صواريخ أنفاق «حزب الله» تشغل سفراء في لبنان

مصادر أكدت أنه لا يريد الحرب لكنه يستعد لها لمنع حصولها

عناصر وصواريخ في نفق كشف عنه «حزب الله» بمقطع فيديو (د.ب.أ)
عناصر وصواريخ في نفق كشف عنه «حزب الله» بمقطع فيديو (د.ب.أ)
TT

صواريخ أنفاق «حزب الله» تشغل سفراء في لبنان

عناصر وصواريخ في نفق كشف عنه «حزب الله» بمقطع فيديو (د.ب.أ)
عناصر وصواريخ في نفق كشف عنه «حزب الله» بمقطع فيديو (د.ب.أ)

استأثر نشر «حزب الله» شريط فيديو يُظهر فيه واحدة من منشآته الصاروخية الموجودة في أنفاق تحت الأرض، باهتمام عدد من السفراء المعتمدين لدى لبنان، خصوصاً أن نشره تزامن مع تعليق المحادثات في الدوحة للتوصل إلى وقف النار في غزة، على أن تُستأنف في القاهرة قبل نهاية الأسبوع الحالي، وسط مسحة من التفاؤل الرسمي اللبناني بأنها ستكون حاسمة، وستؤدي إلى إنهاء الحرب في القطاع مع ارتفاع منسوب الضغط الأميركي على رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لسد الفجوات التي تؤخر ولادة الاتفاق.

راجمة صواريخ ضخمة مجهّزة لإطلاق الذخائر على مدخل نفق كشف عنه «حزب الله» بمقطع فيديو (أ.ف.ب)

وتجلى الاهتمام الدبلوماسي الأجنبي بطرح أسئلة تتعلق بالظروف التي أملت على «حزب الله» نشر الفيديو، مع أن الضرورات العسكرية تستدعي إبقاءها قيد الكتمان، وعدم إظهارها للعلن؛ ليكون في وسعه الاحتفاظ بعامل المفاجأة لاستخدامها في الوقت المناسب، مع أنه أبقاها مجهولة الموقع الجغرافي.

صورة لقيادي «حزب الله» فؤاد شكر خلال إحياء ذكرى أسبوع على اغتياله في بيروت (إ.ب.أ)

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر سياسية، تواصل معها السفراء، أن ما يهم هؤلاء، هو الاستقصاء عن الظروف الميدانية التي أملت على الحزب نشره، ربما لاستدراج ردود إسرائيل عليه، مع أن المشمولين باتصالاتهم أكدوا أن لا نية للحزب بتوسعة الحرب التي تهدد إسرائيل بها، وأنه مستمر في مساندته لغزة لضمان انسحاب إسرائيل منها، وإن كان يضطر من حين إلى آخر للرد على تجاوز إسرائيل للخطوط الحمر لاغتيالها القيادي فؤاد شكر، وآخرين من كوادره العسكريين في العمق اللبناني.

«عماد-4»

وتوقف السفراء أمام إطلاق اسم «عماد-4» على المنشأة الصاروخية، في محاولة لمعرفة ما قبله أو بعده من مخزون لسلاحه الصاروخي، وسألوا عن التوقيت وعلاقته باستئناف محادثات وقف النار في غزة.

وتأكد للسفراء أن نشره ليس محصوراً برفع معنويات مقاتلي الحزب، وشد أزرهم في مواجهتهم للمسيرات الإسرائيلية التي تلاحقهم من مكان لآخر، وإنما لتمرير رسالة إلى تل أبيب بأن هذه المنشأة الصاروخية ما هي إلا عينة لما لديه من مخزون صاروخي، يجيز للحزب استخدامه في حال أقدمت على توسعة الحرب لتحقيق توازن ردعي يُفترض أن تحسب له إسرائيل ألف حساب.

راجمة صواريخ ضخمة مجهّزة لإطلاق الذخائر على مدخل نفق كشف عنه «حزب الله» بمقطع فيديو (أ.ف.ب)

وقيل للسفراء، حسب المصادر، إن الحزب باقٍ على موقفه بإعطاء فرصة للمحادثات المتنقلة ما بين الدوحة والقاهرة لوقف النار في غزة، وهذا يستدعي منه التمهل في الرد على إسرائيل، والموقف نفسه ينسحب على إيران التي أحيطت علماً، كما علمت «الشرق الأوسط»، بتعليق المحادثات في الدوحة وانتقالها إلى القاهرة التي يجب أن تشكل محطة حاسمة لتقرير مصير وقف النار.

فرصة للمحادثات

كما تأكد أن الحزب لا يرى ضرورة لاستخدام ما لديه من سلاح صاروخي دقيق ما دامت المواجهة مع إسرائيل تنطلق من مساندته لغزة، وبالتالي لا داعي للكشف عما لديه من أسلحة نوعية ومتطورة قبل الأوان، والتي سيضطر إلى إخراجها من أنفاقه للرد على تهديدات إسرائيل في حال مضت قدماً نحو توسعة الحرب.

فالحزب، وإن كان قد امتنع بالواسطة، عن الرد على أسئلة السفراء عما إذا كان سيصرف النظر عن رده على اغتيال شكر، في حال توصلت المحادثات لوقف النار في غزة، أبلغَ من يعنيهم الأمر بأنه ليس في وارد الإجابة عن أسئلة افتراضية، لأن ما يهمه النتائج وليس التوقعات.

وعليه أراد الحزب أن يقيم، من نشره للفيديو، حالة من توازن الرعب مع إسرائيل للضغط عليها للوصول إلى تسوية لعودة الاستقرار للجنوب بتطبيق القرار 1701 بكل مندرجاته برعاية أممية على قاعدة إنجاح محادثات وقف النار في غزة.

تنسيق مع بري وميقاتي

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» أن التنسيق قائم بين رئيسي البرلمان نبيه بري والحكومة نجيب ميقاتي، ويتبادلان الرأي مع «حزب الله» لوضعه في أجواء لقاءاتهما بالموفدين إلى لبنان.

وكشفت مصادر سياسية أنهما يبديان ارتياحهما لموقف «حزب الله» الذي لم يسجل اعتراضه على تدفق الموفدين الأجانب، ومن بينهم الوسيط الأميركي آموس هوكستين، إلى لبنان. وقالت إن الحزب على قناعة بتوفير الفرصة لمحادثات وقف النار في غزة، وهو يتمهل حالياً في الرد على إسرائيل، ويحتفظ بحقه في الرد بالوقت المناسب مقدراً الوضع العام في البلد.

ولفتت إلى مواكبة ميقاتي، ومعه وزير الخارجية عبد الله بوحبيب، للاتصالات ذات الصلة بالوضع المشتعل في الجنوب. وقالت إن ما يهمهما لجم إسرائيل ومنعها من تدحرج الحرب نحو الجنوب.

في حين الذين التقوا الموفدين الأجانب من وزراء خارجية ومسؤولين أمنيين من دول عدة، فضلوا البقاء في الظل بعيداً عن الأضواء، ومنهم مَن يتواصل مع «حزب الله»، توقفوا ملياً أمام تعاطي الحزب بواقعية ومرونة في مواجهته لإسرائيل على خلفية تقيده بشروط مساندته لغزة، وهذا ما يتعارض مع توجهات الحزب الآيديولوجية التي كانت قائمة في السنوات الأولى لولادته.

وبكلام أوضح يرى هؤلاء أن الحزب منذ أن قرر مساندته لغزة، لا يزال يتصرف بواقعية ويلتزم بالسقف العسكري الذي رسمه لنفسه بعدم إعطاء الذرائع لإسرائيل لتوسعة الحرب أو استدراجه لها، وهو يمارس، كما يقول هؤلاء، ضبط النفس إلى أقصى الحدود، ويضطر للرد عليها لتجاوزها الخطوط الحمر، سواء باغتيالها لشكر أو باستهدافها كوادر أمنية تتولى الإشراف على الوضع الميداني في الجنوب ومستلزماته.

تجنب السجال

ورغم أنهم تجنبوا الدخول في سجال مع المعارضة على خلفية انتقادها لتفرد الحزب بقرار السلم والحرب دون العودة إلى الدولة كونها وحدها صاحبة القرار في هذا الخصوص، رغبة منهم بعدم تعميق الهوة بين اللبنانيين المنقسمين على أنفسهم بين مؤيد للحزب ومعارض له، فإنهم في المقابل يتوقفون أمام مبادرة الحزب لإعادة النظر بطروحاته الآيديولوجية التي تأسس عليها وظلت قائمة لسنوات، إلى أن تخلى عن شعاره «زحفاً زحفاً نحو القدس»، وعن دعوته لزوال إسرائيل واستبدل بها واقعية تأييده حق العودة للفلسطينيين، وهذا ما استمر عليه بتعاطيه مع مساندته لغزة تحت سقف ضبط إيقاع المواجهة في الجنوب، وعدم توفير الذرائع لإسرائيل لتوسعة الحرب.

التوقيت الميداني

لذلك اختار الحزب التوقيت الميداني، بنشره للفيديو، للرد على التهديدات الإسرائيلية، ليس لتوسعة الحرب التي لا يريدها، كما يؤكد مصدر في الثنائي الشيعي لـ«الشرق الأوسط» وأعلمَ بها الموفدين الغربيين والثلاثي (الأميركي- المصري - القطري)، وإنما للضغط على تل أبيب لتعيد النظر في حساباتها، بإعلامها سلفاً بأن ليس هناك من منطقة ستبقى بمنأى عن صواريخه الذكية والدقيقة التي تعد، كما يقول مقربون منه، بالمئات.


مقالات ذات صلة

آلاف يتظاهرون في لندن دعماً للفلسطينيين

أوروبا آلاف يتظاهرون في لندن دعمًا للفلسطينيين (أ.ب)

آلاف يتظاهرون في لندن دعماً للفلسطينيين

شارك آلاف المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين في مسيرة، السبت، جابت وسط لندن؛ للمطالبة بوقف الضربات الإسرائيلية على قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي خلال تشييع قتيل سقط بغارة إسرائيلية في مدينة غزة السبت (أ.ب)

غارات إسرائيلية متواصلة توقع قتلى وجرحى في غزة

قُتل 7 فلسطينيين بهجمات إسرائيلية استهدفت مناطق عدة في قطاع غزة، تزامناً مع عمليات قصف مدفعي ونسف طالت مناطق على جانبي الخط الأصفر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مقاتلو «القسام» تسللوا إلى الداخل الإسرائيلي في هجوم غير مسبوق ضد إسرائيل تحت اسم «طوفان الأقصى» (أرشيفية - موقع كتائب القسام)

خاص كواليس «7 أكتوبر»... الحدَّاد توقَّع حرباً إسرائيلية لـ80 يوماً وسعد طالب بوقفها

تتكشف كل فترة معلومات فلسطينية جديدة حول خفايا وكواليس هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وتوقعات الرد الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أشخاص يشاركون في مراسم تأبين فلسطينيين قُتلوا في غارة جوية إسرائيلية وفقاً لمسعفين في مدينة غزة (رويترز)

مسعفون: مقتل 5 فلسطينيين في غارتين إسرائيليتين على غزة

‌قال مسؤولون بقطاع الصحة إن غارتين إسرائيليتين أسفرتا عن مقتل ما لا يقل عن خمسة فلسطينيين في قطاع ​غزة في هجومين منفصلين اليوم السبت.

«الشرق الأوسط» (غزة)
العالم العربي في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

بعد عام من توقيع «اتفاق السلام في قطاع غزة»، لا يزال «إعمار غزة» متعثراً في ظل تعنت إسرائيلي مستمر ألقى بظلاله على بنود الاتفاق الذي يعاني جموداً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إسرائيل تسمح لشركة أميركية بدخول غزة لتسلُّم سلاح «حماس»

أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)
أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)
TT

إسرائيل تسمح لشركة أميركية بدخول غزة لتسلُّم سلاح «حماس»

أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)
أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)

ذكرت هيئة البث الإسرائيلية العامة (كان)، مساء الأحد، أن إسرائيل وافقت، أخيراً، على دخول الشركة الأميركية المكلَّفة من قِبل «مجلس السلام» إلى قطاع غزة، خلال الأيام القليلة المقبلة، لبدء خطوات تتعلق بمواقع يُفترض أن تسلِّم حركة «حماس» سلاحها فيها.

وقالت في تقرير مساء الأحد، إن الشركة «ستبدأ في البحث، ومسح عدة مواقع، يمكن لـ(حماس) تسليم البنادق والأسلحة فيها، لإتلافها». وأكدت أن تسليم سلاح «حماس» يعد من النقاط الرئيسية في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وحسب التقرير، سيدخل فريق الشركة الأميركية إلى مواقع تخضع للسيطرة الإسرائيلية في منطقتَي رفح وخان يونس جنوبي قطاع غزة، على أن يُجري مسحاً ميدانياً «لتحديد مجمعات تضمن وصول الغزيين المسلحين إليها، وذلك تحت (إشراف أمني) ما من الجيش الإسرائيلي».

ولم تُحدَّد بعد آلية التسليم، وكيف سيُسلِّم مسلحو الحركة في غزة سلاحهم «من دون أن يشكلوا تهديداً لقوات الجيش الإسرائيلي».

وقال مسؤول أمني وصفه التقرير برفيع المستوى، إن واشنطن «تمارس ضغوطاً شديدة على إسرائيل للمضي قدماً في الخطة، رغم تشاؤم إسرائيل بشأن نجاحها، ورغم إعلان (حماس) ظاهرياً نيتها التخلي عن السلاح، إلا أنها في الواقع تعيد بناء قوتها في القطاع».

وتروِّج أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية -وفق التقرير- أن حركة «حماس» تكثِّف استعداداتها لاحتمال تجدد القتال في قطاع غزة، مستغلة الفترة الحالية لإعادة بناء قدراتها وتجميع السلاح، على أساس تقدير لدى الحركة بأن إسرائيل لن تحصل قبل الانتخابات الإسرائيلية والأميركية على ضوء أخضر أميركي، للعودة إلى العمليات العسكرية الواسعة في القطاع.

وكانت صحيفة «معاريف» قد نشرت الاثنين الماضي أن «صورة استخباراتية عُرضت على المستوى السياسي الإسرائيلي، تشير إلى أن (حماس) تعمل على تخزين السلاح ونقله، في إطار استعدادها لاحتمال تغيُّر الظروف السياسية بعد الانتخابات، واتساع هامش العمل العسكري الإسرائيلي في غزة».


زيتون جنوب لبنان في مرمى النيران الإسرائيلية

مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)
مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)
TT

زيتون جنوب لبنان في مرمى النيران الإسرائيلية

مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)
مزارعون لبنانيون يقطفون الزيتون في قرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

حوّل الاستهداف الإسرائيلي لمؤهل أول متقاعد في الجيش اللبناني أثناء تفقده منزله وكرم الزيتون في بلدة ياطر، الأحد، موسم القطاف في جنوب لبنان إلى عنوان جديد للمخاطر التي تواجه المزارعين عند الوصول إلى أراضيهم. وتتزامن الحادثة مع استمرار حرمان أهالي قرى حدودية من مواسمهم منذ نحو ثلاث سنوات، ومع شكوى أمام القضاء الفرنسي تتهم الجيش الإسرائيلي باقتلاع نحو 600 شجرة زيتون معمّرة في زوطر الشرقية، في وقت يحذّر مسؤولون محليون من تداعيات اقتصادية واجتماعية تتجاوز خسارة المحاصيل.

استهداف أثناء تفقد الأرض

أعلن الجيش اللبناني، الأحد، مقتل المؤهل الأول المتقاعد علي عبد الحسن سويدان، وهو في العقد السابع من العمر، إثر استهدافه مباشرة بدبابة إسرائيلية أثناء تفقد ممتلكاته في بلدة ياطر بقضاء بنت جبيل، مشيراً إلى أن وحدة عسكرية واكبت سحب جثمانه بعد فقدان الاتصال به. وأوضحت بلدية ياطر أنه كان يتفقد منزله وكرم الزيتون على أطراف البلدة عندما تعرَّض للقصف من ناحية صربين، محذّرة الأهالي من بلوغ الأطراف غير الآمنة.

وتعيد الحادثة إلى الواجهة الصعوبات التي تعترض الوصول إلى الحقول في موسم اعتادت فيه العائلات التوجه إلى كرومها لجمع المحصول، بعدما صار الانتقال إلى أجزاء من الأراضي الزراعية محفوفاً بمخاطر أمنية متواصلة.

متطوعون من محافظة عكار (أقصى شمال لبنان) ومدينة صيدا يشاركون في مبادرة لقطف الزيتون بقرية جبشيت الجنوبية 11 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

600 شجرة في دعوى قضائية

في باريس تقدّم رجل أعمال فرنسي من أصل لبناني، يبلغ 37 عاماً، بشكوى ضد مجهولين في 22 سبتمبر (أيلول)، يتهم فيها الجيش الإسرائيلي باقتلاع نحو 600 شجرة زيتون من أرض عائلته في زوطر الشرقية. وحسب ما أعلنه محاموه ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، فإن بعض الأشجار يبلغ عمرها نحو 500 عام، وتزرع العائلة الأرض منذ 250 عاماً.

وتتناول الشكوى اتهامات بالسرقة والتدمير والإضرار بالممتلكات بوصفها جرائم حرب محتملة، في حين يشتبه مقدّمها في نقل الأشجار إلى إسرائيل من دون ثبوت ذلك قضائياً. ويقول إن منزل عائلته دُمّر بغارة إسرائيلية في أبريل (نيسان)، قبل اقتلاع الأشجار بعد سيطرة القوات الإسرائيلية على المنطقة.

نصف الحقول خارج متناول أصحابها

يقول رئيس بلدية رميش حنا العميل لـ«الشرق الأوسط»: «منذ بداية الحرب، قبل نحو ثلاث سنوات، حُرمنا من الوصول إلى جزء كبير من حقول الزيتون؛ لأن معظمها يقع بمحاذاة الحدود، حيث لا تتوافر الظروف الأمنية التي تسمح للأهالي بالوصول إليها وقطاف محاصيلها. وحتى اليوم، لا نعرف ما إذا كنا سنتمكن من قطاف الزيتون هذا العام، خصوصاً أننا لم نبدأ الموسم بعد، ولا تزال المخاطر الأمنية تحول دون الوصول إلى الأراضي».

ويوضح أن «نحو ثلاثة أرباع أراضي رميش تقع بمحاذاة الحدود، وأكثر من 50 في المائة من حقول الزيتون لم يتمكن أصحابها من قطافها طوال السنوات الثلاث الماضية»، لافتاً إلى أن «استمرار هذا الواقع يحرم العائلات من مورد رزق أساسي، في وقت تعاني فيه البلدة أوضاعاً اقتصادية بالغة الصعوبة نتيجة الحرب وتوقف الكثير من الأعمال».

متطوعون من محافظة عكار (أقصى شمال لبنان) ومدينة صيدا في مبادرة تضامنية لقطاف الزيتون بقرية جبشيت الجنوبية 11 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

ويضيف أن «الخسائر الزراعية لا تقتصر على الزيتون، بل تشمل أيضاً زراعة التبغ، التي تشكل النشاط الزراعي الأول في رميش، تليها زراعة الزيتون»، موضحاً أن «إنتاج التبغ هذا العام بلغ نحو 60 في المائة مما كان عليه قبل الحرب؛ ما يعني خسارة جزء كبير من المداخيل التي كانت تعتمد عليها العائلات».

وشدد العميل على أن «علاقة أبناء الجنوب بشجرة الزيتون تتجاوز قيمتها المادية ومردودها الاقتصادي، فهي جزء من تاريخنا وارتباطنا بأرضنا. زرعها أجدادنا، وواصل آباؤنا الاعتناء بها، ونحن نكمل هذه المسيرة، ونريد أن نورّثها لأبنائنا وأحفادنا ليواصلوا الاهتمام بها. إنها شجرة مباركة ورمز للسلام، فضلاً عن كونها مصدر رزق تنتظره عائلات كثيرة، خصوصاً في هذه الظروف الصعبة».

ويحذر العميل من التداعيات الاقتصادية المحتملة مع اقتراب انتهاء مهمة «يونيفيل»، قائلاً: «نعيش وضعاً اقتصادياً سيئاً جداً، وما يقلقنا أكثر هو المستقبل. نحن اليوم غير قادرين على استثمار أراضينا الزراعية، ومع انتهاء مهمة (يونيفيل)، نخشى أن يتدهور الوضع الاقتصادي أكثر فأكثر، وأن ينعكس ذلك سلباً على صمود الأهالي، وصولاً إلى نزوح اقتصادي يضطر فيه السكان إلى مغادرة بلداتهم بحثاً عن مصادر رزق».

امرأة لبنانية تقطف الزيتون في قرية «زوطر الغربية» بجنوب لبنان بالقرب من «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

ذاكرة عائلات وأجيال

ويؤكد رئيس بلدية زوطر الشرقية محمد إسماعيل لـ«الشرق الأوسط» أن «أشجار الزيتون في البلدة ليست مجرد أشجار أو مصدر رزق، بل هي تراث وتاريخ وذكريات أجيال، تحتضن الروابي والحقول، وتظلّل أزقة زوطر، وتنشر نسمات باردة تخفف من قيظ الصيف»، مشيراً إلى أنها «تشكل مصدر رزق للأهالي، ويستمد منها جزء كبير من أبناء البلدة حطب التدفئة».

ويقول إن «موسم قطاف الزيتون يشكل مناسبة سنوية تجتمع فيها العائلات بأكملها، كباراً وصغاراً، ليس لجمع المحصول فحسب، بل لتجديد الصلة بالأرض والأجداد الذين زرعوا هذه الأشجار واعتنوا بها، ولإبقاء الذاكرة المتوارثة بين الأجيال حية».

ويضيف: «اليوم، يأتي المحتل لينزع منا الروح، وليقطع صلتنا بالتاريخ والأجداد والحياة. يريد أن يمحو أثر الحياة من نفوسنا وعقولنا، وأن يمسح من ذاكرتنا عبقها»، عادَّاً أن «ما يجري لا يقتصر على اقتلاع الأشجار، بل هو اقتلاع للقلوب من الصدور، ومحاولة لاقتلاع ذاكرة الأهالي وارتباطهم بأرضهم»، ومؤكداً: «لن ننسى، لن نستسلم. سنعود ونعيد الحياة إلى قريتنا، وبدل الشجرة سنزرع عشر أشجار».

الزيتون جزء من الهوية

يقول نائب رئيس بلدية ياطر إبراهيم سويدان لـ«الشرق الأوسط» إن «كروم الزيتون أصبحت جزءاً من هوية الجنوب، وشجرة الزيتون ليست مجرد شجرة بالنسبة إلى الجنوبي، بل هي جزء من هويته وانتمائه إلى أرضه»، عادَّاً أن «أكبر دليل على هذا التعلّق هو عودة الجنوبيين إلى قراهم ومنازلهم، رغم الظروف الأمنية الصعبة، وإصرارهم على البقاء فيها والتمسك بأرضهم».

مزارع لبناني يعرض ثمار الزيتون التي تم قطفها بقرية «زوطر الغربية» جنوب لبنان بالقرب من قرية «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

ويرى أن «استهداف أشجار الزيتون واقتلاعها يحمل دلالات تتجاوز الأضرار الزراعية المباشرة؛ إذ إن الانتقام من شجرة الزيتون هو في جوهره استهداف لما تمثّله من رمزية وهوية وانتماء».

ويشير سويدان إلى أن «بلدة ياطر تعرَّضت خلال العدوان الأخير لدمار كبير طال المؤسسات والمرافق العامة، وبينها مبنى البلدية والمدرسة والمنشآت الاجتماعية وقاعات المناسبات، فضلاً عن منظومات الطاقة الشمسية وشبكة الكهرباء التي تعرضت لأضرار واسعة»، عادَّاً أن «استهداف الأراضي الزراعية والمرافق العامة والمنازل يندرج في سياق واحد، يقوم على ضرب مقوّمات بقاء السكان في قراهم، ومحاولة المساس بكل ما يربط الجنوبي بأرضه وهويته».

ويشدد على أن «أهالي الجنوب أثبتوا، رغم الاعتداءات والدمار والظروف الأمنية الصعبة، أنهم متمسكون بأرضهم وقراهم، وأن لديهم من الصمود والتعلّق بأرضهم وهويتهم ما يكفي لمواجهة هذه الظروف والاستمرار فيها».


السلطات اللبنانية تضبط مجدداً مواد متفجرة مهرّبة من سوريا

صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)
صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)
TT

السلطات اللبنانية تضبط مجدداً مواد متفجرة مهرّبة من سوريا

صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)
صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)

أعلن الجيش اللبناني، الاثنين، ضبط مواد متفجرة بزنة نحو مئتي كيلوغرام في شرق البلاد، مهرّبة من سوريا المجاورة، وذلك بعد ساعات من تأكيد رئيس الحكومة نواف سلام، أن السلطات ستتعامل بحزم مع أي سلاح خارج إطار الشرعية، على خلفية ضبط شحنة أخرى قبل أيام يُشتبه بارتباطها بجماعة «حزب الله»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهي المرة الثالثة التي تُحبط فيها السلطات اللبنانية تهريب مواد متفجرة شديدة الانفجار منذ مطلع الشهر الحالي. وتمّ في المرّة الأولى توقيف رجلين مرتبطين بـ«حزب الله» خلال العملية.

وفي بيان بعد ظهر الاثنين، أعلن الجيش اللبناني أنه ضبط «في منطقة القصر في الهرمل (شرق) نحو مئتي كيلوغرام من المواد المتفجرة، موضّبة داخل أكياس ومعدّة للتهريب من الأراضي السورية إلى الأراضي اللبنانية».

وذكر البيان أن المهرّبين تمكّنوا من الفرار إلى داخل الأراضي السورية.

وقال مصدر قضائي لوكالة الصحافة الفرنسية إن المواد المتفجرة، وهي من «مادة (سي فور) كانت تُنقل بواسطة حمار عبر معبر غير شرعي في بلدة القصر».

وسبق للجيش اللبناني أن أعلن مطلع الشهر الحالي ضبط ربع طن من مادة «تي إن تي» الشديدة الانفجار، بعد تهريبها من الجانب السوري، مشيراً أيضاً إلى فرار المهربين إلى سوريا.

وأفاد مصدر قضائي لبناني «وكالة الصحافة الفرنسية»، السبت، بأن القوات الأمنية في منطقة ضهر البيدر على الطريق الدولي المؤدي إلى سوريا، أوقفت، الخميس، رجلين يُشتبه بانتمائهما إلى «حزب الله» في أثناء نقلهما 500 كيلوغرام من المواد المتفجرة، موزَّعة بين «250 كيلوغراماً من المتفجرات من نوع (تي إن تي)، و250 كيلوغراماً من نوع (سي فور) الشديد الانفجار».

وعلّق رئيس الحكومة نواف سلام، الاثنين، على هذه العملية التي تمّ خلالها ضبط «مئات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة» على متن شاحنة، وقال في منشور على منصة «إكس»، «لن نتهاون في متابعة التحقيق والتوسّع فيه، للوصول إلى تحديد هوية كل المتورطين في هذه العملية الإجرامية، ومن وراءهم، والكشف عن مخططاتهم وأهدافهم» ومقاضاتهم.

وأضاف أن حكومته «ستتعامل بالحزم المطلوب مع أي سلاح خارج إطار الشرعية، حيازةً ونقلاً واستخداماً».

وأقرّت الحكومة اللبنانية عام 2024 خطة لنزع سلاح «حزب الله» وكلّفت الجيش بتنفيذها.

ويعمل الجانبان، اللبناني والسوري، على ضبط التهريب عبر حدودهما المشتركة الممتدة على طول 330 كيلومتراً، والتي تضم عشرات المعابر غير الشرعية.

واعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي، الاثنين، قراراً بإنشاء بعثة دعم تابعة للاتحاد الأوروبي في لبنان، على أن تُقدِّم، وفق ما أورد في بيان، «المشورة والمساعدة للقوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي لتعزيز سيطرتها على أراضيها وأمن الحدود، والأمن الداخلي».