تركيا على الخط السريع للتصادم بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة

بين حادثة قيصري والتقارب مع دمشق... وعقدة المعابر

TT

تركيا على الخط السريع للتصادم بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة

متظاهر سوري يرشق نقطة عسكرية تركية عبر الشريط الشائك عند معبر ابن سمعان شمال حلب (أ.ف.ب)
متظاهر سوري يرشق نقطة عسكرية تركية عبر الشريط الشائك عند معبر ابن سمعان شمال حلب (أ.ف.ب)

يصعبُ وضع خط زمني واضح للتطورات المتلاحقة التي قادت إلى حوادث العنف الأخيرة ضد اللاجئين السوريين في تركيا، وما ترتب عنها من مظاهرات ضد الوجود التركي ضمن مناطق سيطرة المعارضة السورية في مناطق الشمال السوري.

في تلك الحوادث يتبدل موقع السوريين بين كونهم ضحايا لموجات العنصرية في تركيا، وضحايا التهميش في مناطق سيطرة المعارضة. ولولا الزمن الفاصل بين تلك الحوادث وأسبقية وقوع إحداها قبل الأخرى وإن بأيام معدودة أو ساعات أحياناً، لأمكن اعتبار أي منها سبباً لما بعدها أو نتيجة لما قبلها. لكن الواقع المعاش ليس بهذا الوضوح.

خطورة تسريب البيانات

في الأيام القليلة الماضية، تراجعت حدة الصدامات المباشرة على خلفية أحداث قيصري، لكن بعض المؤشرات المقلقة بقيت تظهر بين الحين والآخر، سواء على شكل مزيد من «الأحداث الفردية» كاعتداء في مطعم هنا أو حديقة عامة هناك، إلى أن جاء تسريب بيانات أكثر من 3 ملايين سوري مقيم في تركيا عبر حساب على منصة «تلغرام» باسم «انتفاضة تركيا» ليدق ناقوس خطر من نوع جديد. فقد تضمنت البيانات، معلومات حساسة، مثل الأرقام الوطنية للأشخاص السوريين دون سواهم من المقيمين الأجانب، واسم الأب والأم، ومكان وتاريخ الولادة، وعنوان السكن ورقم الهاتف. وهذه قواعد بيانات شخصية يفترض أنها محفوظة لدى دوائر الهجرة بالدرجة الأولى بالاضافة إلى الجهات المختصة الأخرى، ويأتي تسريبها ليضع مزيداً من الضغوط على السوريين؛ لأنه يعرّض سلامتهم للخطر. فليس سراً أن هجمات في قيصري قبل 3 أيام فقط على هذا التسريب، ترافقت مع تداول المهاجمين معلومات محددة عن أماكن السوريين وأرزاقهم؛ ما يشكل تنبيهاً خطيراً لما قد يحدث مع انكشاف هذه البيانات وإمكانية استخدامها للملاحقة والترهيب.

اللافت، كان تعامل السلطات التركية مع المسألة وكأنها مجرد خطأ تقني؛ إذ أعلنت دائرة الهجرة أن المعلومات الواردة في البيانات «قديمة نسبياً»، ثم قامت بحذف القناة عن «تلغرام»، في حين سارعت وزارة الداخلية بإعلان أن المسؤول عن التسريب هو طفل يبلغ من العمر 14 عاماً. وأضاف بيان الداخلية أنه «سيتم القبض على جميع الذين يحاولون خلق الفوضى، ومن يستخدمون الأطفال في استفزازاتهم».

أب وأطفاله يعبرون أمام محال مغلقة لسوريين في ولاية بورصة التركية (أ.ب)

ليلة الرعب في قيصري

قبل حادثة تسريب البيانات كانت الشرارة التي أطلقت موجة العنف الأقوى ضد اللاجئين السوريين في تركيا، وما لحقها من رد فعل سوري على الرموز والمؤسسات التركية في الشمال السوري وأدت إلى اشتباكات مباشرة أودت بحياة 11 سورياً على يد القوات التركية في مناطق الشمال السوري.

فقد انتشر مقطع فيديو في وسائل التواصل الاجتماعي لشاب يتحرش جنسياً بطفلة في مدينة قيصري التركية مع إشاعة أنباء مغلوطة بأن الرجل سوري والطفلة تركية. خلال ساعات، كانت مجموعات تركية شبه منظمة بدأت في تنفيذ هجمات استهدفت بالحرق والتكسير سيارات ومحال تجارية ومساكن للسوريين في قيصري، وكل من يشتبه بأنهم سوريون في الشوارع. وعلى رغم تأكيد ولاية قيصري بأن الرجل سوري، وقد جرى اعتقاله، وأن الطفلة سورية وتم نقلها إلى أحد مراكز الحماية التابعة لوزارة الأسرة، فإن الهجمات ضد السوريين لم تتوقف، بل توسعت إلى أكثر من مدينة تركية واستمرت بضعة أيام تعرّض خلالها حتى السياح في مدينة كإسطنبول لهجمات ومضايقات.

هذا الجو دفع مئات الآلاف من اللاجئين إلى ملازمة منازلهم، وإسدال الستائر والاعتماد على خدمات التوصيل والحرص على الهدوء والتحدث بالتركية في المواصلات العامة عند ضرورة الانتقال أو الامتناع عن التحدث مطلقاً في الشوارع أو الأماكن العامة. الحدائق والشوارع في المدن ذات الكثافة السورية خلت تماماً من العائلات وأُغلقت المحال التجارية ولم يعاد فتحها حتى وقت الكتابة. أما الذين يملكون سيارات خاصة واضطروا إلى الخروج في هذه الفترة، فقد ركنوا سياراتهم خوفاً، واعتمدوا على المواصلات لكون سيارات الأجانب في تركيا تحمل رمزاً خاصاً يبدأ بحرف M أو MP وبالتالي يمكن تمييزها بسهولة في الشوارع.

ولعل أكثر المتضررين كانوا أصحاب المحال التجارية وعمال المياومة في مصانع الألبسة أو القطاع الزراعي الذين لم يخرجوا للعمل منذ نحو أسبوع تقريباً، وهم الحلقة الأضعف بشكل عام، ولا سيما في أوقات كهذه. فلحظة اللقاء النادرة بين الأحزاب السياسية المتخاصمة، هي لدى تحميل اللجوء السوري مسؤولية الأزمات في البلاد، وخصوصاً الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها تركيا منذ أكثر من سنتين، بما في ذلك التضخم الذي بات يتجاوز 70 في المائة.

تحريض عفوي - منظّم

أشارت صحيفة «يني شفق» التركية إلى أن المشاركين بأعمال العنف ضد السوريين كانوا يتواصلون عبر 4 مجموعات في «واتساب» كانت تُستخدم سابقاً للتهرب من عمليات الشرطة الروتينية، وتضم كل منها نحو 500 شخص.

اللافت، أن هذه المجموعات انقلبت فجأة للتحريض ضد السوريين، ومشاركة مواقعهم، وتخطيط وتنظيم الهجمات عليهم وعلى أرزاقهم. وكالة «الأناضول» الرسمية التركية، نقلت في اليوم التالي لأحداث قيصري عن وزير الداخلية التركي علي يرلي قايا، خبر توقيف 1065 شخصاً في أنحاء البلاد، وحبس 28 منهم، وصدور أمر فرض الرقابة القضائية بحق 187 شخصاً. الوزير أوضح أن قوات الأمن التركية أوقفت 855 شخصاً في ولاية قيصري وحدها، تبين أن 468 منهم لديهم سوابق جنائية.

ويقول المحامي السوري والناشط المدني محمد الصطوف إن هذه الخلفيات للموقوفين تعطي صورة عن الشبكات المسؤولة عن الهجمات المنظمة وطريقة عملها، لكنها لا تفسر المشاركة العفوية لمئات الأتراك العاديين، في الاعتداء على المنازل والأشخاص.

تفسير الحكومة بحسب الصطوف، وهو يحمل الجنسية التركية أيضاً، ينكر وجود مشكلة في تركيا، تتعلق بكراهية الأجانب عموماً وبينهم السوريون. فطول أمد اللجوء السوري، والاحتكاكات اليومية والثقافية، ساهمت مع مرور الوقت في تسهيل لوم الأتراك العاديين للسوريين وتحميلهم مسؤولية تردي الظروف المعيشية خلال السنوات الأخيرة.

وتكشف أحداث قيصري، عن درجة الاحتقان ضد الأجانب، وإمكانية انفجاره في أي لحظة وأي مكان، لأسباب قد تكون مصطنعة، ولأهداف تسعى أطراف ثالثة لاستغلالها وتوجيهها. وفي الوقت الذي لا يمكن فيه الاكتفاء بتضخيم النزعة القومية التركية، ورهاب الغرباء، وخطاب الكراهية المنتشر اليوم في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لتفسير ما يحدث، فإن الخطاب المضاد الساعي للتهدئة قد يكون مبالغاً في تبسيطه أيضاً.

فالقول إن الاحتجاجات هي اعتداء على «الأخوة التي تربط بين الشعبين التركي والسوري»، كما قالت هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات (İHH) التركية في بيان لها يبدو أقرب لإغماض العيون عن الوقائع والاستماع للأمنيات. كما أن التراشق السياسي اليومي بين صانعي القرار والمعارضة في تركيا، والإعلان الأخير عن تقارب بين أنقرة ودمشق ثم عن لقاء مرتقب بين الرئيسين التركي رجب الطيب أردوغان والسوري بشار الأسد، بغرض إعادة السوريين إلى بلادهم بمعزل عن أمنهم، يضع اللاجئين، في موقع ضعيف ومكشوف، ولا يمنحهم أي احساس بالاستقرار والأمان.

متاجر سورية تعرضت للاقتحام والتكسير في أيار الماضي (الشرق الأوسط)

من يدفع أثمان اللجوء؟

بحسب بيانات دائرة الهجرة التركية، هناك 3 ملايين و114 ألفاً و99 سورياً يحملون بطاقات الحماية المؤقتة مقابل مليون و125 ألفاً و623 شخصاً يحملون تصاريح إقامة تترواح بين إقامات «سياحية» وأذونات عمل، وهذا لا شك رقم كبير للغاية في أي مجتمع مُضيف.

«لكن اللجوء السوري الطويل في تركيا ليس سبباً لتعثر الاقتصاد التركي في قطاعات كثيرة كالعقارات والصناعة وتداولات البورصة، ولا يتحمل مسؤولية التضخم المالي»، يقول الباحث الاقتصادي والأستاذ في جامعة لوزان جوزيف ضاهر لـ«الشرق الأوسط». ويضيف ضاهر: «على العكس من ذلك، ساهم اللجوء السوري في رفد سوق العمل التركية باليد العاملة الرخيصة، في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات؛ ما أدى إلى مزيد من تراكم رأس المال والأرباح لرجال الأعمال الأتراك». وبالتالي «لم يكن اللجوء سبباً في زيادة نسب البطالة الكلية ولا في تجويع الأتراك، كما تدعي عديد من الجهات الفاعلة السياسية التركية ذات التوجهات القومية والعنصرية». ويوضح ضاهر أن اللجوء السوري في تركيا، «ساهم في بدايته، بحدوث نمو في الاقتصاد التركي، مع هجرة كثير من الصناعيين ذوي الملاءة المالية الصغيرة والمتوسطة، من حلب وريفها ليفتتحوا ورشاتهم ومصانعهم جنوب تركيا».

وهؤلاء استثمروا أموالهم في الاقتصاد التركي واستعانوا بيد عاملة سورية وتركية على السواء ضمن شروط الاستثمار الاجنبي المعمول بها حتى الآن والتي تفرض توظيف 5 أتراك مقابل كل عامل أو موظف أجنبي أياً كانت جنسيته. لكن هنا أيضاً وبسبب التضييق الحكومي والمجتمعي وغياب أي آليات ناظمة واضحة اضطر كبار الصناعيين والمستثمرين السوريين، لا سيما في قطاعات صناعة النسيج والقطن والألبسة، بالإضافة إلى الصناعات الغذائية، إلى نقل مصانعهم وأعمالهم إلى مصر.

وفي 2014 بدأ تدفق أموال من نوع آخر إلى تركيا، وهي أموال المانحين الدوليين لدعم اللاجئين السوريين والمجتمعات المضيفة لهم. ولعل السبب الفعلي كان وقف قوافل الهجرة غير الشرعية براً وبحراً إلى أوروبا فيما عرف حينها بـ«أكبر أزمة لجوء» في التاريخ الحديث، لكن تركيا لم توفر جهداً في «استخدام قضية اللاجئين السوريين للضغط على الاتحاد الأوروبي، لتقديم تنازلات سياسية لتركيا، وأيضاً للحصول على مزيد من التمويل» بحسبما يقول ضاهر، مضيفاً: «كان لتركيا حصة وازنة في المساعدات الدولية بوصفها إحدى كبريات الدول المضيفة للسوريين».

وبحسب الأرقام المتوفرة على موقع المفوضية الأوروبية لشؤون اللاجئين، وصل إجمالي مساعدات الاتحاد الأوروبي المخصصة لتركيا منذ عام 2011 ما يقارب 10 مليارات يورو. بينها 6 مليارات يورو بين عامي 2016 و2019، و535 مليون يورو في تمويل الجسر الإنساني عام 2020، و3 مليارات يورو كتمويل إضافي للفترة بين 2021 و2023.

لكن الحرب الروسية ضد أوكرانيا، بحسب ضاهر، «غيّرت أولويات المانح الأوروبي، وأدت إلى ما بات يعرف بـ(تعب الممول)؛ ما تسبب بتراجع كبير في عدد المنظمات المدنية العاملة مع السوريين في تركيا والمعتمدة في تمويلها على المساعدات الأوروبية».

وعلى رغم تراجع الاهتمام الغربي بدعم اللاجئين السوريين في دول الجوار وبينهم تركيا، فإن ذلك «لا يفسر فعلياً الأجواء المشحونة بالعنصرية الموجهة ضدهم في المجتمع التركي. إذ بالأصل، نسبة كبيرة من السوريين في تركيا لا يقيمون في المخيمات، ولا يتلقون دعماً مالياً مباشراً، بل يعتمدون على أنفسهم في العمل، وبالتالي في توليد دخل يتم ضخه في الاقتصاد التركي»، كما يذهب ضاهر.

عودة طوعية وترحيل ممنهج

في السنوات القليلة الماضية تبنت أحزاب المعارضة التركية وحتى الحكومة التركية بمختلف تياراتها الشعبوية، خطاباً ولغة وسياسة أكثر تشدداً ضد اللاجئين السوريين، تبخر معها الكثير من آثار التضامن السابقة. وخلال السنة الأخيرة وحدها، أُعيد إلى مناطق سيطرة المعارضة السورية شمال غربي سوريا، نحو نصف مليون لاجئ، ضمن سياسة ترحيل ممنهج تسمى «العودة الطوعية»، ولكنها تجمع بين الترغيب والإجبار، والملاحقة والتضييق، والحملات المباغتة لاعتقال وتوقيف المخالفين لقواعد الحماية المؤقتة.

سوريون ينتظرون العبور إلى سوريا من تركيا عند معبر بالقرب من مدينة أنطاكيا فبراير 2023 (أ.ب)

وإن كان كل ذلك مفهوماً في معرض التراشق السياسي، إلا أنه يعجز عن تفسير بيان صادر عن 41 منظمة غير حكومية تركية في مدينة غازي عينتاب التركية، في 17 يونيو (حزيران) الماضي، يُحذّرُ من «تحولات ديموغرافية واجتماعية واقتصادية تهدد هوية المدينة ومستقبلها، وسط حياة لم تعد تُطاق تحت وطأة تدفق اللاجئين السوريين».

في هذا السياق، يقول الصطوف لـ«الشرق الأوسط»: «إن البيان شكّل صدمة للمشتغلين في العمل الإنساني. ولكن، حتى المنظمات المدنية، يمكن لها تحت ظروف شحن سياسية خانقة كما هو الوضع اليوم، أن تخضع لضغط الشارع ومزاجه، بما لا يستقيم مع أهدافها في العمل المدني. الأمر ذاته، تمكن ملاحظته معكوساً، في صمت المنظمات السورية غير الحكومية العاملة في تركيا، من تصاعد موجة العداء للاجئين السوريين، التي تخشى من سحب ترخيصها أو إيقافها عن العمل أو ملاحقة أعضائها».

احتجاجات الشمال وعقدة المعابر

وسط الأجواء المشحونة والقلق الذي يعيشه السوريون في تركيا، جاء الحديث عن محاولة تقارب جديدة بين أنقرة ودمشق، بمبادرة عراقية ورعاية روسية ليؤجج مزيداً من المخاوف والتكهنات، لا سيما في الشمال السوري الخاضع لسيطرة تركية.

فاندلعت مظاهرات حاشدة في ريف حلب الشمالي منددة بالوجود التركي، نتيجة عدم التزامه بدوره كضامن للمعارضة في اتفاق آستانة، ومتهمة إياه بالتخلي عن مناطق المعارضة في الشمال الغربي لصالح النظام.

جنود أتراك عند نقطة عسكرية داخل الحدود مع سوريا في شمال حلب (أ.ف.ب)

الجانب التركي رد بإغلاق المعابر الحدودية، وقطع الإنترنت والاتصالات عن مناطق المعارضة. المظاهرات الغاضبة، تحولت بسرعة محاولاتٍ لاقتحام بعض المعابر مع تركيا، وأحداث عنف وتكسير لشاحنات تحمل لوحات تركية في ريف حلب الشرقي، وتمزيق للأعلام التركية. تصاعد لم يتوقف إلا بعد هجوم على قاعدة عسكرية تركية في مدينة عفرين شمال غربي حلب، ردّ جنودها بإطلاق نار مباشر تسبب بمقتل 4 من المهاجمين وإصابة العشرات.

كذلك، تخشى أوساط المعارضة في شمال غربي سوريا أن يكون أي تقارب على حساب هذه المناطق التي يقطن فيها نحو 6 ملايين سوري أكثر من نصفهم من النازحين والمهجّرين قسرياً من مناطق النظام. فبالنسبة إليهم، يبقى الوضع القائم على مساوئه وعلاته، أفضل من العودة إلى سيطرة النظام العسكرية والأمنية وإمساكه بالمعابر التي تعدّ شريان الحياة هناك.

وكانت محاولة التقارب السابقة بين النظام السوري وتركيا، تسببت بموجة احتجاجات في مناطق المعارضة، قبل أن تتوقف المحاولة في 2021؛ نتيجة إصرار النظام على انسحاب تام للقوات التركية من الأراضي السورية.

وفيما فُسّر كخطوة جديدة ضمن مسار التطبيع السريع، عودة الحديث عن إمكانية افتتاح معبر أبو الزندين الذي يربط مناطق الحكومة المؤقتة (المدعومة تركياً) بمناطق النظام، أمام الحركة التجارية، علماً أن أبو الزندين هو المعبر الوحيد الذي لا يزال مغلقاً منذ مارس (آذار) 2020 نتيجة انهيار محاولة التقارب حينها بين أنقرة ودمشق.

وسرعان ما تحولت قضية المعبر أزمةَ ثقة بين مناطق المعارضة والوجود التركي فيها، تدخلت فيها أطراف متعددة لغايات متناقضة، وتطورت إلى اشتباكات مسلحة، للمرة الأولى بين الطرفين.

وتشكّل المعابر، الشرعية وغير الشرعية، بين مناطق النظام والمعارضة، عقدة مركبة، تتداخل فيها عوامل محلية تتعلق بنزاعات بين فصائل المعارضة المسلحة المنضوية تحت راية الجيش الوطني المدعوم تركياً، للسيطرة على إيرادات المعابر المالية، وما يسببه ذلك من فوضى أمنية وعدم استقرار عسكري.

كذلك، هناك عامل يتعلق برغبة روسيّة في استعادة الحركة على الطريق الدولية حلب - اللاذقية M4، وفتح المعابر بين مناطق المعارضة ومناطق النظام، كخطوة أولى لأي تطبيع محتمل. وبحسب صحيفة «الوطن» السورية شبه الرسمية، سيعود ذلك بالانتعاش الاقتصادي لمناطق النظام، وإعادة فتح طريق ترانزيت بين غازي عنتاب التركية مروراً بأعزاز في ريف حلب، إلى معبر نصيب عند الحدود الأردنية. ويتيح ذلك إمكانية تدفق البضائع التركية إلى الخليج العربي براً عبر سوريا، بعد انقطاع استمر 13 عاماً.

جهاد يازجي، باحث مختص بالاقتصاد السوري، قلل في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من التوقعات الاقتصادية المتفائلة لفتح المعبر أمام الحركة التجارية وقال: «انتقال البضائع لم يتوقف بين الطرفين، حتى مع إغلاق المعابر الرسمية، والتبادل التجاري لم ينقطع، إما عبر المعابر غير الشرعية أو عبر طرق طويلة تمر بمناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، موضحاً أن «أهمية افتتاح المعبر، ليست اقتصادية في هذه المرحلة، وإنما سياسية لأن المتضرر الفعلي هي شبكات التهريب التي تنشط في المنطقة، والحواجز الأمنية والعسكرية». وبالتالي، إذا صدقت الوعود التركية حول إنشاء إدارة مدنية بالكامل لإدارة المعبر، فالمستفيد بالدرجة الأولى بحسب يازجي هم «منتجو البضائع المحليون؛ لأن ذلك يسرع من حركة نقل البضائع، ويخفف من تكلفتها».

لكن الاحتجاجات المناهضة لمسار التطبيع بين أنقرة ودمشق التي شهدتها مدينتا الباب وأعزاز بريف حلب كشفت الأطراف المشاركة.

متظاهر سوري أمام شاحنة تركية محترقة عند الحدود السورية - التركية (أ.ف.ب)

فالتشكيلات المدنية شاركت في المظاهرات لأسباب سياسية وتضامنية مع اللاجئين في تركيا، في حين أن أكثر من عارض افتتاح المعبر بشكل مباشر هي الشبكات المرتبطة بفصائل الجيش الوطني خشية خسارة مزدوجة؛ نقل إدارة المعبر لجهة مدنية، وانخفاض مردود عمليات التهريب نتيجة افتتاحه. وبالفعل، هاجمت مجموعة من القوى العسكرية المنظمة، المحسوبة على فصائل الجيش الوطني، المعبر، وعطّلت العمل به، بحسبما قال مصدر عسكري مطلع لـ«الشرق الأوسط».

ويوضح المصدر أن «تلك الفصائل سواء كانت من عشائر دير الزور في المنطقة الشرقية، أو من ريف حلب، فهي متجذرة في المنطقة، ولها هرمية واضحة وعصبة تنظيمية، وقادرة على الدفاع عن مصالحها». وبالتالي، فإن «مهاجمة المعبر تدخل ضمن محاولة الضغط على الجانب التركي وفرض حصتها أو مصالحها».

وعلى أثر ذلك، تدخلت الشرطة العسكرية التابعة للجيش الوطني (المدعوم من تركيا)، واعتقلت بعض المشاركين في الهجوم على المعبر وتعهدت بملاحقة «من تسوّل له نفسه فعل ذلك مجدداً»، وسط أنباء بإعادة المعبر إلى رعاية مباشرة من أنقرة؛ لضمان خط التقارب مع دمشق برعاية روسية.

مسلحون من فصائل المعارضة السورية في منطقة الباب التي شهدت احتجاجات ضد الوجود التركي (أ.ف.ب)

طريق سريع إلى باب موصد

خلال أقل من عشرة أيام، اندلعت موجات متعاقبة من الفوضى والعنف في مجتمعات محلية تقطن مناطق مختلفة على طرفي الحدود السورية - التركية، وانقلبت معها حياة مئات الآلاف وتعرّضت للخطر. الاكتفاء بتوصيف الأتراك بالعنصرية، كالاكتفاء بتوصيف السوريين بالضحايا، لن يقود إلى أي إمكانية لتجاوز المحنة الراهنة، وذلك كالإغراق بإنكار الوقائع والتغني بالأخوة بين الشعوب.

تراجع الاقتصاد التركي، وإن كان اللاجئون السوريون لا يتحملون مسؤوليته، إلا أنهم ضحاياه الاجتماعيين، بوصفهم الحلقة الأضعف. كما أن تصاعد العنصرية ضدهم، ليس سمّة خاصة بشعب ما؛ إذ يكفي النظر في ما يتلقاه اللاجئون في بقية دول الجوار، لمعرفة أن الحال من بعضه.

كذلك، فإن الفساد المستشري شمال غربي سوريا، وفشل تشكيلات المعارضة في إنتاج بدائل حوكمة تداولية، ليس ذنباً تركياً خالصاً وإن كان الأتراك يتحملون مسؤولية كبيرة في تغليب المحسوبية والاستزلام في علاقاتهم مع السوريين. فشل المعارضة في إقامة نموذج للحكم العادل في مناطقها، يقطع مع إرث النظام السوري في العنف والفساد، أمر ليس ثانوياً، ويجب أن يتحمل السوريون مسؤوليتهم عما آلت إليه أحوالهم.

وإن كانت الحملة العنيفة الأخيرة ضد اللاجئين تم احتواؤها اليوم، فلا يمكن التنبؤ بموعد ومكان موجتها المقبلة، في غياب أي حل عملي على الأرض، يقي مجتمع اللاجئين والمجتمعات المضيفة، خطر الصدام مجدداً.

* صحافي وباحث سوري


مقالات ذات صلة

فرنسا تجري «حواراً تقنياً» مع «طالبان» لترحيل أفغان

أوروبا عائلة أفغانية رُحّلت من إيران تستريح بجانب أمتعتها في مخيم للمهاجرين العائدين قرب معبر إسلام قلعة الحدودي بولاية هرات الأفغانية يوم 20 يوليو 2025 (رويترز)

فرنسا تجري «حواراً تقنياً» مع «طالبان» لترحيل أفغان

بدأت فرنسا محادثات مع حكومة «طالبان» لتسهيل ترحيل أفغان يقيمون بصورة غير نظامية إلى أفغانستان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي تجهيز النازحين ببعض المستلزمات الضرورية قبل إعادتهم إلى مناطقهم التي نزحوا عنها في ريف حلب (وزارة الطوارئ)

خطة «سوريا بلا مخيمات»… عودة 10 آلاف أسرة وإغلاق 157 مخيماً

مع اقتراب فصل الشتاء تشهد خطة الحكومة السورية لتحقيق رؤية «سوريا بلا مخيمات» تسارعاً ملحوظاً وخلال الأسبوع الماضي عادت أكثر 500 عائلة نازحة إلى مناطقها الأصلية.

سعاد جرَوس (دمشق)
شمال افريقيا لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

ما حجم الدعم الذي تطالب به مصر نظير استضافتها 10.5 مليون وافد؟

تكرِّر الحكومة المصرية مناشدتها المجتمع الدولي المساهمة في تحمُّل أعباء الوافدين، ضمن مبدأ «تقاسم الأعباء»، في ظلِّ أوضاع إقليمية تزداد صعوبة.

رحاب عليوة (القاهرة)
العالم عراقيات نازحات بالقرب من خيامهن في مخيم «عامرية الفلوجة» للنازحين على بعد نحو 95 كيلومتراً غرب العاصمة العراقية بغداد يوم 23 نوفمبر 2022 (إ.ب.أ)

الأمم المتحدة: خفض التمويل يهدد المساعدات الحيوية لـ 8.3 مليون لاجئ

حذَّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الثلاثاء، من أن نحو 8.3 مليون لاجئ ونازح قسراً، قد يفقدون مساعدات حيوية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج المشرف العام على «مركز الملك سلمان للإغاثة» خلال لقائه المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في نيويورك (واس)

إشادة أممية بالدور الإنساني للسعودية وجهودها في دعم اللاجئين

أشاد برهم صالح، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بالجهود الإنسانية السعودية في تقديم المساعدات الإغاثية والطارئة للاجئين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك (الولايات المتحدة))

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
TT

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

كانت القنبلة مخبأة داخل جهاز تسجيل في مسجد «أبو ذر» بطهران، بينما علي خامنئي يلقي محاضرة على مصلين في يونيو (حزيران) 1981. انفجر الجهاز، وأصيب عدد من الأشخاص، كان هو أشدهم تأثراً بجروح بليغة.

«ذَهبتُ إلى حافة الموت لكن الله أعادني (...) شعرت أنه ينتظر مني أداء تكليف عظيم». كانت هذه كلمات خامنئي مستعيداً لحظاته وقت الانفجار؛ نجا بيد يمنى مشلولة، وربط نجاته بانتظار ذلك «التكليف».

أمضى خامنئي نحو 37 عاماً مرشداً لإيران، خلفاً للمرشد الأول الخميني. ومع بلوغه ذروة النفوذ، متمركزاً في شبكات معقدة وأدوات متفرعة لضبط «الثورة الإسلامية»، تطلب الأمر - كما تفيد تقديرات - نحو 15 دقيقة من غارة إسرائيلية، أواخر فبراير (شباط) الماضي، لينتهي فصل طويل من إيران التي كنا نعرفها، ويبدو أنها تغيرت على نحو ملتبس.

المرشد السابق علي خامنئي خلال تلقيه العلاج داخل مستشفى «بهارلو» بطهران بعد تعرضه لمحاولة اغتيال في يونيو 1981 (موقع المرشد)

حتى مع مجيء المرشد الثالث مجتبى خامنئي، فإن التركة التي أورثها الأب من صلاحيات مطلقة ورمزيات دينية مكثفة، ومصالح متشابكة، ومركزية سياسية وعسكرية ومالية، لم يحصل عليها الابن بوصفه مرشداً تقليدياً، بل تقاسمها «أبناء» عديدون، كما تفعل التنظيمات الأصولية حين تنتقل بحكم الصدمة والاضطرار إلى العمل الشبكي، الخيطي.

ثمة جدل بشأن ما إذا كان خامنئي قد جهز «الثورة الإسلامية» للعمل بلا رأس، عبر رؤوس متعددة تعمل بشكل شبه مستقل، أو أنه لم يكن يتخيل المصير الذي انتهى إليه، لاعتقاده بأن «يد الله» تحميه، كما كان يكرر في مناسبات عامة، غير أن ابنه مجتبى سيبدو جواباً على لغز الدولة العميقة في إيران، التي استعدت لولادة جمهورية تعمل مثل شبكات خيطية.

في الحالتين، إيران اليوم جمهورية من خلايا متفرقة، تشبه سلوك في طريقة عملها أذرعها «المقاومة».

«لا نتحدث عن معركة الآن»

بنت «الثورة الإسلامية» مجدها على الردع البعيد. خامنئي نفسه، في هذا الردع، لم يكن يتخيل، على الأرجح، أن تقترب منه نيران المواجهات. كان هو أكثر من عبر عن هذه المقاربة، دون غيره.

في مارس (آذار) 2011، لم يخف خامنئي ارتياحه لاندلاع ما سمي آنذاك «الربيع العربي»، وقال: «في هذه الأحداث، يمكن الشعور بيد قدرة الله». وفي مايو (أيار) 2019، كان أنصاره يهتفون أمامه بشعار يدعو بحماس إلى «معركة ضد أميركا». أوقفهم خامنئي، قائلاً: «الآن لا نتحدث عن معركة. القضية هي المقاومة».

بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كانت إيران تتعرض إلى ضغوط متواترة للرد على إسرائيل والولايات المتحدة. مع ذلك ابتكرت طهران «الصبر الاستراتيجي»، الذي وصل إلى إخضاع قوى إقليمية، من وكلاء وأذرع، لفترات من الهدنة، ليست قصيرة.

من الواضح أن استراتيجية خامنئي مزيج من تصوره الديني عن التاريخ، وتكتيك إيران الذي يستند إلى إبقاء المعركة بعيدة عن طهران. حتى بعد وقائع 7 أكتوبر 2023؛ إذ يصفها رجل دين عراقي من النجف بقوله: «كأس سم سقاه يحيى السنوار للمرشد».

أشخاص يسيرون بجوار جدارية تصور المرشد السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران 13 أغسطس 2026 (رويترز)

طوال 4 عقود من وجوده على هرم السلطة، وبينما تجنب المواجهة المباشرة، كان المرشد ينسج خيوط النظام الشبكي من خلال تعيين أشخاص موالين لإدارة ملفات حيوية في الأمن والسياسة والاقتصاد والإعلام.

يشاع في طهران وبغداد وبيروت، بين دوائر مطلعة، أن مكتب المرشد ليس «مؤسسة في مبنى تقليدي لديها حارس وبوابة»، بل شبكة واسعة غير مرئية تضم عدداً غير متوقع من المسؤولين والممثلين والمندوبين والأذرع، تصل حتى إلى مؤسسات تقع تحت إشراف رئيس إيران، وظيفتهم جميعاً التأكد من أن «المرشد يرى ويسمع، ويقرر في كل شيء».

في بغداد، ظهر انعكاس لهذا التمدد، يكشف عنه مسؤول سابق، طلب التحفظ على اسمه، قال إن «رجل دين إيرانياً كان يواظب على تدقيق السياسة النفطية العراقية بشكل يومي، بأوامر شخصية من المرشد». وأضاف: «خامنئي أو مكتبه حريص على أن يحصل على تحديثات يومية بشأن الملفات الاستراتيجية».

الخطوط الحمراء... حمراء

يتجاوز موقع خامنئي حدود الدستور لـ«المرشد». يقول الباحث العراقي علي المدن، إنه «ومن خلال عقود طويلة تمتد إلى ما قبل (الثورة الإسلامية) عام 1979، راكم خامنئي عوامل وموارد تجاوزت الحدود التقليدية للصلاحيات الدستورية للمنصب. جمع، إلى جانب تجربته السياسية، رئاسة الجمهورية، وموقعه الديني، فضلاً عن شبكة واسعة من العلاقات والولاءات داخل المؤسسات».

يميل المدن، وهو باحث في «الفلسفة الإسلامية»، راكم خبرته عبر أكثر من 3 عقود من الدراسة والعيش في قم، إلى الاعتقاد بأن «موقع خامنئي الأب ليس نتاجاً لاختصاصاته الدستورية فحسب، إنما أيضاً للخبرة المتراكمة وقدرته على إدارة التوازن بين المؤسسات ومراكز القوة المختلفة».

لكن الطريقة التي بنى فيها خامنئي سلطاته غير التقليدية كانت محمية على الأرجح بفكرة الردع؛ إذ يضخ فيها «بعداً إلهياً»، في كل مرة يظهر فيها إلى العلن، مهما كان السياق.

عام 2018، كان ضيق العيش يطبق على الإيرانيين مع تفاقم العقوبات الأميركية. في أغسطس من ذلك العام، احتشد الآلاف حول منبر خامنئي ليسمعوه يقول: «أشعر بيد الله القوية تتجلى وتتبلور في قوة الشعب». هكذا تسرب إلى جمهور المرشد في إيران، وبلدان ما يسمى بـ«محور المقاومة»، كيف أن الخطوط الحمراء، حمراء لا يمكن كسرها.

مشيعون يتجمعون خلال جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في طهران (رويترز)

يقول سياسي عراقي احتك لسنوات مع سياسيين على صلة وثيقة بمكتب المرشد الأب، إنهم ليسوا أقل ثقة من خامنئي بأن «يد الله» تحميه، وتحمي «الثورة الإسلامية» وتحميهم، بل إن أقصى ما كان يعده من سيناريوهات عن المواجهات، حين تصبح مباشرة، أنها «قد تصيب الرجل الذي يجلس جوار المرشد، وليس المرشد»، على حد تعبير أحدهم.

هل كان خامنئي متيقناً من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لن يأمرا باغتياله؟ من الصعب الحصول على إجابة حاسمة، لكن المرشد نفسه حتى حين كان يتوقع انقلاب الأمور رأساً على عقب، كان يشير إلى الآخرين. في 10 يونيو (حزيران) 2005، وبمناسبة ذكرى وفاة المرشد الأول، قال خامنئي إن «هذه اليد القوية (يد الله) قد تتحول أحياناً إلى قبضة وتضرب الإنسان على رأسه».

يميل السياسي العراقي إلى أن «خامنئي لم يكن يريد الذهاب إلى المواجهة، بل إطالة الصراع على الأقل إلى نهاية حياته بالطريقة الطبيعية، وليس كما فرضها الإسرائيليون والأميركيون».

ومن وجهة نظره، فإن «بلوغ الصراع حافة قتل المرشد يعني أن مرحلة طويلة من تاريخ إيران وصلت إلى لحظة أفول».

خامنئي الابن... مرشد «الحرس»؟

مع أن كثيرين يرجحون فرضية أن خامنئي عارض توريث مجتبى مرشداً لإيران، إلا أن الأب ترك ابنه في وقت مبكر متوارياً، يتوغل في المجتمع والمؤسسات، من باب «الحرس الثوري». يقول أشخاص عراقيون ولبنانيون عاصروا تحولات إيران خلال التسعينات، طلبوا عدم الإشارة إلى أسمائهم، إن مجتبى استغل «مرونة هاشمي رفسنجاني (كان رئيساً لإيران حين لعب دوراً محورياً في انتخاب الأب مرشداً عام 1989) وانغمس في نسج علاقات مع الجميع، داخل الحرس، الحوزة، السوق، الجيش، الباسيج، والقضاء».

قال أحدهم إن خامنئي الابن هو من زج بـ«مير حسين موسوي» إلى السجن، وقضى على حركات سياسية في مهدها، أو في طور نشوئها، هندس وصول إبراهيم رئيسي إلى الرئاسة، وأسس فلسفة جديدة تتحول الدولة فيها، كمؤسسات، إلى ما يشبه (حزب الله) في قلب الدولة». لقد تعلم الرجل مبكراً مبادئ «الدولة العميقة».

هل كان الأب خامنئي يعارض التوريث، بوصفه مشروعاً يناقض «الثورة الإسلامية» التي جاءت على أنقاض نظام الشاه، لكنه في المقابل سمح للابن بأن يرث الدولة العميقة التي عينته مرشداً، أو «واجهة لها»، كما يصف رجل الدين العراقي من النجف؟

امرأة تمر بجوار ملصق يحمل صور المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

بالنسبة للباحث علي المدن، «مجتبى خامنئي ابن النظام؛ نشأ وكبر داخله (...) إنه منتَج لمؤسساته وليس واحداً من مؤسسيه، ولم يسبق له أن شغل منصباً سياسياً عاماً مماثلاً للمناصب التي شغلها والده قبل توليه القيادة، كما أن حضوره داخل المؤسسة الدينية لا يمتلك، حتى الآن، الامتداد نفسه الذي اكتسبه والده عبر عقود من التكوين العلمي وممارسة السلطة. ومن ثم فإن انتقال المنصب له لا يعني بالضرورة انتقال جميع الموارد الشخصية والسياسية التي كانت متجمعة في شخص والده».

الهوة التي يراها مختصون شاسعة بين الأب والابن تدفع رجل الدين من النجف إلى الجزم بأن «خامنئي الأب هو آخر مرشد يحمل الحد الأدنى من شروط الفقاهة، كما أنه الأخير الذي يمتلك هيمنة حقيقية على (الحرس الثوري)، على عكس خامنئي الابن الذي يهمين عليه الحرس ويدير أموره».

لا يعني ذلك، أيضاً، أن موقع المرشد أصبح رمزياً أو أن صلاحياته انتقلت إلى مؤسسة أخرى؛ إذ يميز علي المدن، بين «السلطة الدستورية للمرشد، وقدرته العملية على تركيز عملية صنع القرار في شخصه».

جمهورية انشطار الخلايا

إذا لم تنتقل السلطة من يد خامنئي الأب إلى ابنه المستتر حتى الآن، فأين استقرت؟ الجواب الجاهز أن «الحرس الثوري» يتحكم بكل شيء. على الأقل فإن هذه المؤسسة التي يمتد نفوذها وشبكاتها الأمنية والاقتصادية إلى عواصم في الشرق الأوسط ومناطق في غرب آسيا وأخرى بعيدة، هي التي أشرفت وأدارت جلسة انتخابه من قبل مجلس الخبراء في 8 مارس 2026. كان «الخبراء» يتوافدون معية أفراد من «الحرس الثوري» إلى مقر الانتخاب في مشهد دراماتيكي يعيد أجواء الحرب العالمية الثانية، يوم كانت الحكومة البريطانية تجتمع في ملاجئ «وستمنستر»، بينما يُمطر الطيران الألماني لندن بالقنابل».

يقول السياسي العراقي إن «الحرب الأخيرة على إيران أكبر مواجهة عسكرية شهدتها المنطقة، وتكاد تتجاوز حرب السنوات الثماني مع العراق».

لكن، وبالمقدار الذي يتحفظ به على تصوير الأمور في إيران بأنها سلسة، وتختزل باستبدال قائد بقائد آخر، فإن علي المدن يتحفظ أيضاً على وصف الوضع الجديد بأنه انتقال من «حكم المرشد» إلى «حكم الحرس الثوري»؛ لأنه يفترض انتقالاً مباشراً لا تسمح به بعدُ طبيعة النظام الداخلية ولا التحديات التي خلقتها أجواء الحرب.

أجواء الحرب نفسها قد تكون الكلمة المفتاحية لفهم ما تغير في إيران. على الأغلب، فإن نظام «الثورة الإسلامية» بالشكل الذي كانت عليه أيام الخميني وخامنئي، تَفَرّقَ دون أن ينفرط إلى جمهورية تنظيمات خيطية. يقول السياسي العراقي إن «إيران اليوم لا تحتاج إلى مرشد، بل إلى قادة علميات يتصرفون كمسؤولي خلايا سرية، مهمتهم الوحيدة هي البقاء».

إيرانية تمر أمام جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع آزادي بطهران 29 يوليو 2026 (أ.ب)

كان وزير الخارجية عباس عراقجي وصف استراتيجية إيران خلال الحرب الأخيرة بـ«الدفاع اللامركزي»، في محاولة للقول إنها انتقلت من التركيز على حماية القيادات العليا إلى ضمان البقاء خلال الحرب. يبدو أن ذلك يجري عبر تعددية قتالية يصعب السيطرة عليها أو رصدها بسهولة.

ليس هناك دليل على أن خامنئي الأب كان قد وضع خطة لهذا الانشطار التنظيمي، لكن النتيجة واحدة، إيران اليوم «الدولة والثورة».

يظهر دوماً انعكاس إيراني في بغداد، هذه المرة انعكاس لحالة الانشطار. في مارس 2016، كانت الحكومة العراقية تفاوض فصيلاً من أجل هدنة قصيرة تستغرق يومين. كان الأميركيون قد حصلوا على وعد بوقف الهجمات على سفارتهم في بغداد، لكن المسيرات الملغمة واصلت ضرب منشأتهم.

تقول المصادر إن الاتصالات بين المسؤولين الأميركيين والعراقيين لم تكن ودية حينها، «بسبب إخفاق الحكومة في إبرام اتفاق مع فصيل». ونقلت مصادر موثوقة أن «ضابطاً في (الحرس الثوري) يعمل في العراق لم يرد على استفسارات مسؤول عراقي كبير بشأن: لماذا تواصل الهجوم رغم الاتفاق».

«مركز واحد وخيوط»

من هذه الزاوية الحادة يمكن ملاحظة ما تغير فعلاً. في عهد خامنئي كانت إيران تضم مؤسسات ومراكز قوة متعددة، وكان «الحرس الثوري» أحد أبرزها، لكن وجود مرشد ذي خبرة بمواصفات الأب أتاح له درجة عالية من المركزية في إدارة هذه المؤسسات وفي حسم الخلافات بينها.

بعد غيابه، يقول المدن: «يبدو أن عملية صنع القرار أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على التفاعل بين مكتب المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والقيادات العسكرية والأمنية، و(الحرس الثوري)، إلى جانب مؤسسات الدولة الأخرى».

يميل علي المدن إلى أن «الانتقال في إيران نسبي من مركزية شخصية عالية الحضور إلى مركزية مؤسسية أكثر تركيباً، ازدادت داخلها أهمية المؤسسات الأمنية والعسكرية بحكم الحرب والظروف التي جرت فيها عملية الخلافة».

إيرانية تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مراسم الأربعين في طهران (أ.ب)

بالفعل، تحول «الحرس الثوري» مثلاً إلى أسلوب «القطع» المنفصلة، بقيادات محلية وإقليمية تتمتع بقدر من الاستقلال العملياتي، كما لو أن «القائد الأعلى» مقتول على الدوام.

بات السؤال في إيران اليوم، وفق علي المدن، ليس من يحكم إيران؟ بل كيف يتوزع صنع القرار بعد اختفاء الشخصية التي كانت تمسك جمع الخيوط في مركز واحد؟ إنها «مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين مؤسسة القيادة ومراكز القوة، في طور تشكل لم تكتمل فصولها بعد».

لا يخفي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القلق من «إيران الخلايا». قال أخيراً إنه «لن يُسمح لمجموعة أن تأخذ إيران إلى شيء ما»، وصحيح أن طيفاً واسعاً من المحللين يصنفون مثل هذه التصريحات على أنها تكتيك إيراني لخلق سردية «الشرطي الجيد والشرطي الشرير»، لكن الوقائع الميدانية مرتبطة بأن إيران تتحرك كأجزاء منفصلة.

هل تستمر إيران على هذا النحو الشبكي، حيث تستطيع أن تعمل بالغموض، بلا رأس مركزي واضح قد يؤدي فقدانه في نصف ساعة إلى شل النظام بالكامل؟ ثمة إجابات مختلفة رائجة في الأوساط المهتمة، لكن ما هو أكثر أهمية اليوم يتعلق بقدرة النظام في طهران على التحكم بإيقاع «القطع» المنفصلة، وما إذا أصبح استقلالها داخل المنظومة مفرطاً ومخيفاً أكثر من الاستهداف الخارجي، أكثر مما كان خامنئي الأب ليحتمل ويتحمل.


نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
TT

نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

«تخيلي لو أنه لم يمت»، يقول محدِّثي عبر الهاتف من بيروت وهو على معرفة وثيقة بـ«حزب الله» وعلى تماسٍّ يومي بمجتمعه الأوسع.

يطرح سؤالاً افتراضياً: ماذا لو نجا حسن نصر الله، وكان عليه أن يقود المواجهة؟

لا يقصد مواجهة عسكرية مع إسرائيل. «فذلك ما يفعله الحزب وهي ملعبه»، بل «مواجهة نفسه وجمهوره وبيئته بهذه النكبة التي استجلبها لهم».

هل كان سيوقّع اتفاق وقف إطلاق النار؟ هل كان سيوافق على المفاوضات أم سيعارضها كما يفعل اليوم خليفته؟ هل كان يستطيع العودة إلى «لو كنت أعلم»، التي استخدمها بعد «حرب تموز 2006»؟

سيل من الأسئلة التي لن تجد إجابة لها و«فراغ هائل بحجم الحفرة التي ابتلعته ورفاقه في الضاحية الجنوبية» يقول مصدر آخر جنوبي واكب كل الحروب الإسرائيلية على لبنان وخسر أهلاً ورفاقاً ومنازل ويقف على نقيض سياسي من «حزب الله». ويتابع: «مرت سنتان ولا تزال البيئة والمحيط في حالة صدمة ونكران تام... حالة هذيان جماعي. كأن الناس لم يفقدوا قائداً عسكرياً أو زعيماً دينياً، بل خسروا من يمنحهم رواية عن أحوالهم».

ثمة إجماع حول قدرة نصر الله على «مسرحة» الحرب وخسائرها وتحويل أثمانها للمنكوبين والمكلومين والثكلى إلى لحظة ملحمية من النشوة والانتصار، ويبدو أن ذلك أكثر ما يفتقده محازبوه وجمهوره اليوم. فكأن انخراطهم في حرب الإسناد ودفعهم أثمانها، يبقى تفصيلاً مقابل غياب من يملي عليهم سيرتها الحسنة.

مصاب في تفجيرات «بيجر» يحمل هاتفاً عليه صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتياله (أ.ف.ب)

وذلك الفراغ الخطابي ليس مردّه فقط كون أمين عام «حزب الله» الحالي نعيم قاسم، يفتقر لملكته، بل لأن نصر الله نفسه بدأ يخسر حيّزه العام وصورته ومشهديته قبل اغتياله بوقت غير قليل، وبهذا «جاءت لحظة الاغتيال إنقاذاً له من خسائر كثيرة واستحقاقات هائلة».

ويقول المصدر: «مات نصر الله فعلياً قبل لحظة اغتياله... مات مع عملية البيجر وسلسلة الاغتيالات التي توالت. مات حين فقد قدرته على التعبئة والتبرير وحين عجز عن تقديم رواية للناس، وحين لم يعد أحد يكترث بخطاباته وينتظرها كما في السابق».

هنا يضع المصدر يده على وظيفة هي برأيه أهم من الموقع التنظيمي الحزبي الذي شغله نصر الله؛ فهو «لم يكن رجل تكتيك عسكري، ولا رجل دين بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما كان (رجل تعبئة) منح الحزب قوة تتمتع بها الدول وليس الأحزاب أو التنظيمات المسلحة».

ومعلوم أن هذا الحضور الطاغي لا يولد في لحظة.

«كأنه لم يكن»

سوسيولوجي وكاتب يرصد تحولات الحزب وبيئته الاجتماعية يتذكر نصر الله بين عامي 2000 و2006، ويصفه بأنه كان أقرب إلى «الناشط الحزبي»، قبل أن يبني تدريجياً حضوراً تكرس، في رأيه، مع اغتيال رفيق الحريري، حين أصبح لكلامه وزن إقليمي.

فمنذ التحرير عام 2000، ونصر الله يرعى هذه الهالة و«اشتغل عليها شغلاً حثيثاً»، مستنداً إلى آلة إعلامية كاملة للحزب لتكريس صورة «أقرب إلى الأسطورة وأنصاف الآلهة، مبرراً بذلك استمرارية حمل السلاح».

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)

وحتى أمس قريب كانت إطلالاته التلفزيونية أشبه بـ«سهرات أم كلثوم. تفرغ الشوارع ويتسمر الناس أمام الشاشات ويطربون لما يسمعون».

وللمفارقة لم يكن المستمعون أعضاء في «حزب الله»، ولا حتى جميعهم جزءاً من بيئته المباشرة. كان نصر الله، في مراحل مختلفة، حدثاً عاماً: «يستمع إليه المؤيد، والخصم، ودول الجوار، وكل من ينتظر معرفة ما سيحدث في اليوم التالي».

أما اليوم، بعد سنتين، «فكأنه لم يكن».

سيدة جنوبية تنتمي إلى إحدى العائلات ذات الثقل الاجتماعي والديني توجهت إلى صور والنبطية قبل يوم واحد من إحياء ذكرى السنتين، تقول: «لم أرَ صوره في الشوارع أو على الأبنية كما جرت العادة. ولولا أن لمحت صورة صغيرة وجانبية له في دكان صغير لما تنبّهت أصلاً إلى غيابه التام عن المشهد العام».

وتضيف: «حتى في الجلسات الضيقة، ما عاد أحد يتحدث عنه، وبدا لي ذلك أكثر غرابةً أنه تزامن مع توقيت الذكرى... قد يبدو لوهلة أن ثمة عدم اكتراث به، لكنني أعتقد أنه أصبح ذلك الغائب (المسكوت عنه). إنه اليوم (التابو) الشيعي بامتياز».

وحسب السيدة، وهي القريبة من بيئة الحزب وتحظى بثقة داخل مجتمعه الضيق، من دون أن تكون جزءاً منه يبدو أنه «لم يعد من محبين لـ(السيد) من خارج نواة المحازبين الصلبة ومن هم على لائحة الرواتب الحزبية».

فحتى جمهوره العريض السابق لم يذهب إلى دور العزاء وهي «طقس محوري بالنسبة للشيعة».

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام الحزب وصور أمينه العام السابق حسن نصر الله في الذكرى الثانية لاغتياله (د.ب.أ)

لم يبق إلا «الحرس»

يعيدني محدّثي الجنوبي إلى إرث نصر الله ليقول إنه «لم يبقَ من يرثه... حتى (حزب الله) كما نعرفه مات بموته».

ولشرح وجهة النظر تلك، يفنّدها صاحبها بالقول «في السياسة، تسبب نصر الله بإحراجٍ سياسيٍّ غير مسبوق لأقرب حلفائه، لجهة إعلانه حرب الإسناد بعدما تعهد شخصياً لرئيس مجل النواب نبيه برّي بعكس ذلك. ثم بعد إطلاق الصواريخ الستة، أجرى بري اتصالاته وحاول إقناع الحزب بعدم إصدار بيان يتبنى فيه الصواريخ، وأخذ تعهداً صريحاً آخر لم يعش سويعات حتى تم نقضه أيضاً».

وحتى 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لعب نصر الله دوراً إقليمياً مع هامش مناورة مريح نسبياً فكان «الوسيط الأمين بين إيران ولبنان؛ حكومةً وطوائف وشعباً ومؤسسات، وأدى أدواراً في العلاقة مع المحيط والخارج، مُعفياً طهران من كثير من المواجهات المباشرة مع دول الجوار؛ فيمرر القرارات ويتلقى الصدمات عوضاً عنها».

لكن ذلك، يقول المصدر، بدأ يتغير تدريجياً بعد «7 أكتوبر»، ثم جذرياً بعد مقتل نصر الله، بحيث «لم يبقَ اليوم إلا (الحرس الثوري). فقط لا غير. (الحرس) يتحكم مباشرةً بكل مفاصل الحزب؛ قيادةً ومقاتلين واستراتيجياً. ونعيم قاسم غير قادر على لعب دور الوسيط أو المرسال».

مشهد من الذكرى الثانية لاغتيال أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)

أما بالنسبة إلى الهيكلية الحزبية، يتابع المصدر: «فإن حسن نصر الله هو آخر العمامات السوداء في الأمانة العامة. نعيم قاسم صاحب عمامة بيضاء وفي ذلك تراتبية دينية مختلفة، أما نائبه (المتداول) فهو محمد رعد. نائب في البرلمان وليس حتى رجل دين».

وإذا لم نحتسب مَن كان مرشحاً للأمانة العامة قبل قاسم وتم استبعاده (أو هو أبعد نفسه على ما يقول البعض)، أي إبراهيم السيد أمين، وكان الأقرب للمنصب بعد هاشم صفي الدين، فقد يذهب التفكير إلى ابن نصر الله محمد مهدي. رجل دين شاب ومعمم، وكادر حزبي فاعل.

«لكنه لم يؤهَّل لذلك الدور ولم ينضج بعد» على ما يتفق أكثر من مصدر.

أبناء نصر الله... محنة التركة

يشرح أحد المصادر: «بعد مقتله ومن حوله، نتبين أهمية الروابط العائلية في دائرة الثقة التي أحاط نفسه بها والتي تبين أن قيادة الحزب تقوم عليها». وحسب المصدر، فإن «ما نسفه نصر الله في اختياره البقاء في موقعه محاطاً بهؤلاء القادة المقربين منه، وانتظاره الموت الذي كان قادماً إليه لا محالة، هو نسيج العائلة والعشيرة والحزب معاً، وهو ما يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، ترميمه».

واللافت أنه في ذلك كله، لم يشمل أبناءه ولم يعمل على تحضير أحدهم لوراثته.

وحسب الكاتب السوسيولوجي، فإن «قادة تاريخيين بهذا الحجم لا يفكرون في التوريث، ربما لنرجسيةٍ ما فيهم، مما يترك الأبناء متخبطين في هويتهم وفي إدارة ثقل التركة على كاهلهم».

والأبناء، وتحديداً جواد ومحمد مهدي اللذان كثّفا من حضورهما في الفترة الأخيرة «ظاهرة تستحق التوقف لا سيما مع محاولة كل منهما أنسنة الأب ومحاكاة صورته... لكن حقيقةً دون كثير جدوى».

وبمتابعة دقيقة لمواقع التواصل الاجتماعي التي يتوسّلها الشابان مؤخراً، ثمة جهد حثيث لديهما باقتباس سلوكيات الأب من تقليد حركة يده، أو طريقة كلامه، إلى شيء من توزيع أدوار، كأن يحاكي الأول قاعدة دينية بعمامته، ويستعين الآخر بغيفارا وتحرر الشعوب حيناً ثم الشهداء والأبرار ويقينه بعودة والده معهم حيناً آخر.

الطفل علي عبّاس (14 عاماً) الذي خسر عينه وأصيب بتشوهات في تفجيرات «بيجر» التي نفذتها إسرائيل في سبتمبر 2024 وهو لا يزال يحاول التعافي (رويترز)

«سحر العيون»... مجرد فقاعة

اليوم، وعوضاً عن البناء على تلك «الأسطورة»، «هزلت رواية نصر الله... وباتت في مهب الريح» يقول أحد المصادر. ويتابع: «بعد سنتين على موته، يكفي أن ننظر إلى الاستسهال في التصرف بسيرته من دائرته المباشرة لندرك أنه ليس هناك مِن قيِّم على هذا الإرث... كل تلك السرديات عن الكاريزما القيادية والشخصية الحاضرة وسحر العيون (التشبيه الشائع عن نصر الله والمستمد من وصف عبد الناصر)، كلها تلاشت فجأة. كأنها كانت مجرد فقاعة. فيكفي أن يزعم سياسي هامشي على شاشات التلفزة أنه كان يجالسه نحو 7 ساعات! أيُّ مبالغة تلك؟ أو مثلاً ابنه (مهدي) الذي راح يتحدث كيف يحضّر له الفطور، أو الفيديو الذي ظهر له وهو يتجول في السيارة في الضاحية ولا نعرف له سياقاً أو تاريخاً أو مصدراً. هل هو الإعلام الحزبي؟ تلفزيون المنار؟ مَن قرَّر أن هذه القصص يجب أن تخرج اليوم إلى العلن؟».

فقدان الصوت والصورة

مزيد من الأسئلة التي تصب كلها في إطار استباحة الرواية التي كان نصر الله يحتكرها. روايته عن نفسه وعن حزبه، ويضبط إيقاعها عبر آلة إعلامية ملتزمة لا تخرج عن سياق ما يمليه عليها.

فهل لهذا كان شعار الذكرى «على العهد باقون»؟ وهل لهذا أطلق قاسم مؤسسة لحفظ ونشر تراث نصر الله؟

فتاة من كشافة المهدي تحمل صورة أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

لعل هدف هؤلاء كان «أنسنة» الرجل وجعله شخصاً في المتناول لإيصال رسالة للحاضنة الشعبية الثكلى، أنه مثلهم وبينهم رغم الغياب.

لكن عملياً، النتيجة جاءت عكسية تماماً.

«الفراغ الذي بحجم الحفرة» وأزمة القيادة يقرأها السوسيولوجي من زاوية الكتلة البشرية التي كانت حاضرة بقوة، وأصبحت «غامضة ومغلقة أكثر من أي وقت مضى»، و«مجهولة تماماً لغير أبنائها المقربين».

ويقول: «كأن الشيعة كلهم انكفأوا وتركوا فراغاً في مفاصل الحياة اليومية، في علاقتهم بالأحزاب الأخرى والطوائف والمجال اللبناني الأوسع». وباستثناء القلة التي تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي وتستبسل في الدفاع عن حرب الإسناد، تبدو له الكتلة الاجتماعية التي كان نصر الله صوتها، أقل ظهوراً وحضوراً.

ويقول: «كأنهم بفقدان نصر الله فقدوا الصوت والصورة».

لكن ما يبدو من الخارج ضمور يتكشف في دوائر الثقة الضيقة عن محنة أخرى.

صاحب دكان في بيروت يجلس خارجاً بينما يبث التلفزيون إحدى خطب أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله (أ.ب)

هل «الإيواء» قادم لا محالة؟

تقول السيدة الجنوبية إن «فراغ القيادة الحزبية يبدو اليوم ترفاً مقابل فراغ محركات الحياة اليومية للجنوبيين». وتتابع: «كأن (أمل) ورثت الشارع والمشهد في صور تحديداً عوضاً عن الحزب، وما كان يشكله الحزبيون من رادع للحركيين، ما عاد اليوم موجوداً، فأصبح هؤلاء سلطة أمر واقع يتحكمون بكل شيء... وفي ذلك مرار كثير».

واليوم يريد كثير من الجنوبين تصديق كلام أمينهم العام الجديد بأن «الإيواء» قادم لا محالة، وأن إيران لن تتخلى عنهم وعن دعمعهم بالمال والسلاح والنفوذ، لكنهم يصمتون عن أن المال لن يأتي وأن مجرد استخدام كلمة إيواء بدل «سكن لائق وفرش لائق» التي وعدهم بها نصر الله بعد «حرب تموز 2006»، يقول الكثير عن أحوالهم.

مواطن لبناني من سكان الضاحية يجلس على أنقاض منزله الذي دمّر بالقصف الإسرائيلي الذي استهدف مقرّ الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في حارة حريك في بيروت في سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

وبين المكابرة والحداد العميق الذي يقاسيه مجتمع الحزب، يبقى أن أكبر صدمة «هي فقدان السلطة و(فائض القوة) الذي تمتعوا به لأكثر من عقدين وأشهروه سلاحاً يومياً في وجه بقية اللبنانيين... لذلك يبدو أن عقدهم الاجتماعي اليوم يقوم على مداواة ذلك الجرح النرجسي بأن يصبّوا جام غضبهم على العملاء».

كأن الحديث المفرط عن الخونة والعملاء يعوّضهم عن ذلك الصمت المطبق عن كل ما عداهم. وهؤلاء بحسبهم هم اللبنانيون، كل اللبنانيين من خارجهم، وكل من لم يساندهم في إسنادهم... فتراهم يستشيطون غضباً في ذكرهم ويستعينون على الشقاء بمزيد من الشتم والوعيد.


من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
TT

من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)

كان حارس المقبرة لطيفاً وودوداً. ولعله ابتهج أن سكان الأضرحة التي يعايشها لم يغرقوا في النسيان الكامل، وأن هناك من لا يزال يزورهم أو يسأل عنهم. طاف بي بين أضرحة «مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية» في بيروت، واستوقفتني أسماء كثيرة، بينها اسم بلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، التي قُتلت في انفجار ضرب السفارة العراقية في بيروت، وقد زُيّن ضريحها بأبيات من رثائه الموجع لها.

وتلعب الصدف أحياناً دوراً في تقرير المصائر. ولا غرابة أن تبدأ الحكايات من شرارة غير مقصودة. وسأروي قصة صدفتين.

روى لي حازم جواد، الذي قاد «البعث» العراقي إلى السلطة عام 1963، حكاية ذات دلالات. قال إن فريقاً في قيادة الحزب قرر عام 1959 اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم. تم اختيار الفريق المكلف بالاغتيال، لكن أحد أفراده اعتذر عن المشاركة بعدما كان قد وافق. تحت ضغط الوقت، سألت القيادة مسؤولاً حزبياً إن كان يعرف شاباً بديلاً للمعتذر، فحمل إليهم اسم الشاب صدام حسين. شارك صدام في محاولة الاغتيال الفاشلة، وأصيب بجرح في ساقه. فرّ إلى سوريا، حيث التقى مؤسس الحزب ميشال عفلق الذي وقع في الإعجاب بهذا الشاب، وأعطاه بعد سنوات قليلة فرص الصعود في الآلة الحزبية.

في الفترة نفسها، سمعت من رفاق القائد الفلسطيني الدكتور وديع حداد عن دور لعبته الصدفة. كان حداد يخطط لعملية مطار اللد، التي نُفذت في 30 مايو (أيار) 1972 وأسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص، معظمهم من السياح.

تقول الرواية إن شاباً كان مقرراً أن يشارك في التنفيذ غرق بينما كان يسبح في منطقة الروشة في بيروت. لم تنتبه أجهزة الاستخبارات إلى الحادث وطبيعة دور الغريق، لكن حداد قرر الإسراع بتنفيذ العملية. بحث وديع، مع مجموعة «الجيش الأحمر الياباني»، عن بديل للغريق، فوقع الخيار على كوزو أوكاموتو، «أحمد الياباني»، وفقاً لتسمية «المجال الخارجي» التابع لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

غسان شربل بين أضرحة مقبرة الثورة الفلسطينية (الشرق الأوسط)

استقبل حداد أعضاء الفريق وزودهم بتعليماته بعد تلقيهم تدريبات في بعلبك في البقاع اللبناني. غادروا بيروت إلى محطة أوروبية، ومنها إلى روما، حيث صعدوا إلى طائرة للخطوط الجوية الفرنسية متجهة إلى مطار اللد الإسرائيلي.

كان طابع العملية انتحارياً، إذ لم يكن مقدراً أن يبقى أحد من المهاجمين حياً. لعبت الصدفة دورها: قُتل اثنان من المهاجمين، وجُرح أوكاموتو واعتُقل. وسيشعر أوكاموتو بالأسى على مدى سنوات «لأنه لم يتمكن من ترك جثته في تراب فلسطين»، و«لأنه لم يتحول إلى نجمة في السماء على غرار ما حدث لرفيقيه»، وفقاً لمعتقداته اليابانية.

تعرض أوكاموتو في سجنه الإسرائيلي إلى تعذيب غير مسبوق. سُجن مقيّد اليدين في قفص للكلاب. وكان عليه، على مدى سنوات، أن ينتظر عواء كلب ويرد عليه بالعواء كي يأتيه الجندي بالطعام، من دون أن يوجه إليه سؤالاً أو كلمة.

وفي هذا العزل القاتل، فقد الأسير قدرته على استخدام يديه أو التفكير باستخدامهما. ولعله كان يتوقع أن يهرم ويموت في سجنه الإسرائيلي، لكن حدثاً غيّر مسار حياته.

كانت «الجبهة الشعبية - القيادة العامة»، بزعامة أحمد جبريل، تحتجز ثلاثة جنود إسرائيليين بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982. خاضت الجبهة في منتصف الثمانينات مفاوضات شاقة غير مباشرة مع إسرائيل، شارك في تسهيلها المستشار النمساوي برونو كرايسكي. خلال تلك المفاوضات التي دامت نحو سنتين، أصر جبريل على أن تشمل عملية التبادل أسماء بارزة تقيم في السجون الإسرائيلية.

نضجت المفاوضات وحان وقت التبادل في 20 مايو (أيار) 1985. شاءت المهنة أن أكون حاضراً. أقلعت طائرتنا من دمشق إلى جنيف حاملة أحد الجنود الإسرائيليين الثلاثة. وبعد نجاح التبادل في جنيف، أقلّتنا الطائرة إلى طرابلس، إذ كان جبريل يريد إهداء النصر أيضاً إلى العقيد معمر القذافي، الذي لم يبخل على جبريل بالدعم على أنواعه.

كان أبرز من أُفرج عنهم بموجب صفقة التبادل الشيخ أحمد ياسين، زعيم حركة «حماس»، وزياد النخالة، الذي تولى لاحقاً منصب الأمين العام لـ«الجهاد الإسلامي»، وجبريل الرجوب، القيادي الفلسطيني المعروف. أما الرابع فكان أوكاموتو، الذي بدأ فصلاً جديداً ومختلفاً في حياته.

بعد إقامة محدودة في ليبيا، توجه أوكاموتو إلى سوريا، وأغلب الظن أنه انتقل سراً إلى لبنان في حدود 1987، وأقام مع رفاق له في منطقة البقاع، طبعاً مع تبديل مكان إقامته من وقت إلى آخر. عام 1997 اعتقلت السلطات اللبنانية في البقاع مجموعة من اليابانيين، وحُكم على أوكاموتو بالسجن ثلاث سنوات بتهمة الدخول خلسة إلى البلاد. أُفرج عن المجموعة عام 2000، لكن عودة أوكاموتو إلى اليابان لم تكن واردة، إذ كان مطلوباً فيها.

نجحت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في إطلاق تحركات احتجاجية بالتعاون مع عدد من الأحزاب والشخصيات، وكان الغرض السماح له بالبقاء في بيروت. كان سليم الحص رئيساً للحكومة، واللواء جميل السيد مديراً للأمن العام، والجنرال إميل لحود رئيساً للجمهورية. وفي خطوة غير مسبوقة، منحت السلطات اللبنانية أوكاموتو صفة «لاجئ سياسي»، مشترطة عليه عدم القيام بأي نشاطات على الأرض اللبنانية.

أخذت «الجبهة الشعبية» على عاتقها حفظ الجميل للمقاتل الياباني، وتحملت نفقات إقامته وتطبيبه وإعادة تأهيله. لم يكن يشارك في أي نشاط علني باستثناء وضع إكليل سنوي على النصب التذكاري لشهداء عملية اللد في مقبرة الشهداء. وكان يجدد العهد لرفيقيه بالتحول إلى نجمة في السماء.

نصب المشاركين اليابانيين في عملية اللد (الشرق الأوسط)

خرج أوكاموتو من سجنه الإسرائيلي مدمراً. كان يشبه «رفات رجل». كان ظهره محنياً ويداه معطلتين، ويأكل مباشرة بفمه من دون استخدام يديه. لم يكن يعرف كيف يستحم أو يصنع القهوة، ولم يجرؤ على إطفاء المصباح.

لم يكن يرغب في استعادة ما حدث في هجوم اللد، ولم يحدثه المهتمون عنه بما يمكن أن يفتح جروحه. تولى أطباء موثوقون مساعدته. ومن 2008 إلى 2021 تولى سميح رزق الاهتمام به، وكان بالنسبة إليه بمثابة «الأب والأخ والصديق والرفيق». بعد وفاة سميح، انتقلت مسؤولية الاهتمام بأوكاموتو إلى فؤاد ضاهر، مسؤول العمل الاجتماعي في «الجبهة الشعبية» في لبنان، والذي ربطته بالياباني علاقة مودة بدأت من أيام سميح.

كان أوكاموتو يحب بحر صور، وكان المهتمون به يأخذونه إلى هناك. استرجع قدراً من العيش شبه الطبيعي. كان يحب تناول الأسماك واللحم والدجاج، ويخطر بباله أحياناً تناول كأس من النبيذ أو قنينة من البيرة. كان أحياناً يطلب سندويتش فلافل أو شاورما. كانت عربيته ركيكة، وإنجليزيته مثلها.

كانت تحركاته لا تُعلن مسبقاً، ولم يشعر المهتمون به بأن إسرائيل حاولت الوصول إليه مجدداً. أميركا أعلنت قبل سنوات عن جائزة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يرشد إلى مقر إقامة أوكاموتو، لكن «الجبهة» لم تبلغ الرجل الذي أقام في سنواته الأخيرة مع عائلة أحبها وأحبته. لم يتزوج، ولم تكن له صديقة، ولم يكن مهتماً بهذا الأمر. لم يحاول أحد من عائلته في اليابان زيارته أو مراسلته.

فؤاد ضاهر الذي رافق أوكاموتو في سنواته الأخيرة يتحدث إلى غسان شربل (الشرق الأوسط)

يقول فؤاد ضاهر: «أوكاموتو جزء من حالة. زرت أمس مقابر شهداء الثورة الفلسطينية، وقلت لشخص التقيته هناك إن المقبرة تعبر عن أممية القضية الفلسطينية التي تضم جنسيات وأدياناً مختلفة. فيها الياباني والفرنسي والتركي والإيطالي والإيراني والعراقي. إذا ذهبت إلى حارس المقبرة يطلعك عليهم. ضريح كمال ناصر المسيحي يجاور ضريح محمد يوسف النجار وكمال عدوان».

في يوليو (تموز) الماضي، تدهورت صحة أوكاموتو، وفي 23 منه توفي في «مستشفى الرسول الأعظم».

أثارتني قصة أوكاموتو، فقلت أزور مقبرة الشهداء. جلت بين أضرحة كثيرة، بينها أضرحة غسان كنفاني وأبو حسن سلامة وكمال ناصر وبلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، وشاهدت أضرحة «الشهداء الأجانب».

الصدفة تلعب دورها. لم أخطط للكتابة عن أوكاموتو. زرت مخيم مار إلياس في بيروت لجس نبض الناس عشية إطفاء «طوفان السنوار» شمعته الثالثة. عاينت بؤس الإقامة في المخيم، لكنني لمحت على الجدار صورة أوكاموتو، فذهبت القصة في اتجاه آخر.

ضريح غسان كنفاني (الشرق الأوسط)

أخذني الحارس إلى ضريح غسان كنفاني، عضو المكتب السياسي لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». لاغتياله علاقة مباشرة بهجوم مطار اللد وما فعله أوكاموتو ورفيقاه. كان الناطق الرسمي باسم «الجبهة» التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم.

روى لي رفاق وديع حداد أنهم قلقوا على سلامة كنفاني. نصحوه بتغيير مقر إقامته وسيارته، لكنه لم يتجاوب «فقد خشي أن يُتهم بالتصرف كبرجوازي». لم تتأخر يد «الموساد» في الوصول إليه. في 8 يوليو (تموز) 1972 انفجرت قنبلة في سيارته وقتلت معه لميس نجم (17 عاماً)، ابنة شقيقته. قفزت إلى ذاكرتي عناوين بعض رواياته: «أم سعد» و«رجال في الشمس» و«عائد إلى حيفا».

في هذا المكان الهادئ يقيم رجل صاخب اسمه أبو حسن سلامة. ابن عائلة ثرية اقتدى بتجربة والده في التصدي للاحتلال. عاشق للنضال والعيش والنساء والسهر، وانشغلت بيروت طويلاً بزواجه من ملكة جمال لبنان والعالم جورجينا رزق. أسس الجهاز العسكري الذي سمي «القوة 17»، المكلفة بحماية ياسر عرفات. كان قريباً من مكتب القائد وقلبه.

ضريح علي حسن سلامة في مقبرة الثورة (الشرق الأوسط)

شارك أبو حسن سلامة في الإشراف على عمليات خارجية طالت مصالح إسرائيلية. اغتاله «الموساد» الإسرائيلي في بيروت في 22 يناير (كانون الثاني) 1979 بعد مطاردة طويلة. نُسجت حول دور «الأمير الأحمر» روايات كثيرة، بينها أنه اغتيل بسبب علاقته بالهجوم على الفريق الإسرائيلي في الدورة الأولمبية في ميونيخ عام 1972. والحقيقة هي أنه لم تكن له أي علاقة، لا بطرح الفكرة ولا بالتنفيذ، وفقاً لما أكده لي محمد عودة (أبو داود)، الذي أدخل المهاجمين إلى القرية الأولمبية ومعهم الأسلحة التي أحضرها صلاح خلف (أبو إياد) شخصياً إلى ميونيخ. وثمة من يعتقد أن سلامة، الذي نجح أحد أعضاء «الموساد» في الاقتراب منه، اغتيل «بسبب نجاحه في فتح خط مع الـ(سي آي ايه) وهو ما أثار قلقاً شديداً لدى إسرائيل».

مررنا أيضاً بضريح القيادي والأديب الفلسطيني ماجد أبو شرار الذي فخّخ «الموساد» سريره في أحد فنادق روما، حيث كان يشارك إلى جانب الشاعر الكبير محمود درويش في مؤتمر للتضامن مع الشعب الفلسطيني. عادت إلى ذاكرتي قصيدة محمود «صباح الخير يا ماجد»، التي استهلها قائلاً: «قُمْ، اقرأ سورة العائد، وحثّ السير إلى بلد فقدناه بحادث سير».

قال الحارس إن الجنسيات تتجاور في المقبرة، وكذلك الأديان. وأشار إلى أن كمال ناصر، القيادي الفلسطيني المسيحي، ينام في المقبرة إلى جانب كمال عدوان وأبو يوسف النجار. وكان كمال ناصر، الشاعر، قد «غار» من جنازة غسان كنفاني قائلاً: «يا سلام، هكذا يكون عرس الكاتب الشهيد».

اغتيل ناصر وعدوان والنجار في 10 أبريل (نيسان) 1973، في ما عُرف بـ«عملية فردان» التي شنها الجيش الإسرائيلي ليلاً في بيروت. وفي تلك الليلة شارك في الاغتيال الثلاثي ضابط إسرائيلي تنكر في ثياب امرأة اسمه إيهود باراك، وسيتولى لاحقاً منصب رئيس الوزراء.

ضريح آخر لا يقل إيلاماً. في 15 ديسمبر (كانون الأول) 1981 اقتحمت سيارة مفخخة مبنى السفارة العراقية في بيروت. كان بين الضحايا الدبلوماسية بلقيس الراوي، زوجة الشاعر الكبير نزار قباني. وقد زُيّن الضريح بمقطع من قصيدة للشاعر جاء فيه:

بلقيس...

يا عطراً بذاكرتي

يا زوجتي... وحبيبتي... وقصيدتي

نامي بحفظ الله... أيتها الجميلة

فالشعر بعدك مستحيل...

والأنوثة مستحيلة

أبيات نزار قباني على شاهد قبر بلقيس (الشرق الأوسط)

لا يريد الحارس صورة أو كلاماً. قال: «أنا مجرد ناطور، والقصة هي عند سكان الأضرحة». سألته من يوفر له راتبه، فأجاب إنها حركة «فتح».

تذكرت في طريق العودة محمود درويش العصي على النسيان. تذكرت أيضاً ياسر عرفات، الذي كان يحلم بقبر في فلسطين حرة. رجعت مثقلاً بـ«طوفان الأضرحة».