أكثر من نصف مليون يرغبون في التبرع بأعضائهم في السعودية

2023 عام الازدهار... والملك وولي العهد يتقدّمان المتبرّعين

بلغ إجمالي الأعضاء المزروعة من الأحياء والمتوفين في البلاد 2091 عضواً (الشرق الأوسط)
بلغ إجمالي الأعضاء المزروعة من الأحياء والمتوفين في البلاد 2091 عضواً (الشرق الأوسط)
TT

أكثر من نصف مليون يرغبون في التبرع بأعضائهم في السعودية

بلغ إجمالي الأعضاء المزروعة من الأحياء والمتوفين في البلاد 2091 عضواً (الشرق الأوسط)
بلغ إجمالي الأعضاء المزروعة من الأحياء والمتوفين في البلاد 2091 عضواً (الشرق الأوسط)

«لا أنسى كلام البروفيسور الألماني الدكتور برونينغ حين قال لي: يا عادل لو لم تأتِ للتبرع ستكون من يبحث عن متبرع للكبد بعد 10 سنوات»، بهذه الطريقة يختتم عادل اليحيى سرد قصته مع إرادته الكبيرة لتجربة التبرع بجزء من كبده، التي قادته فيما بعد لاكتشاف مرضه.

يقول عادل اليحيى، في قصة إنسانية رواها للمركز السعودي لزراعة الأعضاء (مركز حكومي)، إنه في عام 2013 سمع بالصدفة عن شخص يحتاج للتبرّع بالكبد، الأمر الذي أثار فضوله لمعرفة القصة، وهل هي خطرة، ليتوصّل في نهاية المطاف إلى قرار بالتبرع بالكبد، بيد أن المستشفى الذي استقبله لإجراء التبرّع رفض بسبب عمره الصغير نسبيّاً (17 عاماً)، لينتظر 5 سنوات أخرى قبل أن يعاود الكرّة بدافع الإرادة والحماس، وهو سليم ومعافى للتبرّع لأي شخص يحتاج جزءاً من كبده في عام 2018، واستقبله المستشفى حينها وأجرى له الفحوصات على مدار 6 أشهر.

بعد تحديد تاريخ العملية الجراحية، حضر عادل لإجراء الفحوصات الأخيرة قبل العملية ليتفاجأ باكتشاف ورم في أول مراحله بالكبد، واستطرد: «أخذ الأطباء عيّنة من الكبد وأرسلوها إلى قسم الأنسجة للتأكد من الورم السرطاني ومدى انتشاره، ولله الحمد تبين أنه ورم حميد في مرحلة الإنشاء، وقد جرى استئصاله بالكامل، وأُخذ جزء من الكبد السليم وزُرع للطفلة نهال ذات الـ7 أشهر في ذلك الوقت، لتصبح من بعد فضل الله سبحانه بكامل صحتها وعافيتها».

تُظهر قصّة عادل هذا الوعي لدى السعوديين في ثقافة التّبرع بالأعضاء، الأمر الذي أوضحته إحصاءات رسمية جديدة عن تجاوز عدد الراغبين بالتبرع بالأعضاء في المملكة حاجز نصف مليون متبرّع.

ولتعزيز الوعي في ثقافة التبرع بالأعضاء وتشجيع أفراد المجتمع للمبادرة بتسجيل رغبة التبرع بها بعد الوفاة، أتم المركز السعودي لزراعة الأعضاء، مطلع مايو (أيار) الماضي، عملية التكامل مع تطبيق «توكلنا» الرفيق الرقمي للأفراد في المملكة.

وصل عدد البرامج المعتمدة لزراعة الأعضاء في السعودية 29 برنامجاً (واس)

ومن شأن هذه الخطوة أن تحسِّن تجربة المستخدم، ليُصبح تسجيل رغبة التبرع بالأعضاء أكثر يسراً وسهولةً من خلال إتاحته لجميع شرائح المجتمع، كما يضمن هذا النظام الرقمي دقّة البيانات وسهولة الوصول إليها، ويحافظ على سرّية المعلومات وخصوصيتها، حسب المركز.

الرياض تتصدّر الراغبين بالتبرّع

وفقاً للمركز السعودي لزراعة الأعضاء، بلغ عدد الراغبين بالتبرع بعد الوفاة أكثر من 533 ألف متبرع، وقد قُسّموا إلى فئات استناداً إلى المناطق الإدارية الـ13، ونوع العضو المطروح للتبرع، وجاءت العاصمة الرياض في صدارة عدد الراغبين بالتبرع، بواقع 142280 متبرعاً، ومن ثم منطقة مكة المكرمة بـ115669، فالمنطقة الشرقية 65230 شخصاً، وحلّت المدينة المنوّرة وعسير على التوالي بواقع 23095 للأولى، و23068 للأخيرة، تليهم بقيّة المناطق.

في عام 2023 وحده، حقّق المركز السعودي لزراعة الأعضاء نمواً ملحوظاً بنسبة 30 في المائة بعدد عمليات زراعة الأعضاء، حيث بلغ إجمالي الأعضاء المزروعة من الأحياء والمتوفين في البلاد نحو 2091 عضواً، من إجمالي المرضى الزارعين من الأحياء وبعد الوفاة، البالغ 2037، في زيادة وصلت 19 في المائة عن العام الذي قبله.

تقرير جديد صادر عن المركز أظهر أن زيادة العام الماضي في نسبة عدد الحالات المبلّغ عنها سنويّاً بلغت 31 في المائة، و210 حالات موافقة على التبرع بعد الوفاة الدماغية، بينما بلغ عدد البرامج المعتمدة لزراعة الأعضاء في السعودية 29 برنامجاً.

أما على صعيد التصنيفات الدّولية، فحقّقت البلاد المرتبة الثانية عالميّاً بالنسبة للمتبرعين «الأحياء» لكل مليون نسمة، والثلاثين على مستوى العالم بالنسبة «للمتوفين».

ويحظى المركز وقطاع التبرّع بالأعضاء بقصة خاصة مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، فما هي؟

يُعدّ الملك سلمان بن عبد العزيز صاحب المبادرة في إنشاء المركز السعودي لزراعة الأعضاء قبل 4 عقود، وتكشف المصادر أنه بعد ملاحظة زيادة عدد مرضى الفشل الكلوي الراغبين في السفر إلى خارج البلاد لتلقي العلاج وزرع الكلى، وبالنظر للعناء والمشقة والتكاليف الباهظة عليهم وعلى ومرافقيهم، فضلاً عن التكاليف الباهظة التي تنفقها الدولة على العلاج، رأى الأمير سلمان، آنذاك، أن يُنشئ مركزاً وطنياً تكون مهمّته الأساسية متابعة مرضى الفشل الكلوي، وتطوير برنامج وطني لزراعة الكلى والأعضاء الأخرى، لتلقى مبادرته النجاح من خلال إنشاء المركز الوطني للكلى بأمر ساميّ عام 1984.

الملك سلمان صاحب المبادرة في إنشاء المركز السعودي لزراعة الأعضاء (المركز)

وفي عام 1992، أصبح مسمّاه «المركز السعودي لزراعة الأعضاء»، وصولاً إلى مايو (أيار) 2021، حيث سُجّل الملك سلمان وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، في برنامج التبرّع بالأعضاء.

وكانت باكورة عمليات زراعة الأعضاء في السعودية، في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1979، لعديلة الجهني التي تبرّعت بكلية لشقيقتها جمالات في مستشفى القوات المسلحة (مدينة الأمير سلطان الطّبية العسكرية) بالرياض.

وفي بُعد متّصل بالموضوع، أعاد مستشفى الملك فيصل التخصصي، ومركز الأبحاث في العاصمة السعودية الرياض، الأمل إلى 3 مرضى في أعمار مختلفة، يعانون من ضعف وفشل في عضلة القلب، بعد نجاحه في نقل قلوب تنبض بالحياة من متبرعين في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، وجدة، والرياض، ونقلها إلى مقر المستشفى لزراعتها للمرضى الثلاثة، خلال 24 ساعة.

نقل وزراعة 3 قلوب خلال 24 ساعة في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بالرياض (الشرق الأوسط)

وبدأت رحلة عودة الأمل إلى المرضى الثلاثة، بانتقال الفرق الطبية من مركز القلب في «التخصصي»، إلى أبوظبي وجدة، لإزالة القلب من متبرعين متوفين دماغياً، ونقلها جواً عبر الطيران الخاص إلى العاصمة الرياض، وانتقال فريق طبي من «التخصصي» إلى مدينة الملك عبد العزيز الطبية للحرس الوطني بالرياض لإزالة القلب الثالث، لتنقل بعد ذلك بمركبات الإسعاف، بالتعاون مع مرور منطقة الرياض، الذي ساهم في تسريع وصولها خلال فترة زمنية وجيزة، وذلك عبر مرافقة دوريات المرور لمركبات الإسعاف من مطار الملك خالد الدّولي، ومدينة الملك عبد العزيز الطبية للحرس الوطني في الرياض إلى «التخصصي»، حيث أُجريت عمليات الزراعة الثلاث في أقل من 24 ساعة.

وأكّد المستشفى أن إجراء عمليات زراعة القلب لم تكن مجرد إجراء طبي، بل كانت مثالاً حيّاً على التعاون الذي شمل استكمال جميع الإجراءات النظامية، وأخذ الموافقات اللازمة من ذوي المتوفين، والتنسيق بين الفرق الطبية والميدانية في الدولتين والمناطق والمستشفيات المختلفة لإعادة الأمل إلى المرضى.


مقالات ذات صلة

السعودية تربط الاستقدام بالأنظمة الرقمية لتعزيز الامتثال وحماية الأجور

خاص مبنى وزارة الموارد البشرية في الرياض (واس)

السعودية تربط الاستقدام بالأنظمة الرقمية لتعزيز الامتثال وحماية الأجور

تشهد سوق العمل في السعودية تحولات متسارعة مدفوعة بإصلاحات ضمن «رؤية 2030»، وتستهدف تعزيز الامتثال، وحماية الأجور، ورفع كفاءة البيئة التشغيلية.

عبير حمدي (الرياض)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي ونظيره الإيراني عباس عراقجي (الشرق الأوسط)

اتصالات سعودية إقليمية لبحث التهدئة وتطورات المنطقة

تلقّى الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، وزير الخارجية السعودي، اتصالين هاتفيين من نظيريه بإيران وأفغانستان، في إطار التشاور المستمر حول تطورات الأوضاع.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص السفير الإيراني لدى السعودية علي رضا عنايتي (تصوير تركي العقيلي)

خاص السفير الإيراني: توافد حجاجنا للسعودية مستمر... والجميع ملتزمون بالأنظمة

وصلت الدفعة الأولى من الحجاج الإيرانيين إلى الأراضي السعودية لأداء مناسك الحج، وسط منظومة متكاملة من الخدمات والتسهيلات التي تقدمها المملكة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الاقتصاد رسم تخيلي للمتحف السعودي للفن المعاصر في الدرعية (الشرق الأوسط)

ترسية عقد إنشاء المتحف السعودي للفن المعاصر بقيمة 490 مليون دولار

أُعلن عن ترسية عقد إنشاء المتحف السعودي للفن المعاصر في منطقة الدرعية بقيمة 490 مليون دولار (1.84 مليار ريال).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مقر «بنك البلاد» في العاصمة السعودية الرياض (الموقع الإلكتروني للبنك)

«بنك البلاد» السعودي يقر تغييرات في مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية

استقال ناصر السبيعي من رئاسة مجلس إدارة «بنك البلاد» على أن تسري الاستقالة من 1 يونيو (حزيران) المقبل، وعُين بشار القنيبط رئيساً تنفيذياً للبنك من التاريخ ذاته.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.