واشنطن: رغم البداية المشجّعة لمفاوضات هدنة غزة لا نتوقع اتفاقاً سريعاً

البيت الأبيض يحث إسرائيل و«حماس» على التوصل لصفقة توقف إطلاق النار

فلسطينيون يدفنون جثامين أشخاص قتلهم الجيش الإسرائيلي في حرب غزة (أرشيفية/أ.ب)
فلسطينيون يدفنون جثامين أشخاص قتلهم الجيش الإسرائيلي في حرب غزة (أرشيفية/أ.ب)
TT

واشنطن: رغم البداية المشجّعة لمفاوضات هدنة غزة لا نتوقع اتفاقاً سريعاً

فلسطينيون يدفنون جثامين أشخاص قتلهم الجيش الإسرائيلي في حرب غزة (أرشيفية/أ.ب)
فلسطينيون يدفنون جثامين أشخاص قتلهم الجيش الإسرائيلي في حرب غزة (أرشيفية/أ.ب)

حث البيت الأبيض كل الأطراف المعنية على العمل لإنجاح محادثات وقف إطلاق النار في غزة التي تنعقد في العاصمة القطرية الدوحة للتوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار، والإفراج عن الرهائن المحتجزين لدى حركة «حماس». وقال جون كيربي، منسق الاتصالات الاستراتيجية بمجلس الأمن القومي الأميركي، خلال مؤتمر صحافي صباح الخميس، إن المفاوضات مستمرة حتى يوم الجمعة، ونجحنا في تضييق بعض الفجوات، لكن لا يزال أمامنا الكثير من العمل، نظراً لتعقيدات الاتفاق»، واصفاً المحادثات بأنها «بداية مشجعة».

وأشار كيربي إلى أن النقاشات لا تتعلق بإطار الاتفاق قائلاً: «لقد وصلنا إلى نقطة أصبح معها الإطار مقبولاً بشكل عام والعمل جار لوضع الاتفاق موضع التنفيذ، ونتحدث عن التدابير التنفيذية المحددة». وأوضح أن الوسطاء سيقومون بتوصيل ما دار من نقاش في الدوحة، إلى «حماس» للحصول على إجابات نهائية.

وفي إجابته عن سؤال حول تهديدات «حزب الله»، أكد كيربي أن التهديدات لا تزال قائمة، قائلاً: «نحن نراقب الوضع، وأي مشاركة من أطرف أخرى في هجمات إذا قررت إيران مهاجمة إسرائيل. ويمكن أن نستنتج من ذلك أن وقف إطلاق النار في غزة هو هدف هذه الأطراف». وشدد على أنه بالإضافة إلى الدبلوماسية الدفاعية، فقد اتخذت الولايات المتحدة خطوات لتعزيز القدرات الدفاعية العسكرية في المنطقة، وقال: «يتعين علينا أن نأخذ على محمل الجد الخطاب العدواني الصادر عن طهران، ولا يمكنني القول ما إذا كانوا اتخذوا قراراً بتغيير رأيهم أو كيف سيكون شكل الهجوم إذا هاجموا، أو حتى متى سيحدث ذلك».

عائلات الأسرى الإسرائيليين يتظاهرون أمام مقر حزب «الليكود» مطالبين بإنهاء حرب غزة 15 أغسطس (إ.ب.أ)

في سياق متصل، قال مسؤول مطلع على محادثات وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن في قطاع غزة لوكالة «رويترز» إن المحادثات مستمرة في العاصمة القطرية الدوحة مساء الخميس ومن المتوقع أن يستأنف جميع المشاركين الاجتماع غدا الجمعة.

تقديم تنازلات

وفي حديثه لشبكة «سي إن إن»، صباح الخميس، قال كيربي إن هدف البيت الأبيض هو العمل لإبرام وقف إطلاق النار للحصول على ستة أسابيع من الهدوء، وإخراج الرهائن الأكثر عرضة للخطر من النساء وكبار السن والمرضى، والجرحى وإعادتهم إلى أسرهم. وأضاف: «ما نحث عليه هو أن تأتي جميع الأطراف إلى الطاولة، ونتفاوض على تفاصيل تنفيذ هذه الصفقة، ووضع وقف إطلاق النار موضع التنفيذ، وربما نعمل على إنهاء هذا الصراع بشكل كامل؛ لأن هذه هي النتيجة الأفضل لشعب غزة». وشدد كيربي على أن كلا الجانبين؛ الإسرائيلي و(حماس)، بحاجة لتقديم تنازلات».

وتحاول إدارة بايدن وحلفاؤها منذ الأسبوع الماضي الضغط على الطرفين لإحراز تقدم يؤدي إلى تجنب أو كبح أي عمل انتقامي من قبل إيران ووكلائها، رداً على اغتيال إسماعيل هنية. ورغم التفاؤل الذي يحاول مسؤولو البيت الأبيض بثه فإن الخبراء يخفضون سقف التوقعات بتحقيق اختراق، ويعترفون بأن إبرام صفقة سيكون صعباً، ما يترك المنطقة محفوفة بالمخاطر والمخاوف من اندلاع حرب شاملة أوسع نطاقاً.

وكان الرئيس الأميركي جو بايدن قد صرح، الثلاثاء، بأنه لن يستسلم بشأن التوصل إلى اتفاق، مع إدراكه صعوبة المفاوضات. وخلال اليومين الماضين، حث وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الوسطاء المصريين والقطريين على الضغط على «حماس»؛ للتوصل إلى اتفاق، وعدم تقويض الجهود الراهنة.

ويشارك في المحادثات كل من مدير الاستخبارات الأميركية ويليام بيرنز، ومبعوث الرئيس الأميركي لمنطقة الشرق الأوسط بريت ماغورك، ومن الجانب الإسرائيلي رئيس الاستخبارات ديفيد برنياع، ورئيس جهاز الأمن الداخلي رونين بار، ورئيس قسم الرهائن في الجيش الإسرائيلي نتسان ألون، إضافة إلى الوسطاء من قطر ومصر، في حين لم تشارك «حماس» في المحادثات.

نازحة وطفلها في خيمة بإحدى المقابر على أطراف مدينة خان يونس 15 أغسطس (رويترز)

مخاطر استمرار القصف

ويلوّح الجانب الأميركي بالمخاطر من استمرار القصف الإسرائيلي، وزيادة المخاطر على المدنيين الفلسطينيين، والإشارة إلى فرص أفضل لإيصال المساعدات للمحتاجين في قطاع غزة إذا قدمت «حماس» بعض المرونة. ويقول مسؤولون أميركيون إن الحافز الذي يمكن تقديمه للفلسطينيين هو فرص إيجاد طريق جاد إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة. ويدرك الجانبان الأميركي والإسرائيلي أن «حماس» ستقوم بإعادة تسليح نفسها، وتنظيم صفوفها، وتجنيد المزيد من المقاتلين إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.

وعلى الجانب الآخر، يبذل الأميركيون جهوداً لإقناع إسرائيل بأنها حققت أهدافها العسكرية في غزة، وأن القوات الإسرائيلية تستطيع التحرك بحرية في مختلف أنحاء القطاع، وأن «حماس» تضررت كثيراً، وفقدت الكثير من مقاتليها، بمن في ذلك محمد الضيف ومروان عيسى، وأن استمرار القصف واستمرار سقوط المدينيين سيؤديان إلى زيادة الغضب الدولي، ولن يؤديا إلى إضعاف «حماس» أكثر من الوضع الحالي، مع استبعاد القضاء على الحركة بشكل حاسم.

ويؤكد مسؤولون أميركيون أيضاً أن استعادة الرهائن المحتجزين لدى «حماس»، والذين يبلغ عددهم 115 رهينة، لا يمكن تحقيقه عسكرياً، وأنه من الأفضل لإسرائيل التوصل إلى اتفاق لتحريرهم. ونقلت شبكة «إيه بي سي» الإخبارية الأميركية عن مسؤول إسرائيلي أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وسع التفويض الممنوح للمفاوضين الإسرائيليين، ما يعطيهم المزيد من المرونة.

فلسطينيون يدفنون ضحايا غارة إسرائيلية في غزة 15 أغسطس (رويترز)

اتهامات متبادلة

وكشأن المفاوضات التي جرت سابقاً، خرجت الاتهامات من جانب الحكومة الإسرائيلية، وأيضاً من جانب «حماس» بأن كلاً منهما يعرقل التوصل إلى اتفاق من خلال تقديم مطالب غير معقولة، وإجراء تغييرات في اللحظات الأخيرة. ومنذ الجولة الأخيرة من مفاوضات وقف إطلاق النار التي عقدت في مايو (أيار) الماضي، كثفت الولايات المتحدة مع مصر وقطر، محاولات إقناع إسرائيل و«حماس» بقبول اتفاق يتم على ثلاث مراحل تتضمن وقفاً لإطلاق النار لمدة ستة أسابيع، وعودة النازحين الفلسطينيين إلى ديارهم، وتبادل الأسرى.

وتكمن بعض نقاط الخلاف حول الجداول الزمنية وأسماء الرهائن وهويتهم وأعدادهم، وما يتعلق بوقف إطلاق النار، ومدى بقاء القوات الإسرائيلية في غزة في أثناء الهدنة، ومدة وقف العمليات العسكرية وما بعد المرحلة الأولى، حيث لا تريد الحكومة الإسرائيلية الالتزام بوقف القتال حتى تحقق «نصراً كاملاً» على «حماس». كما تشمل نقاط الخلاف شكل الحكم في قطاع غزة بعد الحرب، ومن يتولى المسؤولية، وأيضاً السيطرة على محور فيلادلفيا ومعبر رفح على الحدود بين مصر وقطاع غزة.


مقالات ذات صلة

زلزال إبستين يهز واشنطن ويربك العالم

الولايات المتحدة​ صورة تُظهر بعضاً من وثائق إبستين الجديدة التي أفرجت عنها وزارة العدل في 30 يناير 2026 (أ.ف.ب)

زلزال إبستين يهز واشنطن ويربك العالم

تتفاعل قضية إبستين بشكل متسارع وتتخطى تداعياتها الولايات المتحدة لتصل إلى كل أرجاء العالم وتهز الداخل الأميركي والساحة الدولية.

رنا أبتر (واشنطن)
الاقتصاد مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب تصريحات جريئة، مؤكداً أن مرشحه لقيادة الاحتياطي الفيدرالي يمتلك القدرة على دفع الاقتصاد لتحقيق نمو 15 في المائة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي رجل فلسطيني يقف أمام جندي إسرائيلي في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز) p-circle 01:48

البيت الأبيض: ترمب يعارض ضم إسرائيل للضفة الغربية

أكد مسؤول في ‌البيت الأبيض، ‌الاثنين، ⁠مجدداً ​معارضة ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب لضم إسرائيل للضفة ⁠الغربية، رابطاً استقرار الضفة بالحفاظ على ​أمن إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ لقاء بين باراك أوباما ودونالد ترمب في البيت الأبيض (رويترز - أرشيفية)

البيت الأبيض يحذف فيديو نشره حساب ترمب يصور أوباما وزوجته على هيئة قردين

شارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي ​يُصور الرئيس الديمقراطي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل أوباما على هيئة قردين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق سحب تمثال كريستوفر كولومبوس من الميناء الداخلي في بالتيمور بأميركا عام 2020 بعد أن ألقى متظاهرون به هناك (أ.ب)

أحدث تعديلات ترمب على البيت الأبيض: إضافة تمثال لكريستوفر كولومبوس

يعتزم الرئيس الأميركي دونالد ترمب نصب تمثال لكريستوفر كولومبوس في ساحة البيت الأبيض، في أحدث سلسلة من التغييرات التي طرأت على المقر الرئاسي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».