قمة أوروبية ـ تركية جديدة لبحث أزمة الهجرة

بروكسل تعرض مساعدة بـ3 مليارات دولار.. وتخفيف قيود تأشيرة الدخول.. وأنقرة تطالب بإلغائها

لاجئون ومهاجرون إيرانيون خيّطوا شفاههم احتجاجا على قرار صربيا ومقدونيا بالسماح للاجئين العراقيين والسوريين والأفغان فقط بعبور الحدود (أ.ف.ب)
لاجئون ومهاجرون إيرانيون خيّطوا شفاههم احتجاجا على قرار صربيا ومقدونيا بالسماح للاجئين العراقيين والسوريين والأفغان فقط بعبور الحدود (أ.ف.ب)
TT

قمة أوروبية ـ تركية جديدة لبحث أزمة الهجرة

لاجئون ومهاجرون إيرانيون خيّطوا شفاههم احتجاجا على قرار صربيا ومقدونيا بالسماح للاجئين العراقيين والسوريين والأفغان فقط بعبور الحدود (أ.ف.ب)
لاجئون ومهاجرون إيرانيون خيّطوا شفاههم احتجاجا على قرار صربيا ومقدونيا بالسماح للاجئين العراقيين والسوريين والأفغان فقط بعبور الحدود (أ.ف.ب)

وجه رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، دونالد توسك، أمس دعوة إلى قادة الدول الأعضاء لحضور اجتماع مع تركيا يوم الأحد القادم ببروكسل، بهدف تطوير العلاقات والمساهمة في إدارة أزمة الهجرة.
وأشار توسك في رسالته للقادة الأوروبيين إلى أنه خلال قمة فاليتا الأخيرة نوقشت علاقة الاتحاد مع تركيا، ودعت المفوضية الأوروبية إلى مواصلة المفاوضات مع أنقرة بهدف اعتماد وتطبيق خطة عمل مشتركة. وفي ضوء توصية إيجابية من المفوضية الأوروبية، قررت رئاسة الاتحاد الدعوة لعقد الاجتماع المشترك يوم الأحد القادم، 29 من الشهر الحالي. ومن المتوقع أن تبدأ القمّة بمداخلة لرئيس البرلمان الأوروبي، مارتن شولتز، حول ملف إدارة أزمة الهجرة واللجوء، متبوعة بجلسة عمل مشتركة.
وأفادت تقارير إعلامية غربية بأن توسك، الذي يتولى رئاسة اجتماعات الاتحاد الأوروبي، دعا إلى عقد الاجتماع المشترك مع تركيا عقب مكالمة هاتفية أجراها مساء الاثنين مع رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، فضلا عن التوصية الإيجابية من المفوضية الأوروبية ببروكسل حول أهمية تنسيق المواقف بين الجانبين في ملف إدارة الهجرة. ويضغط الاتحاد الأوروبي على تركيا لتعزيز المراقبة على الحدود البحرية مع اليونان، التي كانت نقطة دخول المهاجرين واللاجئين بأعداد كبيرة إلى الأراضي الأوروبية. في المقابل، يعرض التكتل الأوروبي الموحد 3 مليارات يورو، أي نحو 3.18 مليار دولار، كتمويل إضافي لتركيا، إلى جانب تسريع المفاوضات مع أنقرة حول الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، التي تسير بشكل بطيء للغاية منذ انطلاقها في 2005.
وقالت مصادر أوروبية ببروكسل في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن مشاورات جرت خلال الأسبوعين الماضيين بين عدة عواصم أوروبية بشأن إمكانية عقد قمة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا حول خطة العمل المشتركة لمواجهة أزمة الهجرة واللجوء. وجاء ذلك عقب اختتام جولات تفاوضية بين بروكسل وأنقرة، شارك فيها فرانس تيمرمانس، نائب رئيس المفوضية الأوروبية المكلف بهذا الملف. كما كان الملف مطروحا للنقاش في اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي مؤخرا.
من جهتها، أفادت تقارير إعلامية في هولندا بأن تركيا ستحصل على 3 مليارات يورو من الاتحاد الأوروبي خلال العامين القادمين للمساعدة في الحد من تدفق مزيد من اللاجئين السوريين إلى سواحل الاتحاد الأوروبي، وستساهم هولندا بـ117 مليون يورو من هذا المبلغ. ويحتاج الاتحاد الأوروبي إلى مساعدة تركيا في ظل أسوأ أزمة هجرة شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي اضطر بعض الدول الأعضاء إلى التصرف وفقا لمصلحتهم، فمنهم من أقام السياج مثل المجر وسلوفينيا واليونان، ومنهم من فرض رقابة أمنية ونقاطا حدودية مثل ألمانيا والسويد والنمسا.
وإلى جانب المساعدة المالية المقترحة، طلب الرئيس طيب رجب إردوغان تحرير تأشيرات دخول الاتحاد الأوروبي للأتراك وتسريع مفاوضات بين بروكسل وأنقرة حول عضوية الاتحاد الأوروبي. ويأتي ذلك بعد قمة أوروبية - أفريقية عقدت نهاية الشهر الماضي، جرى التوقيع خلالها على إنشاء صندوق أفريقي بقيمة مليار و800 مليون يورو للحد من تدفق اللاجئين الأفارقة إلى الاتحاد الأوروبي.
وبعد قمة تشاورية بين القادة الأوروبيين بحثت المساعدات المادية إلى تركيا وإمكانية إلغاء تأشيرات الدخول بالنسبة إلى المواطنين الأتراك، قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل: «مقابل الخطوات الأوروبية، على تركيا أن تسرع في الموافقة على قبول إعادة استقبال اللاجئين الذين قدموا إلى أوروبا عبر الحدود التركية وهم ليسوا أتراكا». ويشار إلى أنه في النصف الأول من الشهر الحالي جاء تقرير المفوضية الأوروبية السنوي حول الدول المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، ومنها تركيا، ليتضمن رسالة واضحة مفادها أن أنقرة لديها مصلحة في التقارب مع الاتحاد الأوروبي، وأن الوضع الجيوسياسي يتطلب تكثيف التعاون الثنائي بين الجانبين، خصوصا في مجالات ضبط الحدود، ومكافحة الإرهاب، والاقتصاد، والتجارة. ووجه التقرير انتقادات إلى السلطات في أنقرة بسبب التقاعس عن تنفيذ إجراءات إصلاحية في قطاعات متعددة، مثل القضاء، وحرية الإعلام، والحقوق الأساسية.
وفي سياق متصل، اعتبر رئيس تشيكيا، ميلوس زيمان، أمس أن المتطرفين يستغلون أزمة الهجرة كغطاء للتسلل إلى الاتحاد الأوروبي، داعيا الجيش التشيكي للاستعداد للدفاع عن حدود بلاده. وقال الرئيس اليساري، البالغ من العمر 71 عاما، لقادة الجيش: «من السذاجة الاعتقاد بأنه لا علاقة بين موجة الهجرة والإرهاب، لأننا عندها سيكون علينا أن نفترض أنه ليس هناك متطرفون محتملون بين المهاجرين. لقد بات الخطر قريبا من حدودنا». وأضاف: «لا يمكننا أن نقدر بدقة عددهم بالطبع، ولكن بعضهم شارك في اعتداءات باريس» التي أوقعت 130 قتيلا في 13 نوفمبر (تشرين الثاني). وأشار زيمان إلى تقارير لأجهزة الاستخبارات تفيد بأن إرهابيين استخدموا جمهورية تشيكيا لدخول غرب أوروبا.
في المقابل، انتقدت الأمم المتحدة، أول من أمس، السياسيين الذين يريدون وقف استقبال اللاجئين السوريين بعد اعتداءات باريس، مؤكدة أن هذا «الخطاب» ينم عن عدم احترام وأنه لا مكان للتمييز في هذا المجال. وكان مجلس النواب الأميركي الذي يهيمن عليه الجمهوريون تبنى الأسبوع الماضي إجراء يهدف إلى تعليق استقبال اللاجئين العراقيين والسوريين، إلى أن تتخذ إجراءات مشددة في الانتقاء، على الرغم من الدعوات إلى الهدوء وتهديد الرئيس باراك أوباما بتعطيل القرار. ورأى مسؤولون أوروبيون وأميركيون يمينيون أنه لا يجب السماح للاجئين السوريين بالدخول إلى الأراضي الأوروبية والأميركية، خوفا من استغلال مقاتلين من تنظيم داعش لحق اللجوء وشن هجمات.



تقارير: الأمير السابق أندرو كلف ضابطين بريطانيين بحراسة حفل لإبستين

الأمير السابق أندرو (إ.ب.أ)
الأمير السابق أندرو (إ.ب.أ)
TT

تقارير: الأمير السابق أندرو كلف ضابطين بريطانيين بحراسة حفل لإبستين

الأمير السابق أندرو (إ.ب.أ)
الأمير السابق أندرو (إ.ب.أ)

أفادت وسائل إعلام بريطانية، أمس الأحد، بأن اثنين من ضباط شرطة لندن كانا مكلفين بحماية أندرو ماونتباتن-وندسور، الشقيق الأصغر للملك تشارلز، حصلا على تعليمات بتوفير حماية لحفل عشاء في منزل جيفري إبستين، المموّل المُدان بجرائم جنسية، في نيويورك عام 2010.

ونقلت صحيفة «صنداي تايمز»، التي كانت أول مَن نشر الخبر، عن رسائل بريد إلكتروني من ملفات إبستين يبدو أنها توضح بالتفصيل الترتيبات التي اتخذت لإقامة ماونتباتن-وندسور مع إبستين، في ديسمبر (كانون الأول) 2010، برفقة اثنين من الضباط المكلفين بحمايته والتابعين لشرطة لندن.

وفي رسالة بريد إلكتروني، أُرسلت في الليلة التي سبقت الحدث بعنوان «أمن الحفل»، أبلغ أحد الموظفين إبستين بأن الضابطين تلقيا «تعليمات بشأن الباب».

تأتي هذه التقارير بعد أن أعلنت الشرطة، يوم الجمعة، أنها تتواصل مع الضباط المكلفين سابقاً بحماية ماونتباتن-وندسور، وحثّت أي شخص لديه اتهامات بارتكاب جرائم جنسية تتعلق بإبستين، على التواصل معها.

وقالت الشرطة إنها لم تحدد في هذه المرحلة أي مخالفات ارتكبها ضباط الحماية. ورداً على تقارير اليوم، قالت شرطة العاصمة، لوكالة «رويترز» للأنباء، إنه ليس لديها أي تعليق آخر.


3 قتلى بضربات روسية في أنحاء أوكرانيا

رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (أ.ف.ب)
رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (أ.ف.ب)
TT

3 قتلى بضربات روسية في أنحاء أوكرانيا

رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (أ.ف.ب)
رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (أ.ف.ب)

أسفرت ضربات روسية بالمسيّرات والصواريخ استهدفت أوكرانيا ليلاً عن مقتل 3 أشخاص على الأقل وإصابة عدد آخر بجروح، حسبما أفاد به مسؤولون إقليميون، اليوم (الاثنين).

وقُتل شخصان عندما استهدفت مسيّرات منطقة أوديسا، حسبما أفاد به الحاكم الإقليمي أوليغ كيبر، مشيراً إلى إصابة ثلاثة أشخاص بجروح.

وفي زابوريجيا، أدى هجوم بمسيّرات استهدف منشآت صناعية إلى مقتل رجل يبلغ من العمر 33 عاماً وإصابة آخر بجروح، حسب حاكم المنطقة إيفان فيدوروف.

رجال الإطفاء داخل مجمع تابع لشركة خاصة تضرر جراء غارات جوية روسية بطائرات مسيّرة خلال الليل في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا بمنطقة أوديسا (رويترز)

تتعرّض المدينة التي تعد مركزاً صناعياً رئيسياً قرب خط الجبهة، لضربات متكررة في وقت تكثّف القوات الروسية الضغط على جنوب شرقي أوكرانيا.

وشمالاً، استهدف صاروخ منطقة خولودنوغرسكي في خاركيف، حسبما أفاد به رئيس البلدية إيغور تيريخوف، صباح الاثنين.

ولم يفصح عن عدد للضحايا في وقت عملت فرق الطوارئ على تقييم الأضرار.

رجل إطفاء أوكراني يعمل على إخماد حريق بموقع هجوم روسي في أوديسا (رويترز)

جاءت الضربات بعد وابل من الصواريخ والمسيّرات الروسية التي استهدفت، الأحد، البنى التحتية المخصصة للطاقة وسكك الحديد ومناطق سكنية في أنحاء أوكرانيا، حيث استُهدفت كييف على وجه الخصوص.

سيارة تحترق في أوديسا (رويترز)

وقُتل رجل وأُصيب أكثر من عشرة بجروح في العاصمة وفي محيطها في ذلك الهجوم.


4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)
TT

4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ (أ.ف.ب)

في ختام الكلمة التي ألقاها مطالع مايو (أيار) 1950، خلال الحفل التأسيسي لمجموعة الفحم والصلب الأوروبية، التي كانت النواة الأولى للمجموعة الاقتصادية الأوروبية ثم للسوق الأوروبية المشتركة وبعدها للاتحاد الأوروبي، قال جان مونّيه، أحد «آباء أوروبا الأربعة» (إلى جانب كونراد أديناور وروبرت شومان وآلشيدي دي غاسبيري)، إن «المشروع الأوروبي لن يكتمل بناؤه إلا من رحم الأزمات التي هي أفضل حليف له».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس يتوسط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بمناسبة مشاركتهم بمؤتمر الأمن في ميونيخ 13 فبراير (رويترز)

انقضت 75 سنة على تلك العبارة التي أكّدت صحتها سبحة الأزمات التي تعاقبت على المشروع الأوروبي، ليخرج منها بقفزات نوعيّة رسّخت دعائمه، وكانت خطوات واسعة نحو المزيد من الاندماج والتكامل على الأصعدة المالية والاجتماعية والاقتصادية. لكن العملاق الاقتصادي الذي تولّد من ذلك المشروع الطموح الذي قام ليكون سدّاً منيعاً في وجه المغامرات العسكرية التي أدمت التاريخ الأوروبي، ما زال «قزماً سياسياً» على مائدة الكبار الذين يوزعون الغنائم ويرسمون الخرائط الجيوسياسية.

معادلة الاقتصاد والسياسة

لا يختلف اثنان في أوروبا على أن فشل المشروع الأوروبي حتى الآن في معادلة قوته الاقتصادية بالنفوذ السياسي الذي يتناسب معها، يعود لسببين: الأول، تمنّع الدول الأعضاء، وبخاصة منها الكبرى، في التنازل للإدارة المشتركة عن صلاحيات في السياسة الخارجية. والثاني، وربما الأهم، رفض الحكومات الأوروبية وضع قدراتها العسكرية تحت عباءة قيادة موحّدة وتشكيل جيش مشترك يخضع لتوجيهات المجلس الأوروبي وأوامره.

لكن الحرب الدائرة منذ أربع سنوات في أوكرانيا على خطوط التماس الأوروبية، والمخاوف التي أيقظتها من تكرار مغامرات استعادة المجد الروسي الضائع، والشرخ العميق الذي ظهر في العلاقات الأوروبية - الأميركية على أكثر من صعيد، كل ذلك وضع الأوروبيين أمام واقع كانوا يناورون لتجاهله منذ سنوات، وأدركوا أن أمنهم لا يمكن أن يبقى مرهوناً بمزاج حليف تبدّلت أولوياته ومصالحه وبات في خانة المنافسين والخصوم.

كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي تتحدث خلال ندوة في مؤتمر ميونيخ للأمن (إ.ب.أ)

الدورة الأخيرة من مؤتمر الأمن في ميونيخ كانت بمثابة تلاوة الفاتحة على جثمان النظام العالمي الذي قام فوق ركام الحرب العالمية الأخيرة، كما شهدت جنازة العلاقات الأطلسية التي نشأت لردع التمدد السوفياتي وراء الحدود التي رسمها الحلفاء في يالطا، والتي كانت طوال عقود سبعة صمّام أمان للأوروبيين وعباءة أمنية سمحت لهم بالانصراف إلى بناء مشروع التكامل الاقتصادي بعيداً عن هموم التسلّح وتكاليفه الباهظة، قبل أن تقرر إدارة دونالد ترمب إعادة تشكيل جذرية لهذه العلاقات، وأظهرت عزماً واضحاً على رفع الغطاء الأمني عن حلفائها التاريخيين، إلا إذا استوفوا شروطها التي لم تعد تقتصر على زيادة تمويل المجهود العسكري، لتتجاوزه إلى العلاقات التجارية والسياسية.

أوكرانيا تُفجّر الخلافات

وعندما اندلعت الحرب في أوكرانيا منذ أربع سنوات، تداعت بلدان الاتحاد الأوروبي للنفير الذي أطلقته إدارة جو بايدن، وحشدت موارد عسكرية ومالية ضخمة، إلى جانب دعم أميركي سخي بالمال والأسلحة والتكنولوجيا، لمساعدة الجيش الأوكراني في مجهوده لصدّ الهجمات الروسية. وتفيد المصادر الرسمية الأوروبية بأن مجموع المساعدات التي قدمها الاتحاد الأوروبي إلى أوكرانيا منذ فبراير (شباط) 2022 حتى اليوم، يزيد على 190 مليار دولار، تضاف إليها حزمة أخيرة وافق عليها البرلمان الأوروبي منذ أيام بمقدار 94 مليار دولار.

هذا المجهود الضخم كانت له، ولا تزال، تداعيات عميقة على المشهد السياسي الأوروبي؛ إذ تنامت الجهات المتحفظة على الاستمرار في تمويل أوكرانيا، وتلك الرافضة لمواصلة الرهان على المواجهة العسكرية مع موسكو والداعية إلى استعادة قنوات التواصل المباشر معها لإنهاء الحرب بأقل قدر ممكن من الخسائر.

أمين عام الحلف الأطلسي مارك روته متحدثاً بمؤتمر صحافي بميونيخ يوم 14 فبراير على هامش مشاركته بمؤتمر الأمن في العاصمة البافارية (د.ب.أ)

لكن في المقابل، ومع مضي الإدارة الأميركية في انكفائها عن الدعم العسكري والمادي لأوكرانيا، وتزايد المخاوف من إقدام روسيا على مغامرات أخرى في الجوار الأوروبي، بدأت ترجح كفة الدول الداعية إلى افتراص هذا الوضع لتحقيق الحلم الكبير الذي كان يراود الآباء المؤسسين للاتحاد بتشكيل جيش أوروبي تحت قيادة موحدة يكون المدماك الأخير الذي يرسّخ مشروع الاتحاد في صيغته الفيدرالية.

وكان لافتاً ما جاء في التقرير الأمني الأخير الذي صدر عن مركز البحوث الاستراتيجية التابع للمجلس الأوروبي، أن تكلفة الدعم الذي تقدمه دول الاتحاد لأوكرانيا، هي دون الكلفة السنوية المفترضة في حال نصر روسي محتمل وحرب ضد الحلف الأطلسي، علماً بأن مخاطر الفرضية الثانية أكبر بكثير.

«عطلة تاريخية طويلة»

كان التقرير المذكور صدر عشيّة مؤتمر ميونيخ الذي ما زالت تتردد في أصدائه التصريحات «الديغولية»، التي أدلى بها المستشار الألماني فردريك ميرتس عندما قال: «إن النظام العالمي الذي كان قائماً طيلة عقود لم يعد موجوداً... وإن العودة إلى سياسة القوة ليست فحسب ناشئة عن التخاصم بين الدول العظمى بقدر ما هي ثمرة رغبة دول ديمقراطية عديدة في قيادة قوية، في عالم أصبحت فيه هذه الدول قاب قوسين أو أدنى من الحدود القصوى لقدراتها على التأثير في الأحداث العالمية الكبرى».

زيلينسكي خلال مشاركته في أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن 14 فبراير (أ.ف.ب)

وأضاف: «أوروبا اليوم عائدة من عطلة تاريخية طويلة»، كاشفاً عن أنه في مرحلة متقدمة في محادثاته مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول «قدرة ردع نووية أوروبية» تحت المظلة النووية للحلف الأطلسي، ودعا إلى زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي، وتوحيد الصناعات الحربية الأوروبية.

لكن ماكرون، من جهته، أكد التركيز على أهمية العلاقات الأطلسية كما فعل ميرتس، وشدد على ضرورة التنسيق الأوروبي لإرساء القواعد النهائية للبنيان الأمني المستقل، رافضاً المفاوضات التي تدار من خارج الاتحاد لفرض أطر أمنية على الأوروبيين.

وأرسل الرئيس الفرنسي أكثر من إشارة إلى أن الوقت قد أزف لتشكيل جيش أوروبي موحّد يكون نواة الاستقلالية الأوروبية، خاصة بعد أزمة غرينلاند التي طويت صفحتها مؤقتاً، وبصيغة غامضة تنذر بعودتها مجدداً إلى مشهد العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة.

ورغم تحاشي الأوروبيين حتى الآن الحديث صراحة عن «جيش مشترك»، يتفق الجميع على أن التسمية ليست هي المهمة، بل أن يكون للاتحاد قوة دفاعية أوروبية مقتدرة، أو كما قال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في ميونيخ مؤخراً: «لسنا بحاجة إلى 27 جيشاً قوياً، بل إلى 27 دولة عضواً في الاتحاد تساهم في منظومة أوروبية مشتركة للدفاع».

جانب من اجتماع الجانبين الألماني والصيني في ميونيخ يوم 14 فبراير (رويترز)

وقد علمت «الشرق الأوسط» أنه برغم تحفظات بعض الدول على فكرة الجيش المشترك، والحذر الشديد الذي تقارب به المفوضية هذا الملف الحسّاس سياسياً، كان موضوع القوة الدفاعية الأوروبية المشتركة مطروحاً، للمرة الأولى، على جدول أعمال مجلس وزراء الدفاع الأوروبيين في بروكسل مطلع هذا الشهر.

وذكّر أحد الوزراء المشاركين في ذلك الاجتماع، بأن فكرة القوة العسكرية المشتركة تعود إلى بدايات المشروع الأوروبي، وهي طرحت لأول مرة عام 1952 تحت عنوان «مجموعة الدفاع الأوروبية»، لكنها لم تشهد النور يومها بسببٍ من رفض فرنسا القاطع لها. فرنسا التي هي اليوم، إلى جانب ألمانيا، أكثر الدول تحمساً لها. وثمّة من ذهب إلى القول: «على الأوروبيين أن يغيّروا بشكل جذري استراتيجيتهم الدفاعية، وساذج هو الذي ما زال يراهن على ترمب للدفاع عن أوروبا».