جهود سعودية للنهوض بالصناعات الدوائية وتحقيق الاكتفاء الذاتي

مختصّون لـ«الشرق الأوسط»: القطاع يخلق فرصاً وظيفية ويجذب الاستثمارات الأجنبية

مصنع بمدينة الدمام ينتج المستلزمات الطبية المختلفة ومنها الكمامات (واس)
مصنع بمدينة الدمام ينتج المستلزمات الطبية المختلفة ومنها الكمامات (واس)
TT

جهود سعودية للنهوض بالصناعات الدوائية وتحقيق الاكتفاء الذاتي

مصنع بمدينة الدمام ينتج المستلزمات الطبية المختلفة ومنها الكمامات (واس)
مصنع بمدينة الدمام ينتج المستلزمات الطبية المختلفة ومنها الكمامات (واس)

تقوم السعودية بجهود للنهوض بالصناعات الدوائية والمعدات الطبية، من خلال توطينها، ورفع نسبة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، وصولاً إلى تقليل الاعتماد على الواردات، وتحقيق الأمن الصحي والاكتفاء الذاتي، فقد وصل عدد المنشآت القائمة حالياً بهذه القطاعات إلى 206 مصانع، بإجمالي استثمارات قيمتها 10 مليارات ريال (2.66 مليار دولار).

وكان وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر الخريف، بحث مؤخراً مع جهات برازيلية توطين صناعة اللقاحات والأدوية؛ كونَ هذا القطاع يُعَدّ من أبرز المجالات الواعدة التي ركّزت على تطويرها «الإستراتيجية الوطنية للصناعة»؛ نظراً لما يشكّله من أهمية كبرى في تحقيق الأمن الدوائي والصحي، وتعزيز الاستقلالية للمملكة في هذا المجال، عبر تأمين احتياجاتها الطبية، وبناء القدرات الصناعية النوعية في هذه المنظومة، وصولاً إلى أن تكون البلاد مركزاً مهماً لهذه الصناعة الواعدة.

وحسب «فيتش سوليوشن»، بلغت قيمة سوق الأدوية في السعودية 11.72 مليار دولار (44 مليار ريال) في 2022، ومن المتوقع أن تصل إلى 15.09 مليار دولار (56.6 مليار ريال) بحلول عام 2027، بمعدل نمو سنوي مركَّب قدره 5.2 في المائة.

وخصَّصت المملكة ما قيمته 214 مليار ريال (57 مليار دولار) في موازنة العام 2024 على قطاع الصحة والتنمية الاجتماعية، في إطار التزامها بتحسين جودة الرعاية الصحية، وتوفير الخدمات الصحية لجميع مواطنيها، وهو ما يتوافق مع الهدف الثالث للتنمية المستدامة الذي يركّز على ضمان حياة صحية، وتعزيز الرفاه للجميع في الأعمار كافة.

وتماشياً مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للصناعة و«رؤية 2030»، تم توطين عدد من المنتجات الدوائية والمعدات الطبية في المملكة، منها: أجهزة التنفس الصناعي المستخدمة في غرف العناية الفائقة، وأجهزة وشرائط قياس مستوى السكر في الدم.

مصنع تابع لـ«شركة تبوك الدوائية» بالسعودية (واس)

وفي هذا الإطار، أكّد مختصون لـ«الشرق الأوسط»، أن توطين صناعة الأدوية والأجهزة الطبية بالمملكة، يسهم إيجاباً في خلق فرص عمل نوعية ذات الدخل المرتفع، ويضمن توافر الإمدادات، وتقليل الاعتماد على الواردات، ويجذب المزيد من الاستثمارات، ويحقّق الاكتفاء الذاتي والأمن الصحي للبلاد.

التسويق والمبيعات

وفي حديث إلى «الشرق الأوسط»، أوضح نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية سابقاً، والمؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة «كنز الحيوية للاستثمار»، المهندس أسامة الزامل، أن صناعة الدواء لها تأثير كبير على الاقتصاد العالمي؛ إذ تحجز المرتبة الثانية دولياً من حيث المبيعات.

وقال إن السعودية تُعدّ أكبر سوق للمستحضرات الدوائية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث بلغت القيمة السوقية لهذا القطاع 28 مليار ريال (7.46 مليار دولار) في عام 2020، ومن المتوقع وصوله إلى حوالي 44.1 مليار ريال (11.76 مليار دولار) بحلول 2030، مبيّناً أن مجال الأدوية والأجهزة الطبية يُعدّ خصباً للنمو محلياً.

كذلك، أوضح الزامل أن السعودية تتصدر سوق الأجهزة الطبية في المنطقة، ممثلة بذلك 17 في المائة، حين بلغت القيمة السوقية 20 مليار ريال (5.3 مليار دولار) في عام 2020، ويتوقع وصوله إلى نحو 34 مليار ريال (9 مليار دولار) بحلول 2030.

وتوقّع أن يكون لتوطين صناعة الأدوية والأجهزة الطبية في السعودية أثر اقتصادي إيجابي على الناتج المحلي الإجمالي، من خلال عدة طرق؛ أبرزها: خلق فُرص وظيفية نوعية ذات دخل مرتفع، سواءً في مجال التصنيع، أو البحث والتطوير، أو التسويق والمبيعات، حيث تؤدي زيادة التوظيف إلى ارتفاع دخل الأفراد، وبالتالي تعزيز الاستهلاك المحلي، ما يُسهم في دفع عجلة الاقتصاد.

خطوط الإمداد

ولفت الزامل إلى احتمالية تأثير الأزمات الدولية على خطوط الإمداد، وبالتالي التوطين لهذا القطاع يضمن توافر الإمدادات بشكل عام، ويسهم في جذب الاستثمارات وتحقيق الاكتفاء الذاتي للمملكة، كما يسهم في حماية الاقتصاد المحلي من تقلبات الأسعار العالمية وتغيرات السياسات التجارية التي قد تؤثر على استيراد الأدوية والمعدات الطبية.

وأكمل أن توطين هذه القطاعات سيؤدي إلى زيادة حجم الإنتاج الصناعي بالسعودية، وتقليل الاعتماد على الواردات، الأمر الذي يعزّز الإنتاج الوطني، ويسهم بشكل مباشر في رفع نسبة مساهمة المنظومة في الناتج المحلي الإجمالي، من خلال تصنيع الأدوية والأجهزة الطبية.

وتابع نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية السابق، أن توطين الصناعات الدوائية والطبية يحمل أهمية استراتيجية كبيرة، بوصفه جزءاً من «رؤية 2030»، لتنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، ما يساعد في خلق اقتصاد أكثر توازناً واستدامةً، بأن تصبح الصناعات التحويلية (مثل الأدوية) جزءاً أساسياً في الناتج المحلي الإجمالي.

وبيّن الزامل أن توطين هذه الصناعات يسهم في جذب استثمارات أجنبية ومحلية جديدة، تسهم في زيادة الإنتاجية والإيرادات، إضافةً إلى تحسين الميزان التجاري بتقليل الاعتماد على الواردات، وزيادة الصادرات المحتملة من الأدوية والأجهزة الطبية المصنعة محلياً.

البحث والتطوير

ومع توسّع هذه الصناعات، يعتقد الزامل أنه سيكون هناك استثمار أكبر في البحث والتطوير، ما يؤدي إلى ابتكارات جديدة تسهم في تحسين كفاءة وإنتاجية الاقتصاد الوطني، حيث إن ذلك سيكون محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي على المدى الطويل.

علاوةً على ذلك، أبان الزامل أن توطين قطاع صناعة الأدوية والأجهزة الطبية يلعب دوراً محورياً في تعزيز الأمن الصحي الوطني، من خلال بناء نظام صحي أكثر مرونةً واستدامةً في مواجهة التحديات المستقبلية.

وأفاد بأن توطين هذه القطاعات يضمن توافر الإمدادات الحيوية والمنتجات الطبية التي تتماشى مع احتياجات المجتمع المحلي ومعايير الجودة العالمية، ما يقلّل من مخاطر نقص الإمدادات خلال الأزمات العالمية، مثل الأوبئة والكوارث الطبيعية، فوجود المصانع يُبرز قدرة المملكة على إنتاج ما تحتاجه داخلياً، دون الاعتماد الكامل على الواردات.

وأكّد إمكانية أن تصبح المملكة وجهة للسياحة الطبية، خصوصاً في الشرق الأوسط وأفريقيا، من خلال توطين العلاجات الباهظة المرتبطة بالأمراض المعقّدة (مثل السرطان)، الذي سيقلّل من تكاليف علاج المرضى في الخارج، إضافةً إلى الجراحات التجميلية.

إلى ذلك، يعمل توطين هذه الصناعات على تعزيز الأمن الصحي، من خلال ضمان توفر المنتجات الحيوية محلياً، ويشجع تطوير التكنولوجيا والابتكار في هذا المجال، ما يمكّن البلاد من أن تكون مصدراً إقليمياً للأدوية والأجهزة الطبية، حسب نائب الوزير سابقاً.

إحدى المعدات الطبية التي تستخدم في جراحة التجميل (تصوير: تركي العقيلي)

التنمية المستدامة

من ناحيته، ذكر عضو جمعية اقتصاديات الطاقة، وعضو جمعية الاقتصاد السعودية، المستشار الدكتور عبد الله الجسار لـ«الشرق الأوسط»، أن توطين صناعة الأدوية والأجهزة الطبية خطوة محورية نحو تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الأمن الصحي، حيث بدأت منذ إنشاء أول مصنع في منتصف الثمانينات الميلادية، واستمر القطاع في التطور حتى أصبح أحد المستهدفات الأساسية لـ«رؤية 2030».

ورأى أن أهمية توطين هذا القطاع تتجلّى في عدة جوانب، منها: تقليل الاعتماد على الواردات، وتنويع مصادر الدخل الوطني، من خلال خلق فرص عمل جديدة مباشرة وغير مباشرة لتخصصات نوعية ومحددة، ما يسهم في خفض معدلات البطالة، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.

وحسب الجسار، فإن توطين صناعة الأدوية والأجهزة الطبية له أهمية في جذب الاستثمارات، خصوصاً في مجالات البحث والتطوير، ما يعزّز الابتكار، ويرفع من القدرة التنافسية.

إضافةً إلى ذلك، يرى الجسار أهمية هذا التوطين في تلبية الطلب المحلي المتزايد؛ لضمان احتياجات السوق المحلية بسرعة وكفاءة عالية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، خصوصاً خلال الأزمات الصحية (مثل الأوبئة)، حيث إنه من خلال توفير الأدوية والمعدات الطبية داخلياً يمكن للمملكة تحسين جودة الرعاية الصحية، وتقليل تكاليف العلاج، ما يعود بالنفع على النظام الصحي كله.

الميزان التجاري

وقد يؤثر ذلك إيجابياً على الاقتصاد الوطني، من خلال زيادة الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع ارتفاع معدل النمو إلى 12 في المائة سنوياً في الأعوام المقبلة، بدلاً من 5 في المائة الأعوام السابقة، وهذا ينعكس على تحسين الميزان التجاري، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وفق الجسار.

يُشار إلى أن السعودية شكَّلت لجنة صناعة اللقاحات والأدوية الحيوية، برئاسة وزير الصناعة والثروة المعدنية، في مارس (آذار) 2022، التي تهدف إلى صناعة اللقاحات والأدوية الحيوية وتطويرها، وتحديد أفضل التقنيات في هذا المجال، إضافةً إلى تحقيق الأمن الدوائي والصحي للمملكة، وبناء منصات صناعية محلية بمواصفات عالمية.


مقالات ذات صلة

ترمب يعتزم طرح استثمار كوري بنحو 54 مليار دولار في غاز ألاسكا

الاقتصاد قوارب راسية في ميناء في جونو بألاسكا (أ.ب)

ترمب يعتزم طرح استثمار كوري بنحو 54 مليار دولار في غاز ألاسكا

تعتزم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب طرح خطط لاستثمار نحو 54 مليار دولار من الحزمة الاستراتيجية التي تعهدت بها كوريا الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار بورصة هونغ كونغ (رويترز)

تمويل الأسهم الآسيوية يتجه لتجاوز قياسي 2021 بدعم الذكاء الاصطناعي

تتجه الشركات في آسيا والمحيط الهادئ إلى تجاوز الرقم القياسي المسجل في 2021 لتمويل الأسهم والسندات القابلة للتحويل.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد متداولون يعملون بالقرب من شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» وسعر صرف العملات الأجنبية بين الدولار الأميركي والوون في غرفة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)

الأسهم الكورية تتجه لأكبر خسارة فصلية منذ مطلع 2020

تراجعت الأسهم الكورية الجنوبية الأربعاء، متجهة لتسجيل أكبر خسارة فصلية لها منذ الربع الأول من عام 2020.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد يظهر انعكاس أحد المارة على شاشة عرض أسعار الأسهم في مبنى بورصة سيدني للأوراق المالية (أ.ف.ب)

التضخم الأسترالي يتسارع إلى 4 % رغم رفع الفائدة

تسارع التضخم في أستراليا خلال أغسطس (آب)، مع ارتفاع تكاليف الوقود واستمرار اتساع ضغوط الأسعار.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد شعار «إنتيسا سان باولو» في صورة توضيحية ملتقطة في 3 ديسمبر 2025 (رويترز)

الذكاء الاصطناعي يقود عملية احتيال بـ95 مليون يورو في بنك إيطالي

استخدم محتالون تقنية استنساخ الصوت ورسالة مزيفة عبر تطبيق «واتساب» لانتحال هوية مسؤولين كبار، وإقناع رئيس مجلس إدارة بنك «فيديرام» بتحويل نحو 95 مليون يورو.

«الشرق الأوسط» (روما)

ترمب بين ضغط الجمهوريين ومصالح النفط في أزمة الديزل قبل الانتخابات

وزير الطاقة كريس رايت يتحدث خلال إعلان في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة (إ.ب.أ)
وزير الطاقة كريس رايت يتحدث خلال إعلان في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة (إ.ب.أ)
TT

ترمب بين ضغط الجمهوريين ومصالح النفط في أزمة الديزل قبل الانتخابات

وزير الطاقة كريس رايت يتحدث خلال إعلان في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة (إ.ب.أ)
وزير الطاقة كريس رايت يتحدث خلال إعلان في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة (إ.ب.أ)

تدرس إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خيارات عدة لاحتواء الارتفاع الحاد في أسعار الديزل، من بينها فرض قيود على الصادرات، في وقت تتصاعد فيه الضغوط داخل الحزب الجمهوري وقطاع النفط، بشأن تداعيات أزمة الوقود على الاقتصاد الأميركي، بينما بدأت ولايات عدة إجراءات لتخفيف تكلفة الديزل والبنزين.

ونقل تقرير لـ«فاينانشال تايمز» عن أشخاص مطلعين على المناقشات أن البيت الأبيض عرض على ترمب خيارات تشمل الحد من مبيعات الديزل في الأسواق الخارجية، بينما أبلغ مسؤولون أميركيون حلفاء أوروبيين باحتمال حدوث اضطرابات في الإمدادات.

وقال مسؤول في البيت الأبيض إن ترمب «يقيّم جميع الخيارات المطروحة» لخفض أسعار الوقود محلياً، من دون اتخاذ قرار بشأن تعليق الصادرات حتى الآن.

ويأتي ذلك بعدما بلغ سعر الديزل في الولايات المتحدة مستوى قياسياً عند 6.53 دولار للغالون الأسبوع الماضي، بزيادة تتجاوز 70 في المائة عن مستواه قبل اندلاع الحرب مع إيران، وفق بيانات «إيه إيه إيه» التي أوردتها «رويترز». وتسببت اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالحرب، والهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية، وتراجع المخزونات العالمية، في تشديد سوق وقود الديزل.

ضغوط متعارضة

ويواجه ترمب ضغوطاً من جانبين؛ إذ يدفع مشرِّعون جمهوريون؛ خصوصاً من الولايات الزراعية، باتجاه الحد من صادرات الديزل بهدف زيادة المعروض في السوق المحلية وخفض الأسعار، في حين تحذِّر شركات النفط من أن تقييد الصادرات قد يؤدي إلى اضطراب الأسواق وارتفاع الأسعار في مناطق أميركية تعتمد جزئياً على الوقود المستورد.

وحسب «فاينانشال تايمز»، كثَّفت شركات النفط اتصالاتها بالبيت الأبيض في الأيام الأخيرة، بينما ناقش عدد من أعضاء الإدارة، بينهم وزير الطاقة كريس رايت ووزير الداخلية دوغ برغوم ووزير الخزانة سكوت بيسنت، تداعيات فرض حظر على الصادرات. كما التقى الرئيس التنفيذي لـ«إكسون موبيل» دارين وودز، رايت، في البيت الأبيض، الثلاثاء.

وكان ترمب قد قال في وقت سابق إنه يؤيد حظر صادرات الديزل، قبل أن يظل القرار قيد البحث. وتُظهر المناقشات أن الإدارة تدرس أيضاً بدائل أقل مباشرة، بينها توسيع الإعفاءات المرتبطة بقانون «جونز» بما قد يسهل نقل الوقود بين الموانئ الأميركية، وتخفيف بعض الضرائب، والسماح باستخدام الديزل المصبوغ المعفى من معظم الضرائب الفيدرالية على نطاق أوسع.

إجراءات على مستوى الولايات

وبالتوازي مع نقاش البيت الأبيض، بدأت ولايات أميركية بالفعل اتخاذ خطوات لتخفيف تكلفة الوقود. وأفادت «رويترز» بأن ولايات عدة علَّقت ضرائب على البنزين والديزل، وخففت قيوداً على استخدام الديزل المصبوغ المخصص عادة للآليات الزراعية ومركبات الطرق الوعرة، كما لجأت ولايات أخرى إلى تعديل قواعد خلط الوقود أو أوزان الشاحنات.

ففي جورجيا، عُلِّقت ضريبة الولاية على البنزين والديزل لمدة 30 يوماً، إلى جانب تخفيف قيود أوزان المركبات التجارية. وأوقفت إنديانا ضريبة المبيعات على البنزين، بينما سمحت ألاباما ولويزيانا وأوكلاهوما وتكساس باستخدام الديزل المصبوغ على الطرق في ظروف أوسع.

كما علقت كاليفورنيا مؤقتاً قواعد مزيج البنزين الصيفي، بينما خففت ولايات أخرى قيوداً مرتبطة بنقل المحاصيل والوقود، في محاولة لتقليل تكلفة النقل والإمدادات.

أزمة تتجاوز السوق الأميركية

ولا تقتصر تداعيات أي قيود محتملة على السوق المحلية. فالولايات المتحدة أصبحت مورداً مهماً للديزل إلى الأسواق العالمية بعد تراجع إمدادات من مناطق أخرى، بينما أظهرت بيانات سابقة أن صادرات الديزل الأميركية ارتفعت بأكثر من 20 في المائة عن مستويات العام الماضي إلى نحو 1.3 مليون برميل يومياً، حسب تحليل لـ«رويترز».

وفي أوروبا، حث البيت الأبيض دولاً على السحب من مخزونات الديزل الطارئة للمساعدة في تخفيف الأسعار العالمية، بينما تواصل الإدارة بحث سبل زيادة الإمدادات.

وتعكس الأزمة مفارقة في سوق الطاقة الأميركية: فرغم أن الولايات المتحدة هي أكبر منتج للنفط عالمياً وتعمل مصافيها بمعدلات مرتفعة، فإن اضطراب الإمدادات العالمية كشف اعتماد السوق الأميركية على حركة التجارة الدولية في بعض أنواع الوقود.

وارتفع سعر خام برنت إلى 102.59 دولار للبرميل في تسوية الثلاثاء، بزيادة تقارب 40 في المائة منذ بدء الحرب في فبراير (شباط)، ما يزيد الضغوط على سوق المشتقات النفطية.

وبينما قد يؤدي تقييد الصادرات إلى زيادة المعروض من الديزل داخل الولايات المتحدة في الأجل القصير، فإن اتساع نطاق القيود قد يعيد توزيع النقص بدلاً من إزالته؛ خصوصاً في ظل ضيق طاقات التكرير العالمية واستمرار اضطرابات الإمدادات.


ترمب يعتزم طرح استثمار كوري بنحو 54 مليار دولار في غاز ألاسكا

قوارب راسية في ميناء في جونو بألاسكا (أ.ب)
قوارب راسية في ميناء في جونو بألاسكا (أ.ب)
TT

ترمب يعتزم طرح استثمار كوري بنحو 54 مليار دولار في غاز ألاسكا

قوارب راسية في ميناء في جونو بألاسكا (أ.ب)
قوارب راسية في ميناء في جونو بألاسكا (أ.ب)

تعتزم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب طرح خطط لاستثمار نحو 54 مليار دولار من الحزمة الاستراتيجية التي تعهدت بها كوريا الجنوبية، لتمويل مشروع للغاز الطبيعي المسال في ألاسكا ومشاريع أميركية أخرى، وفقاً لمصدرَين مطلعَين على المناقشات.

ويأتي مشروع «ألاسكا للغاز الطبيعي المسال» في صدارة المشاريع المطروحة؛ إذ يتضمن إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز من المنحدر الشمالي للولاية إلى منشأة لتسييله على الساحل الجنوبي، قبل تصديره إلى الأسواق الآسيوية.

وتسعى الشركة المطورة للمشروع (غلينفارني)، إلى تأمين اتفاقات إضافية لشراء الغاز لتدبير التمويل اللازم، بعدما أعلنت في مارس (آذار) أنها حصلت على التزامات لشراء 13 مليون طن سنوياً. كما وقعت «جيرا» و«طوكيو غاز» اليابانيتان اتفاقات أولية لشراء مليوني طن سنوياً مجتمعَين في حال تنفيذ المشروع.

وتواجه خطة «ألاسكا للغاز الطبيعي المسال» منذ سنوات تحديات تتعلق بتكلفة المشروع وتمويله وجدواه التجارية. وقد خضعت هذه الجوانب أيضاً لدراسات من حكومتَي كوريا الجنوبية واليابان، ما يجعل الاستثمار الكوري المحتمل مصدراً جديداً لتمويل المشروع.

وتعمل سيول وواشنطن على تحديد المشاريع التي يمكن أن تستوعب حزمة الاستثمارات الاستراتيجية البالغة 350 مليار دولار، والتي تعهدت بها كوريا الجنوبية في إطار اتفاق تجاري العام الماضي. وتشمل المناقشات، إلى جانب مشروع الغاز في ألاسكا، مشاريع للطاقة النووية ومحطة لتوليد الكهرباء بالغاز في تكساس.

وقال كيم سونغ وون، النائب المعارض ورئيس لجنة التجارة في البرلمان الكوري الجنوبي، إن الجمعية الوطنية ستدقق في ربحية المشاريع الاستثمارية الأميركية والمخاطر المالية المرتبطة بها، إلى جانب المنافع المباشرة للشركات الكورية.

وأضاف أن الاستثمارات الأميركية ينبغي أن تُصمَّم بما يحقق منفعة متبادلة، ويوسع أسواق الشركات الكورية، ويعزز استقرار سلاسل إمدادات الطاقة.

وكان ترمب قد روَّج مراراً لمشروع ألاسكا بوصفه وسيلة لزيادة صادرات الطاقة الأميركية، وتعزيز العلاقات مع حلفاء واشنطن، وبينهم كوريا الجنوبية واليابان.


السندات العالمية تتكبد أسوأ خسائر في سبتمبر... والأسهم تصمد

أحد المارة يسير أمام لوحة أسعار الأسهم التي تعرض مستوى سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات وسعر صرف الدولار مقابل الين الياباني في طوكيو (رويترز)
أحد المارة يسير أمام لوحة أسعار الأسهم التي تعرض مستوى سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات وسعر صرف الدولار مقابل الين الياباني في طوكيو (رويترز)
TT

السندات العالمية تتكبد أسوأ خسائر في سبتمبر... والأسهم تصمد

أحد المارة يسير أمام لوحة أسعار الأسهم التي تعرض مستوى سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات وسعر صرف الدولار مقابل الين الياباني في طوكيو (رويترز)
أحد المارة يسير أمام لوحة أسعار الأسهم التي تعرض مستوى سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات وسعر صرف الدولار مقابل الين الياباني في طوكيو (رويترز)

تتجه أسواق السندات العالمية لإنهاء سبتمبر (أيلول) بأحد أسوأ أشهرها في سنوات، تحت ضغط تدهور المالية العامة للحكومات، وكثافة الإصدارات وارتفاع التضخم، في وقت أبقت فيه الحرب الأميركية- الإسرائيلية مع إيران تكاليف الطاقة مرتفعة.

وفي المقابل، أظهرت أسواق الأسهم قدرة أكبر على الصمود أمام القفزة في عوائد السندات، مع استمرار التفاؤل في أسواق آسيا، الأربعاء.

واستقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات قرب أعلى مستوياتها منذ 2007 عند 5.2383 في المائة، متجهة للارتفاع بنحو 50 نقطة أساس خلال سبتمبر، في أكبر زيادة شهرية لها في نحو عامين. وتتحرك عوائد السندات عكس أسعارها.

وتراجعت عوائد السندات الأميركية لأجل عامين قليلاً إلى 4.8889 في المائة بعد تصريحات جون ويليامز، رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، التي قلصت توقعات تشديد السياسة النقدية في وقت أقرب، ولكنها لا تزال مرتفعة بأكثر من 50 نقطة أساس خلال الشهر.

وقالت شارو تشانانا، كبيرة استراتيجيي الاستثمار لدى «ساكسو»، إن حركة العوائد «تتجاوز إعادة تسعير الاجتماعات المقبلة للبنوك المركزية»، مشيرة إلى أن الأسواق تتجه نحو نظام تتسم فيه العوائد بمستويات أعلى هيكلياً.

وتابعت بأن عودة العوائد بشكل مستدام إلى المستويات شديدة الانخفاض التي اعتاد عليها المستثمرون بعد الأزمة المالية العالمية أصبحت أكثر صعوبة.

وفي اليابان، تحوم عوائد السندات قرب أعلى مستوياتها في عقود عدة، بينما سجلت عوائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات في ألمانيا وفرنسا هذا الأسبوع أعلى مستوياتها في 17 و18 عاماً على التوالي.

الأسهم تقاوم ارتفاع العوائد

ورغم أن استمرار ارتفاع العائد الخالي من المخاطر يزيد تكلفة إعادة تمويل الشركات ويضغط على النمو، ظل تأثيره في أسواق الأسهم محدوداً نسبياً حتى الآن.

وارتفع مؤشر «إم إس سي آي» الأوسع لأسهم منطقة آسيا والمحيط الهادئ باستثناء اليابان 0.2 في المائة في التعاملات المبكرة، متجهاً إلى خسارة شهرية تزيد قليلاً على 1 في المائة.

وصعد مؤشر «نيكاي» الياباني 0.9 في المائة، بينما يتجه لإنهاء الشهر دون تغيُّر يُذكَر، في حين يتجه مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي لتحقيق مكاسب شهرية تبلغ 1.4 في المائة.

وارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك» 0.13 في المائة، و«ستاندرد آند بورز 500» 0.16 في المائة، بينما زادت العقود الآجلة لـ«يورو ستوكس 50» و«داكس» 0.5 في المائة لكل منهما.

ويُعزى صمود الأسهم إلى قوة أرباح الشركات، وتماسك الاقتصاد العالمي، واستمرار الزخم الاستثماري حول الذكاء الاصطناعي.

وقال محمد أبهاي، رئيس استراتيجية التداول في منطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى «سيتي»، إن رد فعل أسواق الأسهم على ارتفاع العوائد كان أكثر هدوءاً من المتوقع، مع استمرار نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي في دعم توقعات الأرباح.

الدولار يستفيد من ارتفاع العوائد

وفي أسواق العملات، يتجه الدولار لتحقيق مكاسب شهرية تقارب 2 في المائة، مستفيداً من ارتفاع عوائد السندات الأميركية.

وتداول اليورو قرب أدنى مستوى له في 16 شهراً عند 1.1336 دولار، متجهاً إلى خسارة شهرية تبلغ 2.4 في المائة، في ظل تداعيات صدمة الطاقة العالمية وازدياد المخاطر السياسية في أوروبا.

وتراجع الجنيه الإسترليني 0.03 في المائة إلى 1.3227 دولار، متجهاً أيضاً إلى خسارة شهرية بنحو 2.4 في المائة.

واستقر الين عند 157.03 للدولار، متجهاً لتحقيق مكاسب شهرية بنحو 1.7 في المائة، مع إحجام المستثمرين عن دفع العملة إلى مستويات أضعف، وسط مخاوف من تدخل مشترك من طوكيو وواشنطن.

وفي أسواق السلع، ارتفعت أسعار النفط الأربعاء، وصعد خام برنت 0.56 في المائة إلى 103.16 دولار للبرميل، بينما زاد الخام الأميركي 0.11 في المائة إلى 89.49 دولار. ويتجه الخامان لتحقيق مكاسب شهرية وسط مخاوف من استمرار اضطرابات الإمدادات بفعل الحرب في الشرق الأوسط.

وانخفض الذهب الفوري 0.2 في المائة إلى 4171.93 دولار للأوقية.