إصرار على «الاستمرار والسلمية» في الذكرى الأولى لحراك السويداء

آلاف المحتجين في ساحة الكرامة وسط مدينة السويداء 29 سبتمبر (السويداء 24)
آلاف المحتجين في ساحة الكرامة وسط مدينة السويداء 29 سبتمبر (السويداء 24)
TT

إصرار على «الاستمرار والسلمية» في الذكرى الأولى لحراك السويداء

آلاف المحتجين في ساحة الكرامة وسط مدينة السويداء 29 سبتمبر (السويداء 24)
آلاف المحتجين في ساحة الكرامة وسط مدينة السويداء 29 سبتمبر (السويداء 24)

تصادف، السبت المقبل، الذكرى السنوية الأولى لانطلاق الحراك الشعبي السلمي المستمر في محافظة السويداء، والذي يُعد الأضخم في تاريخ المحافظة ذات الأغلبية السكانية الدرزية، وسط «إصرار على الاستمرار»، حتى تلبية مطالبهم في «الحرية والكرامة والعيش الكريم وإطلاق سراح المعتقلين والتغيير السياسي».

هذا الحراك تمّيز عن غيره من الاحتجاجات السابقة في المحافظة الواقعة جنوبي سوريا، بأنه حظي بتأييد ودعم الشيخ حكمت الهجري، الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا، ما منحه زخماً كبيراً. كما تميّز بالاستمرارية والحفاظ على السلمية، والتمسك بالحقوق.

ومنذ بدء الحراك في 17 أغسطس (آب) 2023 في ساحة «السير» وسط مدينة السويداء وحتى اليوم، يوثّق ناشطون تنفيذ الأهالي وقفات احتجاجية بشكل يومي في الساحة التي بات المشاركون يطلقون عليها اسم «ساحة الكرامة». ويحمل المشاركون خلال وقفاتهم يافطات كتبت عليها عبارات تعبر عن مطالبهم بالحرية والكرامة والعيش الكريم وإطلاق سراح المعتقلين والتغيير السياسي، وفق القرار الأممي 2254.

ويؤكد العديد من النشطاء إصرارهم على مواصلة الاحتجاجات في الساحة التي شهدت في بداية الحراك مشاركة العشرات، وبعد فترة قصيرة راحت الأعداد تتزايد لتصل إلى آلاف في بعض الأيام، مع توافد المشاركين من كافة مدن وبلدات وقرى المحافظة إليها، بينما عمت المظاهرات أغلبية مناطق المحافظة.

انضمام فئات كثيرة من المجتمع في السويداء للحراك السلمي (الصورة من مظاهرة الجمعة الماضي - الراصد)

يقول لنا ناشط من السويداء خلال اتصال هاتفي: «الناس خرجت عن طورها بسبب الظلم والحرمان والفقر والقهر وفساد المسؤولين». ويضيف: «أغلبية الناس تجوع، والمسؤولون وأثرياء، وأمراء الحرب يبذخون. الناس أدركت أن السكوت لن يغير الحال، ولذلك ستستمر بالتظاهر؛ لأن سياسات وممارسات النظام أنهكت العباد والبلاد».

يتابع: «الناس فقدت الأمل بأي إصلاح، والحل في استمرارها بالتظاهر وانتزاع حقوقها في الحرية والكرامة والعيش الكريم والتغيير التي نص عليها الدستور، وهي تعرف أن الأمر قد يطول، ولكن دوام الحال من المحال، وهذا ما يجمع عليه الحراك».

لكن هناك من أهالي السويداء من يرى، وهم قلة قليلة، أن هذا الحراك «مضيعة للوقت، ولن يحقق أهدافه، ما دام أن روسيا وإيران تدعمان هذا النظام»، بحسب شاب يتحدر من مدينة شهبا التابعة للمحافظة ويقيم في دمشق.

صفحة «السويداء 24» في موقع «فيسبوك» كتبت في منشور، منتصف الأسبوع الحالي: «على مشارف الذكرى السنوية الأولى لانطلاق شرارة المظاهرات الشعبية الأضخم في تاريخ محافظة السويداء، تستمر وقفات التغيير اليومية في ساحة الكرامة بلا انقطاع»، موضحة أن «ساحة الكرامة» باتت ميداناً يجتمع فيه الناشطون يومياً غير آبهين بالتحديات أو العقبات.

دعم رئاسي روحي

الحراك الذي أطلق شرارته الأولى قرار حكومي برفع أسعار المحروقات بنسبة 200 في المائة، وأدّى إلى موجة غلاء عاتية، أفقدت السكان الذين يعانون من ظروف معيشية صعبة، القدرة على التحمّل.

الشيخ حكمت الهجري ضمن المتظاهرين في السويداء (السويداء 24)

كما ساهم إلى حد كبير في اكتسابه القوة والشرعية والزخم، إعلان الشيخ حكمت الهجري، الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا في أيام الحراك الأولى، تأييده ودعمه مطالَب المحتجين بما فيها مطلب «التغيير السياسي» وفق القرار 2254.

ويقول لنا ناشط بارز في الحراك: «الكل يجلّ ويحترم الشيخ الهجري، الذي قال كلام حق واضحاً لا لبس فيه. لقد بات الأب الروحي للحراك، والكل يلتزم بما يقوله؛ لأنه يحظى بثقة الجميع، ومواقفه ثابتة، ولا يخضع للضغوط. لقد قطع شعرة معاوية مع النظام؛ لأنه يعرف أنه يماطل ويراوغ ولا يريد الإصلاح ولا التغيير».

سلمية رغم الاستفزازات

منذ بدء الحراك في السويداء، تجاهلت دمشق رسمياً الاحتجاجات ومطالب المشاركين، مع استبعادها القوة حتى الآن من قائمة الحلول، كما لم تظهر إشارات على إمكانية التفاوض مع المشاركين في الاحتجاجات بسبب إصرارهم على تحقيق مطالبهم.

محتجون يقتحمون الشعبة الغربية لحزب «البعث» وسط مدينة السويداء (السويداء 24)

وسط هذه الحال، أطلق حراس مبنى فرع حزب «البعث» الحاكم في سوريا، في 13 سبتمبر (أيلول) الماضي، النار على محتجين حاولوا إغلاق المبنى الكائن في مدينة السويداء، ما أسفر عن إصابة 3 متظاهرين بجروح في حادثة هي الأولى منذ بدء الاحتجاجات.

وأثارت الحادثة غضب الشيخ الهجري الذي ظهر في مقطع فيديو يدعو إلى «ضبط النفس»، وإلى البقاء في الشارع، وعدم التنازل عن المطالب، قائلاً: «نحن على حق، ومطالبنا لا نتنازل عنها... والشارع لنا ليوم ويومين وشهر وشهرين وسنوات. شعارنا السلمي للبلد والسلطة ولكل العالم والأمم المتحدة». ودعا إلى «الجهاد» ضد الوجود الإيراني بعد وصول معلومات إليه أن من أطلق النار هم من «الميليشيات الإيرانية».

وأوضح أن إيران وميليشياتها دخلوا لسرقة ثروات سوريا، كما استجلبوا مرتزقة من أجل ذلك، بالإضافة لتغيير عقول الناس في اتجاه لسنا مقتنعين به، لنشر فكرهم التخريبي.

ورغم سقوط أول قتيل من المتظاهرين برصاص قوات الأمن السوري، في 27 فبراير (شباط) الماضي، إثر إطلاق النار عليهم أمام مركز «التسويات» في مدينة السويداء، حافظ الحراك على سلميته، ودعا الشيخ الهجري إلى تشييع جواد الباروكي الذي وصفه بـ«شهيد الواجب»، في حين وصف مطلقي النار بـ«أيادي الغدر»، مشدداً على الحفاظ على المسار السلمي للحراك.

وبحسب ما ذكرت «السويداء 24»، الثلاثاء الماضي، فصلت القيادة المركزية لحزب «البعث» 100 عضو عامل في محافظة السويداء من صفوف الحزب؛ لافتة إلى أن أغلبية هؤلاء الأعضاء فصلوا بسبب مشاركتهم في الاحتجاجات السلمية التي تشهدها السويداء منذ العام الماضي.

صفحة «الراصد» بدورها، ذكرت أن الناشطين وجهوا دعوة للاحتفال بمناسبة مرور سنة على الانتفاضة في ساحة الكرامة، الجمعة المقبل.

تجدر الإشارة إلى أنه بعد أيام من إعلان الهجري موقفه، صدر بيان مشترك لشيوخ العقل في الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية، وهم: الشيخ حمود الحناوي، والشيخ يوسف جربوع، بالإضافة إلى حكمت الهجري، وعبروا فيه عن دعمهم لمطالب المحتجين، وطالبوا بـ«إعطاء الحقوق لأصحابها، ونيل العيش الكريم الذي فقدت جل مقوماته، بسبب الفساد المتفشي والإدارة الفاشلة». لكن البيان الذي حمل توقيع الحناوي وجربوع لم يتضمن مطلب «التغيير السياسي» وفق القرار 2254.

من ساحة الكرامة وسط مدينة السويداء الجمعة الماضي مظاهرة تطالب بالتغيير السلمي والانتقال السياسي (الراصد)

وسبق أن شهدت محافظة السويداء احتجاجات متفرقة عند تنامي الانتفاضة السلمية في سوريا ربيع عام 2011، سرعان ما تم تطويقها آنذاك، وبدا أن أهالي المحافظة حينها اختاروا «الحياد»؛ بمعنى تلافي الاصطفاف مع الثورة أو مع النظام.

وحسب أرقام عام 2010 عن التعداد السكاني في البلاد، كان يعيش في سوريا نحو 700 ألف من المسلمين الموحدين الدروز، ما يعادل 3 في المائة من إجمالي عدد السكان البالغ حينها نحو 22 مليوناً ونصف مليون. وكانت غالبيتهم تعيش في محافظة السويداء، التي بلغ عدد سكانها آنذاك 375 ألف نسمة؛ 90 في المائة من المسلمين الموحدين الدروز، و7 في المائة مسيحيون، و3 في المائة من السنة.


مقالات ذات صلة

أنقرة: لا انسحاب عسكرياً من سوريا بعد

شؤون إقليمية قافلة تحمل عناصر من «داعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

أنقرة: لا انسحاب عسكرياً من سوريا بعد

أكدت تركيا أن سحب قواتها من سوريا ليس مطروحاً، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الموقّع بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني خلال لقائه مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس برّاك في الرياض (سانا)

الشيباني يلتقي برّاك في الرياض

التقى وزير الخارجية السوري، أسعد حسن الشيباني، الاثنين، في العاصمة السعودية الرياض المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)

مصر تنفي إصدار ضوابط جديدة لدخول السوريين

نفت مصر اتخاذ أي إجراءات جديدة ضد دخول السوريين للبلاد، بينما أفادت مصادر سورية «الشرق الأوسط»، بوجود حملات تدقيق أمني تستهدف مخالفي شروط الإقامة فقط.

هشام المياني (القاهرة)
المشرق العربي أرشيفية لنقطة تفتيش تابعة لقوى الأمن الداخلي السوري في السويداء (رويترز)

مقتل أربعة أشخاص برصاص عنصر أمن في جنوب سوريا

قتل أربعة أشخاص وأصيب الخامس بجروح خطيرة في محافظة السويداء جراء إطلاق أحد عناصر الأمن العام النار عليهم يوم السبت.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

«أغروهم بالمال للرجوع إلى مصر»... صدمة إسرائيلية من العائدين إلى غزة

TT

«أغروهم بالمال للرجوع إلى مصر»... صدمة إسرائيلية من العائدين إلى غزة

فلسطيني يحمل طفلة بينما يصل الفلسطينيون القادمون من معبر رفح الحدودي إلى مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 9 فبراير الحالي (رويترز)
فلسطيني يحمل طفلة بينما يصل الفلسطينيون القادمون من معبر رفح الحدودي إلى مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 9 فبراير الحالي (رويترز)

أكدت مصادر سياسية وحقوقية في تل أبيب أن السلطات الإسرائيلية مصدومة من العدد الهائل من الفلسطينيين الراغبين بالعودة إلى قطاع غزة (نحو 80 ألفاً)، رغم ما حل به من دمار؛ ووفق تقارير إسرائيلية، وشهادات لبعض العائدين، فإن «إجراءات عقابية قاسية يتم تنفيذها ضدهم»، وكذلك «تم عرض فكرة الحصول على أموال للرجوع إلى مصر، أو التخابر مع السلطات الإسرائيلية».

وقالت هذه المصادر إن السلطات الإسرائيلية «تُعد للعائدين سلسلة محطات تعذيب، تصل إلى حد تعصيب عيونهم، ووضع الأغلال في أيديهم، وشتمهم، وتهديدهم، وتسليمهم لعناصر في الميليشيات الفلسطينية المسلحة التابعة لها، والذين يمارسون بحقهم التعذيب.

وتوجه «مركز عدالة» القانوني وجمعية «غيشاه»، وكل منهما مسجل في إسرائيل بوصفهما جمعيتين قانونيتين، إلى كل من وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، والمدعي العام العسكري، العقيد إيلي لبرتوف، والمستشارة القانونية للحكومة، غالي بهرا ميارا، يطلبان إصدار أوامر للجيش الإسرائيلي بالتوقف عن إساءة معاملة الراغبين في العودة إلى قطاع غزة.

فلسطينيون يحملون أغراضاً لأقربائهم الذين عادوا إلى خان يونس عقب فتح معبر رفح 5 فبراير الحالي (أ.ب)

وجاء في الرسالة، التي وقع عليها المحاميان محمد عوض ومنى حداد، أن «هدف إساءة معاملة العائدين هو منع المزيد من الفلسطينيين من العودة إلى القطاع».

احتجاز قسري مع الميليشيات

ويبدو أن السكان العائدين قد تم احتجازهم بشكل قسري من قبل ميليشيات مسلحة تعمل بتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، وتعرضت حياتهم وسلامتهم للخطر، وخضعوا لتحقيقات أمنية مطولة، وهو شرط لعبورهم.

وتشير الشهادات وسلوك الجيش إلى أن هذه الإجراءات لم تهدف فقط إلى إهانة السكان العائدين، بل أيضاً تخويف الذين يريدون العودة إلى قطاع غزة.

مرضى وجرحى فلسطينيون في حافلة استعداداً لمغادرة قطاع غزة لتلقي العلاج عبر معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر في 8 فبراير الحالي (أ.ف.ب)

وبحسب أقوال المحاميين، فإن هذا السلوك مخالف لالتزام إسرائيل بالقانون الدولي. إذ إن الإعلان الدولي لحقوق الإنسان ينص على أن «كل شخص له الحق في مغادرة أي دولة، بما في ذلك دولته، والعودة إليها. هذا الحق مكفول بعدة معاهدات وقعت عليها إسرائيل، بما في ذلك التعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية، والسياسية، واتفاق جنيف، واتفاق مناهضة جريمة الفصل العنصري، وميثاق روما».

وفتح معبر رفح بعد فترة طويلة من الإغلاق أمام حركة مرور محدودة في الاتجاهين، في إطار تنفيذ المرحلة الثانية في اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

رحلة العودة عبر 6 محطات

وقد حاولت إسرائيل فرض معادلة تجعل عدد المغادرين قطاع غزة يفوق عدد العائدين؛ إلا أن مصر رفضت ذلك، واعتبرته محاولة تكريس لخطة تهجير الفلسطينيين، وأصرت على أن يكون عدد المغادرين مساوياً لعدد العائدين.

ووفقاً لبيان صادر عن قوة المراقبة الأوروبية الموجودة في المعبر، فإنه حتى يوم الأحد الماضي عبر 284 شخصاً، نصفهم ذهبوا إلى مصر لتلقي العلاج الطبي الملح، والنصف الثاني دخلوا إلى القطاع.

وحسب إفادات الشهادات التي أدلى بها العائدون، فإنهم يضطرون إلى عبور ست محطات هي: مصر، والسلطة الفلسطينية، وممثلون عن الاتحاد الأوروبي و«ميليشيا أبو شباب» التي تعمل برعاية ودعم إسرائيل، وجنود الجيش الإسرائيلي.

ويمتد مسار رحلة العودة 15 كيلومتراً، يبدأ من معبر رفح، وينتهي عند مستشفى ناصر في خان يونس. وحتى الآن، بدت رحلة متعبة قد تستغرق، حسب الشهادات، تقريباً 24 ساعة، وأحياناً أكثر من ذلك، وتشمل التحقيق، والتأخير، والتهديد، والإهانة، والقيود على إدخال الأموال، والأغراض.

والمعاناة الكبرى تكون عند انتهاء الإجراءات على المعبر، وتبدأ عملية الدخول إلى القطاع؛ فهناك تسيطر إسرائيل.

وبحسب شهادات نشرتها صحيفة «هآرتس» اليوم الأربعاء، فإنهم يركبون الحافلات نحو نقطة تفتيش تابعة للجيش الإسرائيلي، والتي تبعد 5 كيلومترات عن شارع صلاح الدين، لكنهم لا يصلون إلى نقطة التفتيش مباشرة، بل يتم توقيفهم في البداية من قبل أعضاء «ميليشيات أبو شباب»، والتي يعتبرها الفلسطينيون مرتزقة مسلحة خاضعة لإسرائيل.

وقد أثار التعاون معها في السابق انتقادات شديدة، حتى من قادة الجيش الإسرائيلي أنفسهم، وفي الأسبوع الماضي أكد مصدر أمنى للصحيفة أن أعضاء الميليشيا يرافقون الغزيين الداخلين إلى القطاع.

وحسب شهادات، ومقاطع مصورة، فإن أعضاء الميليشيا يرافقون الغزيين إلى نقطة التفتيش التي أقامها جيش الاحتلال على مفترق صلاح الدين – موراغ.

مرضى وجرحى فلسطينيون في حافلة استعداداً لمغادرة قطاع غزة لتلقي العلاج عبر معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر في 8 فبراير الحالي (أ.ف.ب)

وقد جمع مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أدلة تفيد بأن المسلحين كبلوا أيدي بعض الغزيين العائدين للقطاع، وقاموا بعصب عيونهم، وتهديدهم، إضافة إلى ذلك جاء أن أعضاء الميليشيا قاموا بتفتيش أمتعة العائدين، وسرقوا ممتلكاتهم الشخصية، وأموالهم.

وتؤكد الصحيفة أن عناصر «أبو شباب» يقومون بتسليم العائدين إلى غزة للجيش الإسرائيلي في نقطة تفتيش تم إنشاؤها حديثاً على الشارع الرئيس، ويسميها الجيش «نكاز رغافيم»، وتوجد في هذه النقطة منذ فترة طويلة قاعدة عسكرية إسرائيلية كبيرة نسبياً، ويستغرق المرور في تلك النقطة بضع ساعات.

هل تأخذون أموالاً وتعودون؟

وبحسب الشهادات التي جمعتها الأمم المتحدة بشأن ما حدث عند نقطة تفتيش الجيش الإسرائيلي، فإن العائدين تحدثوا عن نمط من العنف، والتحقيق المهين، والتفتيش الجسدي المهين، وفي بعض الحالات كانت عيونهم معصوبة، وأيديهم مكبلة.

سيدة فلسطينية أصيبت في يناير 2024 بالرصاص وسافرت إلى مصر للعلاج تجلس مع زوجها وأطفالها في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين شمال غزة في 8 فبراير الحالي بعد عودتها إلى القطاع (أ.ف.ب)

وأفادوا أيضاً بأن الجنود منعوهم من الحصول على العلاج عند حاجتهم إلى ذلك، وحتى من استخدام المراحيض، وجاء أيضاً أن بعض العائدين قالوا إنهم تم سؤالهم إذا كانوا سيوافقون على أخذ الأموال للعودة إلى مصر مع عائلاتهم، وعدم العودة إلى القطاع.

كما شهد آخرون بأنه تم عرض الأموال عليهم كي يصبحوا متخابرين مع الجيش الإسرائيلي.

وبعد عملية التفتيش في تلك المحطة يركب العائدون الحافلات بمرافقة أعضاء برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وعقب ذلك، تجتاز الحافلات الخط الأصفر الفاصل بين القوات الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية الخاصة بسيطرة «حماس»، ومن هناك إلى مستشفى ناصر في خان يونس.


القنابل الصوتية تحاصر أهالي قرى جنوب لبنان: رسائل ترهيب وتهجير

عناصر من الأمن الداخلي يحملون نعش زميلهم حسن جابر (38 عاماً) الذي قُتل يوم الاثنين مع ابنه علي (4 أعوام) بغارة جوية إسرائيلية بطائرة مسيّرة... خلال موكب جنازتهما في قرية يانوح جنوب لبنان يوم الثلاثاء (أ.ب)
عناصر من الأمن الداخلي يحملون نعش زميلهم حسن جابر (38 عاماً) الذي قُتل يوم الاثنين مع ابنه علي (4 أعوام) بغارة جوية إسرائيلية بطائرة مسيّرة... خلال موكب جنازتهما في قرية يانوح جنوب لبنان يوم الثلاثاء (أ.ب)
TT

القنابل الصوتية تحاصر أهالي قرى جنوب لبنان: رسائل ترهيب وتهجير

عناصر من الأمن الداخلي يحملون نعش زميلهم حسن جابر (38 عاماً) الذي قُتل يوم الاثنين مع ابنه علي (4 أعوام) بغارة جوية إسرائيلية بطائرة مسيّرة... خلال موكب جنازتهما في قرية يانوح جنوب لبنان يوم الثلاثاء (أ.ب)
عناصر من الأمن الداخلي يحملون نعش زميلهم حسن جابر (38 عاماً) الذي قُتل يوم الاثنين مع ابنه علي (4 أعوام) بغارة جوية إسرائيلية بطائرة مسيّرة... خلال موكب جنازتهما في قرية يانوح جنوب لبنان يوم الثلاثاء (أ.ب)

تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الحدودية في جنوب لبنان بوتيرة ممنهجة، عبر إمطار القرى الأمامية بالقنابل الصوتية، بالتزامن مع قصف مدفعي وتحركات عسكرية ميدانية، في مشهد يعكس ضغطاً أمنياً متصاعداً وترهيباً للسكان؛ بهدف تفريغ المناطق الحدودية ومنع عودة الأهالي بأي طريقة.

كثافة القنابل الصوتية

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام»، الأربعاء، بأن مسيّرات إسرائيلية ألقت 5 قنابل صوتية على بلدة عيتا الشعب بقضاء بنت جبيل، بالقرب من جبانة البلدة، كما استهدفت محيط «الساحة» بقذيفتين، بالتزامن مع التحضيرات لتشييع عبد الله ناصر الذي قُتل الثلاثاء برصاص إسرائيلي.

وأشارت «الوطنية» إلى أن «قوة مشاة إسرائيلية توغلت في أطراف البلدة من جهة تلة شواط، وتزامن ذلك مع حضور الجيش وانتشاره في ساحة البلدة استجابة لمطالبة الأهالي بمواكبة التشييع وتأمينه».

مشيعون يحملون نعش الطفل علي حسن جابر البالغ من العمر 4 سنوات الذي قُتل مع والده العنصر في الأمن الداخلي خلال موكب جنازتهما بقرية يانوح جنوب لبنان يوم الثلاثاء 10 فبراير 2026 (أ.ب)

وفي سياق سياسة الترهيب نفسها، كانت كثافة القنابل الصوتية قد أدت قبل يومين إلى محاصرة شابين في محيط جبانة عيتا الشعب، إلى أن عملت قوة من الجيش اللبناني على إخراجهما في ظل تحليق مسيّرة إسرائيلية مسلحة على علو منخفض.

وفي تطور مماثل، كانت مسيّرة إسرائيلية قد ألقت ليلاً قنابل على منزل مأهول في بلدة بليدا؛ ما أدى إلى إخلائه من ساكنيه، قبل أن تتوغّل قوة إسرائيلية إلى المكان وتعمد إلى تفخيخه ونسفه. وكان المنزل قد تعرّض سابقاً لاستهداف بالقنابل الصوتية؛ مما يطرح تساؤلات بشأن طبيعة الرسائل الميدانية المرتبطة بهذه العمليات.

بالتوازي، أفادت وسائل إعلام لبنانية بأن قوات إسرائيلية تنفّذ أعمالاً هندسية وتحصينات في موقع مستحدث يُعدّ السادس من نوعه في منطقة خلة المحافر جنوب بلدة عديسة، في خطوة تعزز المخاوف من تثبيت نقاط عسكرية جديدة بمحاذاة الخط الأزرق.

وأتت هذه التحركات بعدما كان قد سُجّل ليلاً تحرّك دورية مشتركة من الجيش اللبناني و«قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)» عند أطراف بلدة يارون، في محاولة لاحتواء أي تصعيد إضافي.

سياسة تهجير من تبقّى من السكان

ومنعت القنابل الصوتية، التي تحاصر المنطقة الحدودية وبلدة عيتا الشعب، مشاركة أهالي البلدة في تشييع الشاب عبد الله ناصر، وفق ما قال رئيس بلدية عيتا الشعب أحمد سرور لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن «البلدة تتعرض منذ يومين لتصعيد إسرائيلي متواصل». وأكد أن «أكثر من 10 قنابل صوتية سقطت على البلدة، بالتزامن مع تحرّك دبابات (ميركافا) باتجاهها»، عادّاً أن ذلك يأتي «في محاولة واضحة لتهجير من تبقّى من السكان وقطع أرزاقهم ومنعهم من زراعة أراضيهم».

تُجري قافلة تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة دوريات بمنطقة تقع في قرية الخيام الحدودية جنوب لبنان بالقرب من مستوطنة المطلة الإسرائيلية (د.ب.أ)

ولفت سرور إلى أن عدد المقيمين حالياً في البلدة لا يتجاوز 52 شخصاً من أصل نحو 15 ألفاً، موضحاً أن «الذين بقوا هم من الفقراء وكبار السن والمرضى، وهؤلاء لا يستطيعون مغادرة القرية».

وأضاف أن الضغوط الإسرائيلية «لا تقتصر على القنابل الصوتية والتحركات العسكرية، بعدما جرفوا الغابات والأراضي على طول الحدود، وصولاً إلى رشّها بالسموم لقطع الطريق أمام أي إمكانية لزراعتها»، وهو ما وصفه بأنه «استهداف مباشر لمقومات الصمود والبقاء».

وأشار إلى أن «هناك مركزاً للجيش اللبناني في عيتا الشعب، كما أن دوريات (يونيفيل) حاضرة بشكل دائم»، إلا إنه شدد على أن «إسرائيل لا تأبه بكل ذلك، وتستمر في سياسة التهجير وفرض الأمر الواقع على الأرض».

رسائل ترهيب وإنذار

وفي الإطار نفسه، يرى اللواء الركن المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي أن القنابل الصوتية التي تُلقى على البلدات الحدودية «لا يمكن فصلها عن سياق أمني - سياسي أوسع»، واصفاً إياها بأنها تشكل «رسائل ترهيب وإنذار»؛ هدفها الضغط على من تبقى من السكان ودفعهم إلى النزوح التدريجي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «إسرائيل تريد ألا تتم عودة الأهالي إلا بشروطها، وهي شروط لم تنضج بعد»، موضحاً أن «إسرائيل، تسعى إلى أن تكون العودة إما بإشراف مباشر منها وإما عبر وسطاء، بما يتيح لها الاطلاع على خرائط إعادة الإعمار وتفاصيل الأبنية الجديدة بطريقة غير مباشرة، لضمان معرفة كل المعطيات الميدانية والأمنية في القرى الحدودية».

ويرى أن عرقلة عودة سكان أهالي الجنوب تندرج ضمن «محاولة استكمال تفاهمات أوسع مع الدولة اللبنانية؛ سواء أكانت عسكرية أم سياسية أم أمنية أم حتى اقتصادية، خصوصاً بشأن المنطقة الحدودية التي تعدّها تل أبيب ذات أولوية استراتيجية».

من هنا، يلفت شحيتلي إلى أن «عرقلة إعادة بناء المنازل وتدمير ما تبقى من بعض الأبنية، لا سيما تلك التي تُقدّر إسرائيل أنها قد تُستخدم مستقبلاً لأغراض عسكرية أو لتخزين أسلحة، أمر يأتي في سياق فرض واقع أمني جديد على الأرض، يسبق أي عودة طبيعية ومستقرة للسكان».


معتقلون فلسطينيون يعانون الجوع رغم أمر قضائي بزيادة الطعام في السجون الإسرائيلية

سجن عوفر العسكري الإسرائيلي قرب رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
سجن عوفر العسكري الإسرائيلي قرب رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
TT

معتقلون فلسطينيون يعانون الجوع رغم أمر قضائي بزيادة الطعام في السجون الإسرائيلية

سجن عوفر العسكري الإسرائيلي قرب رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
سجن عوفر العسكري الإسرائيلي قرب رام الله في الضفة الغربية (رويترز)

بعد مرور خمسة أشهر على حكم أصدرته المحكمة العليا الإسرائيلية بأن سجونها لا تقدم ما يكفي من الطعام للمعتقلين الفلسطينيين وأمرها بتحسين الأوضاع، لا يزال سجناء يخرجون وهم مصابون بالهزال ويروون قصصاً عن الجوع الشديد وسوء المعاملة.

وقال سامر خويره (45 عاماً) لوكالة «رويترز» إنه لم يكن يحصل سوى على 10 قطع رقيقة من الخبز خلال اليوم في سجنَي مجدو ونفحة الإسرائيليين، مع قليل من الحمص والطحينة، وبعض التونة مرتين في الأسبوع.

وتظهر مقاطع فيديو محفوظة على هاتف خويره وزنه الطبيعي قبل اعتقاله في مدينة نابلس بالضفة الغربية في أبريل (نيسان) ثم هزاله الشديد عند إطلاق سراحه.

خويره يعرض صورة لهيئته يوم أُفرج عنه من السجن قبل أربعة أسابيع بعدما قال إنه فقد 22 كيلوغراماً من وزنه خلال 9 أشهر في السجن (رويترز)

ويقول ‌إنه فقد ‌22 كيلوغراماً خلال 9 أشهر، وخرج قبل شهر مغطى بقروح ​الجرب، ‌ونحيلاً ⁠لدرجة أن ​ابنه ⁠عز الدين البالغ من العمر 9 سنوات لم يتعرف عليه.

ولم يتسنَّ لـ«رويترز» بشكل مستقل تحديد العدد الإجمالي للسجون التي ساد فيها نقص الغذاء، أو العدد الإجمالي للسجناء الذين عانوا من آثاره.

كما لم يتسنَّ للوكالة التحقق بشكل مستقل من الغذاء الذي تناوله خويره خلال تلك الفترة، أو أسباب فقدانه الشديد للوزن، أو مدى انتشار هذه التجربة بين نحو 9 آلاف فلسطيني محتجزين في السجون الإسرائيلية.

لكن ذلك جاء متسقاً مع ما ورد في بعض التقارير التي رفعها محامون بعد زيارات للسجون. وراجعت «رويترز» 13 تقريراً ⁠من هذا القبيل صدرت في ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني)، ‌اشتكى فيها 27 سجيناً من نقص الطعام، وأكد معظمهم أن ‌المؤن لم تتغير منذ صدور أمر المحكمة.

واتهمت جمعية حقوق المواطن ​في إسرائيل التي شاركت في القضية التي ‌رفعت العام الماضي وشكلت سابقة وأدت إلى إصدار حكم يأمر بتحسين معاملة السجناء، الحكومة بالتستر ‌على «سياسة تجويع» متبعة في السجون.

ورفضت مصلحة السجون الإسرائيلية التعليق على قضية خويره بشكل فردي، لكنها قالت: «نرفض مزاعم التجويع أو الإهمال الممنهج. يتم تقديم التغذية والرعاية الطبية بناءً على المعايير المهنية والإجراءات التشغيلية».

خويره يشير إلى كمية الطعام التي كانت تُقدَّم له يومياً خلال احتجازه في سجن إسرائيلي (رويترز)

وقال متحدث إن المصلحة «تعمل وفقاً للقانون وأحكام المحاكم» ويتم التحقيق في جميع الشكاوى من خلال القنوات الرسمية.

وأضاف: «يتم توفير ‌الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحصول على الغذاء والرعاية الطبية وظروف المعيشة اللائقة، وفقاً للقانون والإجراءات المعمول بها، من موظفين مدربين تدريباً مهنياً».

وقال ⁠خويره، وهو صحافي ⁠في محطة إذاعية بنابلس احتُجز دون توجيه تهمة إليه، إنه لم يتم إبلاغه قط بسبب اعتقاله خلال مداهمة ليلية لمنزله في أبريل. وامتنع الجيش الإسرائيلي عن التعليق.

تهمة ازدراء المحكمة

زادت صعوبة التحقق بشكل مستقل من معاملة المحتجزين منذ بداية حرب غزة عندما منعت إسرائيل زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للسجون، وهو دور تضطلع به اللجنة التي مقرها جنيف، في مناطق الصراعات المختلفة في العالم منذ نحو قرن.

وقدمت جمعية حقوق المواطن في إسرائيل التماساً إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للسماح للصليب الأحمر بالوصول إلى المعتقلين الفلسطينيين. كما تقدمت بطلب إلى المحكمة لاتهام مصلحة السجون بازدراء المحكمة لعدم امتثالها لأمر صدر في سبتمبر (أيلول) بتحسين أوضاع وظروف الاعتقال.

الأسير الفلسطيني معزز عبيات عقب الإفراج عنه من سجن إسرائيلي قرب مدينة الخليل في الضفة الغربية (رويترز)

وقالت نوعا ستات، المديرة التنفيذية للجمعية، لـ«رويترز»: «كل المؤشرات التي نحصل عليها لا تشير إلى تغير يذكر» منذ ​صدور حكم المحكمة.

وأضافت: «لا يحصل السجناء على ​المزيد من الطعام إذا طلبوه. لم يتم إجراء أي فحص طبي لحالة السجناء، وما زالوا يعانون من الجوع».

ولم ترد المحكمة العليا على طلب للحصول على تعليق على القضية.