الهزّة الأرضية ترعب اللبنانيين: كل المباني القديمة معرّضة للسقوط

أكثر من 16 ألف مبنى مهدّد بالانهيار… والطيران الإسرائيلي يرفع المخاطر

تحذير من الاقتراب من مبنى مهدد بالسقوط في لبنان (أرشيفية)
تحذير من الاقتراب من مبنى مهدد بالسقوط في لبنان (أرشيفية)
TT

الهزّة الأرضية ترعب اللبنانيين: كل المباني القديمة معرّضة للسقوط

تحذير من الاقتراب من مبنى مهدد بالسقوط في لبنان (أرشيفية)
تحذير من الاقتراب من مبنى مهدد بالسقوط في لبنان (أرشيفية)

أثارت الهزّة الأرضيّة القوية التي ضربت سوريا ووصلت إلى لبنان الذعر في نفوس اللبنانيين، الذين استعادت ذاكرتهم الزلزال المدمّر الذي ضرب تركيا وسوريا في 6 فبراير (شباط) 2023، وخلّف آلاف القتلى والجرحى، وخشيتهم من سقوط آلاف المباني القديمة في العاصمة بيروت والمدن الكبرى، وهو ما حذرت منه «الهيئة اللبنانية للعقارات»، التي تحدّث بشكل علمي عن «خطر انهيار المباني المهددة بالسقوط، ولا يقلّ عددها عن 16 ألف مبنى، دون احتساب المباني التي تضررت جراء انفجار المرفأ في بيروت». وذكرت «الهيئة» بالمباني الأخرى في طرابلس التي «تضررت جراء الهزة الكارثية التي ضربت تركيا وسوريا، بالإضافة إلى المباني التي تضررت أو تهدمت مجدداً بفعل الحرب على المناطق الجنوبية».

وأعلنت «الهيئة» أن «المناطق الأعلى نسبة في وضع أبنيتها هي في محافظة بيروت ومنطقة الشمال وطرابلس... وهناك عوامل عدة، سبق أن تطرقت إليها (الهيئة)، بفعل التغير المناخي الذي انعكس على الخرسانة ومتانة الأبنية والإسمنت. بالإضافة إلى الأبنية قديمة العهد التي غابت عنها الصيانة الدورية بسبب قوانين الإيجارات القديمة أو بسبب تصنيف بعضها بـ(مبانٍ تراثية)، أو بسبب المخالفات والتعديات، وأبنية لم تعالَج بشكل تقني مدروس بعد الحروب الدامية التي استمرت سنوات»، مذكرة بـ«تمركز لبنان على خريطة فالق الزلازل، وهذا عامل موجود».

وتطرقت «الهيئة» أيضاً إلى «خطر النزوح الداخلي للمواطنين هرباً من المناطق غير الآمنة والخطرة بسبب العدوان، واللجوء إلى مناطق أخرى مفترض أن تكون آمنة»، وأيضاً إلى «وجود النازحين السوريين، ومعظمهم لجأوا إلى مناطق ذات اكتظاظ سكاني، وهي شعبية نوعاً ما، وذات أبنية متلاصقة، وهنا الخطورة؛ لأن معظم هذه الأبنية قنابل موقوتة، وفي كل مرة تزداد خطورتها لعدم إجراء أي ترميم أو تدعيم أو حتى معاينة العقار بشكل مدروس، ناهيك بأصوات (اختراق جدار الصوت) من الطائرات المعادية (الإسرائيلية)، التي تشكل خطراً وتساهم في زيادة حصيلة التصدعات والتشققات وانهيار بعض أجزاء المباني والشرفات والأسقف».

أما في مسألة المعالجة قبل وقوع الكارثة، فأكدت «الهيئة اللبنانية للعقارات» على «ضرورة إجراء مسح جدي من البلديات التي ما زالت متأخرة في إعطاء أرقام نهائية وجدية لعدد المباني المهددة بالسقوط، فهذا سيقلل من الخطورة، وسيسمح بتقييم وضع الأبنية من (الأكثر خطورة) إلى (الأقل خطورة)، وتحديد مدى قابليتها للترميم أو التدعيم»، معربة عن أسفها لـ«الفوضى والخلل الاقتصادي والمعيشي و(الانضباب) القانوني وغياب الرقابة لحماية المواطن وحقه في أدنى سبل العيش اللائق». ودعت المواطنين إلى «مراقبة أوضاع أبنيتهم، خصوصاً التصدعات والتشققات، وتجنب الوجود تحت الأسقف المتهرئة والناتئة بسبب انتفاخ الورقة الإسمنتية، وحماية أنفسهم من نظرية (كل مواطن خفير نفسه)، والاستعانة بذوي الخبرة من المهندسين والخبراء لحماية أنفسهم من المخاطر التي تحدق بهم».

ومنذ وقوع زلزال تركيا وانعكاساته على لبنان، لحظت بلدية بيروت الخطر المحدق بالأبنية القديمة والتراثية، واستعانت بمكاتب هندسة لتقييم الوضع. وأوضح رئيس بلدية بيروت، عبد الله درويش، لـ«الشرق الأوسط»، أن محافظ بيروت، القاضي مروان عبود، «كلّف في شباط 2023 مكاتب هندسة مختصة، وجرى مسح شامل للمباني القديمة في بيروت والمعرضة لخطر السقوط». وأشار إلى أنه «باتت لدى المحافظ الدراسات الهندسيّة، وهناك تنسيق بين المحافظة و(دائرة الهندسة) في بلدية بيروت، لمعالجة وضع المباني القديمة، حيث يجري التعاطي مع كلّ حالة على حدة، بسبب غياب القدرة على معالجةٍ واحدة وفتح ورشة شاملة». ولفت درويش إلى أن «مسألة النزوح الجديدة والخوف من وقوع حرب صعّبت المهمّة، لكن لم تلغِ الاهتمام بوضع المباني وإن بشكل تدريجي».

من جهته، دقّ أستاذ الهندسة الإنشائية بالجامعة الأميركية في بيروت، الدكتور بلال حمد، ناقوس الخطر، وأفاد بأن «أغلب المباني القديمة التي أنشئت قبل عام 2000 معرضة للسقوط في حال حصل زلزال مدمّر تفوق قوته 6 درجات على مقياس ريختر». وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «المباني القديمة أنشئت بدراسة لتحمّل الأوزان العمودية، لكن الزلزال يحمّل هذه المباني أوزاناً جانبية ومن كل الاتجاهات»، مشيراً إلى أن «كل زلزال تفوق قوته 6 درجات هو زلزال مدمر، خصوصاً إذا طالت مدته واستمر لدقيقة مثلاً»، لافتاً إلى أنه «كلما ارتفع المبنى زادت أوزانه الجانبية وارتفع خطر سقوطه بالكامل»، ونبّه حمد إلى أن «المباني التراثية لن يبقى منها شيء إذا وقع زلزال، وبالتالي لا بد من إقرار قانون موجود في مجلس النواب لترميم هذه المباني من قبل أصحابها شرط السماح لهم ببيع أجزاء من العقار الواقع عليه المبنى ليتمكنوا في ترميمه ويصبح مؤهلاً للسكن ومقاوماً للزلازل».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تتوغل لعزل جنوب لبنان والقبض على مرتفعاته

المشرق العربي لبنانية تحتضن نعش ابنها الذي قتل بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال تشييعه في مدينة صور (أ.ف.ب)

إسرائيل تتوغل لعزل جنوب لبنان والقبض على مرتفعاته

تقدمت القوات الإسرائيلية إلى بلدة دبين الاستراتيجية في قضاء مرجعيون بجنوب لبنان، وذلك في مسعى للوصول إلى ضفاف نهر الليطاني.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي امرأة توزع الحلوى على أطفال في مخيم للنازحين أُقيم بوسط بيروت (إ.ب.أ)

«يونيسف»: الحرب تصيب 11 طفلاً في لبنان خلال يوم

دقّت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) ناقوس الخطر بشأن أوضاع الأطفال في لبنان، كاشفة عن أرقام تعكس حجم الخسائر البشرية المتزايدة في صفوف القاصرين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

تحليل إخباري بين إسقاط الحكومات وفقدان السيطرة: «حزب الله» أمام معادلة سياسية جديدة

منذ دخوله العمل السياسي عام 1992، انتقل «حزب الله» مع مرور السنوات من لاعب نيابي محدود التأثير إلى طرف أساسي في معادلة الحكم اللبنانية.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي تشييع عدد من القتلى الذين سقطوا في غارات إسرائيلية بمدينة صور (أ.ف.ب)

التصعيد الإسرائيلي يعيد الاستهدافات إلى الضاحية الجنوبية لبيروت

تواصل إسرائيل تصعيدها العسكري في لبنان موسعة دائرة الاستهدافات من الجنوب إلى محيط الضاحية الجنوبية لبيروت

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها (رويترز)

إسرائيل تختبر دفاعات مدينة النبطية بجنوب لبنان وتعزلها عن محيطها

أحرز الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، تقدماً ميدانياً بمحيط مدينة النبطية في جنوب لبنان، ونقل توغلاته إلى شمال نهر الليطاني بيما وسّع الحزام الناري إلى 20 كيلومتراً.

نذير رضا (بيروت)

الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات إضافية على «حماس» و«الجهاد الإسلامي»

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات إضافية على «حماس» و«الجهاد الإسلامي»

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)

أعلن ​الاتحاد الأوروبي، اليوم (الجمعة)، فرض عقوبات إضافية على حركتي ‌«حماس» ​و«الجهاد ‌الإسلامي» ⁠في ​فلسطين.

وجاء في بيان للاتحاد: «قرّر ⁠الاتحاد الأوروبي توسيع نطاق إجراءاته التقييدية ⁠المتعلقة بـ(حماس) ‌وحركة (الجهاد ‌الإسلامي) ​في ‌فلسطين ‌لتشمل أيضاً أعضاء المكتب السياسي لـ(حماس)، الذين ‌يروجون لأعمال العنف ويدافعون عنها ⁠ويبررونها».

ويأتي ⁠هذا الإجراء بعد يوم من فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على بعض ​المستوطنين ​الإسرائيليين.


إسرائيل تحبط مسار المفاوضات الأمنية بالإصرار على التمدد العسكري

متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل تحبط مسار المفاوضات الأمنية بالإصرار على التمدد العسكري

متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)

أحبطت إسرائيل مسار المفاوضات الأمنية مع لبنان، الذي انطلق في واشنطن الجمعة، بإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على مشارف الأراضي اللبنانية المحتلة، توسيع العمليات العسكرية في جنوب لبنان، وعبور قواته نهر الليطاني، فيما قال رئيس الأركان إيال زمير إن «الخط الأصفر لا يقيّدنا»، وإن جيشه سيعمل «في كل مكان نرصد فيه تهديداً».

وبالتزامن مع انطلاق المفاوضات الأمنية بين لبنان وإسرائيل في الولايات المتحدة الجمعة، تلقى الرئيس اللبناني جوزيف عون اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، جرى خلاله عرض للأوضاع العامة في لبنان والمنطقة والتطورات الراهنة. وأكد الرئيس عون، خلال الاتصال، ضرورة بذل كل الجهود الممكنة من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، باعتباره المدخل الأساسي للانتقال إلى أي خطوة أخرى، والممر الضروري لتهيئة الظروف المناسبة لمعالجة مختلف الملفات والقضايا المطروحة.

وقالت الرئاسة اللبنانية إن الوزير روبيو «جدّد التزام الإدارة الأميركية بالاستمرار في مساعيها لتثبيت مخرجات لقاءات واشنطن السابقة، كما دعمها استقرار لبنان واستقلاله وسيادته على كامل أراضيه، وحقّه الطبيعي والكامل في تقرير مصيره».

نتنياهو

وفيما كانت الجلسة تُعقد في واشنطن، بمطلب لبناني حاسم بوقف إطلاق النار، قال نتنياهو خلال زيارة للفرقة 36 على الحدود الشمالية إن «القوات الإسرائيلية تواصل عملياتها ضد (حزب الله) في جنوب لبنان والبقاع ومحيط بيروت»، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي «يعمل دون توقف على مختلف الجبهات».

وأضاف أن القوات الإسرائيلية «عبرت نهر الليطاني وتجاوزته»، مشيراً إلى أن الجيش يواصل تنفيذ ضربات مكثفة ضد أهداف تابعة لـ«حزب الله» ضمن ما وصفه بمنع التهديدات التي تستهدف المستوطنات الشمالية.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير خلال زيارته جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

تخطي الخط الأصفر

بالموازاة، قام رئيس الأركان، الجنرال إيال زمير، بزيارة إلى الفرقة 210، حيث أجرى تقييماً للوضع من موقع رصد في المواقع المتقدمة في هار دوف (مزارع شبعا المحتلة) داخل الأراضي اللبنانية، المطلة على وادي عيون وعلى السلاسل الجبلية المسيطرة شمالاً وغرباً في جنوب لبنان، وذلك إلى جانب القادة في الميدان. كما شاهد تشغيل النيران من قبل القوات الإسرائيلية في الميدان، حسبما قال الجيش الإسرائيلي، في بيان.

وقال زمير: «هناك ضربات تراكمية وغير مسبوقة ضد (حزب الله)، من آلاف المخربين حتى قادة كبار وطبقات قيادية متوسطة. لا يوجد مكان يشكل حصناً لـ(حزب الله)، ولا يوجد مكان يتمتع فيه بالحصانة». وتابع: «الخط الأصفر لا يقيّدنا، في كل مكان نرصد فيه تهديداً وفي كل مكان نحتاج فيه إلى إزالة تهديد، سنعمل، وفي كل مكان توجد فيه حاجة عملياتية للمناورة، سنناور. كل ضربة لـ(حزب الله) هي أيضاً ضربة للمحور الإيراني والاستثمار الإيراني في المنطقة. نحن مستعدون لأي تطور، ونحافظ على جاهزية عالية أيضاً في مواجهة إيران».

وقال زمير إن «هدفنا واضح، تعميق ضرب (حزب الله)، وإبعاد التهديد، وتعزيز الدفاع عن بلدات الشمال. هذا هو الهدف المركزي الذي يوجّه كل عمل وكل قرار. حتى في هذه اللحظات قواتنا تتقدم وتعمل. كل إنجاز إضافي على الأرض يعزز أمن السكان ويساهم في خلق ظروف أفضل لترتيبات أمنية مستقبلية محسّنة من موقع قوة».

وإذ أعلن عن قتل 7500 مقاتل في «حزب الله»، بينهم 2500 منذ بدء الحرب الحالية، قال إن «تهديد الطائرات المسيّرة هو تحدٍ، لكننا سننتصر عليه. ساحة المعركة ليست نظيفة، ولن تكون كذلك، لكننا نستثمر فيها أفضل الموارد والعقول والقدرات في جيش الدفاع»، لافتاً الى «حلول عملياتية وتكنولوجية في مراحل التطوير والتطبيق، وسنواصل إدخالها إلى ساحة المعركة بسرعة».

قلق بريطاني

ويثير التصعيد الإسرائيلي قلقاً دولياً. وقال السفير البريطاني لدى لبنان هاميش كول: «نحن قلقون جداً إزاء الوضع في جنوب لبنان»، لافتاً إلى مقتل مدنيين، بينهم مسعفون، وهدم القرى والبنى التحتية المدنية والمخاطر التي تهدد مواقع التراث الثقافي ذات الأهمية العالمية.

وقال، في تصريح: «هناك حاجة ماسة إلى خفض التصعيد، كما على الأطراف جميعهم احترام وقف إطلاق النار والالتزام بالقانون الدولي الإنساني».

وتابع: «تُشكل المحادثات بقيادة الولايات المتحدة فرصة تاريخية للتوصل إلى اتفاق تفاوضي، وهو السبيل الوحيد الذي يُمكّن المجتمعات على جانبي الحدود من العودة بثقة إلى العيش بسلام. وستعمل المملكة المتحدة مع شركائها على دعم إنهاء هذا الصراع غير المرغوب فيه وغير الضروري بشكل دائم».

تداعيات إنسانية

ومع توسع الحرب، رفع منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان، عمران ريزا، مستوى التحذير من التداعيات الإنسانية للتصعيد، معتبراً أن المدنيين يتحملون العبء الأكبر للأعمال العدائية وأوامر التهجير.

وقال ريزا إن أوامر الإخلاء الواسعة وغير الواضحة في صور والنبطية ومناطق جنوب الزهراني تسببت بحالة واسعة من الذعر والمعاناة، وأجبرت أعداداً كبيرة من العائلات على النزوح مجدداً بحثاً عن الأمان.

وأشار إلى أن القطاع الصحي يتعرض لضغوط غير مسبوقة، موضحاً أن 182 هجوماً استهدفت مرافق وعاملين صحيين منذ الثاني من مارس (آذار)، وأسفرت عن مقتل 125 من العاملين في القطاع الصحي وإصابة 311 آخرين.

وأضاف أن مراكز الإيواء بلغت طاقتها القصوى، فيما لا تزال المدارس تُستخدم لاستضافة النازحين، ما يحرم آلاف الأطفال من حقهم في التعليم.

صورة مركبة لغارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

بالتوازي مع التحذيرات الإنسانية، حذّر وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة من المخاطر التي تهدد مواقع أثرية أساسية في لبنان نتيجة الغارات الإسرائيلية.

ودعا سلامة منظمة «اليونيسكو» إلى تعيين مفوض خاص، وإرسال لجنة تحقيق لتقييم الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية، فور التوصل إلى هدنة، مشيراً إلى أن لبنان وضع إشارات الحماية الدولية الخاصة بالمواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي، إلا أن القصف استمر رغم ذلك.


مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
TT

مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)

في الوقت الذي يطالب فيه الجيش الإسرائيلي بإطلاق يده لتصعيد أكبر في لبنان، خرج البروفسور إيال زيسر، الذي يعدّ اليوم عميد أحزاب اليمين، بموقف سياسي علني ضده؛ يشير فيه إلى أن العمليات الحربية في لبنان باتت خطأ استراتيجياً يلحق أضراراً جسيمة في المصالح الإسرائيلية، ويظهر إخفاقاً شديداً في إدارة الحرب.

وقال زيسر، في مقابلة مع إذاعة إسرائيلية، إن هذه العمليات التي تستهدف بالأساس البيئة الشيعية في لبنان، لن تعود بأي نتيجة إيجابية لإسرائيل، مثلها كمثل المساس بالمواطنين في قطاع غزة؛ فلا هذه أثرت على قيادة «حماس»، ولا تلك أثرت على قيادة «حزب الله». كلاهما عمق الشعور بأنهما ضحية. وهي تؤدي إلى التفاف جماهيري حول «حزب الله» يسهم في إنقاذه من السقوط، بعدما تلقى ضربات قاسية، وتعدّ أيضاً نجاحاً للحزب في جرّ إسرائيل إلى حرب استنزاف غبية لاصطياد جنودها. ويكلف احتلال الأراضي اللبنانية إسرائيل ثمناً باهظاً؛ فقْدها جنودها وأخْذها إلى أماكن بعيدة عن مصالحه.

انتقادات في الجبهة الإيرانية

انتقد زيسر الأداءين الأميركي والإسرائيلي في الجبهة الإيرانية أيضاً، لأنه لم يأخذ في الحسبان مفاهيم وعقائد النظام هناك؛ فقد وضعا هدفاً هو إسقاط النظام، وما دامت الحرب ستنتهي من دون إسقاطه، فإنه سيظهر لشعبه أنه صمد. وهذا الصمود بحد ذاته خطير لأنه يعيد للنظام ثقته بنفسه، رغم كل ما تعرض له من تصفيات وتدمير.

ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة، لأنه جاء مناقضاً بشكل صدامي مع قيادة الجيش الإسرائيلي، التي تتهم الحكومة بتقييد أيديها ومنعها من إكمال مهامها، وتطالب بمنحها فرصة القصف الجارف في بيروت، وعدم اقتصار العمليات على الاغتيالات. وينطلق الجيش في هذا الموقف من ردود الفعل التي تتسم بالنقد الحاد في الشارع الإسرائيلي، حيث يُتهم بالفشل في توفير الأمن لسكان الشمال.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نادي مارالاغو ببالم بيتش فلوريدا - 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

التزام برؤية ترمب

يزعج هذا الموقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لأنه يعارض التصعيد الأكبر؛ ليس بإرادته بل نتيجة لالتزامه بإرادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وهو يقول إن هذا الرئيس، الأفضل لإسرائيل، الذي أثبت أنه يدعمها أكثر من أي رئيس قبله، ويحتاجه نتنياهو لدعمه شخصياً في معركة البقاء التي يخوضها حتى على صعيد معركته القضائية في محاكمة الفساد.

ويدل خروج البروفسور زيسر بهذا الموقف الحاد ضد خطط الجيش، على أن نتنياهو بدأ يمهد لوقف الحرب؛ ليس لأنه يريد وقفها، فهو أكثر من يريد استمرار الحرب؛ لكنه مقتنع بأن الإدارة الأميركية حسمت أمرها لوقف الحرب، على الأقل في هذه المرحلة، عشية افتتاح المونديال والاحتفالات المقبلة في يوليو (تموز) لمناسبة مرور 250 سنة على تأسيس الولايات المتحدة. وهو لا يريد إحراج الرئيس ترمب، الذي يتعرض لحملة في الشارع الأميركي تتهمه بأنه يندفع لهذه الحرب بتأثير نتنياهو، ويفكر في الالتزام بما يريده الرئيس الآن، و«يثق في أن غرور القيادة الإيرانية سيجعلها تخرب أي اتفاق يتم التوصل إليه، وعندها تنفجر الحرب من جديد بسببها، وليس بسبب إسرائيل».

وفي هذه الأثناء، عاد نتنياهو إلى «عقيدة الشك» ليتهم الجيش والدولة العميقة بالتآمر عليه ومحاولة إسقاطه في الانتخابات القريبة، التي ستجري في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. ويرى أنه في هذا الوقت يجب التركيز على الإنجازات التي تحققت في الحرب على كل الجبهات، وليس التورط في مزيد من العمليات الحربية. وراح يستخدم تعابير يستخدمها اليسار الراديكالي في العادة؛ مثل «توسع الحرب يورط إسرائيل في حرب استنزاف»، و«لا يحقق أهداف الحرب». ويتحدث عن ضرورة وجود نفس طويل في إسرائيل، فالمعركة طويلة ولا تحسم بضربة واحدة، وغير ذلك من المواقف غير المألوفة بقاموس نتنياهو.