الرئيس الإيراني الجديد يعزز الآمال في انفراجة دبلوماسية

بزشكيان خلال لحظة تأمل في ضريح المرشد الإيراني الأول جنوب طهران على هامش خطابه بعد فوزه بالرئاسة أمس (أ.ف.ب)
بزشكيان خلال لحظة تأمل في ضريح المرشد الإيراني الأول جنوب طهران على هامش خطابه بعد فوزه بالرئاسة أمس (أ.ف.ب)
TT

الرئيس الإيراني الجديد يعزز الآمال في انفراجة دبلوماسية

بزشكيان خلال لحظة تأمل في ضريح المرشد الإيراني الأول جنوب طهران على هامش خطابه بعد فوزه بالرئاسة أمس (أ.ف.ب)
بزشكيان خلال لحظة تأمل في ضريح المرشد الإيراني الأول جنوب طهران على هامش خطابه بعد فوزه بالرئاسة أمس (أ.ف.ب)

مع انتخاب الإصلاحي مسعود بزشكيان رئيساً، ربما تشهد إيران تخفيفاً لحدة سياساتها الخارجية «المتشددة»، بل وربما يتيح فرصة لانفراجة دبلوماسية جديدة، حسبما ذكر مسؤولون وخبراء حاليون وسابقون.

جدير بالذكر أن بزشكيان، طبيب القلب وعضو البرلمان ووزير الصحة السابق، لا يحظى بخبرة مباشرة تُذكر بمجال السياسة الخارجية، إلا أنه تعهد بتمكين دبلوماسيي إيران من النخبة والداعمين للعولمة من إدارة أجندته الخارجية، ما زاد الآمال في إقامة علاقات أكثر دفئاً مع الغرب.

في سياق متصل، عبر دنيس روس، المساعد الخاص للرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، والمفاوض المخضرم المعني بشؤون الشرق الأوسط، عن اعتقاده بأن بزشكيان «يمثل موقفاً أكثر برغماتية، وأقل صداماً تجاه الخارج والداخل»، إلا أنه استطرد بأن المرشد علي خامنئي «سيفعل الكثير لتقييد» أجندة بزشكيان الدولية.

يُذكر أن معظم صلاحيات الرئيس الإيراني تقتصر، إلى حد كبير، على القضايا الداخلية. أما خامنئي، باعتباره صاحب كلمة الفصل، فيتولى اتخاذ جميع القرارات السياسية الكبرى، خاصة ما يتصل بالشؤون الخارجية، والبرنامج النووي الإيراني.

أما القوة الرائدة الأخرى داخل النظام الإيراني؛ «الحرس الثوري»، فتتولى الإشراف على جميع الشؤون العسكرية للبلاد. ويخضع «الحرس الثوري» للمرشد الإيراني، ويملك الاثنان سلطة تقرير متى وكيف يجري استخدام القوة العسكرية، سواء عبر إطلاق العنان لوكلاء إيران داخل العراق وسوريا ولبنان واليمن، أو في تهديد إسرائيل.

ويرى دبلوماسيون ومحللون أن السياسات الخارجية الإيرانية اتخذت منحى أكثر تشدداً بشكل متزايد عبر السنوات الأخيرة، وقد يستمر هذا الاتجاه في عهد بزشكيان. ويتضمن ذلك ترسيخ التحالفات مع دول أخرى - كما فعلت إيران عبر إمداد روسيا بطائرات من دون طيار وصواريخ لمهاجمة أوكرانيا - وتصوير نفسها كقوة لا يستهان بها، في كل من الشرق الأوسط والغرب، رغم الاضطرابات الداخلية واقتصادها المضطرب.

وفي إطار تحليل كتبه مع اقتراب انعقاد الانتخابات الرئاسية الإيرانية، قال راي تقية، الخبير في الشؤون الإيرانية لدى مجلس العلاقات الخارجية: «حقق محور المقاومة الإيراني نجاحاً ملحوظاً لدرجة أنه من الصعب تصور سبب قد يدفع أي شخص إلى تعطيل السياسة التي سمحت لطهران بإظهار قوتها، مع قدر من الإفلات من العقاب».

ويرى محللون أن التأثير الأكبر للرئيس، دولياً، ربما يكمن في صياغة كيفية النظر إلى سياسات إيران حول العالم، وذلك بالاعتماد إلى حد كبير على الدبلوماسيين الذين يختارهم. وفي هذا الصدد، يبدو التناقض صارخاً بين بزشكيان، وأبرز منافسيه سعيد جليلي، المحافظ المتشدد والمناهض للغرب.

تجدر الإشارة إلى أنه في أثناء فترة الرئاسة المتشددة لمحمود أحمدي نجاد، عارض جليلي، بشكل قاطع، أي اتفاق مع عدد من القوى العالمية لتقييد برنامج إيران النووي، مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية المؤلمة. وبدلاً من ذلك، دفع باتجاه تخصيب اليورانيوم إلى مستويات صالحة لصنع الأسلحة، حسبما كتب خبراء بـ«مركز ستيمسون»، في تحليل نشروه في يونيو (حزيران).

من ناحيته، أعلن بزشكيان عزمه على وضع سياسة لضمان التعاون الدولي، وعبر عن دعمه لتحسين العلاقات مع الغرب، بهدف إنهاء العقوبات. وقال إنه يرغب في تعزيز التواصل مع معظم الحكومات عبر أنحاء العالم - باستثناء إسرائيل - لكنه حذر كذلك من الإفراط في التعويل على التحالفات مع روسيا والصين.

في مايو (أيار)، صرح بزشكيان بأنه «إذا أردنا العمل على أساس هذه السياسة، فيجب علينا التصرف بشكل جيد مع الجميع، وإقامة علاقات طيبة مع الجميع، على أساس الكرامة والمصالح».

وأضاف: «كلما عكفنا على تحسين علاقاتنا الخارجية، اقتربنا من السياسة المذكورة، لكن كلما تفاقمت التوترات، ابتعدنا عنها وتأزم الوضع».

وكان وزير الخارجية الأسبق، محمد جواد ظريف، كبير مستشاري السياسة الخارجية لحملته، الذي توسط في جهود إبرام اتفاق نووي مع قوى عالمية عام 2015.

من ناحية أخرى، فإن الاختبار الرئيسي لاهتمام إيران بالدبلوماسية مع الغرب، سيتمثل فيما إذا كانت ستستجيب للجهود المبذولة لإحياء الاتفاق النووي الموقع عام 2015، وهي قضية زاد من تعقيدها ترشح الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب.

فنياً، ينتهي الاتفاق، الذي يهدف إلى منع إيران من تصنيع قنبلة نووية، العام المقبل. ومع ذلك، فإنه أصبح شبه ملغى منذ أن قرر ترمب انسحاب الولايات المتحدة منه عام 2018، وأعاد فرض عقوبات أميركية ضد طهران. ودفع ذلك إيران إلى تسريع وتيرة تخصيب اليورانيوم إلى درجة يقول خبراء إنها قد تكون الآن قادرة على إنتاج الوقود اللازم لإنتاج ثلاث قنابل أو أكثر في غضون أيام أو أسابيع.

من جهتها، أصرت إيران لفترة طويلة على أن برنامجها النووي سلمي، كما يقول مسؤولون أميركيون إنه لا يوجد دليل على وجود جهود حالية لتحويل اليورانيوم الإيراني إلى أسلحة نووية. في المقابل، يؤكد الإسرائيليون أن مثل هذه الجهود جارية بالفعل تحت ستار أبحاث جامعية.

من ناحيتها، عملت كاثرين أشتون، دبلوماسية بريطانية أشرفت على المحادثات النووية باعتبارها مسؤولة عن السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، عندما جرى التوصل إلى اتفاق مؤقت عام 2013، بشكل وثيق مع جليلي وظريف على طاولة المفاوضات. وقالت إن جليلي يبدو مهتماً أكثر بـ«مواصلة المفاوضات مع ضمان عدم تحقيق أي تقدم أو نتيجة حقيقية».

وأضافت أشتون أن ظريف، من ناحية أخرى، امتلك «فهماً أكبر بكثير للولايات المتحدة وأوروبا، وتصميماً على تأمين مستقبل إيران في المنطقة».

وكان خامنئي قد حذر الإيرانيين من انتخاب رئيس قد يجري النظر إليه باعتباره شديد الانفتاح على الغرب، خاصة الولايات المتحدة. وأفاد دبلوماسيون بأن تحسن العلاقات التجارية مع روسيا على مدى العقد الماضي، بعد سنوات من عدم الثقة والخلاف، ساعد إيران على التغلب على العزلة الدولية المستمرة.

وأشار خبراء «مركز ستيمسون» إلى أن الحرب الدائرة بين إسرائيل و«حماس» في قطاع غزة، أدت إلى تفاقم التوترات بين الولايات المتحدة والقوى المدعومة من إيران في لبنان وسوريا والعراق واليمن، ما قلص إمكانية التوصل إلى اتفاقيات جديدة بين الولايات المتحدة وإيران.

وبعد الغارة الإسرائيلية على مجمع السفارة الإيرانية لدى سوريا في أبريل (نيسان)، والتي أسفرت عن مقتل العديد من القيادات الإيرانية، ردت إيران بإطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد إسرائيل، والتي جرى اعتراض معظمها. وكان ذلك بمثابة تصعيد خطير بين البلدين، والاحتمال الأكبر أنه دفع إيران إلى العمل على ضمان امتلاكها رادعاً أكثر قوة.

ومع ذلك، يدرك الإيرانيون أن الولايات المتحدة عازمة على تجنب توسيع الصراع في الشرق الأوسط، وكانت هناك رسائل عبر القنوات الخلفية بين البلدين للتأكيد على أخطار التصعيد.

وأحيا تبادل سجناء، العام الماضي، بين البلدين، الآمال في مزيد من التعاون الدبلوماسي، مثلما فعلت المحادثات غير المباشرة بشأن البرنامج النووي، إلا أن إيران تركز الآن على كيف - أو ما إذا كانت - ستتعامل مع ترمب حال إعادة انتخابه في نوفمبر (تشرين الثاني)، حسبما يفترض على نطاق واسع بين أفراد الطبقة السياسية الإيرانية.

من جانب آخر، قال روس إن الرئيس الإيراني الجديد سيكون لديه بعض المساحة التي تتيح له تعديل التوازن بين «البرغماتية أو الالتزام بالمعايير الآيديولوجية التي يضعها المرشد علي خامنئي» في اتخاذ القرارات الحكومية.

ومع ذلك، فإن هذا لن يؤثر كثيراً في تعاملات بزشكيان على صعيد السياسة الخارجية، خاصة مع الولايات المتحدة؛ إذ أقر خامنئي حدوداً واضحة. وقال روس إنه حتى عندما يتعلق الأمر بالاتفاق النووي لعام 2015، فإن خامنئي «نأى بنفسه عنه، وكان لسان حاله يقول: (لقد أخبرتك بذلك) عندما انسحب ترمب منه».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

إيرانيون غادروا بلادهم يروون «كابوس» قمع الاحتجاجات الشعبية

شؤون إقليمية إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

إيرانيون غادروا بلادهم يروون «كابوس» قمع الاحتجاجات الشعبية

في 10 يناير، شاهد «كيارش» في طهران مسلحاً يرتدي رداء فضفاضاً، ثم رأى متظاهرين يسقطون بين الحشود، ويؤكد أنه لو التفت في الاتجاه الخاطئ لكان قد مات هو أيضاً.

«الشرق الأوسط» (طهران - لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب) play-circle

ترمب: خامنئي مسؤول عن تدمير إيران... وحان وقت البحث عن قيادة جديدة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، إن الوقت قد حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية إيرانيون يسيرون في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ) play-circle

خامنئي: الولايات المتحدة أطلقت «الفتنة» ويجب محاسبتها

اتهم المرشد الإيراني علي خامنئي الولايات المتحدة بإشعال الاضطرابات في بلاده، مؤكداً في الوقت نفسه أن طهران «لا تريد حرباً».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

شجع رضا بهلوي، الإيرانيين على النزول إلى الشوارع مرة أخرى نهاية هذا الأسبوع، وذلك بعدما تم خنق الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد بعد مقتل أكثر من 2600 متظاهر.

شؤون إقليمية عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)

مؤتمر ميونيخ للأمن يسحب دعوته لوزير الخارجية الإيراني

سحب مؤتمر ميونيخ للأمن الدعوة الموجهة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، على خلفية الحملة الأمنية التي شنّتها حكومة طهران على ‌الاحتجاجات.

«الشرق الأوسط» (برلين)

خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
TT

خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

أنعش تشكيل «لجنة التكنوقراط الفلسطينية» لإدارة قطاع غزة وعقد أول اجتماعاتها في القاهرة، الجمعة، آمال تحريك الجمود القائم بشأن ملف «إعادة الإعمار» بعد عراقيل إسرائيلية تسببت في عدم انعقاد «مؤتمر إعادة الإعمار» الذي كان مقرراً أن تستضيفه مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حتى الآن، وسط رؤى مختلفة بشأن «الإعمار الجزئي» أو «الكلي» للقطاع.

وأكد رئيس اللجنة الفلسطينية علي شعث، في تصريحات إعلامية، الجمعة، أن أهم خطوة بالتزامن مع تشكيل اللجنة تمثلت في «إنشاء صندوق مالي خاص ضمن البنك الدولي، خُصص رسمياً لتمويل إعمار قطاع غزة وإغاثة سكانه».

وأوضح أن أولى الخطوات العملية الملموسة في خطة إعادة التأهيل والإعمار ستكون توريد وتركيب 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع (كرفانات) بشكل عاجل وغير آجل إلى القطاع، مشيراً إلى أن «الإسكان مهم جداً بعد دمار أكثر من 85 في المائة من المنازل» في غزة.

وما زال «إعمار قطاع غزة» يكتنفه الغموض مع مساعٍ إسرائيلية إلى «إعمار جزئي» في مناطق سيطرتها، وهو ما يتناغم مع موقف أميركي يتبنى هذا الخط، في حين قال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية تميم خلاف، في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، الشهر الماضي، إن مصر تهدف إلى «إطلاق مسار متكامل بشأن إعمار غزة».

وتسعى مصر لتفعيل أدوار اللجنة مع تمكينها من أداء عملها من داخل قطاع غزة. وتوقع وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن يتم الدفع بـ«لجنة إدارة غزة إلى داخل القطاع قريباً لإدارة الأمور الحياتية»، مشدداً، خلال مؤتمر صحافي أثناء استقباله نظيره البوسني إلمدين كوناكوفيتش، على «أهمية التزام إسرائيل بالانسحاب من قطاع غزة، ونشر القوة الدولية، والتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

في حين أكد علي شعث خلال لقائه وأعضاء لجنته برئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، السبت، أن «أولويات اللجنة ترتكز على تحسين الوضع الإنساني المعيشي لمواطني القطاع»، مشيراً إلى أن «اللقاء ناقش الخطوات اللازمة لتسلّم اللجنة كافة مهامها بالقطاع».

عضو المجلس الثوري لحركة «فتح»، أسامة القواسمي، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن تشكيل «لجنة إدارة غزة» خطوة إيجابية تمثل تطبيقاً عملياً للمرحلة الثانية، مشيراً إلى أن السلطة الفلسطينية كانت أولوياتها تتمثل في عدم استئناف الحرب مرة أخرى، وتثبيت المواطنين في القطاع، ثم الاتجاه لخطوات إعادة الإعمار.

وأوضح أن مهام اللجنة واضحة، وتتعلق بالترتيبات الداخلية، وتحقيق استتباب الأمن، وتجهيز البنية التحتية الملائمة لإعادة الإعمار، إلى جانب إغاثة الشعب الفلسطيني في غزة، مضيفاً: «هناك تفاؤل فلسطيني بأن تكون المرحلة الثانية أخف وطأة على أهالي القطاع من الفترات السابقة. والآمال منعقدة على ألا يكون هناك عوائق من جانب إسرائيل».

وأشار إلى أن سياسة «الصبر الاستراتيجي» التي اتبعتها السلطة الفلسطينية، إلى جانب الدول العربية والأطراف الإقليمية، نحو الضغط على الولايات المتحدة الأميركية لدفع إسرائيل إلى «المرحلة الثانية»، ستكون حاضرة أيضاً بشأن تنفيذ باقي الاستحقاقات، ومنها إعادة الإعمار، مع الانفتاح على المجتمع الدولي للمساهمة في عملية التعافي المبكر، واستمرار تثبيت وقف إطلاق النار.

رئيس جهاز المخابرات العامة المصري اللواء حسن رشاد يستقبل رئيس «لجنة إدارة غزة» علي شعث في القاهرة السبت (مواقع إخبارية رسمية)

وكان رئيس «هيئة الاستعلامات المصرية» ضياء رشوان، أكد في تصريحات إعلامية الخميس، أن «لجنة إدارة غزة» ستتولى ملفَّي الخدمات والإعمار خلال المرحلة المقبلة.

وبدأت «لجنة التكنوقراط» الفلسطينية لإدارة غزة اجتماعها الأول في العاصمة المصرية يوم الجمعة، ومن المقرر أن تدير اللجنة مؤقتاً قطاع غزة تحت إشراف «مجلس السلام».

وأكد المحلل السياسي الفلسطيني المقيم في قطاع غزة، عماد عمر، أن الأيام المقبلة سوف تحدد مدى قدرة اللجنة على تنفيذ الاستحقاقات المتعلقة بتحسين الأوضاع على الأرض، في ظل استمرار إسرائيل في استهداف الفلسطينيين يومياً، مشيراً إلى أن بدء عمل اللجنة يعد «باكورة تفكيك أزمات الملف الإنساني مع تعنت إسرائيل في تطبيق البروتوكول الذي ينص عليه وقف إطلاق النار».

وينص «البروتوكول» الذي يعد ضمن متطلبات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، على «دخول 600 شاحنة يومياً من المساعدات الإغاثية والإنسانية، منها 50 شاحنة مخصصة للوقود، مع تخصيص 300 شاحنة من الإجمالي لمنطقة شمال غزة لضمان وصول الإغاثة لكافة الأنحاء».

وأضاف عمر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الانخراط في أي خطوات إجرائية تستهدف التمهيد لإعادة الإعمار، يبقى رهن الدور الأميركي لدفع إسرائيل نحو المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وبدء عمل باقي الهيئات المنوط بها إدارة القطاع، بما فيها «مجلس السلام» و«قوة الاستقرار»، مشيراً إلى أن مهمة «لجنة التكنوقراط» تتمثل في تقديم الخدمات، وتفكيك الأزمة الإنسانية، وإعادة تشغيل الصحة والتعليم، وإصلاح البنية التحتية، وضبط الأمن، وتأمين وصول المساعدات.

وأشار إلى أن الاختراق الآني بشأن إعادة الإعمار يمكن أن يتمثل في الضغط على إسرائيل لسماحها بدخول المعدات الثقيلة لإزالة الركام واستخراج جثامين الفلسطينيين، إلى جانب تهيئة البنية التحتية في الشوارع، وإيجاد حلول لأزمات الصرف الصحي.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتوقع عمل «لجنة إدارة غزة» من داخل القطاع قريباً (الخارجية المصرية)

وحذّر المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات دعم المشاريع، خورخي موريرا دا سيلفا، الخميس، من أن إعادة إعمار غزة لا تحتمل التأجيل، وذلك عقب عودته من مهمته الثالثة إلى القطاع الفلسطيني الذي دمرته سنتان من الحرب، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي قدّرت الاحتياجات بأكثر من 52 مليار دولار.

وكان المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، أعلن الأربعاء الماضي إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المكوّنة من 20 نقطة لإنهاء الحرب في غزة، وقال إنها «تنتقل من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، وتأسيس حكم تكنوقراط، والشروع في إعادة الإعمار».


إيرانيون غادروا بلادهم يروون «كابوس» قمع الاحتجاجات الشعبية

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
TT

إيرانيون غادروا بلادهم يروون «كابوس» قمع الاحتجاجات الشعبية

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

في العاشر من يناير (كانون الثاني) شاهد «كيارش» في طهران مسلحاً يرتدي رداء فضفاضاً، ثم رأى متظاهرين يسقطون بين الحشود، ويؤكد أنه لو التفت في الاتجاه الخاطئ لكان قد مات هو أيضاً. وقال الإيراني البالغ 44 عاماً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عبر الهاتف من ألمانيا؛ حيث يعيش: «سمعت صوت طلقات... ورأيت بأم العين 3 أشخاص يسقطون أرضاً».

وأضاف الرجل بعدما شهد القمع العنيف لحركة الاحتجاج في بلده الأم، أن رجلاً بجانبه كان يصرخ ويده ملطخة بدماء رفيقته، غير مصدق أنها أصيبت. وأكد «كيارش» الذي لم يرغب في ذكر اسمه كاملاً، أن المشهد «صار كابوساً» يراوده كل ليلة، مؤكداً قناعته بأنه «لو كان مطلق النار أعسر لكنتُ ميتاً».

وشارك «كيارش» في الاحتجاجات بعد ساعات من مشاهدته عن قرب ألم العائلات في مقبرة «بهشت زهرا» (جنة الزهراء) الشاسعة في جنوب طهران؛ حيث تكدست أكياس الجثث مع توافد الآلاف لتسلم جثامين أحبائهم، ومنهم سيدة صرخت طالبة المساعدة في نقل جثمان ابنها.

وروى الموظف السابق في شركة لوجستية أن: «أكثر من 1500 جثة؛ بل ما قد يصل إلى ألفين، كانت في مستودع واحد». وتذكر أيضاً الهتافات التي تؤبِّن الموتى، وتُندِّد بالمرشد الإيراني علي خامنئي، صاحب الكلمة الفصل في السياسات العليا للبلاد.

لم تتدخل قوات الأمن في الدفن، ولكنها منعت توثيق المشاهد، وفق «كيارش». ولفت إلى نداءات التبرع بالدم لكثير من الجرحى الذين أصيب معظمهم في أقدامهم، في مدينة آمل شمال إيران؛ حيث تعيش عائلته.

«لم يتفرَّق الناس»

إيرانيون يسيرون في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

ومنذ الثامن من يناير، حجبت السلطات بشكل كامل الاتصال بالإنترنت، فباتت بعض مقاطع الفيديو التي تتسرب عبر منصات التواصل، أو شهادات من فرُّوا من إيران، الوسيلة الوحيدة لتبيان بعض مما يجري. وتحدثت منظمة «نتبلوكس»، يوم السبت، عن عودة «محدودة جداً» للإنترنت في إيران. أما الاتصالات الدولية فباتت ممكنة من يوم الثلاثاء، ولكن فقط للمكالمات الصادرة.

ومن خلال تعطيل انتشار صور الاحتجاجات، ومنع المتظاهرين من التنظيم، سمح التعتيم للسلطات بإخفاء مدى القمع الذي أودى بحياة آلاف، وفق ما أكدت منظمات غير حكومية وخبراء.

وقالت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» التي تتخذ مقراً لها في النرويج، إنها تلقت: «روايات مروعة مباشرة عن قتل متظاهرين في أثناء محاولتهم الفرار، واستخدام أسلحة حربية، وإعدام متظاهرين جرحى في الشارع».

وروى «كاوه» (اسم مستعار) أن الأجواء في طهران كانت غير معتادة يوم الخميس الماضي. فمع حلول الظلام، خلت الشوارع المزدحمة عادة، وأُغلقت المحال، وسرعان ما قُطع الاتصال بالإنترنت. في ذلك المساء، وعلى غرار مدن إيرانية أخرى، نصب متظاهرون عوائق، وأضرموا النار في حاويات قمامة، حسبما قال الشاب البالغ 33 عاماً من بريطانيا، بعد مغادرته بلاده مؤخراً.

وتذكَّر أنه بعث رسالة نصية إلى زوجته يقول فيها: «لا يوجد إنترنت، أنا بخير، أحبك». ولكن الرسالة لم تصل. ولم يمنع الحجب تسريب مقاطع فيديو على وسائل التواصل، غالباً باستخدام إنترنت متصل بالأقمار الاصطناعية. وتظهر في بعضها سيارات شرطة ومساجد محترقة، ويُسمع في أخرى دوي انفجارات.

وأكد «كاوه» الذي شارك في مظاهرات طهران يوم التاسع من يناير، وقوع «إطلاق نار من بنادق هجومية ورشقات نارية»، وقال: «كنا نسمع سلسلة من الطلقات النارية كل 10 دقائق»، رغم أنه لم يشهد مباشرة إطلاق نار، ولكنه أضاف أن «الناس لم يتفرقوا. وعادة بعد إطلاق النار يتفرق الناس، ولكن هذه المرة بقوا في أماكنهم».

التعرف عليه من خلال وشومه»

إيرانيون يتظاهرون أمام السفارة الإيرانية في أثينا باليونان تضامناً مع الاحتجاجات المناهضة للحكومة في بلادهم (أ.ب)

من جانبه، وصف فنان يبلغ 39 عاماً طلب عدم كشف هويته، طهران، في رسالة إلى صديق، بأنها «تبدو كمنطقة حرب». وبالمثل، روى مصور صحافي يُدعى محمد «خوفه من اندلاع حرب أهلية، نظراً للتحول العنيف للغاية الذي شهدته هذه المظاهرات السلمية في البداية».

وأكد صالح علوي زاده -وهو ممثل ومخرج إيراني يقيم في فرنسا- لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن شخصين من معارفه قُتلا خلال الاحتجاجات، قائلاً: «أُصيب ممثل مسرحي شاب برصاصة في رأسه. ولأن ملامح وجهه لم تعد قابلة للتمييز، اضطروا إلى التعرف عليه من خلال وشومه». وأضاف: «في البلاد، يعرف الجميع على الأقل شخصاً واحداً قُتل في هذه الاحتجاجات».

وتراجع زخم الاحتجاج في الأيام الماضية، ولم تقدم السلطات الإيرانية حصيلة رسمية للقتلى حتى الآن، وتُندد بـ«مخربين ومثيري شغب»، وتتهم إسرائيل والولايات المتحدة بدعمهم.

وتبثُّ وسائل الإعلام الرسمية باستمرار مشاهد مسيرات دعم للحكومة، ومراسم تشييع تكريماً لعناصر من قوات الأمن قُتلوا في الاحتجاجات. وتعرض لافتات في العاصمة صوراً لمركبات تعرضت للتخريب مع رسالة تقول: «هذه ليست احتجاجات»، و«يتضاءل أملنا».

ومنذ عودة الاتصالات الهاتفية، تمكَّن المغتربون الإيرانيون الذين عرفوا القلق لأيام من الحصول على أخبار من أقربائهم، عبر مكالمات قصيرة مكلفة مادياً، وقد تنطوي على مخاطر أمنية. ويكتفي الإيرانيون عموماً باستخدام كلمات بسيطة لطمأنة أحبائهم، خشية اعتراض السلطات الرسائل عبر خدمة «ستارلينك» أو الخطوط الأرضية، واستخدامها لاتهامهم بالتعامل مع دول أجنبية.

أعطى «كاوه» أصدقاءه المشتركين في خدمة «ستارلينك» قائمة بأرقام هواتف للاتصال بأصحابها، وقال لهم: «أخبروني إن كانت أمورهم على ما يرام أم لا فقط، من دون الخوض معهم في التفاصيل».

ورغم حملة القمع الشديدة، يرى إيرانيون أن اندلاع مزيد من الاحتجاجات مسألة وقت لا أكثر. ويؤكد «كاوه» أن الحراك الأخير «منح الأمل لكثيرين، ولكن مع كل فشل للاحتجاج يتضاءل أملنا أكثر فأكثر». ولكن «كيارش» يرى أمراً أكيداً ردده لنفسه في طريقه نحو المطار لمغادرة إيران، وهو: «لن يبقى شيء على ما كان عليه».


ترمب: خامنئي مسؤول عن تدمير إيران... وحان وقت البحث عن قيادة جديدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: خامنئي مسؤول عن تدمير إيران... وحان وقت البحث عن قيادة جديدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، إن الوقت قد حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران.

واتهم ترمب الزعيمَ الإيراني علي خامنئي بالمسؤولية عمّا وصفه بـ«التدمير الكامل لبلاده... وقتل شعبه واستخدام العنف بمستويات غير مسبوقة» في التعامل مع الاحتجاجات المستمرة في مناطق مختلفة من إيران منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وهاجم ترمب النظام الإيراني، وقال لموقع «بوليتيكو» الإخباري إن طهران «تعتمد على القمع والعنف» في الحكم، وإن إيران باتت أسوأ مكان للعيش في العالم؛ بسبب «سوء القيادة».

كان خامنئي وصف ترمب، في وقت سابق اليوم، بأنه «مجرم»؛ بسبب الخسائر والأضرار التي ألحقها بإيران، مؤكداً أن الولايات المتحدة دعمت ما وصفها بـ«الفتنة» في إيران بوصفها مقدمةً لعمل أكبر كانت تريد تنفيذه.

واندلعت الاحتجاجات في 28 ديسمبر على خلفية مصاعب اقتصادية، وتطورت إلى مظاهرات واسعة النطاق تطالب بإسقاط نظام الحُكم في إيران.

وهدَّد ترمب مراراً بالتدخل، وتوعَّد باتخاذ «إجراء قوي للغاية» إذا أعدمت إيران محتجين.

لكنه شكر قادة طهران، أمس (الجمعة)، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً إنهم تخلوا عن فكرة الإعدام الجماعي. وقالت إيران إنه لم تكن هناك «خطة لإعدام الناس شنقاً».

وقالت جماعات حقوقية إن حملة ​القمع العنيفة التي شنَّتها قوات الأمن الإيرانية ضد المحتجين أودت بحياة أكثر من 3 آلاف شخص.