تاريخ مصر الحديث في روايتين

«الأزبكية» و«الأنتكخانة» لناصر عراق

تاريخ مصر الحديث في روايتين
TT

تاريخ مصر الحديث في روايتين

تاريخ مصر الحديث في روايتين

تأتي رواية «الأنتكخانة» (2022) لتؤكد شغف الروائي ناصر عراق بتاريخ مصر الحديث واستمرار محاولاته لانتقاء لحظات منه لصياغتها في قالب قصصي. فهو بدأ مع بداية ذلك التاريخ الحديث إبان الحملة الفرنسية على مصر في آخر القرن الثامن عشر في رواية «الأزبكية» (2015)، متناولاً الفترة التي مهدت لبناء مصر الحديثة على يد محمد علي باشا، مواصلاً في «الأنتكخانة» تصوير ما يمكن تسميته بالنهضة الثانية في تاريخ مصر الحديث، إبان محاولة الخديوي إسماعيل، حفيد محمد علي، مواصلة البناء على ما أسسه جده. الرواية تدور في اللحظة الفارقة في أواخر أيام إسماعيل وقبل أن يتخاذل حكمه ويُضطر للتنازل عن العرش لابنه الخديوي توفيق، ما يفتح الباب للانتكاسة الثانية للنهضة المصرية الحديثة. نشهد في الرواية بوادر الحراك الشعبي والنهضة الوطنية التي تجسدت في الحركة العُرابية، لكن الرواية تستقيل عند تلك اللحظة، التي نعرف تاريخياً ما تلاها سريعاً من الاحتلال البريطاني الطويل لمصر.

قد تُكتب الرواية التاريخية بهدف تعليمي كما كان الحال في روايات جورجي زيدان عن التاريخ الإسلامي، وقد تُكتب بهدف الإسقاط على الحاضر كما فعل نجيب محفوظ في بعض رواياته التاريخية، ولكنها في الحالين - وكما في فنون الرواية جميعاً - تهدف أيضاً إلى التشويق والإمتاع. في روايتي عراق نجد الأغراض الثلاثة مجتمعةً. في الروايتين عنصر تعليمي خفيف في معالجتها للقرن التاسع عشر من تاريخ مصر، وفي «الأنتكخانة» على التحديد نجد ما يمكن وصفه بالإسقاط على اللحظة الراهنة، حيث إن عصر إسماعيل ارتبط في الوجدان المصري بسلبيات الاستدانة من البنوك والقوى الأجنبية، وهي السياسة التي – بغض النظر عن غرضها الأسمى وهو تحديث البلد و«جعل مصر قطعة من أوروبا» – أدت إلى تنحية إسماعيل عن العرش وانتهت بالاحتلال البريطاني في 1882. يمكن إذن اعتبار الرواية إسقاطاً على الأوضاع الاقتصادية الحالية في مصر، من جهة أن الدولة غارقة في الديون، ومنشغلة ببيع الأصول المصرية إلى جهات أجنبية. ولكن في المحك الأخير فلنقرر أنه إنْ كان الهدف التعليمي واضحاً بذاته، فإن الهدف الإسقاطي مستتر، ويقوم على قدرة القارئ على الربط بين ما يقرأه وبين المشهد المعاصر الذي يعيشه.

على أنني آخذ على الكاتب أنه وقع تحت تأثير توفيق الحكيم في ذروة كتاباته الوطنية عقب ثورة 1919، وفي ظل النضال ضد الاحتلال البريطاني. ومثل توفيق الحكيم نراه يعهد لعلماء الآثار الأجانب بمهمة تمجيد الحضارة المصرية والإنسان المصري. في رواية الحكيم التأسيسية «عودة الروح» (1933)، ثمة حوار مُطوَّل يستغرق فصلاً كاملاً أقحمه الحكيم إقحاماً لأغراضه الوطنية المشروعة في حد ذاتها، ولكن ربما غير المشروعة فنياً حيث يُوقف الكاتب السرد ليتخيل حواراً مستحيلاً بين عالم آثار فرنسي ومفتش زراعة إنجليزي. الأول يتغنى بأمجاد مصر القديمة وبأن الفلاح المصري الذي قد يبدو جاهلاً متخلفاً اليوم، إنما هو يحمل في قلبه حضارة آلاف السنين، بينما الثاني - ممثل الاحتلال - لا يكنّ إلا الاحتقار للمصري المعاصر والاستخفاف بآراء الأثري الفرنسي. هذه «التقنية الوطنية» إن جاز التعبير، استخدمها ناصر عراق على نحو مماثل في «الأزبكية» حين قدّم شخصية رسّام فرنسي يُجِلّ المصريين وحضارتهم العظيمة وجعل منه نقيضاً للعسكرية الفرنسية المحتلة. ومرة أخرى لجأ عراق إلى نفس «التقنية الوطنية» في «الأنتكخانة»؛ إذ جنَّد الأثريين الفرنسيين والألمان للتغني بأمجاد الحضارة المصرية القديمة، بينما ينعون على المصري الحديث تخلفه وعدم تقديره لتراثه الهائل، وإن كان بعضهم يؤمن بأن اليوم آتٍ لا محالة حين يُفيق المصريون من سُباتهم ويدركون قيمة كنوزهم وعظمة أجدادهم. كان لتوفيق الحكيم أهداف وطنية ملحّة حين لجأ لتلك التقنيات الساذجة منذ ما يقرب من مائة عام، ولكن يصعُب تصوُّر الهدف منها اليوم.

على أن هذا ليس العَرَض الوحيد لاقتفاء عراق أثرَ الحكيم في غير داعٍ. ففي «الأنتكخانة» يقدّم لنا الروائي قصة حب بين الأثريّ المصري الشاب أحمد أفندي كمال وبين الفتاة الفرنسية جوزفين القادمة من باريس لتعمل معاونةً لعالم الآثار الفرنسي مارييت باشا. تبدو قصة لقاء بين حضارتين على نسق قصة الحب الشهيرة في رواية الحكيم «عصفور من الشرق» (1938) بين الشاب المصري محسن وبين عاملة شباك التذاكر الفرنسية. المسرح مختلف ولكن اللقاء الجنسي هو ذاته. في رواية الحكيم كان اللقاء لقاءً حضارياً لأن الحكيم أراد للفتى والفتاة أن يرمز كل منهما لحضارته حسب رؤيته؛ المصري ساذج بريء عاطفي، بينما الفرنسية ماكرة مخاتلة مُستغِلّة (هي العلاقة بين مصر وأوروبا في ذلك الوقت)؛ ولذلك فإن الفتاة تستغل محسن لتأجيج غيرة حبيبها الحقيقي الذي كان اهتمامه بها قد فتَر، فإذا ما تحقق لها غرضها واستعادت حبيبها، ألقت بمحسن جانباً في غير تردُّد.

في «الأنتكخانة» نجد موقفاً شبيهاً، فجوزفين بعد استسلامها لمغازلة أحمد الملحّة، توافِق على أن تصبح زوجةً ثانية له (موقف غير محتمل من فتاة فرنسية في ذلك الوقت أو في أي وقت)، إلا أنها في لحظة الحسم تتراجع وتهجره إلى فتى فرنسي جاء به الروائي فجأة من لا مكان ليلعب دوراً اصطنعه له قبل أن يختفي فجأة أيضاً. التشابه مع الموقف في «عصفور من الشرق» واضح، إلا أن الرمزية ضعيفة للغاية لأن أحمد كمال ليس بريئاً بل هو مندفع نحو شهواته الجنسية وميله لاستكشاف امرأة من عنصر مختلف، ولا يعنيه في شيء أن له زوجة محبة وأولاداً منها، بل يخونها ويخفي عنها مشروعه في الزواج من امرأة أخرى، ما يجعله صِنواً لجوزفين في المخاتلة. بذلك تصبح العلاقة من حيث قيمتها المجازية في حالة ارتباك بالمقارنة على ما كانته عند الحكيم.

يعود أحمد كمال، وقد رفضته المرأة الفرنسية، نادماً لأسرته وزوجته البسيطة التي يشرع في تعليمها القراءة والكتابة، إضافة لما كان يفتنها به من حكايات عن تاريخ مصر القديم. تُرى هل ترمز الزوجة لمصر الجاهلة المتخلفة والزوج للمصري العصري المتعلم الذي يأخذ على عاتقه تعليمها وتمدينها؟ هل ينتقل الروائي هنا من توفيق الحكيم إلى نفحة سريعة من يحيى حقي و«قنديل أم هاشم»؛ إذ يأخذ الطبيب الدارس في أوروبا على عاتقه علاج وتمدين ابنة عمه فاطمة التي أيضاً ترمز لمصر؟ ربما. التراث الروائي يُعمل أثره جيلاً بعد جيل. ولا بأس أن نجد لوناً من التناصّ هنا أو هناك. المهم أن يضيف الجديدُ إلى القديم ولا يبقى عالةً عليه أو تكراراً له. الروائي هنا مشغول بالحدث وملاحقته السريعة، ما لا يتيح له فرصة التأني والتأمل والسماح للوقائع أن تُشكّل معانيها وللشخصيات أن تُبرز دواخلها.

تكلمتُ عن عنصرَي التعليم والإسقاط في الرواية. يبقى أن أقول شيئاً في مجال التسلية التي هي عنصر مطلوب في كل رواية، بشرط أن تكون موظّفة وأن تلتحم بنسيج الرواية، لا أن تكون هناك لمجرد الإضحاك أو الإثارة، وهو ما لا يحدث في «الأنتكخانة»، وبالأخصّ التسلية الجنسية. لا اعتراض على الجنس في الفن الروائي ولا على مدى الصراحة فيه والتفصيل، بشرط أن يكون جزءاً من النسيج الروائي وأن يكون ذا دور في دفع الحدث أو الكشف عن الشخصية أو غيره. أما في «الأنتكخانة» فيبدو أن كل الذكور تقريباً يعانون من الغُلمة ويحركهم الشبق الجنسي، سواء النجار القاتل الجالب للخادمات الريفيات إلى فراشه كل ليلة، يسرقن التحف من أجله ويمنحنه أجسادهن حتى إذا ما طالبن بالزواج كان نصيبهن القتل والدفن في حديقة الدار، أو أحمد أفندي الذي يسيل لعابه طَوال الوقت ما بين زوجته المصرية وجوزفين الفرنسية، أو عالم الآثار الألماني الذي يلاحق زوجته في حالٍ دائمة من الشهوة، ولا يكاد يرى عجيزتها حتى ينسى أبحاثه وما هو بصدده من عمل ويقوم وراءها... إلخ إلخ. هذه المواقف تتكرر كثيراً، ونادراً ما يكون لها وظيفة اللهم إلا في حالة الفضول الجنسي لأحمد كمال تجاه جوزفين الفرنسية.

أخيراً أود أن أتوقف عند اللغة التي أجدها إشكالية في الرواية. يستخدم الكاتب لغة أحادية النغمة لا تتغير قيد أنملة ما بين السرد والحوار. كما أن لغة الحوار لا تتغير ما بين شخصية وأخرى. لا يهم إن كان المتكلم متعلماً أو جاهلاً، خواجة أو مصرياً، سيدة أو خادمة. الكل يتكلم نفس اللغة الفصحى بدون أي تفاوت أو تمييز. لا يهمني أن الحوار مكتوب بالفصحى، ولكن الفُصْحَيات تتفاوت كما أن العاميّات تتفاوت. وفصحى الحوار لا يجب أن تتساوى بين كل الشخصيات، كما أنها لا يجب أن تتساوى مع فصحى السرد. يُلاحظ أيضاً أنه ليست هناك أي محاولة لمحاكاة لغة القرن التاسع عشر في مصر لا في السرد ولا في الحوار، وهو ما كان حريّاً أن يخلق نوعاً من الواقعية التاريخية في النص.



رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
TT

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكندي - الهاييتي تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابتها. وما لبث هذا الجدل أن تجاوز مصير الرواية نفسها ليطرح سؤالاً وجودياً: كيف نثبت أن نصاً أدبياً من صنع إنسان، حين تعجز الكاشفات الآلية عن الفصل بين إبداع الكاتب وصنيع الخوارزمية؟

الرواية التي فتحت باب الجدل صادرة عن دار «غراسيه»، حازت جائزة مكتبات «فناك»، ورُشّحت للقائمة الأولى لجائزتي «غونكور» و«رونودو». غير أن حساباً مجهولاً على منصة «إكس»، يحمل اسم «افضح مستخدمي كلود»، اتهم الكاتب بتأليفها كلياً تقريباً بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج برنامج «بانغرام» المتخصص في كشف النصوص المولّدة آلياً. وفي ساعات قليلة، تحولت الشبهة إلى زلزال في موسم أدبي كان أوريليان أحد نجومه الصاعدين، فيما تجاوزت مبيعات الرواية 35 ألف نسخة في فرنسا. موقف الكاتب كان سريعاً وقاطعاً، حيث قال إنه يحب الإبداع والكتابة، ولا يرى سبباً يدفعه إلى الاستعانة بآلة خاصة، وإنه بدأ بالتحضير في هذه الرواية منذ 2017، معلناً، بالتعاون مع ناشريه، إعداد ملف يوثّق مراحل ولادة المخطوط. ودافعت دار «غراسيه» عن كاتبها، ووصفت الاتهامات بأنها «أخبار كاذبة»، مشككة في صلاحية أدوات الكشف التي قد تعطي نتائج خاطئة حتى عند اختبار نصوص قديمة.

على أن اختبارات أجرتها وسائل إعلام فرنسية، بينها «لوموند» و«فرانس إنفو»، أظهرت نتائج متناقضة. فبينما أشار برنامج «بانغرام» إلى احتمال يتجاوز 95 في المائة بأن تكون بعض المقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، خلصت أدوات أخرى إلى أن المقاطع نفسها كُتبت على الأرجح بواسطة إنسان. هذه المفارقة تكشف عن أن الرقم الذي يظهره الكاشف ليس حكماً نهائياً، بل مجرد تقدير احتمالي يتأثر بطول المقطع، وبطبيعة اللغة، وبدرجة انتظام الأسلوب.

جامير نازير

وتضع هذه التناقضات لجان الجوائز الكبرى أمام مأزق غير مسبوق. فقد أقرّ فيليب كلوديل، رئيس أكاديمية «غونكور»، بأن الأكاديمية لا تملك الوسائل التقنية أو البشرية أو الخبرة العلمية اللازمة للتحقق من استعمال الذكاء الاصطناعي في نص أدبي، داعياً إلى الحذر وعدم التعامل مع نتائج الكاشفات بوصفها أدلة قاطعة. أما الكاتب والعضو في لجنة «غونكور» بيير أسولين، فأكد أن القضية ستُناقش حتماً داخل الأكاديمية.

غير أن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان اكتشاف استعمال الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بحدود سلطة لجان التحكيم. هل يحق للجنة أن تستبعد رواية مرشحة بناء على تقرير آلي قابل للخطأ؟ وهل تُعامل الاستعانة بالآلة في البحث أو الترجمة أو تصحيح اللغة معاملة استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الفقرات والشخصيات والحبكة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذه المستويات قد يحوّل الجوائز الأدبية إلى محاكم مفتوحة، يكون فيها الكاتب مطالباً بإثبات براءته بدلاً من أن تكون الجهة المتهمة مطالبة بتقديم الدليل.

وليست قضية أوريليان الأولى من نوعها. فقد وُجّهت، قبل أشهر، تهمة مماثلة إلى الكاتب جامير نازير، الفائز بجائزة أفضل قصة قصيرة في مسابقة تابعة لمؤسسة الكومنولث، قبل أن تبرّئه لجنة التحقيق بعد أسابيع من التدقيق. وفي الولايات المتحدة، دفعت فضائح مشابهة جمعية كتّاب الخيال العلمي والفانتازيا إلى تشديد قواعد جوائز «نيبولا»، وصولاً إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأعمال المرشحة.

وتشير هذه السوابق إلى أن الجوائز الأدبية قد تتجه مستقبلاً إلى فرض إقرارات رسمية على المؤلفين، لتحديد الأدوات التي استعانوا بها، وطبيعة استخدامها، والمقاطع التي طالها ذلك الاستخدام. وقد تطلب لجان التحكيم، عند وجود شبهة جدية، الاطلاع على المسودات المتتابعة، والملاحظات الشخصية، وسجلّات العمل، والمراسلات مع المحرر. غير أن هذه الإجراءات قد تصطدم بسرّية العملية الإبداعية، وبحق الكاتب في الاحتفاظ بمختبره الداخلي بعيداً عن أعين المؤسسات.

أما دور النشر، فهي مرشحة بدورها لتغيير قواعد التعامل مع المخطوطات. فقد بدأت سياسات جديدة تظهر في قطاع النشر، تقوم على طلب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المساعدة التقنية المحدودة وتوليد النص نفسه. ومن بين الدور التي اتخذت خطوات في هذا الاتجاه «بنغوين راندوم هاوس» و«هاربر كولنز»، وهما من كبرى دور النشر الأنغلوسكسونية. وفي المقابل، لم تعتمد دور النشر الفرنسية الكبرى، مثل «غاليمار» و«غراسيه» و«سوي»، حتى الآن سياسات مماثلة معلنة على نطاق شامل، رغم أن الضغط المتصاعد قد يدفعها إلى ذلك قريباً.

وقد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميز المنتجات المصنوعة وفق شروط معينة. غير أن اعتماد مثل هذه الشهادة لن يحل المشكلة كلها. فهل ستقوم على تصريح المؤلف وحده؟ أم على فحص تقني؟ أم على سجل رقمي يرافق الرواية منذ مسودتها الأولى؟ إن الاتجاه الأكثر واقعية لا يبدو قائماً على البحث عن «بصمة آلية» داخل النص، بل على توثيق مسار الكتابة: من فعل ماذا، ومتى، وبأي أداة، وفي أي نسخة؟ وهذا ما يسميه بعض الباحثين «سلسلة حيازة النص»، أي الانتقال من سؤال ثنائي: «هل كتب الإنسان أم الآلة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما حجم مساهمة كل طرف في كل مرحلة؟».

قد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميّز المنتجات المصنوعة

غير أن أخطر ما في الاعتماد على كاشفات الذكاء الاصطناعي هو احتمال إنتاج شكل جديد من التمييز يمكن تسميته «العنصرية الأدبية الخوارزمية». فهذه البرامج لا تقرأ الأدب كما يقرؤه الناقد، ولا تفهم التجربة التاريخية أو الثقافية التي أنتجت النص، بل تبحث عن مؤشرات إحصائية مثل انتظام الجمل، وتوقّع المفردات، وتكرار البنى، وانخفاض المفاجأة اللغوية. وقد تبدو هذه السمات، بالنسبة إلى البرنامج، علامات على تدخل الآلة، مع أنها قد تكون نتيجة طبيعية لتكوين الكاتب أو للغة التي يكتب بها.

وقد أظهرت دراسات على نصوص كتبها أشخاص غير ناطقين أصلاً بالإنجليزية أن كاشفات عدة صنّفت نسبة كبيرة منها على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، رغم أنها نصوص بشرية خالصة. ويرتبط ذلك بكون الكاتب الذي تعلم اللغة لاحقاً يميل أحياناً إلى مفردات أكثر شيوعاً، وجمل أكثر انتظاماً، وتراكيب أقل انحرافاً عن القاعدة؛ وهي عناصر قد تفسرها الخوارزمية بوصفها «قابلية للتنبؤ»، لا بوصفها أثراً للتعلم أو لاختيار أسلوبي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في حالتي جامير نازير، الذي يكتب بالإنجليزية وهو من ترينيداد، وتيليسون أوريليان، المولود في هايتي والذي يكتب بالفرنسية.

وتكتسي هذه المسألة حساسية أكبر في الأدب الفرنكفوني، حيث يكتب كثير من الروائيين بالفرنسية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة، ويحملون إلى النص إيقاعات العربية أو الكريولية أو اللغات الأفريقية والكاريبية. فهل يمكن أن يُعاقب الكاتب لأنه يكتب فرنسية معيارية؟ أو لأن أسلوبه لا يشبه الأساليب المكرّسة في المركز الأدبي الباريسي؟ وهل تصبح اللغة الأدبية المقبولة هي تلك التي تبدو «أكثر بشرية» في نظر برنامج صُمّم غالباً على عينات محدودة ومتحيزة؟

يدافع أوريليان عن أسلوبه باعتباره امتداداً لتقاليد سردية هايتية وكاريبية، تتسم بالتكرار والإيقاع والعودة إلى الصور ذاتها. وقد تُقرأ هذه الخصائص، خارج سياقها الثقافي، باعتبارها دليلاً على تدخل آلة تعيد الصياغة أو تكرر الأنماط. هنا لا يعود الخطر تقنياً فقط، بل هو ثقافي أيضاً: فقد تتحول الخوارزمية إلى حارس صامت، يفضّل النصوص التي تقترب من نموذج لغوي واحد، ويشكك في النصوص الهجينة والمهمشة والمكتوبة من أطراف المجال الأدبي.


الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية
TT

الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً. هذا بالضبط ما حدث مع بطلة رواية «أجمل من نجلاء»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب والمخرج الوثائقي المصري شريف سعيد.

تحمل البطلة، وهى صحافية، اسماً لافتاً «نجلاء بهاء الوطن»، وبينما كانت واقفة في مطبخها الصغير وسط باريس تطالع قناة «فوكس نيوز»، وإعلانها عن حوار خاص مع جندي سابق شارك في حرب الخليج الثانية عام 1991 تحت عنوان «أسرار جديدة من حرب عاصفة الصحراء»، حينئذ وجدت نفسها أمام العالم بعد كل هذه السنوات وهي حافية باكية بملابس البيت في طرقات البلدة الحدودية الصحراوية «رفحاء».

على هذه الخلفية الصادمة يسعى المؤلف للغوص عميقاً في دهاليز النفس الإنسانية بتعقيداتها وإشكالياتها من خلال نموذج البطلة الحسناء نجلاء، مقتفياً تحولاتها الجغرافية والثقافية وهى تنتقل من الحارة الشعبية في القاهرة إلى الحدود السعودية العراقية، ثم إلى العاصمة الفرنسية، عبر العديد من الحكايات والقصص التي لا تخلو من مفاجآت مدهشة.

بدا شريف سعيد في هذا النص متأثراً بخلفيته مخرجاً وثائقياً يسعى لأن تروي الصورة البصرية ما لا تستطيع أن تعبر عنه الكلمات، كما يبدي اهتماماً شديداً بالتفاصيل، سواء على مستوى الأماكن أو التكوين النفسي للشخصيات.

من أجواء الرواية نقرأ:

«استطاعت العلامات الموسيقية المتصاعدة من فوق الرصيف وسط رذاذ المطر أن تختطفها من ذكريات طفولتها، وأن تقفز بها سنوات كثيرة إلى الأمام تحديداً نحو ذاك المساء الذي استحالت فيه مطلقة، في هذا اليوم كانت عقارب الساعة تشير إلى انتصاف ليل القاهرة حين دردشتْ معه أول مرة وقد تعاهدا منذ البداية على السرية والخفاء.

منذئذ حرصت نجلاء على ألا تجهر باسمه لأحد فوق هذا الكوكب. قبل هذه اللحظة كانت قد مرت عليها شهور وهي تتابع عن كثب منشوراته عبر حسابه على تطبيق (فيسبوك)، وكثيراً ما حرصت على إبداء إعجابها بما يدونه ولكن في وقار ساتر، كانت تضغط فوق علامة أعجبني على نحو منتظم حتى لا تبدو أمامه مثل دلو حمام مسكوب، في حين أنه كان أكثر رزانة منها ولم يبادلها شيئاً من هذا القبيل ثم تجاسرت وهنأته ذات مرة بعيد ميلاده.

فض الرسالة الإلكترونية ولأيام متتالية لم يرد عليها، فقد كان بالغ الحرص في سلوكه بالواقع الافتراضي، لم لا وهو في ذلك الوقت كان يستهدف ترقية جديدة في سلكه الدبلوماسي بوزارة الخارجية. ويدرك أن أحدهم في مؤسسة أمنية داخل أو خارج البلاد ربما ينصت إلى مكالمات هاتفه أو يقلب معه في صناديق رسائله لهذا لم يرغب في أن يُكتب عنه بين قوسين كبيرين في أي تقرير سري أنه متعدد العلاقات ومنخرط حالياً في علاقة مع صحافية مصرية تكتب بالفرنسية».


ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد
TT

ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد

على الرغم من أن الأكاديمية الملكية بلندن سعت إلى استعادة الفنان ريتشارد داد (1817 ــ 1886) من غير الخوض موسعاً في حياته الشخصية بكل ما انطوت عليه من امتزاج بين المرض النفسي الذي أصيب به وجرائم القتل التي ارتكبها، فإن عنوان المعرض الذي يستمر حتى 25 أكتوبر (تشرين الأول) كان مدخلاً غير موفق لذلك المسعى. «ريتشارد داد: ما وراء المصحة» عنوان ينفتح على سرديات غير سارة؛ ذلك لأن المصحة العقلية التي شهدت عودته إلى الرسم بحماسة استثنائية ستكون بالنسبة للآخرين مناسبة للتنقيب في تفاصيل حياته التي يُعاد رسمها بطريقة تسلط الضوء على العلاقة المفترضة شعبياً بين الفنون والجنون.

في الخامسة والعشرين من عمره، كُلِّف بالسفر مع السير توماس فيليبس عبر أوروبا والشرق الأوسط، ورسم الأماكن التي زاروها. مع اقتراب نهاية الرحلة التي استمرت عشرة أشهر ظهرت عليه أعراض اضطراب عقلي حاد، فكان يعاني من أوهام ارتيابية عند عودته إلى الوطن. كان يعتقد أنه مُضطهد من قِبل الشياطين، وأنه يتلقى رسائل من الإله المصري أوزوريس. في 28 أغسطس (آب) 1843، طعن والده حتى الموت في حديقة كوبام، بالقرب من روتشستر في مقاطعة كينت، معتقداً أنه الشيطان متنكراً.

حين اعتُقل بعد فراره إلى فرنسا ومحاولته قتل أحد المسافرين نعته مجلة «آرت يونيون» تحت عنوان مؤثر «الراحل ريتشارد داد» بقولها: «الرجل اللطيف والودود ظاهرياً والذي كان قبل عام أو نحوه نجماً صاعداً في الأكاديمية الملكية بلندن. اليوم يُعرف داد، إن عُرف أصلاً، بقتله والده وهو يعاني من نوبة ذهانية حادة أُدخل على أثرها إلى مستشفى بيثليم، ثم إلى مصحة برودمور للمجرمين والمجانين، حيث مكث بقية حياته». خلصت «آرت يونيون» بعد ذلك إلى قولها: «مع أن القبر لم يُغلق عليه فعلياً، فإنه يُصنف بين الأموات».

من أعمال داد

نزهات المجنون في عالم شكسبير

في السنوات الأولى من حياته طالباً في مدارس الأكاديمية الملكية وعضواً مؤسساً لمجموعة من الفنانين الأصدقاء تُعرف باسم «الزمرة»، أحيط ريتشارد داد بهالات نجاحٍ تقليدي لفنان بريطاني موهوب. كان داد في أوائل أربعينات القرن التاسع عشر قد بدأ يرسخ مكانته رساماً لمشاهد خيالية مستوحاة من مسرحيات شكسبير، لتليها رحلته عبر شرق البحر الأبيض المتوسط، التي ظلت مصدر إلهام له طوال حياته. بعدها انطفأ داد عقلياً. ما بين عامي 1843 و1886 عاش نزيلاً ما بين مستشفيي بيثليم وبرودمور، هناك أنتج معظم لوحاته الزيتية والمائية التي لا تعكس حالته المرضية لما تميزت به تلك اللوحات من دقة بصرية ووضوح في الرؤية والتعبير. فعلى الرغم من العزلة التي عاشها في نظام المصحات العقلية الفيكتوري، فإن داد استطاع أن يستلهم من ذاكرته وخياله وشغفه الدائم بالأدب والأساطير ليُبدع عوالم خيالية زاخرة بالتفاصيل الدقيقة. وليس مفاجئاً أن تعدُّ تلك اللوحات من بين أكثر الأعمال الفنية البريطانية أصالةً وإبداعاً. ولو لم تكن كذلك لما ألهمت لوحاته عدداً من الفنانين والكتّاب والموسيقيين، بمن فيهم فرقة «كوين» التي أطلقت اسم إحدى أشهر لوحات داد «ضربة قاضي الجنية» على إحدى أغانيها.

في هذا المعرض الذي يضم أكثر من مائة عمل فني، يتمكن المشاهد من متابعة تفاصيل حياة غامضة عاشها رجل انفصل عن الواقع، غير أنه رسمه بطريقة ثورية كما لو أنه كان يتخيله. كان المرض حبل نجاة لداد من مواجهة عقوبة أقسى نظراً لتاريخه الإجرامي غير أنه في الوقت نفسه كان مبعث إلهام فريد من نوعه؛ ذلك لأنه فتح أمامه خيال عوالم، كان قد عاشها مباشرة أو عن طريق الأدب. ما بين رؤى شكسبير والمشاهد التي رآها في أثناء رحلته الشرق الأوسطية تجول المجنون وهو يتصفح أوراق ذاكرته.

سردية المصحة

في تقديمها للمعرض الذي يُقام بعد غياب أعمال الفنان عن العرض خمسين سنة، توضح القيّمة الفنية سيلفي بروسين أنه «بعد التحرر من سردية المصحة يُمكن النظر إلى مسيرة داد الفنية ككل متكامل»، وتضيف: «إن سردية ما قبل المصحة وما بعدها تُبسّط الأمور. فأسلوبه كان قد تغير، ولكن هذا أمر طبيعي لدى العديد من الفنانين في ظروف مختلفة. ويبقى عدد من موضوعاته كما هي».

تنفي بروسين بذلك التوضيح إمكانية أن يكون لانفصال داد عن الواقع، وهو تعبير مخفف عن مرضه، أي تأثير لما حدث من تغيرات في ميول الرسام فيما يتعلق بموضوعاته. فهي ترى أن اهتمام داد الدائم بشكسبير والذي نسج قصصه في خيالات مُتقنة كان بمثابة إشارة تمهيدية مبكرة لتفرغه لرسم موضوعات خيالية في أثناء حبسه في المصحة. ذلك ما تؤكده تجربة النظر مباشرة إلى لوحات داد وبالأخص لوحته «تيتانيا النائمة»، التي يقول دليل المعرض إنها عُرضت في الأكاديمية الملكية أول مرة عام 1841. تلك لوحة لا يرسمها إلا شخص يملك السيطرة الكاملة على حواسه، وبشكل أساس، على خيال يديه البارعتين. فهل يعني ذلك أن هناك قناعة لدى البعض بأن داد كان قد نجح في أثناء إقامته في المستشفى في الفصل بين فنه وجنونه؟ وهو ما لا يفعله إلا رجل عاقل. ما هذا التناقض؟

عندما أُعيد اكتشاف داد لأول مرة في منتصف القرن العشرين، عُومِلَ كحالةٍ طبيةٍ أكثر منه فناناً، وذلك في إطار اعتقادٍ كان سائداً آنذاك بأن الفن أداةٌ تشخيصيةٌ فعّالة. لم يُمعن أحدٌ التفكير في هذا الموضوع بعمقٍ وعمقٍ أكثر من نيكولاس ترومانس أحد أبرز خبراء داد والقيّم المشارك على المعرض. وقد نأى ترومانس بنفسه عن هذا النهج الذي فقد مصداقيته الآن في مقدمة كتابه الصادر عام 2011 بعنوان «ريتشارد داد: الفنان والمصحة»، حيث كتب «لم أدّعِ، كما لم أدّعِ عند الكتابة عن جيه إم دبليو تيرنر أو كلود مونيه، أنني أعرف تماماً ما كان يفكر فيه ويشعر به في أثناء رسم لوحاته».

بعكس ما انتهت إليه سيلفي بروسين، يؤكد ترومانس أن مرض الرسام لعب دوراً مهماً في خياراته الأسلوبية بقوله: «أودّ أن أشير إلى أن شخصياته لا تتفاعل أبداً. فشخصياته لا تتحدث مع بعضها ولا تنظر إلى بعضها ولا تتبادل أي كلمة. من المستحيل ألا نرى في ذلك انعكاساً لما نعرفه عنه، وهو أنه كان منعزلاً جداً ولا يميل إلى التحدث مع الآخرين كثيراً». لم يفقد ريتشارد داد ذاكرته البصرية في أثناء إقامته في مستشفى المجانين، بدليل لوحتيه «فانتازيا مصرية» و«نُزُل على جانب الطريق» غير أن ما لا ينكر في أسلوبه أنه قد تغير بتأثير من المرض.