التضخم يتراجع في منطقة اليورو ويقترب من مستهدف «المركزي الأوروبي»

السلطات المصرفية ما زالت تدعو إلى الحذر

متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة 10 يوروات في سوق محلية بمدينة نيس الفرنسية (رويترز)
متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة 10 يوروات في سوق محلية بمدينة نيس الفرنسية (رويترز)
TT

التضخم يتراجع في منطقة اليورو ويقترب من مستهدف «المركزي الأوروبي»

متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة 10 يوروات في سوق محلية بمدينة نيس الفرنسية (رويترز)
متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة 10 يوروات في سوق محلية بمدينة نيس الفرنسية (رويترز)

تسارعت وتيرة التضخم في منطقة العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) بعد بدء الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022، وقد بلغ الذروة بما تجاوز 10 في المائة هذا العام. وارتفعت تكاليف الطاقة، بشكل خاص، بعدما تسببت الحرب في زيادة أسعار الغاز، وهو ما أثر في تكاليف المنتجات الصناعية والواردات.

وبعد أكثر من عامين من الحرب، وصل معدل التضخم في المنطقة إلى 2.5 في المائة في يونيو (حزيران) الماضي، بتراجع من 2.6 في المائة في مايو (أيار) السابق، ولجأ البنك المركزي الأوروبي، وهو المنوط به الحفاظ على استقرار الأسعار في المنطقة، إلى خفض أسعار الفائدة الرئيسية بواقع 0.25 في المائة، للمرة الأولى في يونيو، منذ أن ضرب التضخم منطقة اليورو.

ومن شأن انخفاض التضخم في كامل منطقة اليورو أن يمنح البنك المركزي الأوروبي مجالاً لمزيد من خفض أسعار الفائدة على مدار العام. ويضع «المركزي الأوروبي» معدل التضخم المستهدف عند 2 في المائة.

وسعت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إلى تهدئة التوقعات بمزيد من الخفض في معدلات الفائدة، وذلك خلال مؤتمر عُقد في البرتغال مؤخراً. وقالت لاغارد: «سوف يستغرق الأمر بعض الوقت كي نتمكن من جمع بيانات كافية تؤكد أن مخاطر تجاوز التضخم المستهدف قد مضت».

واتسمت الهيئة المصرفية الأوروبية بالحذر، وحذرت مؤسسات الائتمان من «حالة غموض مرتفعة» تكتنف النمو الاقتصادي وأسعار الفائدة والمخاطر الجيوسياسية.

«يوروستات»

تراجع معدل التضخم في منطقة اليورو على أساس سنوي، ونشر المكتب الأوروبي للإحصاءات (يوروستات) في الثاني من يوليو (تموز) الحالي تقديراته الشهرية للبيانات المؤقتة، والتي أظهرت وصول معدل التضخم في منطقة اليورو إلى 2.5 في المائة على أساس سنوي في يونيو، مقابل 5.5 في المائة في 2023.

وتضم منطقة اليورو 20 من الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إذ إن بلغاريا وجمهورية التشيك والمجر وبولندا ورومانيا والسويد ليسوا أعضاءً في المنطقة.

وأشار أحدث تقديرات «يوروستات» إلى تسجيل معدل تضخم في بلجيكا بواقع 5.5 في المائة، وفي إسبانيا 3.5 في المائة، مقارنة بـ3.4 في المائة في كل من كرواتيا وهولندا، مع تسجيل المؤشر المنسق أسعار المستهلك أعلى مستوًى، في يونيو.

وجاءت أدنى المعدلات في فنلندا، بواقع 0.6 في المائة و0.9 في المائة في إيطاليا، و1.0 في المائة في ليتوانيا.

ويساعد المؤشر المنسق لأسعار المستهلك على إجراء المقارنات الدولية لتضخم الأسعار، كما يعطي نظرة عامة قابلة للمقارنة بتكاليف السلع والخدمات التي تشتريها الأسر في دول الاتحاد الأوروبي بمرور الوقت.

نظرة على دول اليورو

في فرنسا، حيث تجرى، الأحد، الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية المبكرة، لعبت أسعار الطاقة دوراً رئيسياً في الحملات الانتخابية، حيث أسهم الغاز والكهرباء في تأجيج التضخم، وشكَّلا عبئاً على الميزانية الفرنسية خلال السنوات الأخيرة.

وتشير البيانات الأولية التي أصدرها المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (إنسي) في فرنسا إلى أنه على مدار عام، يتوقع أن يرتفع مؤشر أسعار المستهلك بواقع 2.1 في المائة في يونيو 2024، بعد زيادة أكثر من 2.3 في المائة في الشهر السابق عليه.

ويمكن أن يفسر تباطؤ أسعار المواد الغذائية والطاقة على مدار العام، الانخفاض الطفيف في معدل التضخم. ويتوقع ارتفاع أسعار الخدمات والمنتجات المصنعة والتبغ على أساس سنوي.

أما في ألمانيا، فقد أظهرت بيانات التضخم الأولية لشهر يونيو، الصادرة عن مكتب الإحصاء الاتحادي، يوم الاثنين الماضي، تراجع معدل التضخم مجدداً. ووصل مؤشر أسعار المستهلك إلى 2.2 في المائة الشهر الماضي، مقارنة بـ6.4 في المائة في الشهر نفسه من 2023.

ووصل معدل التضخم الأساسي، الذي يستثني الأسعار المتقلبة للمواد الغذائية والطاقة، إلى 2.9 في المائة. وفي حين ارتفعت تكلفة الخدمات، بشكل خاص الشهر الماضي، تراجعت أسعار الطاقة.

وزادت القوة الشرائية للأسر بنسبة 3.3 في المائة في الربع الأول من 2024 في إيطاليا مقارنة بالربع السابق، حيث انخفض معدل التضخم، بحسب «معهد الإحصاء الوطني الإيطالي» (إيستات).

ولكن زيادة القوة الشرائية لا تعني دائماً حدوث مزيد من المشتريات، فقد ارتفع إجمالي الدخل المتاح بنسبة 3.5 في المائة، لكن الإنفاق الاستهلاكي زاد بنسبة 0.5 في المائة فقط.

ووفق بيانات «إيستات» لشهر يونيو، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.2 في المائة على أساس شهري، و0.9 في المائة على أساس سنوي (من 0.8 في المائة في مايو).

ووفق «المعهد الوطني للإحصاء» في إسبانيا، سجَّل مؤشر أسعار المستهلك 3.4 في المائة في يونيو الماضي، في انخفاض طفيف على أساس سنوي مقارنة بـ3.6 في المائة في الشهر نفسه من 2023.

وأرجع المعهد الإسباني ذلك إلى انخفاض أسعار الوقود، رغم ارتفاع أسعار المواد الغذائية، ولكن بمعدل أقل من الشهر نفسه في عام 2023. ومع ذلك، صارت عروض «الترفيه والثقافة» أكثر تكلفة في يونيو الماضي مقارنة بالشهر نفسه قبل عام.

وعلى مدار السنوات الأخيرة، كان معدل التضخم في كرواتيا أعلى قليلاً من المتوسط الذي تسجله منطقة اليورو، ولكن أقل من دول الاتحاد الأوروبي التي ليست عضواً في المنطقة. وانضمت كرواتيا لمنطقة اليورو مطلع يناير (كانون الثاني) 2023.

ووفق تقديرات دائرة الإحصاء الحكومية في أوكرانيا، سجل متوسط أسعار السلع والخدمات للاستهلاك الشخصي 2.4 في المائة، وفقاً للتقدير الأول لشهر يونيو 2024، مقارنة بالشهر نفسه قبل عام.

خارج منطقة اليورو: السويد ورومانيا وبلغاريا

في السويد، تقول الحكومة، بحذر، إنها انتصرت على التضخم، لكن القلق يساورها بشأن سوق العمل وصناعة المواد الغذائية.

وقالت وزيرة المالية السويدية إليزابيث سفانتيسون في مؤتمر صحافي مؤخراً: «كان شتاءً قاسياً، وحتى لو كانت الشمس مشرقة الآن، فإن الصيف لم يأتِ بعد بالنسبة للاقتصاد السويدي... لا يزال لدينا كثير من التحديات؛ فالبطالة مرتفعة للغاية».

والسويد تشكل ثالث أعلى معدل للبطالة في الاتحاد الأوروبي، بعد إسبانيا واليونان.

وأضافت الوزيرة أن المنافسة في قطاع الأغذية كانت «ضعيفة للغاية»، وهو ما يؤدي إلى «ارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين».

وأظهرت بيانات «المعهد الوطني للإحصاء» في رومانيا لشهر يونيو أن معدل التضخم في البلاد وصل إلى 5.1 في المائة في مايو، في تراجع عن 5.9 في المائة في أبريل (نيسان) السابق عليه. وارتفعت أسعار المواد الغذائية وغير الغذائية والخدمات.

ووفقاً لـ«مكتب الإحصاء الأوروبي»، سجلت رومانيا أعلى معدل تضخم بين دول الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2024.

وفي بلغاريا، يهيمن معدل التضخم في البلاد على المحادثات بشأن إمكانية انضمام صوفيا لمنطقة اليورو.

وقالت المفوضية الأوروبية يوم 26 يونيو الماضي إن بلغاريا لا تستوفي معيار استقرار الأسعار كي تتبنى العملة الأوروبية الموحدة، استناداً لتحليل البنك المركزي الأوروبي.

دول مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي

وفي ألبانيا، المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، تباطأت وتيرة زيادة الأسعار، ما أتاح للمستهلكين فرصة لالتقاط الأنفاس، في أعقاب زيادات كبيرة شهدتها البلاد قبل عامين.

وتراجع معدل التضخم الأساسي في ألبانيا خلال شهر مايو الماضي إلى 2.3 في المائة، مقارنة بـ3.2 في المائة نهاية العام الماضي، و5.4 في المائة في الشهر نفسه من 2023. والزيادة الأخيرة هي الأدنى في ألبانيا منذ أكتوبر 2021.

وظل معدل التضخم السنوي في البوسنة والهرسك، المرشحة أيضاً لعضوية الاتحاد الأوروبي، مستقراً عند 2 في المائة في أبريل الماضي، وفق بيانات وكالة الإحصاء في البلاد.

ورغم ذلك، يتوقع البنك المركزي في الجمهورية ارتفاع معدل التضخم الإجمالي إلى 2.9 في المائة في الربع الثالث من العام.

يشار إلى أن جمهورية البوسنة والهرسك لديها اقتصاد صغير، يعتمد بشكل كبير على الاتحاد الأوروبي، أكبر شريك تجاري للبلاد. ولذلك، هناك مراقبة من كثب للاتجاهات الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي. ويرى خبراء الاقتصاد أن ارتفاع أسعار المنتجات يأتي نتيجة الاعتماد المفرط على واردات المواد الغذائية.

ويرجع هذا الارتفاع بشكل رئيسي إلى تسارع وتيرة أسعار النقل والإسكان والمرافق والمطاعم والفنادق. وفي المقابل، تراجعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات الكحولية، وغير الكحولية، والتبغ، والملابس والأحذية.

وعلى أساس شهري، ارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 0.9 في المائة في مايو الماضي، بعد زيادة بواقع 0.7 في المائة في أبريل السابق عليه.

وفي صربيا، المرشحة أيضاً لعضوية الاتحاد الأوروبي، أعلن البنك الوطني الصربي (البنك المركزي) أنه بحسب بيانات المعهد الجمهوري للإحصاء، سجل معدل التضخم تباطؤاً على أساس سنوي بواقع 4.5 في المائة في مايو الماضي. ويتوقع البنك استمرار تباطؤ التضخم حتى نهاية العام.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدعو لتحدي هيمنة الدولار بالاعتماد على سندات اليورو

الاقتصاد اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ⁠استحداث ​وسيلة ‌للاقتراض المشترك من خلال سندات باليورو لتحدي هيمنة الدولار (رويترز)

فرنسا تدعو لتحدي هيمنة الدولار بالاعتماد على سندات اليورو

قال ​الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ‌إنه يتعين على ‌الاتحاد ‌الأوروبي ⁠استحداث ​وسيلة ‌للاقتراض المشترك، من خلال سندات باليورو على سبيل المثال؛ لتحدي الدولار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مارتن كوشر خلال مقابلة مع «رويترز» في فيينا يوم 6 فبراير 2026 (رويترز)

محافظ «المركزي النمساوي»: على أوروبا الاستعداد لدور عالمي أكبر مع تراجع الدولار

قال صانع السياسات في «البنك المركزي الأوروبي»، مارتن كوشر، إن أوروبا يجب أن تستعد للعب دور أكبر في التمويل العالمي؛ نظراً إلى تراجع الدولار.

«الشرق الأوسط» (فيينا - برلين )
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

تباين عوائد سندات اليورو وسط ترقب البيانات الاقتصادية الأميركية

شهدت عوائد سندات حكومات منطقة اليورو يوم الاثنين تبايناً، وسط أجواء من الحذر بين المستثمرين مع انطلاق أسبوع حافل بالبيانات الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أفق مدينة فرانكفورت (رويترز)

نمو اقتصاد منطقة اليورو خلال يناير يتباطأ وسط ركود الطلب والتوظيف

أظهر مسح أن نمو اقتصاد منطقة اليورو تباطأ للشهر الثاني على التوالي خلال يناير (كانون الثاني)، مع ركود شبه كامل في الطلب وتوقف التوظيف.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد منظر عام لكشك خضراوات وفواكه بسوق أسبوعية في العاصمة الألمانية برلين (رويترز)

تراجع التضخم في منطقة اليورو لـ1.7 % يعزز سيناريو تثبيت الفائدة

أظهرت بيانات صدرت يوم الأربعاء انخفاض التضخم في منطقة اليورو الشهر الماضي، ليدخل بذلك فترة تباطؤ يتوقع معظم الاقتصاديين أن تستمر لمدة عام على الأقل.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت (ألمانيا))

«المركزي الصيني» يتعهد بحماية الاستقرار المالي واستقرار اليوان

مسافرون خلال فترة أعياد بداية العام الجديد أمام محطة قطارات في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
مسافرون خلال فترة أعياد بداية العام الجديد أمام محطة قطارات في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
TT

«المركزي الصيني» يتعهد بحماية الاستقرار المالي واستقرار اليوان

مسافرون خلال فترة أعياد بداية العام الجديد أمام محطة قطارات في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
مسافرون خلال فترة أعياد بداية العام الجديد أمام محطة قطارات في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

في وقت تزداد فيه التحديات التي تواجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم، أعلن «بنك الشعب» المركزي الصيني عزمه على توسيع نطاق الدعم المالي لتعزيز الطلب المحلي ودعم الابتكار التكنولوجي، مؤكداً في الوقت نفسه التزامه بالحفاظ على الاستقرار المالي ومنع المخاطر النظامية. ويأتي هذا التوجه في ظل تباطؤ نسبي في النشاط الاقتصادي العالمي، وضغوط داخلية تتعلق باختلال التوازن بين العرض والطلب.

وأشار بنك الشعب الصيني، في تقريره عن تنفيذ السياسة النقدية للربع الرابع، إلى أن الاقتصاد الصيني «مستقر بشكل عام»، لكنه يواجه تحديات هيكلية تتطلب استجابة أكثر مرونة وفاعلية من أدوات السياسة النقدية والاحترازية. ويعكس هذا التقييم نهجاً حذراً يسعى إلى تحقيق توازن بين دعم النمو وتجنب تراكم المخاطر، لا سيما في ظل استمرار ضعف الطلب المحلي وتأثيرات تباطؤ الاستثمارات العقارية والصناعية.

وفي هذا السياق، تعهد البنك المركزي بخفض تكاليف التزامات البنوك، بما يتيح لها تقديم تمويل أرخص للشركات والأفراد، مع الإبقاء على تكاليف التمويل الاجتماعي عند مستويات منخفضة. وتهدف هذه الخطوة إلى تحفيز الاستهلاك والاستثمار، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة والابتكار، التي تراهن عليها بكين كمحرك رئيسي للنمو في المرحلة المقبلة.

كما شدد البنك على عزمه على «توسيع وإثراء» وظائفه في مجالي السياسة الاحترازية الكلية والاستقرار المالي، في إشارة إلى تعزيز الرقابة على النظام المالي ككل، وليس فقط على المؤشرات النقدية التقليدية. ويعكس ذلك إدراك السلطات الصينية لحساسية المرحلة، خصوصاً مع ارتفاع مستويات المديونية في بعض القطاعات، والحاجة إلى منع انتقال أي اضطرابات محلية إلى أزمة مالية أوسع نطاقاً.

وفيما يتعلق بسوق الصرف، أكد البنك المركزي التزامه بمنع «التجاوزات» في سعر صرف اليوان، والحفاظ عليه مستقراً بصورة أساسية. ويكتسب هذا التعهد أهمية خاصة في ظل التقلبات العالمية في أسعار العملات، وتباين السياسات النقدية بين الاقتصادات الكبرى، مما قد يفرض ضغوطاً إضافية على العملة الصينية وتدفقات رأس المال.

وتشير هذه التوجهات مجتمعةً إلى أن بكين تسعى إلى استخدام السياسة النقدية أداةً داعمةً للنمو، ولكن ضمن إطار حذر يضع الاستقرار المالي في صدارة الأولويات. وبالنسبة إلى دوائر الأعمال والمستثمرين، فإن الرسالة الأساسية تتمثل في أن السلطات الصينية ما زالت ملتزمة بدعم الاقتصاد، مع الاستعداد للتدخل عند الضرورة لمنع أي مخاطر قد تهدد استدامة النمو أو استقرار النظام المالي، وهو ما يجعل متابعة خطوات البنك المركزي المقبلة عاملاً حاسماً في تقييم آفاق الاقتصاد الصيني خلال الفترة المقبلة.


العقود الآجلة الأميركية ترتفع بحذر وسط ترقب لبيانات مبيعات التجزئة

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

العقود الآجلة الأميركية ترتفع بحذر وسط ترقب لبيانات مبيعات التجزئة

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية بشكل طفيف يوم الثلاثاء، بعد مكاسب حادة في الجلسة السابقة، حيث تعافت أسهم قطاع التكنولوجيا من تراجع كبير، في وقت يترقب فيه المستثمرون بيانات مبيعات التجزئة التي تفتتح سلسلة من البيانات الاقتصادية المهمة هذا الأسبوع.

وسجل مؤشر «داو جونز» ثاني أعلى مستوى إغلاق قياسي له على التوالي يوم الاثنين، في حين اقترب مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» من ذروته المسجلة في يناير (كانون الثاني)، وفق «رويترز».

ورغم تراجع مؤشر «ناسداك» الأسبوع الماضي نتيجة عمليات بيع أسهم التكنولوجيا، لا يزال المؤشر يبعد نحو 3 في المائة فقط عن أعلى مستوى له على الإطلاق، مع إسهام تنويع الاستثمارات بعيداً عن أسهم التكنولوجيا مرتفعة التكلفة في دعم القطاعات الأقل قيمة سوقية، بما في ذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة.

وفي تمام الساعة 5:24 صباحاً، ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر داو جونز بمقدار 45 نقطة (0.09 في المائة)، والعقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 4.75 نقطة (0.07 في المائة)، في حين سجلت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» ارتفاعاً بمقدار 5 نقاط (0.02 في المائة).

وسينصب التركيز هذا الأسبوع على بيانات الوظائف غير الزراعية المؤجلة، تليها بيانات التضخم الحاسمة التي ستحدد مسار السياسة النقدية لـ«الاحتياطي الفيدرالي». وقال المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، كيفن هاسيت، يوم الاثنين، إن مكاسب الوظائف في الولايات المتحدة قد تتراجع خلال الأشهر المقبلة نتيجة تباطؤ نمو القوى العاملة وارتفاع الإنتاجية.

وتتوقع الأسواق حالياً أن يُبقي «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة دون تغيير حتى يونيو (حزيران)، حيث قد يتولى كيفن وورش، المرشح المحتمل لرئاسة «الاحتياطي الفيدرالي»، زمام الأمور إذا صادق مجلس الشيوخ على تعيينه.

وفي غضون ذلك، استمرت أرباح الشركات في جذب اهتمام المستثمرين، مع إعلان شركات مثل «كوكاكولا» و«هاسبرو» و«سبوتيفاي» و«هارلي ديفيدسون» نتائجها قبل افتتاح السوق.

في المقابل، انخفضت أسهم شركة «أونسيمي» بنسبة 4.5 في المائة في التداولات قبل السوق، بعد أن جاءت إيرادات الربع الرابع للشركة المصنعة للرقائق الإلكترونية أقل من توقعات «وول ستريت».

ويشهد قطاع الذكاء الاصطناعي تدقيقاً متجدداً مع ارتفاع توقعات الإنفاق الرأسمالي والمخاوف بشأن العوائد القابلة للقياس، ما أثر سلباً في معنويات المستثمرين، وسيكون الاختبار القادم نتائج شركة «إنفيديا» العملاقة للرقائق في وقت لاحق من هذا الشهر.

وقال كريس ويستون، من شركة «بيبرستون»، في مذكرة: «يبقى أن نرى ما إذا كانت السوق ستعيد تقييم موقعها في قطاعات القيمة، وتنظر إلى البرمجيات على أنها استثمار طويل الأجل، وما إذا كان المستثمرون سيعودون إلى أسهم الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي».

وقد تأثرت أسهم البرمجيات بشدة نتيجة تغير توقعات المستثمرين بعد موجة بيع حادة الأسبوع الماضي مدفوعة بمخاوف المنافسة من أدوات الذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من استعادة بعض الخسائر في الجلستَين الماضيتَين، سجل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» للبرمجيات انخفاضاً بنسبة 16 في المائة منذ بداية العام.

كما شهدت أسهم شركة «أب وورك» انخفاضاً يقارب 23 في المائة بعد أن جاءت توقعات منصة العمل الحر للربع الأول أقل من التوقعات.


«بي بي» تعلن سقوط أرباحها بـ 86 % وتصدم المساهمين بقرار «التعليق»

مركبات أمام محطة وقود تابعة لشركة «بريتش بتروليوم (بي بي)» في ليفربول ببريطانيا (أرشيفية - رويترز)
مركبات أمام محطة وقود تابعة لشركة «بريتش بتروليوم (بي بي)» في ليفربول ببريطانيا (أرشيفية - رويترز)
TT

«بي بي» تعلن سقوط أرباحها بـ 86 % وتصدم المساهمين بقرار «التعليق»

مركبات أمام محطة وقود تابعة لشركة «بريتش بتروليوم (بي بي)» في ليفربول ببريطانيا (أرشيفية - رويترز)
مركبات أمام محطة وقود تابعة لشركة «بريتش بتروليوم (بي بي)» في ليفربول ببريطانيا (أرشيفية - رويترز)

أعلنت عملاق الطاقة البريطانية «بي بي» عن نتائج مالية قاسية لعام 2025، كشفت فيها عن تراجع دراماتيكي في صافي أرباحها بنسبة بلغت 86 في المائة، وقراراً مفاجئاً بتعليق برنامج إعادة شراء الأسهم بالكامل لتوفير السيولة، وسداد الديون.

وتأتي هذه الخطوات الصادمة للمساهمين في وقت حساس للغاية؛ حيث تستعد الشركة لاستقبال رئيسة تنفيذية جديدة في أبريل (نيسان) المقبل، بينما تكافح لإعادة التوازن لميزانيتها وسط انخفاض أسعار النفط العالمية، وتكاليف ضخمة ناتجة عن شطب أصول بمليارات الدولارات في قطاع الطاقة الخضراء.

لغة الأرقام

أظهرت القوائم المالية للشركة انخفاض صافي الربح بعد الضريبة إلى 55 مليون دولار فقط العام الماضي، مقارنة بـ381 مليون دولار في العام السابق. ولم تكن هذه الأرقام نتاج تراجع المبيعات فحسب، بل شملت شطباً لمرة واحدة بقيمة 4 مليارات دولار تتعلق بقطاعات «التحول الطاقي» في الغاز، والطاقة منخفضة الكربون.

وعلى صعيد الأرباح الأساسية (التي تستثني تقلبات الأسعار، والرسوم لمرة واحدة)، سجلت الشركة 7.5 مليار دولار، بانخفاض قدره 16 في المائة عن العام الماضي، وهو رقم جاء دون توقعات المحللين الذين كانوا يأملون في تحقيق 7.58 مليار دولار.

تعليق «شراء الأسهم» وهبوط البورصة

في خطوة فاجأت الأسواق، قرر مجلس إدارة «بي بي» تعليق برنامج إعادة شراء الأسهم بالكامل، وتوجيه الفائض النقدي لتعزيز الميزانية العمومية، وسداد الديون التي لا تزال «عنيدة» فوق مستوى 22 مليار دولار. هذا القرار الذي أثار موجة من القلق في أوساط المستثمرين، حيث كان يمثل إحدى الأدوات الرئيسة لجذب المساهمين، وتوزيع العوائد، أدى إلى رد فعل فوري وعنيف في بورصة لندن؛ حيث هوى سهم الشركة بنسبة تجاوزت 5 في المائة في التداولات الصباحية، ليصبح من بين الأسوأ أداءً في مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي.

وقالت الرئيسة التنفيذية المؤقتة للشركة، كارول هاول: «نعلم أن هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به، ونحن ندرك تماماً ضرورة الإسراع في تقديم نتائج أفضل لمساهمينا».

ظلال سياسية

لم تكن العوامل الداخلية وحدها هي المسؤولة عن هذا التراجع، فقد أقرت الشركة بأن أداءها تأثر ببيئة أسعار النفط الضعيفة التي خيمت على عام 2025. وتأثرت الأسعار بمخاوف المستثمرين من أن تؤدي التعريفات الجمركية التي يفرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إبطاء النمو الاقتصادي العالمي، مما أدى إلى تراجع خام «برنت» واستقراره حول 69 دولاراً للبرميل.

مقارنة الصناعة

على نقيض «بي بي»، أظهرت منافستها البريطانية «شل» صموداً أكبر؛ حيث ارتفعت أرباحها الصافية بنسبة 11 في المائة العام الماضي لتصل إلى 17.84 مليار دولار، بفضل زيادة أحجام الإنتاج، وخفض التكاليف. وفي المقابل، انضمت «بي بي» إلى «إكوينور» النرويجية في تسجيل نتائج ربع سنوية ضعيفة، مما يؤكد أن قطاع الطاقة الأوروبي يمر بمرحلة إعادة تقييم شاملة في ظل تقلبات الأسعار، والتحولات السياسية في واشنطن.

حقبة ميغ أونيل

في الأول من أبريل المقبل، ستبدأ ميغ أونيل مهامها رئيسة تنفيذية لـ«بي بي»، لتصبح أول امرأة تقود شركة نفط عالمية كبرى، وأول مرشح خارجي يتولى هذا المنصب في تاريخ الشركة الممتد لـ116 عاماً. أونيل، التي قضت عقوداً في «إكسون موبيل» وقادت «وودسايد إنرجي» الأسترالية، ستواجه تركة ثقيلة تشمل ديوناً ضخمة، وسعر سهم متراجعاً بأكثر من 5 في المائة فور إعلان النتائج الأخيرة. وتتمثل مهمتها الأساسية في بناء شركة «أبسط وأقوى وأكثر قيمة»، مع التركيز على خفض التكاليف التشغيلية، وتحقيق عوائد مجزية للمساهمين الذين يشعرون بالإحباط حالياً.