بعد انتهاء الهدنة الأولمبية... ماكرون يواجه مجدداً معضلة تشكيل حكومة جديدة

الرئيس الفرنسي يُعوّل على التحالف مع اليمين التقليدي

ماكرون لدى مشاركته في حفل توزيع ميداليات خلال الألعاب الأولمبية في 2 أغسطس (إ.ب.أ)
ماكرون لدى مشاركته في حفل توزيع ميداليات خلال الألعاب الأولمبية في 2 أغسطس (إ.ب.أ)
TT

بعد انتهاء الهدنة الأولمبية... ماكرون يواجه مجدداً معضلة تشكيل حكومة جديدة

ماكرون لدى مشاركته في حفل توزيع ميداليات خلال الألعاب الأولمبية في 2 أغسطس (إ.ب.أ)
ماكرون لدى مشاركته في حفل توزيع ميداليات خلال الألعاب الأولمبية في 2 أغسطس (إ.ب.أ)

يعيش الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذه الأيام على «البساط الطائر»، متنقلاً بين مصيفه في «حصن بريغونسون» منتجع رؤساء الجمهورية الرسمي، المطل على مياه المتوسط، وبين الملاعب الأولمبية التي تشهد منذ 27 يوليو (تموز) فعاليات الأولمبياد الـ23 التي تستضيفها فرنسا للمرة الأولى بعد انتظار مائة عام. ولا شك أن الرئيس الفرنسي سعيد، بل سعيد للغاية.

فحفل الافتتاح، بحضور العشرات من الملوك ورؤساء الدول والحكومات، سلّط الضوء على «عاصمة النور» طوال ثلاث ساعات، حيث شاهد ما يزيد على مليار شخص عبر العالم الحفل الذي يحصل لأول مرة في التاريخ في نهر التصق اسمه باسم العاصمة التي يشقها إلى قسمين. ثم ما يضاعف سعادة ماكرون أن حصاد الرياضيين الذي جاء هذا العام استثنائياً، إذ إن فرنسا حصلت، حتى مساء الثلاثاء، على 48 ميدالية، بينها 13 ميدالية ذهبية. والأهم من ذلك أن هذه المنافسات أبرزت رياضيين من الطراز الأول، منهم السباح ليون مارشان الذي حصل لوحده على أربع ميداليات ذهبية في جميع أشكال ومسافات السباحة، أو لاعب الجودو المعروف تيدي رينر، بطل العالم غير المنازع الذي فاز بالميدالية الذهبية.

الأهم من ذلك كله أن الأولمبياد التي لم تحصل في باريس وحدها، بل في مدن عديدة منها مرسيليا وبوردو وستراسبورغ وليل وفي الغوادلوب للرياضات البحرية، ما أعطاها طابعاً وطنياً شاملاً، أوجدت حالة نفسية جماعية. ولاقت الألعاب حماسة منقطعة النظير من الجمهور، وبشيء من المغالاة يمكن الجزم بأن الفرنسيين كانوا «سعداء» بالأولمبياد. ولعل أفضل دليل على ذلك أن مليوني بطاقة لحضور الفعاليات الرياضية بيعت كلها، وأن مراكز التجمهر التي أقامتها العاصمة والمدن الأخرى لمتابعة جماعية للأنشطة الرياضية، ومنها مثلاً «نادي فرنسا»، تجمع يومياً نحو أربعين ألف شخص ليتشاركوا سعادة الأولمبياد ولينسوا، ولو إلى حين، همومهم اليومية وأحوال العالم المتفجرة.

«سعادة» ماكرون

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يهنئ بطل الجودو الفرنسي تيدي رينر بعد فوزه بالميدالية الذهبية (أ.ف.ب)

لا شك أن الأولمبياد شكّل استراحة مؤقتة للرئيس الفرنسي. جمعت الألعاب الفرنسيين وأنستهم انقساماتهم وخلافاتهم ومصاعب العيش والسياسة، ووضعت فرنسا تحت شعار ما سماه الرئيس «الهدنة الأولمبية والسياسية». ففي حديثه الصحافي للقناة الثانية في التلفزيون الفرنسي، دعا ماكرون إلى هذه «الهدنة» حتى لا تشوش على الألعاب الأولمبية. وحثّ ماكرون الفرنسيين على وضع خلافاتهم جانباً، آملاً في أن يتناسوا أن حكومة بلادهم مستقيلة منذ أسابيع بعد أن خسر معسكر الرئاسة الانتخابات البرلمانية التي جرت بعد أن حل، في 9 يونيو (حزيران)، البرلمان ودعا إلى انتخابات مبكرة من أجل «توضيح الوضع السياسي» للبلاد.

والحال أنه، عوض التوضيح، فقد تضاعف الغموض، لا بل الفوضى، بسبب النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات؛ حيث قامت ثلاث مجموعات نيابية رئيسية يصعب التفاهم فيما بينها، وبالتالي يصعب على رئيس الجمهورية الذي اعترف بأن معسكره خسر الانتخابات والأكثرية النسبية التي كان يتمتع بها في البرلمان السابق، أن يكلف شخصية بتشكيل حكومة لن تكون متمتعة بالأكثرية، ويمكن أن تسقط في البرلمان لدى أول اختبار.

وفي حواره التلفزيوني، سُئل ماكرون عن مصير الحكومة وعن الأسباب التي منعته، حتى 23 يوليو، عن القيام بواجبه كما ينصّ عليه الدستور الذي يقول إنه يتعين على رئيس الجمهورية أن يطلب من شخصية يختارها ويكلفها بتشكيل الحكومة. وجاء جوابه كالتالي: «لقد اخترت المحافظة على الاستقرار خلال الأولمبياد. ومن الواضح أنه حتى منتصف أغسطس (آب)، أي حتى انتهاء الأولمبياد، لسنا في وضع يمكننا من تغيير الأمور والتسبب بالفوضى». واعترف الرئيس الفرنسي بأن الأكثرية النسبية السابقة «خسرت الانتخابات»، ولكنه أضاف أن «أحداً لم يربحها».

أحجية الحكومة الجديدة

رئيس الحكومة غبريال أتال (يسار) يحضر مباراة الفريق الفرنسي في الكرة الطائرة في 5 أغسطس (رويترز)

ليل الأحد القادم، ستختتم الأولمبياد باحتفال لم تكشف تفاصيله بعد، ومعه ستنتهي الهدنة الأولمبية، ليفتح «البازار السياسي» مجدداً. ولن يجد ماكرون حجة صالحة لتفسير تأخره في تسمية رئيس حكومة جديد، وستتضاعف الضغوط السياسية عليه، خصوصاً من «الجبهة الشعبية الجديدة» التي تضم أحزاب اليسار الثلاثة (الاشتراكي والشيوعي وحزب فرنسا الأبية) والخضر، التي تشكل أكبر مجموعة نيابية في البرلمان الجديدة مؤلفة من 193 نائباً، فيما المجموعة الماكرونية المشكلة من حزبه ومن حزبين حليفين تضمّ 168 نائباً.

والمفاجأة كانت أن مجموعة «التجمع الوطني» «أي اليمن المتطرف» تتألف من 146 نائباً. والأمر الثابت والمؤكد أن أي تعاون بين المجموعات الثلاث غير وارد إطلاقاً، إذ إن فرنسا، بعكس ألمانيا وإسبانيا وبلجيكا ودول أوروبية أخرى، لا تعرف بقيام حكومات ائتلافية من توجهات سياسية مختلفة على أساس التفاهم على برنامج عمل حكومي لفترة محددة تفصل بين انتخابين. من هنا، صعوبة المعادلة التي يتعين على ماكرون حلها والتي لا يبدو أنه، حتى اليوم، وجد الطريق إلى ذلك.

لم ينتظر اليسار والخضر نهاية الهدنة الأولمبية لفتح النار على ماكرون، وحُجّتهم الأولى أن الرئيس الفرنسي لا يأخذ بعين الاعتبار قواعد اللعبة الديمقراطية والتغير الذي جرى في موازين القوى السياسية في البلاد، وكأن الأمور بقيت على حالها: ماكرون في قصر الإليزيه وغبريال أتال، رئيس الحكومة المستقيل، ما زال في قصر ماتينيون، والوزراء المستقيلون في وزاراتهم، ورئيسة مجلس النواب يائيل براون - بيفيه أعيد انتخابها لولاية جديدة بفضل التحالف بين المعسكر الماكروني واليمين التقليدي.

معضلة رئاسة الحكومة

لوسي كاستيت مرشحة الجبهة الشعبية الجديدة التي يرفض ماكرون تسميتها لرئاسة الحكومة (أ.ف.ب)

ولإحراج ماكرون، عمدت «الجبهة الشعبية الجديدة» إلى ترشيح لوسي كاستيت، مديرة الميزانية في بلدية باريس التي تدير ميزانية من 11 مليار يورو، لرئاسة الحكومة العتيدة. وكاستيت معروفة بتوجهات يسارية، وجاء توافق الأحزاب الأربعة على اسمها بعد جدلٍ دام أسابيع بسبب التنافس بين الحزب الاشتراكي وأمينه العام أوليفيه فور، وحزب فرنسا الأبية وزعيمه جان لوك ميلونشون، على قيادة الجبهة. وكاستيت ليست معروفة على المستوى السياسي والشعبي، غير أنها تتمتع بمؤهلات علمية وأكاديمية وبخبرة إدارية وتقنية، وعُرف اسمها في أوساط وزارة الاقتصاد والموازنة، وهي محاربة شرسة للتهرب المالي والضريبي ومدافعة عن الوظيفة العمومية.

إلا أن ماكرون الذي يحظى بدعم معسكره وبدعم اليمين التقليدي الذي أوصل إلى الندوة البرلمانية 47 نائباً، يرفض تسمية لوسي كاستيت لرئاسة الحكومة، وحجته أن جبهة اليسار لا تحظى بالأكثرية النيابية.

ودليله على ذلك أنها فشلت في إيصال مرشحها إلى رئاسة البرلمان. إلا أنه يتناسى أن أياً من المجموعات الثلاث لا يحظى بهذه الأكثرية، خصوصاً معسكره، وأن فوز براون - بيفيه برئاسة البرلمان ما كان ليتم من غير التفاهم مع اليمين التقليدي على تقاسم المناصب المتاحة في الندوة البرلمانية.

حقيقة الأمر أن مرحلة من المطبات الهوائية العنيفة تنتظر ماكرون، ومعه الطبقة السياسية. ورهان رئيس الجمهورية الحالي على قيام تحالف انتخابي بين معسكره وبين نواب حزب «اليمين الجمهوري» «الجمهوريون سابقاً»، فيما رهانه السابق كان يقوم على أساس التوصل إلى حكومة تضمّ كل مكونات ما يسمى «القوس الجمهوري»، بدءاً باليسار الاشتراكي وحتى اليمين التقليدي.

ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (أ.ف.ب - غيتي)

وفي الأيام الأخيرة، بدأت بالبروز عدة أسماء؛ منها رئيس منطقة شمال فرنسا النائب السابق كزافيه برتراند المنتمي إلى «اليمين الجمهوري». وبرتراند معروف باعتداله، وهو يسوق لاسمه ولقيام «حكومة طوارئ وطنية». كذلك برز اسم المفوض الأوروبي والوزير السابق ميشال بارنيه، الذي كان المفاوض الأوروبي في عملية «بريكسيت» البريطانية. كما تداولت أوساط اسم برنار كازنوف، رئيس آخر حكومة اشتراكية في زمن الرئيس السابق فرنسوا هولاند. وكازنوف ابتعد في السنوات الأخيرة عن العمل السياسي المباشر، وهو معروف بعدائه لجان لوك ميلونشون.

على من سيرسو خيار ماكرون؟ السؤال يبقى حتى اليوم من غير جواب. وتفيد أوساط الإليزيه بأن الرئيس الفرنسي يستشير يميناً ووسطاً ويساراً، وأنه بعد هدنة الأولمبياد حان وقت اتخاذ القرارات ومعه الجدل السياسي الذي لا ينتظر سوى انطفاء أنوار الأولمبياد حتى يستحوذ على الأضواء.


مقالات ذات صلة

لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز

أوروبا بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ) p-circle

لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز

لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز و«ستارلينك» تحجب خدمة الإنترنت عن القوات الروسية

رائد جبر (موسكو) إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

ماكرون يدعو إلى «تسريع» أجندة «الاستقلال الأوروبي»

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، إلى «تسريع» أجندة «الاستقلال الأوروبي»، وقالت أوساطه إنه مصمم على الدفع نحو «إحداث تغيير».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال مؤتمر صحافي عقب قمة حول أوكرانيا في قصر الإليزيه بباريس 9 ديسمبر 2019 (رويترز)

ماكرون: استئناف الحوار مع بوتين «قيد الإعداد»

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، أنه يجري الإعداد لاستئناف الحوار مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو خلال مؤتمر صحافي في بينيو بوسط فرنسا... 30 يناير 2026 (أ.ف.ب)

فرنسا تمضي نحو اعتماد ميزانية 2026 المؤجَّلة

من المقرر أن تعتمد فرنسا أخيراً ميزانية 2026، اليوم الاثنين، عندما يسمح الفشل المتوقع لاقتراحي حجب الثقة بإقرار التشريع.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً الرئيس السوري أحمد الشرع على مدخل قصر الإليزيه في باريس مايو 2025 (أ.ب)

تقييم فرنسي يحدد 4 أسباب وراء خسارة «قسد»

لا تبدو باريس مندهشة من خسارة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) أمام قوات الحكومة السورية. وبحسب التقييم الفرنسي، تقف 4 أسباب خلف هذه الخسارة.

ميشال أبونجم (باريس)

استقالة كبير موظفي رئيس الوزراء البريطاني على خلفية «ملفات إبستين»

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع السفير البريطاني لدى أميركا بيتر ماندلسون خلال حفل استقبال بمقر إقامة السفير في 26 فبراير 2025 (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع السفير البريطاني لدى أميركا بيتر ماندلسون خلال حفل استقبال بمقر إقامة السفير في 26 فبراير 2025 (رويترز)
TT

استقالة كبير موظفي رئيس الوزراء البريطاني على خلفية «ملفات إبستين»

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع السفير البريطاني لدى أميركا بيتر ماندلسون خلال حفل استقبال بمقر إقامة السفير في 26 فبراير 2025 (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع السفير البريطاني لدى أميركا بيتر ماندلسون خلال حفل استقبال بمقر إقامة السفير في 26 فبراير 2025 (رويترز)

أعلن مورغان ماكسويني، كبير موظفي مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، استقالته، الأحد، في وقت تتصاعد فيه الضغوط على ستارمر بسبب قراره تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة.

ويواجه ستارمر أكبر أزمة خلال 18 شهراً من وجوده في السلطة، بعدما نشرت وزارة العدل الأميركية الأسبوع الماضي تفاصيل جديدة حول علاقة ماندلسون الوطيدة بجيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية. كما كشفت الأدلة الجديدة عن ⁠شبهة استعداد االسفير السابق لتسريب معلومات حكومية.

وقال ماكسويني، المستشار الأقرب لستارمر الذي يُعتبر على نطاق واسع أحد مهندسي نجاح الزعيم العمالي في انتخابات بريطانيا في يوليو (تموز) 2024، في بيان، إنه كان منخرطاً بشكل وثيق في قرار تعيين ماندلسون. وأضاف، وفق «رويترز»، أن «قرار تعيين بيتر ماندلسون كان خاطئاً. لقد ألحق ضرراً بحزبنا، وببلدنا، وبالثقة بالسياسة نفسها». وتابع: «عندما طُلب رأيي، نصحتُ رئيس الوزراء بإتمام هذا التعيين، وأتحمل المسؤولية الكاملة عن تلك النصيحة».

تعويضات ماندلسون

إلى ذلك، أعلنت الحكومة البريطانية أنها فتحت تحقيقاً في دفع حزمة تعويضات نهاية خدمة لبيتر ماندلسون بعد إقالته في سبتمبر (أيلول) 2025 من منصبه. ويخضع بيتر ماندلسون لتحقيق أمني حالياً، للاشتباه في تسريبه معلومات إلى جيفري إبستين بشأن البورصة قد تكون مؤثرة، لا سيما عندما كان وزيراً في حكومة غوردن براون بين عامي 2008 و2010. وجرى تفتيش عنوانين مرتبطين بماندلسون، الجمعة.

بيتر ماندلسون خلال فعالية بلندن يوم 18 يونيو 2025 (أ.ب)

ووفقاً للصحافة البريطانية، حصل السفير السابق على تعويض نهاية خدمة يتراوح بين 38.750 و55.000 جنيه إسترليني بعد أن أقاله كير ستارمر. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية، الأحد، إن عقد ماندلسون أنهي «وفق المشورة القانونية وشروط عمله»، لكنه أضاف: «جرى فتح تحقيق في ضوء المعلومات الجديدة التي ظهرت والتحقيق الجاري للشرطة».

واقترح وزير العمل، بات ماكفادن، وهو من أبرز الوزراء، أن «يُعيد» السفير السابق الأموال أو «يتبرع بها لجمعية خيرية». كما أكد مجدداً دعمه لرئيس الوزراء الذي وجهت إليه دعوات من داخل حزبه للاستقالة.

من جهته، صرح متحدث باسم بيتر ماندلسون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن الأخير «يشعر بالأسف، وسيظل يشعر بالأسف حتى آخر أنفاسه، لتصديقه أكاذيب إبستين بشأن أفعاله الإجرامية». وأضاف: «لم يكتشف الحقيقة بشأن إبستين إلا بعد وفاته في عام 2019. وهو يشعر بأسف عميق؛ لأن النساء والفتيات العاجزات والضعيفات لم يحصلن على الحماية التي كنّ يستحققنها».

ضغوط متصاعدة على ستارمر

وواجه وزير العمل بات ماكفادن أسئلة من وسائل إعلام، الأحد، حول مستقبل رئيس الوزراء، وأقر بوجود احتمال بعدم استمراره في منصبه.

وبدا أيضاً أن ديفيد لامي، نائب رئيس الحكومة، كان على خلاف مع ستارمر بشأن قراره تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة. وأقر ماكفادن باحتمال عدم بقاء ‌ستارمر في منصبه. وقال لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «إذا بقي رئيس الوزراء في منصبه، فأعتقد أن ذلك لن يحدث فرقاً نهائياً». ونقلت صحيفة «تلغراف» عن مقربين للامي أنه حذّر ستارمر من ترشيح ماندلسون.

وكان لامي وزيراً للخارجية وقت ​تعيين السفير. ولدى سؤاله عما إذا كانت قيادة ستارمر تعاني مأزقاً كبيراً، أجاب ماكفادن قائلاً: ⁠إنه يتعين على حزب «العمال» دعم ستارمر، لأن تغيير رئيس الوزراء كل 18 شهراً أو عامين لن يعود بالنفع على البلاد. وأضاف: «أدرك أن هذا الأسبوع كان مليئاً بالأخبار السيئة».

ووفقاً لصحيفة «تايمز»، أخبرت النائبة السابقة لرئيس الوزراء أنجيلا رينر مقربين لها بأنها حذّرت ستارمر من تعيين ماندلسون في هذا المنصب.


استقالة مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني على خلفية الصلة بين ماندلسون وإبستين

مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم 1 ديسمبر 2025 (رويترز)
مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم 1 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

استقالة مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني على خلفية الصلة بين ماندلسون وإبستين

مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم 1 ديسمبر 2025 (رويترز)
مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم 1 ديسمبر 2025 (رويترز)

أعلن مورغان ماكسويني، مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم (الأحد)، استقالته من منصبه، كونه «نصح» رئيس الحكومة بتعيين بيتر ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن، رغم صلاته بالمتمول الراحل جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية.

ويواجه ستارمر ما يعتبره كثيرون أخطر أزمة منذ توليه السلطة قبل نحو 18 شهراً، وذلك بسبب قراره تعيين ماندلسون سفيراً لدى واشنطن في 2024، بعد أن كشفت وثائق مدى عمق علاقة القيادي المخضرم في ‌حزب العمال بإبستين.

وتمثل ‌استقالة ماكسويني (48 عاماً) ضربة ‌أخرى للحكومة، وذلك ‌بعد أقل من عامين من فوز حزب العمال بأغلبية برلمانية، وهي واحدة من الأكبر على الإطلاق في تاريخ بريطانيا الحديث، وفقاً لوكالة «رويترز».

وتظهر استطلاعات الرأي تراجع شعبية ستارمر للغاية بين الناخبين، كما أن بعض أعضاء حزبه باتوا يشككون علناً في حُسن تقديره وفي مستقبله السياسي. ولم يتضح بعد ما إذا كان رحيل ماكسويني سيكون كافياً لإسكات منتقدي رئيس الوزراء.

مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في داونينغ ستريت مقر رئاسة الوزراء في لندن (د.ب.أ)

وأظهرت أدلة ‌جديدة في الأيام العشرة الماضية وجود علاقة بين ماندلسون وإبستين، مما فتح جرحاً قديماً لستارمر وحزب العمال وأدى إلى فتح تحقيق للشرطة حول ماندلسون. وتشير الملفات الجديدة إلى أن السفير السابق سرب وثائق حكومية إلى إبستين في 2009 و2010.

تعيين ماندلسون كان «خطأ»

قال ماكسويني إنه فعل الشيء الصحيح بتقديم استقالته؛ لأن ستارمر عيّن ماندلسون بناء على نصيحته.

وأضاف ماكسويني، في بيان: «كان قرار تعيين بيتر ماندلسون خاطئاً. لقد أضر بحزبنا وبلدنا والثقة في السياسات نفسها».

وتابع: «عندما سئلت... نصحت رئيس الوزراء بتعيين (ماندلسون) وأتحمل المسؤولية الكاملة عن تلك النصيحة». وقالت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك إن استقالة ماكسويني تأخرت وإن «كير ستارمر يجب أن يتحمل مسؤولية قراراته السيئة».

وقال نايجل فاراج زعيم حزب الإصلاح الشعبوي الذي يتصدر استطلاعات الرأي، إنه يعتقد أن وقت ستارمر أوشك على الانتهاء.

وشغل ماكسويني منصبه في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 بعد استقالة سو ‌غراي عقب خلاف حول الأجور والتبرعات. ولم يُحدد بعد من سيحل محل ماكسويني.


زيلينسكي يدعو لتشديد الضغط على روسيا بعد إطلاقها 2000 مُسيّرة خلال أسبوع

أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)
أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)
TT

زيلينسكي يدعو لتشديد الضغط على روسيا بعد إطلاقها 2000 مُسيّرة خلال أسبوع

أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)
أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأحد، إن روسيا أطلقت أكثر من 2000 طائرة مُسيّرة و116 صاروخاً على أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي فقط، مستهدفةً منشآت الطاقة والبنية التحتية اللوجيستية في المدن والقرى بشكل شبه يومي.

وأضاف زيلينسكي في منشور على «إكس»: «يجب على العالم ألا يغض الطرف عن الهجمات الروسية. فعندما يغيب الرد الدولي، تصبح الضربات أكثر تكراراً وأشد وحشية. ويمكن وقف ذلك عبر تقديم دعم حقيقي لأوكرانيا ولدفاعاتنا».

وأكد زيلينسكي: «نحن بحاجة إلى صواريخ لأنظمة الدفاع الجوي، وإلى أسلحة لمقاتلينا الذين يصدون هذا العدوان يومياً. ولكي تنجح الدبلوماسية، لا بد من ممارسة ضغط مستمر على روسيا، بحيث تصبح تكلفة هذه الحرب باهظة، إلى حدٍّ يجعلها غير قابلة للاستمرار بالنسبة لروسيا».

عقوبات على موردي أجزاء الصواريخ

أعلن الرئيس الأوكراني أنه سيفرض عقوبات ​على عدد من الشركات الأجنبية المُصنِّعة لمكونات الطائرات المُسيّرة والصواريخ التي تستخدمها روسيا في هجماتها على بلاده. وكتب زيلينسكي على «إكس»: «إنتاج هذه الأسلحة سيكون مستحيلاً دون المكونات الأجنبية الضرورية التي يواصل الروس الحصول ‌عليها عبر التحايل ‌على العقوبات». وأضاف: «سنفرض ‌عقوبات ⁠جديدة، ​تحديداً ‌على الشركات الموردة للمكونات ومصنعي الصواريخ والطائرات المسيّرة... وقَّعتُ على القرارات ذات الصلة».

دمار خلفته ضربات جوية روسية في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (إ.ب.أ)

وبحسب مرسومَين أصدرتهما الرئاسة الأوكرانية، تستهدف العقوبات شركات صينية وشركات من الاتحاد السوفياتي السابق والإمارات وبنما. ورغم المفاوضات الرامية إلى ⁠إنهاء الحرب الدائرة منذ نحو 4 أعوام، فإن روسيا صعّدت ‌بشكل حاد من نطاق هجماتها بالصواريخ ‍والطائرات المسيّرة على أوكرانيا خلال الأشهر القليلة الماضية، وركّزت هجماتها على قطاعَي الطاقة والخدمات اللوجيستية.

وأدت الهجمات على محطات توليد الكهرباء والمحطات الفرعية إلى انقطاع التيار الكهربائي والتدفئة عن مناطق بأكملها في كييف، واستمرَّت بعض انقطاعات التيار في العاصمة الأوكرانية لمدة وصلت إلى 20 ساعة. وقال زيلينسكي إنه فرض أيضاً عقوبات على القطاع المالي الروسي وهيئات تقدم الدعم ‌لسوق العملات المشفرة وعمليات التعدين الروسية.

محاولة اغتيال جنرال روسي

في سياق متصل، أعلن جهاز الأمن الروسي (إف إس بي)، الأحد، أن المشتبه بتنفيذه محاولة اغتيال مسؤول روسي رفيع في موسكو نُسبت إلى أوكرانيا، أوقف في دبي وسُلّم لروسيا عقب فراره إلى الإمارات العربية المتحدة. واستهدف الجنرال فلاديمير أليكسييف، الجمعة، بعيارات نارية عدة ونُقل إلى المستشفى، بعد سلسلة اغتيالات في روسيا والأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها موسكو، طالت مسؤولين في الجيش وسياسيين محليين وآخرين يؤيدون الغزو الروسي لأوكرانيا. وأعلنت كييف مسؤوليتها عن بعض هذه العمليات.

الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)

وفلاديمير أليكسييف، الذي نجا، هو المساعد الأول لرئيس الاستخبارات العسكرية الروسية إيغور كوستيوكوف، الذي يترأس أيضاً الوفد الروسي إلى مفاوضات السلام مع أوكرانيا. وقال جهاز الأمن الروسي إن مواطناً روسياً يُعتبر «المنفذ المباشر للجريمة»، «أوقف وسُلّم لروسيا» بعدما فرّ إلى دبي.

وذكر جهاز الأمن الاتحادي الروسي، في بيان، أن روسياً اسمه ليوبومير وكراب اعتقل في دبي للاشتباه في تنفيذه للهجوم. وقال محققون روس إن كوربا، المولود في منطقة تيرنوبيل في أوكرانيا إبان العهد السوفياتي عام 1960، كلفته المخابرات الأوكرانية تنفيذ محاولة الاغتيال. واتهمت روسيا ⁠أوكرانيا بالوقوف وراء إطلاق النار، لكن كييف نفت ذلك. ورفض وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها، في تصريح لـ«رويترز»، اتهام بلاده بالتورط في إطلاق النار على ‌أليكسييف. وقال: «لا نعرف ماذا حدث لهذا الجنرال تحديداً، ربما كان ذلك نتيجة صراع داخلي بين الروس أنفسهم».

وأظهرت وسائل الإعلام الروسية رجال أمن مقنعين ‌من جهاز الأمن الاتحادي يقتادون رجلاً معصوب العينين من طائرة صغيرة في روسيا في الظلام. وقال جهاز الأمن الاتحادي إنه حدد هويتي شريكين آخرين، وهما رجل ‍وامرأة روسيان أيضاً. وقال المحققون إن أحدهما اسمه فيكتور فاسين، وإنه اعتقل في موسكو، بينما فرت المرأة، واسمها زينايدا سيريبريتسكايا، إلى أوكرانيا.

جنود أوكرانيون على خط الجبهة في زابوريجيا يوم 7 فبراير (أ.ب)

وتظهر محاولة الاغتيال التي حدثت على بعد 12 كيلومتراً شمالي الكرملين مدى هشاشة الحماية المتوفرة للجنرالات الروس المشاركين في التخطيط ⁠لحرب أوكرانيا. وتساءل البعض في روسيا عن كيفية تعقب أليكسييف في مثل هذا المكان وعدم توفير حماية أفضل له. ولقي ثلاثة مسؤولين آخرين من رتبة أليكسييف حتفهم في موسكو أو بالقرب منها منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وسبق أن فرضت الدول الغربية عقوبات على أليكسييف (64 عاماً) للاشتباه بدوره في هجمات إلكترونية نُسبت إلى روسيا، فضلاً عن اتهامه بتدبير هجوم استخدم فيه غاز للأعصاب وطال المعارض الروسي سيرغي سكريبال عام 2018 في المملكة المتحدة. وورد في نبذته الشخصية الرسمية أنه تميز في عمليات استخباراتية في سوريا، حيث تدخلت موسكو عسكرياً عام 2015 دعماً لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

واتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كييف بالوقوف خلف محاولة اغتيال أليكسييف، والسعي عبر ذلك إلى إفشال المباحثات الجارية بوساطة أميركية للتوصل إلى حل للنزاع في أوكرانيا.