عائلات غزاوية تتمسك بمفاتيح العودة وسط نزوح متكرر في الحرب

نازحة احتفظت بألبوم أطفالها ثم اضطرت إلى حرقه لإشعال النار والطهو به

حسن نوفل (53 عاماً) يتمسّك بمفاتيح منزله بعد النزوح إلى خان يونس (أ.ب)
حسن نوفل (53 عاماً) يتمسّك بمفاتيح منزله بعد النزوح إلى خان يونس (أ.ب)
TT

عائلات غزاوية تتمسك بمفاتيح العودة وسط نزوح متكرر في الحرب

حسن نوفل (53 عاماً) يتمسّك بمفاتيح منزله بعد النزوح إلى خان يونس (أ.ب)
حسن نوفل (53 عاماً) يتمسّك بمفاتيح منزله بعد النزوح إلى خان يونس (أ.ب)

يحتفظ حسن نوفل بمفاتيح منزلين على سلسلة مفاتيحه؛ أحدهما هو منزل أجداده فيما يُعرف الآن بجنوب إسرائيل، الذي يقول إن القوات الإسرائيلية طردت عائلته منه في عام 1948 ولم يتمكنوا من العودة إليه مطلقاً، والآخر هو منزل نوفل في شمال غزة الذي اضطر إلى الفرار منه العام الماضي، بعد أن شنّت إسرائيل حربها على القطاع. وعلى مدى ما يقرب من الأشهر التسعة منذ بدء الحرب، نزح نوفل وعائلته أربع مرات، وهُجّروا ذهاباً وإياباً عبر قطاع غزة هرباً من الهجوم. وقال نوفل إنه عازم على التأكد من أن مفتاحه لن يصبح تذكاراً مثل أجداده. وقال لوكالة «أسوشييتد برس»: «إذا أصبح مفتاح منزلي مجرد ذكرى مع تقدمي للأمام، فأنا لا أريد أن أعيش بعد الآن. يجب أن أعود إلى منزلي... أريد أن أبقى في غزة وأستقر فيها مع أطفالي داخل منزلنا».

ويقول نوفل، وهو موظف في السلطة الفلسطينية يبلغ من العمر 53 عاماً، إنه فرّ مع زوجته وأطفاله الستة من منزلهم في مخيم جباليا للاجئين شمالي البلاد في أكتوبر (تشرين الأول). وتوجهوا أولاً إلى مدينة دير البلح بوسط البلاد، ثم إلى مدينة رفح في أقصى جنوب غزة. واضطروا إلى الفرار مرة أخرى عندما شنّت إسرائيل هجوماً هناك في مايو (أيار) وانتقلوا إلى خان يونس. وفي الأسبوع الماضي، فرّوا من خان يونس إلى خيمة في المواصي.

حسن نوفل يطهو لعائلته بعد النزوح إلى خان يونس في قطاع غزة (أ.ب)

وأدت الحرب الإسرائيلية على غزة، بعد هجوم 7 أكتوبر على بلدات في غلاف غزة، إلى طرد نحو 1.9 مليون من سكان القطاع، البالغ عددهم 2.3 مليون فلسطيني قبل الحرب، من منازلهم. وقد نزح معظمهم مراراً وتكراراً منذ ذلك الحين؛ إذ فرّوا عبر القطاع هرباً من سلسلة من الهجمات البرية. والنزوح في كل مرة يعني الانتقال المؤلم إلى مكان جديد وسلسلة من الملاجئ المؤقتة المزدحمة، سواء في منازل الأسرة الممتدة، أو مدارس الأمم المتحدة، أو المخيمات. وعلى طول الطريق، كافحت العائلات من أجل البقاء معاً والاحتفاظ ببعض الممتلكات. وفي كل موقع جديد، يجب عليهم العثور على مصادر جديدة للطعام والماء والعلاج الطبي. وفي أحدث موجة نزوح جماعي، بدا الناس يفرون من المناطق الشرقية إلى مدينة خان يونس الجنوبية بعد أن أمرت إسرائيل بإخلائها.

ويتكدّس جميع سكان غزة تقريباً الآن في «منطقة آمنة إنسانية» أعلنتها إسرائيل وتغطي نحو 60 كيلومتراً مربعاً (23 ميلاً مربعاً) على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وتتمركز في منطقة ريفية قاحلة تُسمّى المواصي. وعلى الرغم من اسمها، نفذت إسرائيل غارات جوية قاتلة في «المنطقة الآمنة»، وفقاً لـ«أسوشييتد برس».

علا نصار التي نزحت إلى خان يونس منذ الغارات الإسرائيلية على القطاع تقف أمام خيمات للنازحين (أ.ب)

ويقيم النازحون وسط ظروف معيشية صعبة، إذ يتكدسون في خيم معظمها من الأغطية البلاستيكية، في حين تستند البطانيات على العصي. ومع عدم وجود أنظمة للصرف الصحي، تعيش الأسر بجوار برك مفتوحة من مياه الصرف الصحي ولا تحصل إلا على القليل من المياه الصالحة للشرب أو المساعدات الإنسانية.

ويقول نوفل: «بالنزوح إلى مكان جديد، من الصعب التعامل مع الحشرات والعيش على أرض رملية. نحن نمرض، لأن الجو يصبح حاراً في أثناء النهار وبارداً قليلاً في الليل». وتابع الفلسطيني أن الخطوة الأولى، وهي مغادرة منزله في جباليا، كانت الأصعب، في حين كان يحمل سلسلة مفاتيحه مع مفاتيح منزله ومنزل أجداده فيما كان في السابق بقرية الحليقات الفلسطينية، خارج ما يُعرف الآن بغزة. لم يبق شيء من الحليقات؛ إذ استولى الجيش الإسرائيلي على القرية والقرى المجاورة لها في أوائل عام 1948. وأجبر سكانها على الرحيل. تُعد مثل هذه المفاتيح القديمة ممتلكات ثمينة لأحفاد الفلسطينيين الذين طُردوا أو فرّوا خلال الصراع الذي أعقب بدء الاحتلال الإسرائيلي. ويخشى كثيرون في غزة أنه، كما حدث في تلك الحرب الماضية، لن يُسمح لهم بالعودة إلى منازلهم بعد هذه أيضاً.

كما تحتفظ علا نصار بمفاتيح منزلها في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة. بالنسبة لها، فهي ترمز إلى «السلامة والاستقرار والحرية. إنها مثل هويتي»، كما تقول علا. كانت عائلة علا قد انتقلت للتو إلى المنزل الذي يحتوي على مطبخ جُدّد حديثاً عندما بدأت حرب غزة. أما الآن فقد احترق بشدة، بالإضافة إلى الملابس والديكورات التي اضطرت إلى تركها وراءها عندما فرّوا في شهر أكتوبر، وتتابع علا أنها تفتقر إلى مجموعة عزيزة من الأطباق التي كانت هدية من شقيقها وتحطمت خلال غارة جوية. ونزحت علا هي وزوجها وأطفالهما الثلاثة سبع مرات خلال الحرب؛ إذ فرّوا من مدينة إلى أخرى. ومن رفح، جاءوا إلى مأواهم الحالي: خيمة في المواصي.

علا نصار (41 عاماً) نزحت إلى خان يونس منذ الغارات الإسرائيلية على القطاع (أ.ب)

وتقول علا: «كل نزوح شهدناه كان صعباً، لأن التغلّب عليه يستغرق وقتاً»، وتتابع: «بحلول الوقت الذي نتغلّب فيه على ذلك، سيتعيّن علينا النزوح مرة أخرى، كما أن العثور على الطعام صعب في كثير من الأحيان بسبب الارتفاع الكبير في الأسعار»، وتردف: «كانت هناك أيام كنا نتناول فيها وجبة واحدة فقط». وعندما نزحوا للخروج من منازلهم، ترك الكثيرون وراءهم كل شيء تقريباً، ولم يحصلوا إلا على بعض الضروريات. وقالت نور مهدي إنها لم تأخذ سوى مفاتيح منزلها وسند ملكية شقتها وألبوم صور لأطفالها السبعة. وتعرّض الألبوم لاحقاً للتلف بسبب المطر، فقالت إنها استخدمته لإشعال النار للطهو به. وتقول نور: «كان هذا صعباً للغاية، لأنه كان مهماً جداً بالنسبة لي؛ لأنه يحتوي على ذكريات تتعلق بأطفالي».

وثائق وصور تخص عائلة عمر فياض الذي نزح إلى دير البلح في قطاع غزة (أ.ب)

واحتفظ عمر فياض بصورة لابنته وصورة لنفسه عندما كان عمره 10 سنوات. ولكن بعد عدة تنقلات يتمنّى لو لم يغادر منزله قط، ويفسّر الرجل البالغ من العمر 57 عاماً: «كل مكان أسوأ من الآخر. كان من الأفضل بالنسبة لي لو بقيت في منزلي هناك ومت»، لم يستطع فياض كتمان الشوق إلى منزله في بيت حانون شمال غزة. وأدت الحرب الإسرائيلية إلى مقتل أكثر من 38 ألف فلسطيني، وفقاً لوزارة الصحة في غزة. وقال محمد الأشقر، وهو أيضاً من بيت لاهيا، إنه نزح 6 مرات مع بناته الأربع وأبنائه الأربعة وأحفاده.

وعلى طول الطريق، انفصلت العائلة. وبقي شقيق الأشقر في الشمال؛ لأن زوجته كانت حاملاً، ولم تكن صحتها كافية للتنقل. وبعد فترة وجيزة، أصابتها شظية من غارة جوية في رأسها وقتلتها، ولكن أُنقذ الطفل.

أفراد من عائلة الأشقر بعد النزوح إلى خان يونس في قطاع غزة (أ.ب)

وتوجه أحد أبناء الأشقر إلى مخيم النصيرات وسط قطاع غزة للإقامة في منزل عائلة زوجته. كان الابن في المطبخ يطهو ذات يوم عندما ضربت غارة جوية المنزل؛ ما أسفر عن مقتل زوجته وأربعة من أطفاله في غرفة المعيشة. وبترت ساق الابن، ويعيش الآن اثنان من أبنائه الباقين على قيد الحياة مع الأشقر. كما قُتل ابن آخر في غارة منفصلة في النصيرات. وبعد كل ذلك، ليست الممتلكات هي ما يفتقده الرجل البالغ من العمر 63 عاماً، ويقول: «ليس هناك ما نبكي عليه بعد أن تركنا كل شيء وراءنا ورؤية كل هؤلاء الموتى وكل هذه المعاناة».


مقالات ذات صلة

«لأول مرة منذ شهرين»... 323 شاحنة تدخل غزة في يوم واحد

المشرق العربي فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

«لأول مرة منذ شهرين»... 323 شاحنة تدخل غزة في يوم واحد

للمرة الأولى منذ شهرين، شهد قطاع غزة زيادة ملحوظة في عدد الشاحنات التي تحمل مساعدات وبضائع تجارية، كما ارتفعت أعداد المسافرين عبر معبر رفح البري.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية نتنياهو والرئيس هرتسوغ في الكنسيت (أرشيفية - أ.ب)

إسرائيل تُحيي سراً ذكرى «المحرقة النازية»

في خطوة عدّتها تل أبيب «غاية في الدهاء والذكاء لجهاز المخابرات (الشاباك)» تم إحياء ذكرى ضحايا الحروب الإسرائيلية وذكرى ضحايا المحرقة النازية بشكل سري.

نظير مجلي (تل أبيب)
شمال افريقيا فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تلويح نتنياهو باستئناف الحرب في غزة يُعقّد محادثات «نزع السلاح»

تحاول القاهرة أن تصل إلى تفاهمات بين حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية والممثل الأعلى لقطاع غزة بمجلس السلام، نيكولاي ميلادينوف، لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار.

محمد محمود (القاهرة )
خاص أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب) p-circle

خاص «حماس» متشبثة بـ«جدول زمني» لالتزامات إسرائيل قبل «نزع السلاح»

بلورت «حماس» رداً على مطالبتها والفصائل الفلسطينية ببدء «نزع السلاح» وأكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الرد يرتكز على «التشبث بجدول زمني» لالتزامات إسرائيل أولاً.

«الشرق الأوسط» (غزة)

لبنان يتجرّع المفاوضات المباشرة مع إسرائيل


وزير الخارجية الأميركي لدى استقباله السفيرة اللبنانية والسفير الإسرائيلي (يمين الصورة) في واشنطن أمس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي لدى استقباله السفيرة اللبنانية والسفير الإسرائيلي (يمين الصورة) في واشنطن أمس (أ.ف.ب)
TT

لبنان يتجرّع المفاوضات المباشرة مع إسرائيل


وزير الخارجية الأميركي لدى استقباله السفيرة اللبنانية والسفير الإسرائيلي (يمين الصورة) في واشنطن أمس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي لدى استقباله السفيرة اللبنانية والسفير الإسرائيلي (يمين الصورة) في واشنطن أمس (أ.ف.ب)

تجرّع لبنان الرسمي، أمس، كأس المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، طمعاً في الحصول على ضغط أميركي عليها، يؤدي إلى وقف لإطلاق النار في الجنوب، على ضوء انعدام الخيارات لوقف الحرب والاحتلال الذي يمضي به الجيش الإسرائيلي هناك، ويُعزّزه بنسف المنازل والمنشآت.

وفي أول لقاء مباشر منذ عام 1983، وبرعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، التقت سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض مع نظيرها من إسرائيل يحيئيل ليتر، في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن.

وشدد روبيو على أن هذه بداية عملية طويلة سعياً إلى إيجاد حل نهائي لنفوذ «حزب الله» في المنطقة بدلاً من مجرد التوصل إلى وقف للنار.

وبينما لم يعلن وزير الخارجية الأميركي وقفاً لإطلاق النار، تلبية للطلب اللبناني، قال روبيو إن بلاده تسعى إلى علاقات متينة بين بيروت وتل أبيب. وأضاف: «أعلم أن بعضكم يتساءل عن وقف النار، لكن هذا الأمر يتعلق بإيجاد حل نهائي لعشرين أو ثلاثين عاماً من نفوذ (حزب الله) في هذه المنطقة من العالم».

وصدر عن المجتمعين بيان مشترك لفت إلى أن واشنطن أشادت بالخطوة بين البلدين، مؤكدة دعمها لاستمرار المحادثات وإمكانية التوصل إلى اتفاق أوسع يفتح باب إعادة الإعمار في لبنان. كما شددت على أن أي اتفاق يجب أن يتم بين الحكومتين وبرعايتها.

من جهتها، أكدت إسرائيل، حسب البيان، استعدادها للتفاوض ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية، فيما شدد لبنان على وقف الأعمال العدائية، وسيادته الكاملة، وضرورة معالجة الأزمة الإنسانية.

واتُّفق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُحددان لاحقاً، وفق البيان. (تفاصيل ص6)


الجيش الإسرائيلي يستجوب ثلاثة من مقاتلي «حزب الله» اعتقلهم في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يجلس على مركبة عسكرية بالقرب من الحدود الإسرائيلية اللبنانية... شمال إسرائيل 13 أبريل 2026 (رويترز)
جندي إسرائيلي يجلس على مركبة عسكرية بالقرب من الحدود الإسرائيلية اللبنانية... شمال إسرائيل 13 أبريل 2026 (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي يستجوب ثلاثة من مقاتلي «حزب الله» اعتقلهم في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يجلس على مركبة عسكرية بالقرب من الحدود الإسرائيلية اللبنانية... شمال إسرائيل 13 أبريل 2026 (رويترز)
جندي إسرائيلي يجلس على مركبة عسكرية بالقرب من الحدود الإسرائيلية اللبنانية... شمال إسرائيل 13 أبريل 2026 (رويترز)

أعلن الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، أنه يستجوب ثلاثة من مقاتلي «حزب الله» بعدما نقلهم إلى إسرائيل إثر اعتقالهم خلال اشتباكات عنيفة مباشرة في جنوب لبنان، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال الناطق باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي، في منشور على منصات التواصل الاجتماعي، «خاضت قوات لواء غفعاتي أمس اشتباكاً من مسافة قريبة مع خلية من مخربي (حزب الله) بينهم عنصر من وحدة (قوة الرضوان) في بنت جبيل».

وأضاف: «في ختام المعركة ألقى ثلاثة مخربين أسلحتهم واستسلموا للقوات. بعد ذلك، تم نقلهم لمتابعة التحقيق».

وبحسب الجيش الإسرائيلي، فقد حاصرت قواته الآن بلدة بنت جبيل بالكامل، ما يشكّل تقدّماً ملحوظاً في إطار هجومه البري المستمر في جنوب لبنان.


«اتفاق غزة»... 6 أشهر من التعثر ومستقبل مهدد

«اتفاق غزة»... 6 أشهر من التعثر ومستقبل مهدد
TT

«اتفاق غزة»... 6 أشهر من التعثر ومستقبل مهدد

«اتفاق غزة»... 6 أشهر من التعثر ومستقبل مهدد

مرّت نحو 6 أشهر على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، شهدت 2400 خرق إسرائيلي و754 قتيلاً فلسطينياً، بحسب إحصائية للمكتب الإعلامي للحكومة في القطاع، دون استكمال باقي بنود الاتفاق.

الاتفاق الذي تشهد القاهرة محادثات بشأنه بحضور «حماس» والفصائل الفلسطينية والممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، يعتقد خبير في الشأن الفلسطيني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه سيواصل التعثر، وربما يشهد انهياراً بعودة إسرائيلية للحرب، محملاً الحكومة الإسرائيلية مسؤولية ما يحدث من أزمات للاتفاق.

خروقات مستمرة

وأوضح المكتب الإعلامي الحكومي، بغزة في بيان، الثلاثاء، أن «الاحتلال الإسرائيلي ارتكب خروقات جسيمة ومنهجية للاتفاق، بلغت 2400 خرق حتى 14 أبريل (نيسان) توزعت على 921 حادثة إطلاق نار، و1109 عمليات قصف واستهداف، إلى جانب 97 توغلاً لآليات عسكرية داخل الأحياء السكنية، و273 عملية نسف طالت منازل ومباني مختلفة».

وأشار التقرير إلى أن «هذه الخروقات أسفرت عن مقتل 754 فلسطينياً، بينهم 312 من الأطفال والنساء والمسنين، مع تأكيد أن 99 في المائة من الضحايا من المدنيين، بخلاف تسجيل إصابة 2100 شخص، أكثر من نصفهم من الفئات ذاتها، وبنسبة تفوق 99 في المائة من المدنيين، بخلاف اعتقال 50 مواطناً، جميعهم من داخل الأحياء السكنية».

فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وفي ما يتعلق بالحركة عبر معبر رفح، أوضح البيان أن عدد المسافرين منذ إعادة تشغيله في 2 فبراير (شباط) 2026 بلغ 2703 مسافرين فقط، من أصل 36 ألفاً و800 مسافر، كان يفترض عبورهم خلال الفترة نفسها، أي بنسبة التزام لا تتجاوز 7 في المائة، ما يعكس استمرار القيود على حركة الأفراد.

وعلى صعيد المساعدات، فقد دخل إلى قطاع غزة 41 ألفاً و714 شاحنة مساعدات وبضائع ووقود، من أصل 110 آلاف و400 شاحنة منصوص عليها في الاتفاق، بنسبة التزام بلغت 37 في المائة، بخلاف تدني دخول شاحنات الوقود بشكل خاص، إذ لم يتجاوز عددها 1366 شاحنة من أصل 9 آلاف و200 شاحنة أي بنسبة 14 في المائة، في حين يبلغ المتوسط اليومي 227 شاحنة مقارنة بـ600 شاحنة يفترض دخولها يومياً، وفق البيان.

واتهم المكتب الإعلامي قوات الاحتلال الإسرائيلي بـ«عدم الالتزام بجملة من البنود الأساسية، من بينها الانسحاب من القطاع، وإدخال المعدات الثقيلة ومواد الإيواء، وتشغيل محطة الكهرباء، إضافة إلى عدم إدخال المستلزمات الطبية والوقود بالكميات المتفق عليها، وفتح معبر رفح بشكل جزئي فقط»، مشدداً على أن استمرار هذه الممارسات يشكل «التفافاً خطيراً» على اتفاق وقف إطلاق النار.

يحمل فلسطينيون نازحون صناديق في عربة مروراً بأنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ ف ب)

وبرأي المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور أيمن الرقب، فإن تعثر الاتفاق الواضح بعد 6 أشهر من انطلاقه يأتي بسبب عدم وجود إرادة لدى إسرائيل في الالتزام بأي شيء بهدف كسب الوقت بما يسمح لنمو الميليشيات التابعة لها لملء أي فراغ أمني محتمل مع إصرار إسرائيلي على استهداف مقار الشرطة باستمرار.

ولقد صحاب عدم الالتزام الإسرائيلي، تهديدات بالتصعيد عبر عنها إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اجتماع «للكابينت»، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان الأحد.

مناقشات بالقاهرة

وجاءت تلك التصريحات مع مفاوضات تشهدها القاهرة بحضور «حماس» وملادينوف وفصائل فلسطينية، بهدف بحث تنفيذ الاتفاق بحسب ما ذكرته سابق مصادر لـ«الشرق الأوسط»، بينما لم يصدر عن المشاركين أي مخرجات بشأن الاجتماع الذي يعد الثاني من نوعه خلال نوعه أسبوع الذي تستضيفه مصر بشأن الاتفاق.

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي، والتي تناقش بالقاهرة، بجوار ملفات أخرى مثل المساعدات والضمانات بالإنسحاب الإسرائيلي.

وتتضمَّن الخطة موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن تنسحب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث السامي لغزة نيكولاي ملادينوف في القاهرة (الخارجية المصرية)

ويرى الرقب أن «حماس» لديها تحفظات شديدة بشأن تسليم سلاحها في ظل تلك الخروقات الإسرائيلية وعدم حسم من سيتسلم السلاح، أو كيفية إتمام ذلك، بخلاف عدم حسم ملف دمج موظفيها بالجهاز الأمني، وعدم وصول قوات الاستقرار الدولية، مقترحاً أن تلقي «حماس» الكرة في ملعب إسرائيل بالموافقة على التسليم لجهة دولية أو وسيطة شريطة التزامات إسرائيلية في محاولة لدفع الاتفاق.

ورغم ذلك المقترح، يعتقد الرقب أن نتنياهو غير مستعد للانسحاب من قطاع غزة، ويرغب في العودة لمسار الحرب قبل الانتخابات الإسرائيلية (المقررة في أكتوبر «تشرين الأول» المقبل)، واستمرار إضعاف الشرطة الفلسطينية لملء الفراغ بميليشيات تابعة له.