الجزائر: غياب الاستقطاب وعنصر التشويق عن حملة «الرئاسية»

المرشحون الثلاثة ركزوا على دعوة الناس للمشاركة في الاقتراع

عبد القادر بن قرينة (وسط) متزعم حملة مؤيدي الرئيس المترشح (إعلام الحملة)
عبد القادر بن قرينة (وسط) متزعم حملة مؤيدي الرئيس المترشح (إعلام الحملة)
TT

الجزائر: غياب الاستقطاب وعنصر التشويق عن حملة «الرئاسية»

عبد القادر بن قرينة (وسط) متزعم حملة مؤيدي الرئيس المترشح (إعلام الحملة)
عبد القادر بن قرينة (وسط) متزعم حملة مؤيدي الرئيس المترشح (إعلام الحملة)

تنتهي الثلاثاء حملة انتخابات الرئاسة الجزائرية المقررة يوم 7 سبتمبر (أيلول) الجاري، في غياب الاستقطاب السياسي الحاد، الذي يتابعه الجزائريون عادةً في الانتخابات الفرنسية، التي تعد النموذج الأقرب إليهم بحكم القرب الجغرافي، زيادة على الاعتبارات التاريخية ذات الصلة بالاستعمار.

واجتهد الرئيس المنتهية ولايته، المرشح لدورة ثانية، عبد المجيد تبون، والمرشح الإسلامي عبد العالي حساني، والمرشح اليساري يوسف أوشيش في تجمعاتهم، لإقناع الناخبين بـ«أهمية التصويت بكثافة لمنح الرئيس، الذي سيفرزه الصندوق، الشرعية اللازمة التي تمكنَه من حل المشكلات الداخلية، ومواجهة التحديات في الجوار». في إشارة إلى الاضطرابات في مالي والنيجر وليبيا، التي يُجمع المرشحون على أنها «مصدر تهديد لأمننا القومي».

عبد المجيد تبون (حملة المرشح)

وفي بعض التجمعات واللقاءات المباشرة مع المواطنين في الشوارع، بدا اهتمام المرشحين منصبّاً أكثر على الانتخابات بوصفها فعلاً سياسياً أو «واجباً وحقاً» كما ورد في خطاباتهم، أكثر من إقناع الناخبين ببرامجهم وبتعهداتهم.

وساد الهدوء الأسبوعين الأولين من الحملة، التي استمرت 21 يوماً حسب القانون، كما كان متوقعاً، من دون أحداث بارزة. وفي اللقاءات المقررة للأسبوع الثالث التي يجرى أغلبها في العاصمة، لم تُعقد أي تجمعات جماهيرية كبيرة، باستثناء المهرجان الانتخابي الذي نظمه تبون في وهران، كبرى مدن غرب البلاد، يوم 25 من الشهر المنقضي، حيث جمع، حسب مديرية حملته الانتخابية، أكثر من 17 ألف شخص داخل قاعة للألعاب الرياضية، وحيث لوحظ حضور بعض المشاهير من بينهم بطلة أولمبياد باريس صاحبة الميدالية الذهبية في الملاكمة، إيمان خليف التي أثارت جدلاً أخذ بُعداً عالمياً بسبب حملة التنمر ضدها.

يوسف أوشيش مرشح «القوى الاشتراكية» في لقاء مع سكان حي بشرق البلاد (حملة المرشح)

وتجنب المرشحون تبادل الهجمات سواء كانت شخصية أو تتعلق بالبرامج، في التجمعات الميدانية أو في التدخلات الدعائية عبر وسائل الإعلام، الأمر الذي أفقد الانتخابات نكهة التشويق... واللافت، بهذا الخصوص، أن المرشحين أوشيش وحساني لم يوجّها أي انتقاد لحصيلة الولاية للرئيس تبون. أما الصحافة، فقد عدَّ معظمها أنها «كانت إيجابية»، ووفرت تغطية واسعة لعدد كبير من مؤيدي تبون، الأمر الذي استهجنه المرشح الإسلامي، عادّاً وسائل الإعلام «منحازة» إلى الرئيس المترشح، لكن من دون ذكره بالاسم.

وفي مناسبات عديدة، أبدى المرشحان المعارضان استياء من تعليقات ساخرة في وسائل الإعلام الاجتماعي، عدَّت «اللعبة محسومة للرئيس تبون»، وأنهما «يشاركان في الاستحقاق لغرض الديكور الانتخابي، ولمرافقة تبون إلى الأمتار الأخيرة من السباق ليفوز في النهاية».

وهيمنت القضايا الاقتصادية والاجتماعية على الحملة، وبخاصة القدرة الشرائية والإسكان، والبطالة وإنعاش الاقتصاد وتطوير بعض القطاعات مثل الزراعة، وفك العزلة عن المناطق النائية.

وأضفى رئيس «حركة البناء الوطني» عبد القادر بن قرينة، وهو أشد مؤيدي تبون ولاءً، مسحةً من الهزل على الحملة الدعائية بتصريحات أثارت جدلاً، كقوله إن «التملق (للرئيس) شعبة من شعب الإيمان»، أو الحديث الذي جمعه بأحد المواطنين في الشارع، حينما قال له إن «راتب 30 ألف دينار الذي تتقاضاه في بلدك، أفضل من 5 آلاف يورو التي يأخذها جزائري يعيش في سويسرا».

المرشح الإسلامي عبد العالي حساني مع أنصار حزبه جنوب غربي البلاد (حملة المرشح)

كما تم التركيز في الحملة على بعض القضايا الساخنة على الصعيد الدولي، مثل الوضع في غزة وفلسطين، فضلاً عن القضية الصحراوية التي أوجدت خلافاً شديداً مع المغرب، والتصريحات المتعلقة بفلسطين التي أدلى بها الرئيس المنتهية ولايته في قسنطينة (شرق)، وعبّر فيها عن «استعداد الجزائر لإنشاء ثلاثة مستشفيات ميدانية في غزة إذا تم فتح الحدود»، التي أثارت جدلاً كبيراً على وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الأجنبية.

واضطرت حملة الرئيس المرشح إلى التحرك بسرعة لاحتواء الجدل الذي بدأ يتشكل على وسائل التواصل الاجتماعي، عندما تم تصوير شاب وهو يسجد أمام ملصق انتخابي لعبد المجيد تبون في الجزائر العاصمة. وكتبت الحملة في بيان نُشر يوم الثلاثاء 27 أغسطس (آب): «المرشح المستقل عبد المجيد تبون لا يمكنه قبول هذا النوع من التصرفات التي لطالما ناضل ضدها ورفضها، حتى وإن كانت صادرة عن مؤيديه».


مقالات ذات صلة

الجزائر تدرس توسيع انخراطها العسكري في النيجر

شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً وفداً عسكرياً نيجرياً بقيادة وزير الدفاع في 21 أكتوبر الجاري (الرئاسة)

الجزائر تدرس توسيع انخراطها العسكري في النيجر

تتداول الأوساط السياسية والإعلامية في الجزائر أنباء عن استعداد البرلمان الجزائري لمنح الرئيس عبد المجيد تبون تفويضاً يسمح بإرسال وحدات من الجيش إلى النيجر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مصافحة بين الرئيس الجزائري ونظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)

التوتر الدبلوماسي يهدد واردات فرنسا من اليوريا الجزائرية

الجزائر تصدر تعليمات لمنتجي اليوريا بوقف تصديرها إلى فرنسا في تشديد للقيود التجارية التي ​أعقبت خلافاً دبلوماسياً بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» أكد ارتفاع عدد المسجلين الجدد في القوائم الانتخابية وفي عدد المترشحين للانتخابات المحلية المقبلة (أ.ب)

الجزائر: استبعاد مئات المرشحين يشعل مواجهة بين «سلطة الانتخابات» والأحزاب

تحتدم حالياً مواجهة حادة بين الأحزاب وهيئة تنظيم العمليات الانتخابية في الجزائر، على خلفية إقصاء مئات المترشحين للانتخابات المحلية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا ولاة المناطق الحدودية التونسية لدى وصولهم إلى اجتماع لجنة تنمية الحدود (ولاية الوادي)

الجزائر وتونس لمواجهة التهريب والهجرة السرية

يعقد مسؤولون رفيعو المستوى من الجزائر وتونس اجتماعات ماراثونية، منذ أمس الثلاثاء، لبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي وتنمية المناطق الحدودية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الانتخابات التشريعية في يوليو الماضي شهدت إقصاء 3 آلاف مترشح بشبهة المال الفاسد (سلطة الانتخابات)

أحزاب جزائرية تندد بـ«تصفية سياسية» مع اقتراب الانتخابات المحلية

تثير عملية دراسة ملفات الترشح والمصادقة عليها التي تجريها «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» تحسباً للانتخابات المحلية احتجاجاً واسعاً داخل الطبقة السياسية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

محادثات أنقرة تختبر فرص توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا

اجتماع سابق بين الزوبي وصدام حفتر بحضور وزير الدفاع التركي (وكالة أنباء الأناضول)
اجتماع سابق بين الزوبي وصدام حفتر بحضور وزير الدفاع التركي (وكالة أنباء الأناضول)
TT

محادثات أنقرة تختبر فرص توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا

اجتماع سابق بين الزوبي وصدام حفتر بحضور وزير الدفاع التركي (وكالة أنباء الأناضول)
اجتماع سابق بين الزوبي وصدام حفتر بحضور وزير الدفاع التركي (وكالة أنباء الأناضول)

تختبر المحادثات الجارية في أنقرة بين ممثلي القوتين العسكريتين الرئيستين في شرق ليبيا وغربها فرص «توحيد الجيش»، وسط أنباء عن تباينات بشأن «طبيعة الترتيبات المقترحة وحدودها، وخلافات داخل المجلس الرئاسي حول صلاحيات إدارة هذا الملف».

وتفتح المحادثات، التي بدأت (الجمعة) بين وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة»، عبدالسلام الزوبي، ونائب القائد العام للجيش الوطني الفريق صدام حفتر، مساراً جديداً في محاولات تجاوز الانقسام العسكري، وسط تحركات تركية لتقريب المؤسستين العسكريتين في الشرق والغرب، ومبادرة أميركية يقودها مستشار الرئيس دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية في البلاد.

المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني (إعلام القيادة العامة)

ووسط تكتم رسمي بالغ عن فحوى اللقاء، تتحدث مصادر ليبية عن أن «المحادثات تركز على الجوانب الفنية والعسكرية المتعلقة بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وتطرح طبيعة المشاركين فيها وتوقيتها تساؤلات بشأن علاقتها بالمسار السياسي الأوسع، واحتمال أن تصبح التفاهمات العسكرية مدخلاً لإعادة توزيع النفوذ بين المعسكرين».

وبحسب تقارير محلية، فقد تناولت المحادثات التي جرت في العاصمة التركية، برعاية أنقرة، ترتيبات للتنسيق العسكري، من بينها إنشاء غرفة قيادة مشتركة تمثل الطرفين، وتشكيل قوة عسكرية مشتركة تبدأ مهامها في المنطقة الجنوبية.

كما تحدثت تقارير عن مقترحات أوسع لإعادة تنظيم القيادة العسكرية، وتوحيد بعض الهياكل الإدارية والمالية، من دون إعلان رسمي مشترك يؤكد الاتفاق على هذه الترتيبات أو اعتمادها نهائياً.

واكتفى صدام حفتر، في تصريح بالقول (الجمعة)، إن «ليبيا أكبر من خلافاتنا، وأعزّ من أن تبقى رهينة انقساماتنا».

المنفي وإردوغان في لقاء احتضنته نيويورك في سبتمبر الماضي (د.ب.أ)

وفي مؤشر على الرهان التركي على تحقيق تقدم في هذا الملف، اعتبر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، أن الظروف أصبحت مهيأة لتوحيد شرق ليبيا وغربها بصورة دائمة، وقال (الجمعة)، إن «الهياكل العسكرية في الجانبين ينبغي أن تندمج في جيش وطني موحد»، معرباً عن أمله في صدور إعلان بهذا الشأن في المستقبل القريب.

وكان الزوبي وصدام حفتر قد التقيا في مناسبات سابقة، برعاية تركية أو أميركية، من بينها لقاء في إسطنبول خلال مايو (أيار) الماضي، في سياق اتصالات تستهدف تقريب وجهات النظر بين القوى العسكرية المتنافسة.

وتسعى أنقرة، التي ترتبط بعلاقات عسكرية وسياسية وثيقة مع سلطات غرب ليبيا، إلى تعزيز قنوات التواصل مع معسكر الشرق أيضاً، بما يتيح لها لعب دور في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في ليبيا وشرق المتوسط.

ويأتي ذلك بعد أيام من مصادقة مجلس النواب الليبي على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا لعام 2019، في تطور يعزز أهمية العلاقات بين أنقرة والسلطات الموجودة في شرق ليبيا.

وفي تطور يعكس حساسية الملف داخل المؤسسات الليبية، وجَّه رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي (الجمعة)، بصفته القائد الأعلى للجيش، تعليمات إلى الزوبى ورئيس أركان قوات حكومة الوحدة صلاح النمروش بـ«عدم إبرام اتفاقات أو مذكرات تفاهم تتعلق بترتيبات توحيد المؤسسة العسكرية قبل الحصول على الاعتماد المسبق، مع التشديد على التنسيق مع اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، وعرض المقترحات على وزير الدفاع أولاً».

وكشفت هذه الخطوة عن عمق الخلافات داخل المجلس الرئاسي نفسه، بعدما اعترض موسى الكوني، نائب المنفي، على مخاطبته للزوبي بصفته القائد الأعلى للجيش، مؤكداً أن «المراسلة لم تصدر بقرار جماعي من المجلس»، وأنها «جاءت دون استشارة أعضائه».

رئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

واستند الكوني في رسالته إلى الزوبي إلى أن الكتاب المتعلق بترتيبات توحيد المؤسسة العسكرية لم يتم عرضه على المجلس الرئاسي، ولم تصدر بشأنه موافقة جماعية، مؤكداً تأييده للجهود التي يبذلها الزوبي لتوحيد الجيش، وأهمية التنسيق مع اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» والجهات المختصة.

ويكشف الخلاف عن التباين حول إدارة ملف توحيد المؤسسة العسكرية وحدود صلاحيات المنفي، في وقت يفترض فيه أن يشكل المجلس الرئاسي مظلة توافقية بين الأطراف الليبية.

ولا يبدو هذا التباين معزولاً عن خلافات أوسع بشأن إدارة الملفات السياسية والأمنية، ما يطرح تساؤلات حول قدرة المجلس الرئاسي على لعب دور في مسألة توحيد هذه المؤسسة.

وتتجاوز أهمية اجتماع أنقرة إمكانية التوصل إلى تفاهمات عسكرية محدودة، كونه يأتي في وقت تتواصل فيه الجهود الأميركية لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية، وسط تحركات إقليمية تستهدف توسيع قنوات الاتصال بين الأطراف الليبية المتنافسة.

وطبقاً لمراقبين ليبيين، يمثل الاجتماع اختباراً بشأن إمكانية تحويل التنسيق بين الشرق والغرب إلى خطوة فعلية نحو توحيد المؤسسة العسكرية، ومدى ارتباط هذه الخطوة بالتفاهمات السياسية المطروحة بشأن مستقبل السلطة في ليبيا.

وتكمن المعضلة في أن توحيد الجيش لا يقتصر على التوصل إلى تفاهمات بين شخصيات عسكرية بارزة، بل يتطلب بناء مؤسسة تخضع لقواعد موحدة في القيادة والتمويل والمساءلة، وتحظى بقبول الأطراف المعنية لإنهاء الانقسام.

وقد تؤسس «جولة أنقرة» في حال نجاحها، بحسب مراقبين لـ«قيادة عسكرية موحدة تخضع لمرجعية مؤسسية واضحة، وتحسم قضية السلطة على الجيش».


الجزائر تدرس توسيع انخراطها العسكري في النيجر

الرئيس الجزائري مستقبلاً وفداً عسكرياً نيجرياً بقيادة وزير الدفاع في 21 أكتوبر الجاري (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مستقبلاً وفداً عسكرياً نيجرياً بقيادة وزير الدفاع في 21 أكتوبر الجاري (الرئاسة)
TT

الجزائر تدرس توسيع انخراطها العسكري في النيجر

الرئيس الجزائري مستقبلاً وفداً عسكرياً نيجرياً بقيادة وزير الدفاع في 21 أكتوبر الجاري (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مستقبلاً وفداً عسكرياً نيجرياً بقيادة وزير الدفاع في 21 أكتوبر الجاري (الرئاسة)

تتداول الأوساط السياسية والإعلامية في الجزائر، منذ الخميس، أنباء عن استعداد البرلمان الجزائري لمنح الرئيس عبد المجيد تبون تفويضاً، بوصفه وزير الدفاع، يسمح بإرسال وحدات من الجيش إلى النيجر، في إطار تحرك عسكري محتمل يستهدف مجموعات مسلحة، يُشتبه في سعيها إلى الإطاحة برئيس البلاد عبد الرحمن تياني، بما قد يشكله ذلك من تهديد للأمن القومي الجزائري، في ظل الحدود الممتدة لآلاف الكيلومترات، التي تربط الجزائر بجيرانها في منطقة الساحل.

تلقّى أعضاء «المجلس الشعبي الوطني»، (الغرفة البرلمانية السفلى)، في 22 من الشهر الحالي، رسالة تدعوهم إلى حضور دورة استثنائية مقررة غداً (الأحد)، الساعة العاشرة صباحاً. ولم يتضمن الاستدعاء أي جدول أعمال. كما تلقّى أعضاء «مجلس الأمة»، (غرفة البرلمان العليا)، الاستدعاء نفسه، لعقد اجتماع بعد ظهر اليوم ذاته، من دون توضيح سبب الاجتماع.

وحسب مصادر برلمانية، سيخصَّص الاجتماعان لمنح الجيش تفويضاً يسمح له بالتدخل خارج الأراضي الجزائرية، تطبيقاً للفقرة الثانية من المادة 91 من الدستور الجزائري، التي تنص على أن رئيس الجمهورية يملك صلاحية اتخاذ قرار «إرسال وحدات الجيش الوطني الشعبي إلى الخارج، بعد موافقة أغلبية ثلثي أعضاء كل غرفة من غرفتي البرلمان».

رئيس النيجر مصافحاً نظيره الجزائري منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

ترتيبات الحسم العسكري

تشير جميع المعطيات، وفقاً مصادر سياسية، إلى احتمال تنفيذ ضربات جوية دقيقة خلال الأيام المقبلة، بواسطة سلاح الجو الجزائري، تستهدف مصالح أجنبية في النيجر، أو جماعات يُزعم أن أطرافاً أجنبية تموّلها. ويأتي ذلك في وقت تمتلك فيه الجزائر بالفعل قوة عسكرية في نيامي، منذ أغسطس (آب) الماضي، حيث أرسلت قوة إلى الجارة الجنوبية لصد محاولة انقلاب ضد الرئيس عبد الرحمن تشياني.

ويزداد هذا الاحتمال ترجيحاً، وفق المصادر نفسها، بالنظر إلى الزيارتين اللتين قادتا وزير الدفاع النيجري ساليفو ماودي إلى الجزائر. الأولى كانت في 13 من الشهر الجاري، والثانية الأربعاء الماضي، حيث استقبله الرئيس تبون، كما أجرى مباحثات مع رئيس أركان الجيش الفريق أول سعيد شنقريحة، الذي صرح بأن جيش بلاده «مستعد لدراسة أي مقترح نيجري، من شأنه تعزيز التعاون العسكري والأمني، خدمة لمصالح بلدينا العليا».

انتشار الجيش الجزائري بالقرب من الحدود مع النيجر (صحف جزائرية)

من جهته، أشاد وزير دفاع النيجر بـ«مستوى التنسيق متعدد الأبعاد بين جيشي البلدين الشقيقين». وتوجت زيارته باتفاق «يؤطر مجال التعاون العسكري بين البلدين»، حسب بيان لوزارة الدفاع الجزائرية، دون تقديم أي تفاصيل.

وقبيل هذه الزيارة بيوم واحد، كان الرئيس عبد المجيد تبون قد عقد اجتماعاً للمجلس الأعلى للأمن حضره كبار المسؤولين الحكوميين، من دون أن تكشف رئاسة الجمهورية عن مضمونه.

وحول موضوع التئام غرفتي البرلمان في جلستين، كتب المتحدث باسم وزارة الخارجية الجزائرية، السفير عمار بلاني، منشوراً على حسابه في الإعلام الاجتماعي، السبت، قال فيه: «إذا كانت الجلستان البرلمانيتان ستُخصّصان للموافقة على تدخل عسكري خارج الحدود، فإن ذلك قد يفتح المجال أمام وجود جزائري أكثر تنظيماً ووضوحاً في النيجر. ومن شأن قرار كهذا أن يعكس تصوراً أوسع للأمن القومي، إذ لن تعود حماية الحدود وحدها كافية إذا كان سقوط دولة مجاورة قد يعرّض المصالح الوطنية، والبنى التحتية للطاقة والشراكات الاقتصادية والنفوذ الإقليمي، للخطر».

وأكد بلاني أن النيجر «قد تتحول في هذه الحالة إلى شريك ذي أولوية في إطار تعاون عسكري معزّز، من دون أن يعني ذلك، بطبيعة الحال، إقامة دائمة للقوات الجزائرية على أراضي هذا البلد».

خيارات الردع

يذهب عبد المنعم بن حمدة، قيادي الحزب الإسلامي حركة مجتمع السلم، بعيداً في التحليل، إذ ذكر في منشور أن «بعض المعطيات تشير إلى احتمال منح النيجر الجزائر حق استخدام قاعدة ماداما العسكرية، التي سبق أن استخدمتها القوات الفرنسية منذ عام 2014، قبل انسحابها منها في يوليو (تموز) 2019).

طائرة تابعة لسلاح الجو الجزائري (وزارة الدفاع)

ووفق بن حمدة: «تقع القاعدة في منطقة استراتيجية حساسة شمال النيجر، على بُعد نحو 95 كيلومتراً بخط مستقيم من أقرب نقطة على الحدود الليبية، بالقرب من المجال الصحراوي المتصل بفزّان والعمق الاستراتيجي للجنوب الليبي، فضلاً عن موقعها الذي يتيح الإشراف على نطاق جغرافي قريب من الحدود التشادية».

وتأتي هذه التطورات امتداداً منطقياً لتصريحات أدلى بها عبد المجيد تبون مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، حين أشار إلى أن الجزائر «سترد من الآن فصاعداً على محاولات زعزعة استقرار أحد بلدان المنطقة، ولن يقتصر ردها على الكلام».

كواليس «سوخوي 30»

ظهرت إحدى أولى الإشارات إلى هذا التوجه الجديد في أواخر أغسطس (آب) الماضي، مع إرسال أربع طائرات مقاتلة من طراز «سوخوي 30-إس» إلى نيامي، مرفقة بكامل التجهيزات والتسليح اللازمين لإحباط محاولة للإطاحة بالسلطة الحاكمة في النيجر. وقد اعتبرت السلطات الجزائرية تلك المحاولة تحدياً للجزائر، التي كانت قد استقبلت رئيس الوزراء النيجري محمد لمين زينه، قبل ذلك.

رئيس الجزائر مع وزير دفاع النيجر (الرئاسة)

وصرح الرئيس تبون بهذا الخصوص، خلال مقابلة بثها التلفزيون العمومي مطلع أكتوبر: «كان رئيس الوزراء النيجري موجوداً في الجزائر، وفي الوقت نفسه كانت هناك محاولة انقلاب جارية في النيجر. ماذا يعني هذا؟ هل هو استفزاز للجزائر؟ وأنا أيضاً سأرسل طائرات، وسأقف في مواجهتكم نداً لند، لأن هناك من لم يعد يعرف حدود اللياقة والاحترام».

واستُشفّ من تصريحاته أن جهة خارجية قد تكون وراء محاولة الانقلاب في النيجر، في إطار ما يراه استهدافاً مزدوجاً، يتمثل في الإطاحة بالرئيس عبد الرحمن تياني، الذي تربطه بالجزائر علاقات وثيقة ويُنظر إليه على أنه حليف لها، والعمل في الوقت ذاته على زعزعة الاستقرار داخل الجزائر، بالنظر إلى الحدود الطويلة التي تجمع البلدين.

رئيس أركان الجيش الجزائري في لقاء سابق مع وزير الدفاع النيجري (وزارة الدفاع الجزائرية)

غير أن الرئيس الجزائري لم يكشف عن هوية الجهة، التي ألمح إلى احتمال تورطها في هذه المحاولة، التي تأتي في سياق أمني مضطرب تعيشه النيجر، البلد الذي شهد محاولات انقلابية سابقة، ويصنف ضمن أفقر دول العالم.


تضخم إنفاق حكومتي ليبيا يفاقم الضغوط على «المصرف المركزي»

واجهة المصرف المركزي بطرابلس (رويترز)
واجهة المصرف المركزي بطرابلس (رويترز)
TT

تضخم إنفاق حكومتي ليبيا يفاقم الضغوط على «المصرف المركزي»

واجهة المصرف المركزي بطرابلس (رويترز)
واجهة المصرف المركزي بطرابلس (رويترز)

لا يبدو أن تغيير قيادة مصرف ليبيا المركزي بات كافياً لإنهاء الضغوط، التي تلاحق إدارته بسبب تضخم الإنفاق الحكومي، وفق خبراء رأوا في ذلك «انعكاساً لوضع متأزم في بلد يعاني انقساماً سياسياً وحكومياً منذ أكثر من عقد، وتتنازع فيه سلطات الشرق والغرب إدارة الموارد العامة، وتحديد أولويات صرفها».

فمن ناجي عيسى، محافظ المركزي، الذي قُبلت استقالته من قبل مجلس النواب، الأسبوع الماضي، إلى سلفه الصديق الكبير الذي غادر منصبه قبل عامين، كان القاسم المشترك هو شكاوى القائمين على المصرف من ضغوط اتساع النفقات الحكومية، وتأثيرها في الاستقرار النقدي والمالي، في وقت تتواصل فيه المطالب بتمويل زيادات في الرواتب، ونفقات حكومية لا تتناسب بالضرورة مع الإيرادات المتاحة.

محافظ مصرف ليبيا المركزي السابق ناجي عيسى خلال مشاركته في اجتماع محافظي المجموعة الأفريقية في تايلاند الشهر الحالي (صفحة المصرف)

وفي مؤشر على المخاطر التي يثيرها استمرار الإنفاق المتزايد، أعادت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا التأكيد على «ضرورة الحفاظ على استقلالية مصرف ليبيا المركزي»، وذلك في بيان، مساء الجمعة، تعليقاً على قبول استقالة ناجي عيسى، وتكليف فوزي بوخزام بقيادة «المصرف».

وذهبت البعثة الأممية إلى التحذير من أن «استمرار الضغوط الرامية إلى تمويل الإنفاق العام المتزايد قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على سعر الصرف، وتأجيج التضخم، وتسريع استنزاف الاحتياطيات، بما يفاقم الأوضاع الاقتصادية، ويرفع احتمالات الاضطرابات الاجتماعية».

* سوء تسيير

بحسب الخبير الاقتصادي خالد الزنتوتي، فإن تضخم الإنفاق الحكومي يعكس «سوء الإدارة والتنافس على اقتسام الغنيمة بين مختلف الأطراف»، في ظل الانقسام السياسي والصراع على السلطة والموارد.

وبحسب الزنتوتي، الرئيس السابق لشركة «الاستثمارات الخارجية والمحفظة طويلة المدى» (حكومية)، فإن المحافظ الجديد للمصرف المركزي سيواجه المعضلة نفسها ما دام الانقسام مستمراً، مرجحاً أن «تقود محاولات الإصلاح إلى مواجهة مع القوى المستفيدة من الوضع القائم، بما قد يعرّض المحافظ لضغوط تنتهي باستقالته، أو إقالته إذا رفض مسايرة السياسات الإنفاقية للحكومتين».

محافظ المصرف المركزي الليبي المكلف من مجلس النواب فوزي بوخزام (صفحات ليبية)

وتكشف البيانات الرسمية عن اتساع فاتورة الإنفاق العام، فقد بلغ إجمالي الإنفاق المعلن خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 نحو 88.6 مليار دينار، مقابل 86.3 مليار دينار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وذلك بزيادة تقارب 2.4 مليار دينار.

(السعر الرسمي للدولار نحو 6.40 دينار، و10.06 دينار في السوق السوداء).

وبموازاة ذلك، بلغ الإنفاق الموازي للحكومتين نحو 69 مليار دينار، أو ما يعادل 10.9 مليار دولار، خلال الفترة الممتدة من بداية العام حتى نهاية يوليو (تموز) الماضي، وفق أرقام رسمية.

والملاحظ أن قضية تضخم الإنفاق الحكومي كانت حاضرة في الخلافات، التي سبقت مغادرة عيسى منصبه. ووفق مصادر مقربة منه سبق أن تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، فقد اشترط المحافظ السابق قبل نحو شهرين للعدول عن استقالته، وقف قرارات الزيادات الأخيرة في الرواتب التي أقرتها جهات حكومية، بسبب عدم تناسبها مع الإيرادات العامة، وما تفرضه من أعباء إضافية على المالية العامة.

ويبدو أن الاتفاق المالي الموحد، الذي وُقّع في أبريل (نيسان) 2026 برعاية أميركية، لم يكن كافياً حتى الآن لتبديد تلك الاعتراضات. وبحسب المصادر نفسها، كان التباطؤ في تنفيذ الاتفاق أحد مصادر شكوى عيسى، وأسباب تقديم استقالته.

* ورطة الإفراط في الإنفاق

يرى الخبير الاقتصادي عبد الحميد الفضيل أن مشاورات ناجي عيسى مع صندوق النقد الدولي، في وقت سابق من الشهر الحالي قبيل استقالته، كشفت عن «حقائق صادمة بشأن التوسع المفرط في الإنفاق العام من جانب الحكومتين». وأشار إلى أن المشاورات عكست غياب أفق قريب لتوحيد الإنفاق، بالتزامن مع تراجع إيرادات النفط بفعل تضخم فاتورة المحروقات، وتصدير النفط خارج القنوات الرسمية، وعدم امتثال بعض المصارف التجارية لتعليمات المصرف المركزي، فضلاً عن تراجع استقلالية المؤسسة النقدية.

ورأى الفضيل في منشور عبر «فيسبوك» أن هذه المعطيات تضع المصرف المركزي أمام قدرة محدودة للغاية على كبح استنزاف الاحتياطيات، في ظل ضغوط يمارسها نافذون في شرق البلاد وغربها للحصول على مزيد من الأموال خارج الأطر الرسمية، وبمستويات تتجاوز بكثير قدرة الاقتصاد الليبي على استيعابها.

محافظ المصرف المركزي الليبي الأسبق الصديق الكبير خلال مشاركته في أحد لقاءات تجمع سياسي بطرابلس في يوليو الماضي (تجمع الرؤية الوطنية)

وللتذكير، فإن شكاوى تضخم الإنفاق الحكومي لم تقتصر على عيسى؛ إذ سبق أن اعترض المحافظ الأسبق الصديق الكبير في فبراير (شباط) 2024 على تضخم النفقات الحكومية، مشيراً في خطابات إلى رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة إلى بلوغها 420 مليار دينار خلال 3 سنوات.

وقبل أشهر من مغادرة منصبه، كشف الكبير أن معظم الإنفاق وُجّه إلى الاستهلاك على حساب التنمية، محذراً من تفاقم العجز إذا استمرت السياسات المالية نفسها. وتزامنت تحذيراته مع تداول الدينار عند 7.26 دينار للدولار في السوق الموازية، مقابل 4.77 دينار رسمياً، بينما كان ينظر إليه حينها على أنه قفزة في أسعار الصرف.

ويرى الزنتوتي أن المحافظ الجديد سيكون أمام خيارين: أولهما القبول بالواقع القائم، بما قد يتيح له البقاء في منصبه سنوات طويلة، «إلى أن تفلس الدولة»، والثاني محاولة إصلاح السياسات المالية، وتحمل تبعات الاصطدام بالأطراف المستفيدة من استمرارها، موضحاً أن الأزمة مرشحة للاستمرار في المدى القريب حتى في حال توحيد الحكومتين.