بأريزونا 23 أغسطس (د.ب.أ)

طموحات قديمة... جديدة

عبّر ترمب عن اهتمامه بالترشح للرئاسة الأميركية في وقت مُبكّر يعود إلى عام 1987، ودخل إلى هذا السباق للمرة الأولى عام 2000 مرشحاً عن حزب الإصلاح. وبعد عام 2008، صار الأكثر صراحةً بين أعضاء حركة «بيرث»، التي تساءلت عما إذا كان الرئيس باراك أوباما وُلد في الولايات المتحدة. وعندما دخل السباق إلى البيت الأبيض مجدداً عام 2016، قال في خطاب: «نحن بحاجة إلى شخص ما يتسلّم هذا البلد بالمعنى الحرفي للكلمة، ويجعله عظيماً مرة أخرى. يمكننا أن نفعل ذلك».

ووعد منذ ذلك الحين بأنه سيرفع شعار «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، ثم أدار حملة مثيرة مبنية على وعود بتعزيز الاقتصاد الأميركي، وبناء جدار على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة، وحظر هجرة مواطني دول ذات غالبية مسلمة.

منذ ذلك التاريخ، يحمل ترمب شعاره الذي ازداد بريقاً مع مصادقة الجمهوريين خلال مؤتمرهم في يوليو (تموز) الماضي في ميلووكي، ويسكونسن، على ترشيحه مع السيناتور جاي دي فانس، في المواجهة التي يتوقع أن تزداد حدة وقسوة مع تسلم نائبة الرئيس كامالا هاريس، شعلة الرئاسة مع مرشحها لمنصب الرئيس حاكم مينيسوتا تيم والز، من المؤتمر الوطني العام للحزب الديمقراطي في شيكاغو، إلينوي.

كما في السابق، يثابر ترمب لتحدي استطلاعات الرأي، التي كانت تُرجّح فوز هيلاري كلينتون عام 2016 وفوزه هو عام 2020، مؤكِّداً أن الوجه الآخر لشعاره، وهو «أميركا أولاً»، سيكون بمثابة «تجفيف المستنقع» السياسي الآسن في واشنطن.

بعد فوزه المذهل عام 2016، دخل ترمب التاريخ لأنه الرئيس الأميركي الأول الذي لم يتقلد منصباً منتخباً أو يخدم في الجيش قبل أن يؤدي اليمين الدستورية بوصفه الرئيس الـ45 للولايات المتحدة في 20 يناير (كانون الثاني) 2017. وإذا فاز هذه المرة، فسيدخل إلى البيت الأبيض، مُدركاً القدرات المذهلة التي يحظى بها أي رئيس أميركي.

كثيرون يعتقدون أن ترمب عائد. وهذا ما يدفعهم إلى نصح الآخرين بـ«شدّ الأحزمة».


مقالات ذات صلة

واشنطن وطهران تتبادلان تهديدات التصعيد العسكري

شؤون إقليمية صورة من فيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» لعملياتها في إطار الحصار البحري على إيران p-circle

واشنطن وطهران تتبادلان تهديدات التصعيد العسكري

وسط التوتر المتصاعد بين الجانبين الأميركي والإيراني والتهديدات المتبادلة أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن «شيئاً كبيراً قد يحدث قريباً جداً بشأن إيران»

«الشرق الأوسط» (عواصم)
تحليل إخباري مشهد عام لمبنى الأمم المتحدة عشية بدء الاجتماعات الرفيعة للجمعية العامة (الأمم المتحدة)

تحليل إخباري قادة الدول يبحثون في نيويورك عن مخرج من «عالم قاتم»

يشارك عشرات من زعماء العالم في انطلاق الاجتماعات الرفيعة للأمم المتحدة بنيويورك وسط ترهل المنظمة والبحث عن بديل يستجيب للتحديات الجديدة

علي بردى (نيويورك)
العالم وعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقائه نظيره التركي رجب طيب إردوغان قبل انطلاق قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة 7 يوليو الماضي برفع عقوبات «كاتسا» عن تركيا (الرئاسة التركية)

إردوغان يسعى لتنفيذ وعد ترمب برفع عقوبات «كاتسا» عن تركيا

يسعى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى تحريك ملف رفع العقوبات الأميركية على بلاده في مجال الصناعات الدفاعية خلال لقاء مع الرئيس دونالد ترمب في نيويورك.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك في 23 سبتمبر 2025 (رويترز)

قادة العالم يتجمعون في نيويورك وسط حربين وأزمة ثقة بالمنظمة الدولية

تتحول نيويورك هذا الأسبوع إلى مركز مزدحم للدبلوماسية الدولية، مع وصول نحو 130 رئيس دولة وحكومة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة أرشيفية للرئيس الصيني شي جينبينغ (إلى اليمين) خلال اجتماعه مع الرئيس دونالد ترمب على هامش زيارتهما لحديقة «تشونغ نان هاي» في بكين بالصين 15 مايو 2026 (أ.ب)

قبل وصول الرئيس الصيني... ترمب ينتقل من حرب الرسوم إلى السجادة الحمراء

بدأت في نيويورك مفاوضات أميركية - صينية مكثفة تستهدف تضييق الخلافات بين واشنطن وبكين قبيل زيارة الرئيس الصيني لأميركا.

هبة القدسي (واشنطن)

قادة الدول يبحثون في نيويورك عن مخرج من «عالم قاتم»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاطباً الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاطباً الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
TT

قادة الدول يبحثون في نيويورك عن مخرج من «عالم قاتم»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاطباً الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاطباً الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)

وصل عشرات من رؤساء الدول والحكومات والوزراء ومئات من المسؤولين إلى نيويورك، حيث يشاركون الثلاثاء في انطلاق اجتماعات رفيعة المستوى للدورة السنوية الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط ترقب لصعود الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى المنصة الرخامية الخضراء، التي ظلت لعقود شاهدة على نظام دولي قديم رسم معالمه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، ولكنه يبدو الآن متداعياً تحت وطأة الحروب والأزمات والتحديات الحالية.

وينعقد هذا الحدث الدولي الأبرز عالمياً في كنف منظمة دولية تبدو عاجزة عن القيام بأعباء المهمات التي أنشئت من أجلها قبل 80 عاماً، ولا سيما مع انخراط الدول العظمى في نزاعات وحروب تلهب الشرق الأوسط، ومنها الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وامتداداتها في اليمن ولبنان، وتهدد استقرار القارة الأوروبية في ظل استمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وتثير القلق من سعي الصين إلى إعادة ضم تايوان إلى الأرض الأم، فضلاً عن إخفاقاتها المدوية في تسوية النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، وإيجاد طريقة لإنهاء حرب السودان، وأزمات أخرى ذات تقاطعات أمنية وسياسية واقتصادية كبرى.

عالمان قديم وجديد

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)

وتوافد 73 من رؤساء الدول و45 من رؤساء الحكومات و11 نائب رئيس وولي عهد واحد و49 وزيراً إلى نيويورك، التي جاء إليها أيضاً المئات من الوزراء والمسؤولين الحكوميين الكبار، فضلاً عن رؤساء تنفيذيين لشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومديري المنظمات الإنسانية والإغاثية وغيرهم، وسط تساؤلات عما بقي من النظام الدولي الذي قامت الأمم المتحدة لحمايته.

ويمثل الواقع اليوم «فترة انتقالية» بين عالم قديم يحتضر وآخر لم يولد بعد، وسط انشغال الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس ترمب بتفكيك ما بناه الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية عام 1945، وبالسعي إلى بناء نموذج جديد يحفظ مصالح الدولة العظمى، ولكنه سيكون على الأرجح متعدد الأقطاب.

ويتوقع أن تهيمن الحرب مع إيران وتداعياتها العالمية على نشاطات المناسبة التي تمتد لأسبوع كامل. وسط ترقب لما يمكن أن يحمله الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى القاعة الكبرى للجمعية العامة، التي سيجلس تحت قبتها ممثلو العالم، وبينهم مشككون كثيرون في النهج الترمبي.

ناقلات وسفن في مضيق هرمز (رويترز)

وستكون هذه العودة السادسة لترمب رئيساً لمخاطبة الجمعية العامة. غير أن عودته هذه المرة مختلفة تماماً عن خطاب العام الماضي، حين روج للقصف الأميركي للمواقع النووية الإيرانية ووصفه بأنه «تدمير شامل»، مضيفاً أنه حقق السلام بين إسرائيل وإيران.

وفيما واصل النظام الإيراني تحدي ضغوط إدارة الرئيس ترمب، تمادت جماعة الحوثي في اعتداءاتها على المملكة العربية السعودية، وزادت تهديداتها للممرات الملاحية الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. ويترافق ذلك مع مواصلة الحرس الثوري الإيراني تهديداته ضد حرية الملاحة في مضيق هرمز.

وبسبب هذه الحرب وعوامل أخرى، يبدو الميزان السياسي هشاً في واشنطن. فأسعار مشتقات الوقود ترتفع، وشعبية الرئيس ترمب تنخفض، قبل نحو 40 يوماً من الانتخابات النصفية للكونغرس، حيث يخشى خسارة حزبه الجمهوري للغالبية في مجلس النواب، وربما أيضاً في مجلس الشيوخ.

وسط ذلك كله، يلتقي ترمب رئيسة فنزويلا المؤقتة ديلسي رودريغيز للمرة الأولى منذ اعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو. ويلتقي أيضاً رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام في أول لقاء بينهما منذ توليه المنصب في يوليو (تموز) الماضي، ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي، وقادة دول مجلس التعاون الخليجي الست: المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة.

القضية الفلسطينية

خلال إحدى جلسات مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

في غضون ذلك، لا يزال الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني أحد أكثر الملفات حساسية وانقساماً. فمن تعثر عملية السلام في غزة إلى توسع الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، تعود القضية إلى واجهة أعمال الجمعية العامة. ويتوقع أن يحضر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في زيارة خاطفة، فيما لن يتمكن الرئيس الفلسطيني محمود عباس من الحضور شخصياً بعد رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة دخول للعام الثاني على التوالي.

ومع ذلك، صوتت الجمعية العامة بأكثرية 152 صوتاً مقابل ثلاثة أصوات، وامتناع أربع دول، للسماح للرئيس عباس بالمشاركة عبر تقنية الفيديو، علماً بأنه اضطر إلى مخاطبة الجمعية بالطريقة نفسها خلال العام السابق.

وبدا منع واشنطن للرئيس عباس من الوصول إلى نيويورك مفارقة بعدما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنها منحت تأشيرات لـ«الوفد الأساسي» الإيراني، ومن ضمنه الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي.

ويتوقع أيضاً أن يحضر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، فيما يصرّ الحلفاء على عدم إغفال حاجات أوكرانيا الدفاعية، في ظل رد روسيا على ضربات المسيّرات بعيدة المدى التي استهدفت بنيتها التحتية للطاقة.

ولا تقتصر تداعيات الحروب على الشرق الأوسط وأوكرانيا. فالصين وروسيا وأوروبا ستكون حاضرة في حسابات القادة، فيما سيغيب الرئيس الصيني شي جينبينغ عن اجتماع الجمعية العامة، ويتوجه إلى واشنطن للقاء ترمب، في وقت ستكون فيه علاقات بكين مع روسيا وإيران من بين الملفات الشائكة المطروحة.

وسيشارك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الأسبوع الذي يأمل أن يستعرض فيه «الدفاع عن نظام متعدد الأطراف حيث يشهد أزمة عميقة».

وسيلقي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام كلمة بلاده ثم يتوجه إلى واشنطن للقاء وزير الخارجية ماركو روبيو ومديرة صندوق النقد كريستالينا غورغييفا. ويحضر كذلك نائب وزير خارجية كوريا الشمالية كيم سون غيونغ.

مشهد «قاتم»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ب)

وينظر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى المشهد الدولي من زاوية قاتمة، إذ قال قبيل انعقاد الاجتماع إنه «عندما ننظر إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، وعندما ننظر إلى الشرق الأوسط برمته، نجد أن الأمور تزداد سوءاً يوماً بعد يوم»، ملاحظاً أنه «لا يوجد أي تحسن في أي مكان، وعندما تتطور الأمور على هذا النحو، فإننا نواجه خطراً حقيقياً لحدوث انفجار».

وزاد هذه الصورة قتامة الذكاء الاصطناعي، الذي سيكون أيضاً موضوعاً رئيسياً في المحادثات والخطابات، بعدما انتقلت المخاوف حيال مخاطره من دوائر الخبراء وشركات التكنولوجيا إلى قلب النقاش الدولي. وسيعقد مجلس الأمن اجتماعاً لمناقشة القضية، بمشاركة الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان وغيره من مسؤولي شركات الذكاء الاصطناعي، في مؤشر إلى أن التكنولوجيا التي كانت تطرح حتى وقت قريب بوصفها محركاً للنمو والابتكار أصبحت تناقش أيضاً بوصفها قضية تتصل بالأمن الدولي.

وفي خضم المنافسة الشرسة بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي، يدفع غوتيريش باتجاه تعاون دولي أوسع، محذراً من أن التنافس التقني قد يتحول إلى سباق يصعب ضبطه. وقال: «لا يمكن للعالم أن يتحمل التدهور في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي».

وبينما يدعو قادة قطاع التكنولوجيا أنفسهم إلى مزيد من الضوابط، رفض ترمب التحذيرات من المخاطر، عادّاً أنها مجرد «خدعة».

مستقبل المنظمة مع امرأة؟

خلف الكواليس، تتنافس القوى العالمية الكبرى أيضاً على مستقبل الأمم المتحدة، في محاولة للتوصل إلى اتفاق بشأن مرشح لقيادة المنظمة التي تعاني من انقسامات حادة وأزمات مالية وعجز في الميزانية.

وتنتهي ولاية غوتيريش الثانية في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، بعد فترة اتسمت بتصاعد النزاعات العالمية، وجائحة «كورونا»، وتفاقم عدم المساواة والاستقطاب السياسي. وقال دبلوماسي أوروبي إن عملية اختيار خلفه «لم تكن ناجحة حتى الآن... ولم يتبلور أي نوع من التوافق».

وتكتسب عملية اختيار الأمين العام المقبل أهمية خاصة هذه المرة، إذ توجد بين المرشحين أسماء نسائية عدة، وسط حديث عن احتمال أن تختار الأمم المتحدة للمرة الأولى في تاريخها الممتد على مدى ثمانية عقود امرأة لتولي المنصب. لكن مسألة النوع الاجتماعي ليست العامل الوحيد، فالدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، تملك تأثيراً حاسماً في العملية.

وتتصدر قائمة المرشحين في التصويت غير الرسمي السري في مجلس الأمن كل من نائبة الرئيس الكوستاريكي السابقة ريبيكا غرينسبان، والمندوبة الغوايانية السابقة لدى الأمم المتحدة وكارولين رودريغيز بيركيت، ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل ماريانو غروسي، فضلاً عن رئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشيليت (التي أعلنت انسحابها) وماريا فرناندا إسبينوزا وماكي سال وأولارا أوتونو وإيفون عبد الباقي. لكن الأمر لن يحسم بالأصوات وحدها، فأي دولة من الخمس الدائمة تملك حق النقض «الفيتو»، والبطاقة الحمراء لن ترفع إلا في الاقتراع الرسمي.

وبينما تقول الإدارة الأميركية إنها تريد «أفضل مرشح. ببساطة»، تردد أن ترمب يرغب في تعيين رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» جياني إنفانتينو، في ظل «شائعات عن مفاجأة أكتوبر (تشرين الأول)» المقبل.

إصلاح وتقليص وخفض ميزانية

سفينة تجارية عند باب المندب (أ.ف.ب)

تضغط إدارة ترمب باتجاه إصلاح المنظمة وتقليص ميزانيتها وعدد موظفيها، فيما قال المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز إن «هذه المؤسسة في أمسّ الحاجة إلى قيادة قوية وفعالة»، مضيفاً أن أولويات واشنطن هي «الإصلاح، الإصلاح، الإصلاح... والعودة إلى أساسيات السلام والأمن».

وفي المقابل، يحذر مسؤولون وخبراء من أن تقليص دور الأمم المتحدة بصورة كبيرة يمكن أن يدفعها إلى الهامش. لكن أنصار الأمم المتحدة يرفضون النظر إليها بوصفها منظمة عفا عليها الزمن. وقالت الرئيسة المنتهية ولايتها للجمعية العامة أنالينا بايربوك إن الذين يصفون الأمم المتحدة بأنها «غير ذات صلة أو فاشلة» عليهم أن يتخيلوا عالماً «يحرم فيه ملايين الأطفال من التعليم الذي توفره (اليونيسف)، وتحرم فيه عشرات الآلاف من الأسر من المساعدات الإنسانية، وتزج فيه مجتمعات لا حصر لها مجدداً في أهوال الحرب بسبب غياب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة».

ومن هنا يأتي حديث غوتيريش عن إصلاح المؤسسات التي أنشأتها القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إلى جانب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لتصبح أكثر تعبيراً عن واقع القرن الحادي والعشرين.


ترمب إلى الأمم المتحدة... وإيران تختبر دبلوماسية اللحظة الأخيرة في نيويورك

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك في 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك في 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

ترمب إلى الأمم المتحدة... وإيران تختبر دبلوماسية اللحظة الأخيرة في نيويورك

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك في 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك في 23 سبتمبر 2025 (رويترز)

تتحول نيويورك هذا الأسبوع إلى مركز مزدحم للدبلوماسية الدولية، مع وصول نحو 130 رئيس دولة وحكومة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن الأنظار لن تكون معلقة فقط على الكلمات التي ستلقى من فوق المنصة الأممية، بل على الاجتماعات المغلقة في الفنادق والقاعات الجانبية؛ حيث تبحث واشنطن عن مخارج لحرب إيران، وعن طريق متعثر لإنهاء حرب أوكرانيا، فيما يستعد الرئيس دونالد ترمب في الوقت نفسه لاستقبال الرئيس الصيني شي جينبينغ في واشنطن.

وتبدأ الثلاثاء أعمال المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، التي تستمر حتى 28 سبتمبر (أيلول)، في واحدة من أكثر دوراتها ازدحاماً بالأزمات. فالحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران تدخل شهرها السابع، والحرب الروسية - الأوكرانية مستمرة، والتوترات في الشرق الأوسط تُهدد الطاقة والملاحة، فيما تواجه الأمم المتحدة نفسها أزمة مالية وتساؤلات متزايدة حول قدرتها على التأثير في الصراعات التي يفترض أنها أُنشئت لمنعها.

جدول مزدحم باللقاءات الثنائية

ويتوقع أن يستغل ترمب وجود هذا العدد الكبير من قادة العالم في نيويورك لعقد سلسلة من الاجتماعات الثنائية والجماعية على هامش الجمعية العامة، يتصدرها لقاء مرتقب مع قادة وممثلي دول مجلس التعاون الخليجي الست؛ حيث يرجح أن تهيمن الحرب مع إيران وشروط وقف القتال وإمكان استئناف المفاوضات وأمن الخليج ومضيق هرمز على المناقشات.

على جدول ترمب لقاء مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي فيما وقّع في 18 سبتمبر مشروع قانون يجيز فرض عقوبات جديدة على روسيا بسبب حربها في أوكرانيا (أ.ف.ب)

كما تترقب الأوساط الدبلوماسية احتمال عقد لقاء بين ترمب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في وقت تسعى فيه كييف إلى حشد مزيد من الدعم الأميركي والدولي، والضغط من أجل تحريك مسار إنهاء الحرب مع روسيا.

وسيلتقي ترمب الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز على هامش اجتماعات الجمعية العامة، في أول لقاء مباشر بينهما منذ الإطاحة بمادورو في يناير (كانون الثاني) الماضي. كما تشمل أجندة ترمب لقاءات مع رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام، ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، فيما أكد مسؤولون أميركيون عدم وجود اجتماع بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على جدول الأعمال.

وأشارت تقارير إلى اجتماع محتمل بين ترمب ورئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، يتركز على ملف حصر سلاح الفصائل ومستقبل العلاقات الأمنية والاقتصادية مع واشنطن. كما يعقد الرئيس لقاءات مع عدد من القادة الخليجيين الموجودين في نيويورك، فيما يجري وزير الخارجية ماركو روبيو اجتماعات موازية مع نظرائه، من بينها لقاء متوقع مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وآخر محتمل مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام.

إضاءة شموع خارج مقر الأمم المتحدة في نيويورك إحياءً لذكرى ضحايا الاحتجاجات في إيران (رويترز)

إيران... الاختبار الأصعب

سيكون الملف الإيراني الاختبار الأكثر إلحاحاً لترمب، إذ حصل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي على تأشيرتي دخول إلى الولايات المتحدة للمشاركة في الاجتماعات، رغم استمرار الحرب بين البلدين. وفرضت واشنطن قيوداً مشددة على حركة الوفد الإيراني ومشترياته، لكنها سمحت للقيادة الإيرانية بالحضور بموجب التزاماتها بوصفها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة. ومن المقرر أن يلقي بزشكيان كلمته أمام الجمعية العامة الأربعاء.

وجود بزشكيان وعراقجي في نيويورك، بالتزامن مع وجود ترمب وقادة دول الخليج ووسطاء شاركوا في محاولات التفاوض مع طهران في المدينة نفسها، يفتح نافذة دبلوماسية نادرة، حتى في ظل عدم وجود مؤشرات حتى الآن إلى عقد اجتماع مباشر بين الولايات المتحدة وإيران. وتكتسب هذه النافذة أهمية أكبر بعد إعلان مسؤول إيراني بارز أن طهران نقلت، عبر قطر، شروطاً لاستئناف المفاوضات، وأنها تنتظر ردّاً من ترمب.

وقال، رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني، محسن رضائي إن المطالب تشمل وقف الحرب على جميع الجبهات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحصار البحري الأميركي، مشيراً إلى استمرار التواصل عبر الوسيط القطري.

وتحدثت تقارير أخرى عن 7 شروط إيرانية. ويأتي توقيت إرسال هذه الشروط في لحظة شديدة الحساسية، إذ يقول ترمب إنه يقترب من اتخاذ قرار بشأن المرحلة التالية من الحرب. وقال ترمب، في مقابلة مع «أكسيوس»، إنه أمام قرار كبير بشأن ما إذا كان سيستأنف العمليات العسكرية واسعة النطاق ضد إيران، في وقت تؤكد فيه الإدارة الأميركية أن طهران تريد التوصل إلى اتفاق.

وأبقى الجيش الأميركي على مستوى قواته في الشرق الأوسط، استعداداً لاحتمال تجدد القتال، لكن ترمب يريد، قبل اتخاذ القرار، الاستماع إلى حلفائه الخليجيين.

لوحة إعلانية تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مبنى في طهران 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

لقاء مرتقب مع «مجلس التعاون الخليجي»

ومن المقرر أن يجتمع الرئيس ترمب، الثلاثاء، على هامش اجتماعات الجمعية العامة، مع قادة أو ممثلين عن دول مجلس التعاون الخليجي الست: السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعُمان. ومن المنتظر أن تركز المحادثات على الحرب مع إيران، واحتمالات التسوية، والتصور الأميركي لمرحلة ما بعد الحرب. وتكتسب مواقف دول الخليج وزناً إضافياً، بعدما تحمّلت جانباً من التداعيات الاقتصادية والأمنية للحرب، فضلاً عن خشيتها من أن يؤدي تصعيد جديد إلى استهداف منشآت الطاقة أو توسيع نطاق المواجهة.

ويرى محللون أن اجتماعات نيويورك قد تتحول إلى مكان لصياغة معادلة تفاوضية جديدة، أكثر من كونها ساحة لمفاوضات أميركية - إيرانية مباشرة: قطر تنقل الرسائل، ودول الخليج تضغط لتجنب التصعيد، وباكستان تواصل جهود الوساطة، فيما يوجد صانعو القرار الأميركيون والإيرانيون على بُعد كيلومترات قليلة من بعضهم.

بزشكيان ونتنياهو... روايتان متعارضتان

ومن المقرر أن يتحدث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأربعاء، فيما يلقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كلمته الخميس. ومن المرجح أن يقدم كل منهما رواية مختلفة تماماً للحرب؛ إذ ستسعى طهران إلى تصوير نفسها بوصفها هدفاً لحرب أميركية - إسرائيلية، والمطالبة بوقفها، في حين ستدافع إسرائيل عن حملتها باعتبارها ضرورية لمواجهة البرنامج النووي والقدرات العسكرية الإيرانية.

وسيكون الملف الفلسطيني حاضراً أيضاً، بما يعكس جانباً من الانقسام بين واشنطن والأمم المتحدة. فقد رفضت الولايات المتحدة منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأشيرة لدخول نيويورك، ومن المتوقع أن يخاطب الجمعية العامة عبر الفيديو، فيما تتواصل التحركات لعقد اجتماع رفيع المستوى بشأن حل الدولتين.

أوكرانيا على طاولة ترمب

وسيصل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى نيويورك باحثاً عن دعم دولي جديد لبلاده، فيما يخاطب الجمعية الأربعاء، ويظهر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمامها السبت. ومن المتوقع أيضاً عقد اجتماع رفيع المستوى لمجلس الأمن حول أوكرانيا، لكن المجلس ظل عاجزاً عن اتخاذ إجراءات حاسمة لإنهاء الحرب بسبب امتلاك روسيا حق النقض الفيتو.

كما أعلن لافروف أنه يعتزم الاجتماع بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على هامش الاجتماعات.

وبذلك يجد ترمب نفسه أمام 3 ساحات مترابطة: محاولة تقرير ما إذا كان سيصعد أو يتفاوض مع إيران، وإدارة الجهود لإنهاء حرب أوكرانيا، ثم الانتقال إلى واشنطن لاستقبال شي ومناقشة التجارة وتايوان والذكاء الاصطناعي وإيران.

قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة تستعد لاستقبال قادة الدول (د.ب.أ)

منظمة تبحث عن دور

وتتكرر الأسئلة كل عام حول دور المنظمة الدولية، التي تضم 193 دولة، ونفوذها، وتدخل اجتماعاتها هذا العام وسط ضغوط مالية حادة وتراجع في قدرتها على التأثير في الحروب الكبرى.

ويقترب الأمين العام أنطونيو غوتيريش أيضاً من نهاية ولايته الثانية في 31 ديسمبر (كانون الأول)، فيما بدأت بالفعل المنافسة لاختيار خليفته، وهي عملية تتطلب في النهاية توافق القوى الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، ومنها الولايات المتحدة والصين وروسيا.

وتتسع الأجندة إلى ما هو أبعد من الحروب، فالذكاء الاصطناعي أصبح ملفاً دولياً جديداً، مع احتمال عقد اجتماع لمجلس الأمن حول مخاطره، في حين يدعو غوتيريش إلى قواعد عالمية لإدارته، في وقت يتخذ فيه ترمب موقفاً أكثر تشككاً تجاه القيود التنظيمية التي قد تحد من التفوق التكنولوجي الأميركي، كما ستناقش الاجتماعات السودان وأزمة المناخ والأمن الغذائي.


قبل وصول الرئيس الصيني... ترمب ينتقل من حرب الرسوم إلى السجادة الحمراء

صورة أرشيفية للرئيس الصيني شي جينبينغ (إلى اليمين) خلال اجتماعه مع الرئيس دونالد ترمب على هامش زيارتهما لحديقة «تشونغ نان هاي» في بكين بالصين 15 مايو 2026 (أ.ب)
صورة أرشيفية للرئيس الصيني شي جينبينغ (إلى اليمين) خلال اجتماعه مع الرئيس دونالد ترمب على هامش زيارتهما لحديقة «تشونغ نان هاي» في بكين بالصين 15 مايو 2026 (أ.ب)
TT

قبل وصول الرئيس الصيني... ترمب ينتقل من حرب الرسوم إلى السجادة الحمراء

صورة أرشيفية للرئيس الصيني شي جينبينغ (إلى اليمين) خلال اجتماعه مع الرئيس دونالد ترمب على هامش زيارتهما لحديقة «تشونغ نان هاي» في بكين بالصين 15 مايو 2026 (أ.ب)
صورة أرشيفية للرئيس الصيني شي جينبينغ (إلى اليمين) خلال اجتماعه مع الرئيس دونالد ترمب على هامش زيارتهما لحديقة «تشونغ نان هاي» في بكين بالصين 15 مايو 2026 (أ.ب)

قبل ثلاثة أيام من استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره الصيني شي جينبينغ في البيت الأبيض صباح الخميس المقبل بالعاصمة واشنطن، بدأت في نيويورك يوم الأحد، مفاوضات أميركية - صينية مكثفة تستهدف تضييق مساحة الخلافات بين الجانبين، وتجهيز ما يمكن الإعلان عنه خلال القمة المرتقبة، في وقت انتقلت فيه العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم من حافة حرب تجارية مفتوحة إلى محاولة إدارة المنافسة تحت سقف «هدنة هشة».

وأعلنت بكين أن وفداً صينياً رفيعاً يرأسه نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ يقوم بزيارة الولايات المتحدة من 19 إلى 23 سبتمبر (أيلول) لإجراء مشاورات اقتصادية وتجارية، فيما أعلنت واشنطن أن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، والممثل التجاري جيميسون غرير، سوف يستضيفان خه والوفد المرافق في مقر بنك «جي بي مورغان تشيس» في مانهاتن حيث تستمر الاجتماعات طوال يوم الأحد.

وتشمل أجندة بيسنت وخه الملفات التي ستحدد إلى حد كبير ما إذا كانت قمة ترمب وشي ستنتج اتفاقات ملموسة أم مجرد تمديد للاستقرار المؤقت: الرسوم الجمركية، والمعادن النادرة، والذكاء الاصطناعي، ووصول المنتجات الأميركية إلى السوق الصينية، والمشتريات الزراعية، فضلاً عن تنفيذ التعهدات التي قطعتها بكين في الاتفاقات السابقة. وقال الممثل التجاري الأميركي غرير إن الإدارة ستواصل السعي إلى «تجارة متوازنة» عبر مراقبة تنفيذ الالتزامات الأخيرة، وتسهيل التجارة في السلع غير الحساسة، وتحسين وصول المزارعين والمصنعين والعمال الأميركيين إلى الأسواق الصينية.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ يتصافحان خلال محادثات تجارية جرت في مقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في باريس 16 مارس 2026 (رويترز)

هدنة تنتهي في نوفمبر

يخيم موعد 10 نوفمبر (تشرين الثاني) على المفاوضات، وهو موعد انتهاء الهدنة التي علقت واشنطن بموجبها الرسوم الانتقامية الأعلى على الواردات الصينية. وكانت التسوية التي توصل إليها ترمب وشي في كوريا الجنوبية العام الماضي قد خففت حدة حرب تجارية شهدت تبادلاً للرسوم والقيود على التكنولوجيا والمعادن الحيوية. وتقول الإدارة الأميركية إن الصين تعهدت آنذاك بتخفيف قيودها على المعادن النادرة وزيادة مشترياتها من المنتجات الزراعية الأميركية، فيما أبقت واشنطن الرسوم المتبادلة الأعلى معلقة حتى نوفمبر 2026.

لكن الخلاف الآن يدور حول مدة التمديد المقبل وشروطه. ووفقاً لصحيفة فاينانشال تايمز، تدفع بكين نحو تمديد الهدنة لما تبقى من ولاية ترمب، فيما تفضل واشنطن تمديداً أقصر بنحو ستة أشهر، بسبب اعتقاد مسؤولين أميركيين أن الصين لم تنفذ بالكامل التزاماتها المتعلقة بتدفق المعادن النادرة. ومن هنا تصبح اجتماعات نيويورك بين بيسنت وخه اختباراً لما إذا كان الطرفان يستطيعان تحويل وقف التصعيد إلى إطار أكثر استقراراً، من دون أن يتنازل أي منهما عن أدوات الضغط الرئيسية.

سلاح المعادن النادرة

تحتل المعادن النادرة موقعاً مركزياً في المفاوضات. فقد أظهرت المواجهة التجارية أن الرسوم الجمركية ليست السلاح الوحيد في ترسانة القوتين؛ إذ تمتلك بكين نفوذاً كبيراً على إنتاج ومعالجة المعادن الحيوية والمغناطيسات المستخدمة في الصناعات المتقدمة، من الهواتف وأشباه الموصلات إلى الطائرات والمحركات والأسلحة. وتقول واشنطن إن تدفقات بعض هذه المواد ما زالت أقل من المستويات المطلوبة، فيما تضغط أيضاً على بكين لتخفيف القيود المفروضة على الصادرات إلى اليابان، ولا سيما مادة الإيتريوم المستخدمة في المحركات والليزر وأشباه الموصلات.

وكان البيت الأبيض أعلن بعد زيارة ترمب إلى بكين في مايو (أيار) الماضي أن الصين وافقت على معالجة مخاوف واشنطن بشأن نقص المعادن الحيوية، بما فيها الإيتريوم والسكانديوم والنيوديميوم والإنديوم، فضلاً عن القيود المتعلقة بمعدات وتقنيات إنتاج المعادن النادرة.

وهذه التجربة ساعدت في تغيير ميزان التفاوض. فترمب، الذي اعتمد في البداية على الرسوم المرتفعة لإجبار الصين على تقديم تنازلات، وجد أن بكين تمتلك بدورها أدوات ضغط مؤثرة. وبدا واضحاً أن نهج ترمب تغير بعدما لم تحقق محاولة استخدام الرسوم المرتفعة وقيود التصدير النتائج التي كان يتوقعها.

الذكاء الاصطناعي ملف متسارع

أما الملف الجديد الذي يتحرك سريعاً إلى قلب العلاقة فهو الذكاء الاصطناعي. فالولايات المتحدة والصين تتنافسان على التكنولوجيا التي ينظر إليها الطرفان باعتبارها أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية والعسكرية في العقود المقبلة. وقال بيسنت في تصريحات للصحافيين إن واشنطن مستعدة لمناقشة «المخاطر المشتركة» للذكاء الاصطناعي مع بكين.

وتحتاج كل من الولايات المتحدة والصين لقدر من التعاون لمنع إساءة استخدام النماذج الأكثر تطوراً من الذكاء الاصطناعي، لكن كل دولة منهما تخشى أن تمنح القيود الأخرى تفوقاً تكنولوجياً. ولهذا تبدو فرص التوصل إلى اتفاق شامل محدودة، فيما قد يكون إنشاء آلية حوار أو قواعد أولية لإدارة المخاطر نتيجة أكثر واقعية.

من حرب الرسوم إلى «السجادة الحمراء»

يبقى التحول الأكثر لفتاً للانتباه يتعلق بأسلوب ترمب نفسه. فالرئيس الذي بنى جزءاً كبيراً من صعوده السياسي على اتهام الصين بتدمير الصناعة الأميركية وفرض رسوماً وصلت إلى 145 في المائة العام الماضي، يستعد الآن لاستقبال شي بحفاوة استثنائية، حيث سيتوجه ترمب شخصياً، في خطوة غير معتادة، إلى قاعدة أندروز لاستقبال الرئيس الصيني عند وصوله الأربعاء. وفي اليوم التالي تقام مراسم رسمية في البيت الأبيض، يليها اجتماع مغلق واستعراض عسكري وعشاء دولة يحضره عدد من أبرز قادة التكنولوجيا والأعمال الأميركيين، بينهم إيلون ماسك وجنسن هوانغ وسوندار بيتشاي وجيف بيزوس وسام ألتمان. وتعكس هذه المراسم وحفاوة الاستقبال رهاناً متزايداً من ترمب على علاقته الشخصية بشي باعتبارها أداة لإدارة المنافسة. وقد أشاد مراراً بالرئيس الصيني وقال إنهما يتمتعان بعلاقة جيدة، في تحول واضح عن اللغة التي هيمنت على حرب الرسوم. لكن حفاوة الاستقبال لا تلغي الملفات الاستراتيجية الساخنة التي تتصدر طاولة القمة.

صورة تجمع الرئيسين الأميركي والصيني وقادة قطاع التكنولوجيا الاميركي المتوقع حضورهم مأدبة عشاء رسمية في البيت الأبيض على شرف الرئيس الصيني شي جين بينغ الأسبوع المقبل.(ا.ب)

تايوان وإيران والفنتانيل

ستظل تايوان أصعب القضايا السياسية. فبكين تعتبرها قضية سيادة ومصلحة . وكان شي قد حذر ترمب خلال لقائهما في مايو من أن سوء التعامل مع تايوان قد يقود العلاقة إلى مكان خطير. وإيران حاضرة أيضاً. فقد أصبحت العلاقات الاقتصادية الصينية مع طهران أكثر حساسية في ظل الحرب، فيما سبق أن اتفق ترمب وشي في مايو، على أن إيران لا ينبغي أن تمتلك سلاحاً نووياً وعلى ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً.

كذلك سيظل الفنتانيل بنداً أميركياً رئيسياً، إذ تضغط واشنطن على بكين لمنع تصدير المواد الكيميائية الأولية المستخدمة في إنتاج المخدر، بعدما تعهدت الصين العام الماضي بتشديد الرقابة على عدد منها.

حرس الشرف الأميركي يجري تدريباتٍ استعداداً لزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى البيت الأبيض يوم الخميس في 24 سبتمبر (أ.ب)

ماذا يمكن أن تخرج به القمة؟

لا تشير التحضيرات للقمة -حتى الآن- إلى صفقة كبرى يمكن أن تنهي الخلافات الأميركية - الصينية. الأكثر واقعية هو حزمة اتفاقات صغيرة تمنع العودة إلى التصعيد؛ حيث يتوقع المحللون أن تسفر المحادثات عن تمديد الهدنة التجارية بعد 10 نوفمبر، وتحسين تدفق المعادن النادرة، وتخفيض محدود للرسوم على سلع غير استراتيجية، وتوسيع مشتريات الصين من المنتجات الزراعية بما يصل إلى 17 مليار دولار وربما صفقة لشراء 200 طائرة «بوينغ»، إضافة إلى إطلاق آلية أكثر انتظاماً للحوار حول الذكاء الاصطناعي، كما يعمل الطرفان على تفاصيل إنشاء «مجلس التجارة الأميركي – الصيني» الذي اتفق عليه ترمب وشي في مايو الماضي لإدارة التجارة في السلع غير الحساسة.

وقال مسؤولون أميركيون إن تخفيفاً محدوداً للرسوم على بعض السلع غير الاستراتيجية ممكن، لكنهم لا يتوقعون مقايضة تسمح بتخفيف واسع للقيود التكنولوجية الأميركية مقابل المعادن الصينية.

وهكذا تبدو قمة واشنطن أقل محاولة لإنهاء التنافس بين القوتين، وأكثر سعياً إلى وضع قواعد لإدارته. فالرئيس ترمب يريد مكاسب تجارية يمكن تقديمها للأميركيين في وقت تشكل فيه الأسعار والاقتصاد ضغطاً سياسياً داخلياً، بينما يريد الرئيس شي استقراراً يسمح للصين بمواصلة نموها من دون العودة إلى حرب رسوم وتكنولوجيا مفتوحة.