كيف تلعب المقاطع القصيرة عبر «تيك توك» دوراً قوياً في الانتخابات الأميركية؟

استخدام قياسي لموقع «إكس» خلال المناظرة بين بايدن وترمب

شعار «تيك توك» أعلى العلم الأميركي (رويترز)
شعار «تيك توك» أعلى العلم الأميركي (رويترز)
TT

كيف تلعب المقاطع القصيرة عبر «تيك توك» دوراً قوياً في الانتخابات الأميركية؟

شعار «تيك توك» أعلى العلم الأميركي (رويترز)
شعار «تيك توك» أعلى العلم الأميركي (رويترز)

انتشرت المقاطع القصيرة من الفيديوهات المتعلقة بمناظرة بايدن وترمب، في الوقت الذي يتنامى فيه دور التطبيق الصيني الأشهر، لنشر هذه المقاطع، وهو «تيك توك».

وأشار خبراء إلى أن تلك المقاطع تلعب دوراً بارزاً، وربما حاسماً في توجيه الناخب الأميركي، وأن كل حملة من حملات الرئيس الأميركي جو بايدن، ومنافسه الرئيس السابق دونالد ترمب تستخدم هذه الوسيلة سلاحاً للتأثير في الناخبين، لا سيما الذين لم يحسموا أمرهم في السباق حتى الآن.

وعدّ تقرير لمجلة «نيوزويك» الأميركية أن تأثير المناظرات الرئاسية على الحملات الانتخابية أمر محل خلاف، حيث أظهرت الانتخابات السابقة أن الاختيار في الاقتراع لا يتغير كثيراً بعد البث. ولكن هذا العام يمكن أن يكون مختلفاً في عدد من النواحي.

وبوصفها الانتخابات الأولى في التاريخ التي تولى فيها كلا المرشحين منصب الرئيس بالفعل، فإن المنافسة هذا العام تكسر عديداً من أعراف السياسة الأميركية، وكان أحد أهم التغييرات هو دور وسائل التواصل الاجتماعي، التي قال الخبراء إنها لن تلعب دوراً أكثر أهمية في تشكيل آراء الناخبين إلا بمجرد توفر مقاطع من المناظرة وانتشارها.

ما يقوله المرشح... وكيف يقوله

وفي هذا الصدد، يقول ديفيد إتش دان، أستاذ العلوم السياسية والدراسات الدولية في جامعة برمنغهام بالمملكة المتحدة، لمجلة «نيوزويك» إن المناظرات الرئاسية لعام 2024 سيتم الحكم عليها بطرق مختلفة عن المناظرات السابقة؛ بسبب سخونة «المباراة» بين ترمب وبايدن.

الخصمان بايدن وترمب في مناظرة «سي إن إن» (رويترز)

وعدّ أستاذ العلوم السياسية أنها «المناظرة الأولى التي لا تركز فيها على ما يقال، بل تتعلق أكثر بكيفية قوله. بمعنى ما، لن تتعلق المناظرة بمسائل السياسة، بل تتعلق أكثر بما إذا كان بايدن قد خرج منها وأن ما يقوله ترمب عنه صحيح». وتابع دان أنه إذا ظهر ترمب بأنه «غير مسؤول»، بحيث لا يمكن تخيله مسؤولاً عن البلاد، فسيتم الحكم على هذه المناظرة بشكل مختلف عن المناظرات السابقة.

كنز ثمين... للميم

وشدّد دان على أن كلاً من ترمب وبايدن يواجه مشكلات في الصورة الشخصية، مما يجعلهما عرضةً بشكل فريد لمحتوى وسائل التواصل الاجتماعي القصير لأي زلات محتملة.

وأردف: «ما سنراه من المناظرة هي المقاطع الرئيسية التي يتم تقطيعها وإعادة إنتاجها، وربما حتى التلاعب بها، واستخدامها على منصات التواصل الاجتماعي بعد ذلك»، مضيفاً أن «نصف الأميركيين يحصلون على أخبارهم إما من (يوتيوب) أو (تيك توك)، وهكذا هي الطريقة التي تتبع بها تلك المقاطع الصوتية، والمقاطع يتم استخدامها بعد ذلك، والتي ستكون حاسمة».

أحد مؤيدي ترمب خلال حفل مشاهدة المناظرة الأولى للانتخابات الرئاسية في فلوريدا (أ.ف.ب)

وتابع: «إذا كانت هناك أي زلات، فإن الجانب الآخر سوف يستغلها ويستخدمها دون رحمة لمهاجمة منافسه، لذا فإن المخاطر كبيرة للغاية بالنسبة لهذه المناظرة»، في الوقت الذي تعدّ أي زلات مادة ثمينة للميم، أو الصور الساخرة عبر منصات مواقع التواصل.

وبرز «تيك توك» المملوك لشركة «بايت دانس» الصينية، بالفعل بوصفه واحدةً من ساحات المنافسة الكبيرة في هذه الانتخابات، حيث سيطر على كثير من أخبار أصوات الشباب. وعلى الرغم من التعهدات بحظر الموقع الصيني المنشأ، فإن حملتا بايدن وترمب استخدمتا بشكل متكرر الفيديو العمودي، غالباً لشنّ هجوم على الطرف الآخر، وفقاً للمجلة الأميركية.

تأثير طويل المدى

كما حدد داستن كارناهان، أستاذ الاتصالات في جامعة ميشيغان، الدور المتزايد للمقاطع القصيرة السلبية، الأكثر ملاءمة لـ«تيك توك» و«يوتيوب» و«إكس» في هذه الانتخابات، وتابع: «إن المناظرات هي الحدث الوحيد الأكثر وضوحاً في الحملة الانتخابية، وتحظى باهتمام إعلامي كبير، الذي تم ربطه بمكاسب في معرفة الناخبين بالمرشحَين ومواقفهما. وتظهر الأدلة أن الأداء السيئ بشكل خاص، أو الخطأ الكبير، يمكن أن يكون له تأثير طويل المدى في تقييم الناخبين للمرشحَين».

جو بايدن ودونالد ترمب خلال المناظرة الرئاسية النهائية في جامعة بلمونت في ناشفيل بولاية تينيسي في أكتوبر 2020 (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتابع كارناهان، وسط الجدل القائل إن أحد المرشحين أو الآخر غير قادر على القيام بهذه المهمة: «لم تخفِ أي من الحملتين استراتيجيتها لإثارة تساؤلات حول ما إذا كانت الأخرى مؤهلة وقادرة على تحمل مسؤوليات الرئاسة للسنوات الأربع المقبلة. ومن المرجح أن يبحث الناخبون عن أي دليل، وتستغل الحملتان أي دليل».

وأضاف كارناهان: «إن أي تعثرات كبيرة، أو توقفات محرجة، أو لحظات من الارتباك يمكن أن تهيمن على رسائل الحملة الانتخابية لأسابيع عدة مقبلة أو لفترة أطول، وبالتالي يمكن أن يكون لها تأثير مهم في كيفية تفكير الناخبين، خصوصاً الذين لم يحسموا أمرهم، في السباق».

انتشار سريع... وفئات عمرية مختلفة

ويستخدم نحو 80 مليون أميركي تطبيق «تيك توك» كل شهر. وعدَّ فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي، والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، أن الفيديو القصير المختصر، الذي يكون توقيته من 40 إلى 60 ثانية، يعدّ أقوى أشكال المحتوى الآن في المنصات الرقمية وأبرزها «تيك توك»، مضيفاً أن انتشارها لم يعد كما في السابق بين الجيل الأصغر فحسب، لكنه أيضاً ينتشر بقوة بين الفئات العمرية المختلفة.

وأضاف مستشار الإعلام الرقمي لـ«الشرق الأوسط» أن كل طرف من طرفَي العملية الانتخابية الأميركية يستغل الفيديوهات القصيرة والمنصات الرقمية لمهاجمة الطرف الآخر، موضحاً أن الفيديوهات الساخرة، وكذلك الصادمة، تلقى انتشاراً كبيراً وطبيعياً من منصة «تيك توك»، الذي يسمى «Organic reach»، ويعني وصول المحتوى إلى الأشخاص الذين يظهر لهم منشور دون استخدام الترويج أو الإعلانات المدفوعة، بخلاف منصات «فيسبوك»، التي تحتاج لترويج المحتوى بشكل أكبر، وفقاً لرمزي.

ويوضح مستشار الإعلام الرقمي أنه «لأول مرة في الانتخابات الأميركية يتمتع تطبيق غير أميركي بهذه القوة وهذا الحجم من التأثير»، مضيفاً أن ذلك قد يشكّل هاجساً للناخب الأميركي في الانتخابات المحددة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وكان الرئيس السابق، دونالد ترمب، قد أمر بحظر التنزيلات الجديدة لتطبيق «تيك توك»، في الولايات المتحدة في عام 2020، ليلغي بايدن هذا القرار في يونيو (حزيران) من عام 2021. ويعدّ رمزي أن قرار بايدن كان مسعى من الرئيس، البالغ من العمر 81 عاماً، للتقرب إلى فئة الشباب.

«إكس»... لاعب عتيق

بدوره، تباهى الملياردير إيلون ماسك، مالك موقع «إكس»، بأنه كان هناك «استخدام قياسي لموقع (إكس) خلال المناظرة الرئاسية الأميركية»، التي تمت الخميس، واستمرت لمدة 90 دقيقة.

وأعاد ماسك تغريدة أن شبكة «سي إن إن» حصلت على 47.9 مليون مشاهدة خلال المناظرة، بينما تفاعل 242 مليون مستخدم عبر موقع «إكس» للمناظرة نفسها بين بايدن وترمب. ونقل حساب «داتا إكس» أن المناقشات حول المناظرة بين المرشحَين ارتفعت بمقدار 19 مرة منذ بدء البث إلى ذروته، بعد 90 دقيقة تقريباً.

وفي سياق متصل، كشف مسح أجراه مركز «بيو» للأبحاث في مارس (آذار) 2024 على مواطنين أميركيين أن 36 في المائة من مستخدمي «تيك توك» يتعرّفون من خلاله على القضايا السياسية، بينما ترّبع «إكس» على مقدمة المواقع من المنصات الرقمية التي يلجأ لها الأميركيون لمعرفة القضايا السياسة (بنسبة 59 في المائة)، في حين حصل «فيسبوك» و«إنستغرام» على نسبة 26 في المائة لكل منهما. وتأخذ السياسة المقعد الخلفي، تحديداً في المرتبة الثانية بعد الترفيه والاتصالات، بوصفها أسباباً لاستخدام الأميركيين لكل منصة من «فيسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك»، وفقاً لمسح «بيو».


مقالات ذات صلة

موجة حنين تجتاح منصات التواصل… لماذا يعود المستخدمون فجأة إلى عام 2016؟

يوميات الشرق أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)

موجة حنين تجتاح منصات التواصل… لماذا يعود المستخدمون فجأة إلى عام 2016؟

شهدت الأسابيع الأولى من عام 2026 موجةً واسعة من الحنين إلى الماضي على الإنترنت، حيث اتجه مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إلى استعادة ذكريات سابقة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)

«تيك توك» تحذف نحو 3.9 مليون محتوى مخالف في السعودية نهاية 2025

«تيك توك» تحذف أيضاً أكثر من 17.4 مليون مقطع فيديو مخالف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق مراهقون يحملون هواتف ذكية أمام شعار «تيك توك» (رويترز)

دراسة: وسائل التواصل لا تزيد مشكلات الصحة النفسية لدى المراهقين

خلصت دراسة واسعة النطاق إلى أن الوقت الذي يقضيه المراهقون أمام الشاشات في اللعب أو على وسائل التواصل الاجتماعي لا يسبّب مشكلات في الصحة النفسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية «فيفا» سيمنح «تيك توك» فرصة تقديم تغطية واسعة للمونديال (الشرق الأوسط)

«فيفا» يوقع شراكة مع «تيك توك» لـ«نشر البهجة» في مونديال 2026

أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عن توقيعه شراكة مع منصة «تيك توك»، وذلك قبل انطلاق نهائيات كأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (زيورخ)
يوميات الشرق «ماسبيرو» يحظر «البلوغرز» (الهيئة الوطنية للإعلام)

هل تحد «مقاطعة» الإعلام التقليدي أخبار مشاهير «السوشيال ميديا» من انتشارهم؟

أثار قرار «الهيئة الوطنية للإعلام» و«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية» بالامتناع عن تغطية أنشطة مشاهير «السوشيال ميديا» وأخبارهم تساؤلات عدة.

أحمد عدلي (القاهرة)

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
TT

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا، حيث تقوم السلطات الاتحادية بعملية كبيرة لإنفاذ قوانين الهجرة، حسبما قالت مصادر مسؤولة في وزارة الدفاع، الأحد.

وذكرت المصادر التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها أن كتيبتين مشاة من الفرقة 11 المحمولة جواً بالجيش تلقتا أوامر بالاستعداد للانتشار. ويقع مقر الوحدة في ألاسكا، وتتخصص في العمل في ظروف القطب الشمالي، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وقال أحد مسؤولي الدفاع إن القوات مستعدة للانتشار في مينيسوتا في حالة تفعيل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتفعيل قانون التمرد، وهو قانون نادر الاستخدام يعود إلى القرن التاسع عشر، ويسمح له بتوظيف قوات الجيش في إنفاذ القانون.

وتأتي هذه الخطوة بعد أيام فقط من تهديد ترمب بإرسال قوات الجيش إلى مينيسوتا لقمع الاحتجاجات ضد الحملة التي تقوم بها إدارته ضد الهجرة.


القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
TT

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)

لا تزال مقولة الزعيم والمفكر الشيوعي الرحل ليون تروتسكي «إن لم تكن مهتماً بالحرب، فالحرب مهتمة بك»، حيّة وفعّالة في القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن الطبيعة البشرية لا تزال كما هي، هذا عدا ديمومة طبيعة الحرب على أنها تُخاض لأهداف سياسية. وعليه، يُمكن قول ما يلي: «إذا لم تكن مهتماً بالجيوسياسة، فالجيوسياسة مهتمة بك».

لكن للاهتمام الجيوسياسي ظروفه الموضوعية؛ وهي، أي الظروف، ليست مُستدامة في الزمان والمكان، لكنها مُتغيّرة وذلك حسب ديناميكيّة اللعبة الجيوسياسيّة التي تُنتجها تركيبة النظام العالمي القائم.

يرتكز القدر الجيوسياسي لدولة ما على الموقع الجغرافيّ، كما على الموارد الطبيعيّة، ودور هذه الموارد في إنتاج الثروة التي ستترجم إلى قوة (Power) بطبيعة الحال، على أن تستعمل هذه القوة لتحقيق الأهداف القوميّة لمن يملكها، إن كان عبر الدبلوماسية أو حتى عبر الحرب.

سوف يستمر القدر الجيوسياسي خلال عام 2026، فالجغرافيا لم تتبدّل، وديناميكيّة الصراع بين القوى العظمى لا تزال في بداياتها، خصوصاً في مجال سلاسل التوريد، والتصنيع، كما الحصول على المواد الأوليّة لصناعات القرن الحادي والعشرين (الأرض النادرة مثلاً). وعليه، سوف تظهر صورة جيوسياسية بنيوية أوليّة لتركيبة النظام العالمي المقبل وعلى 3 مستويات (3 Layers). في المستوى الأول القوى العظمى، وفي المستوى الثاني القوى الإقليمية الكبرى، أما المستوى الثالث فالدول التي يدور فيها وعليها الصراع.

ستعاني القوى من الحجم المتوسطّ (Middle Powers) من حالة اللايقين حول سلوكها في عالم متفلّت من أي ضوابط، لكنها ستعتمد السلوك التالي: تُجرّب تنفيذ الأهداف، وتنتظر ردّة فعل القوى العظمى، وعليه تُعيد حساباتها.

لكن التجربة لهذه القوى من الحجم المتوسّط سوف تكون حتماً في محيطها الجغرافي المُباشر (Near Abroad)، وستسعى هذه الدول أيضاً إلى التموضع الجيوسياسيّ، وبشكل ألا تُغضب أي قوة عظمى، كما ستلعب على تناقضات الصراع الكبير بهدف الاستفادة القصوى. إذا كانت الجغرافية قدرية، فإن القدر الجيوسياسيّ نتيجة حتميّة لهذه الجغرافيا، وإذا كانت الجغرافيا ثابتة بطبيعتها، فإن الجيوسياسة هي تلك الديناميكية، التي تخلقها ظروف معيّنة، وذلك نتيجة التحوّل في موازين القوى العالميّة، إن كان عبر الحرب، أو عبر صعود قوّة عظمى في نظام عالمي قائم، عُدّ على أنه في حالة الستاتيكو. وبذلك يمكن القول إن الديناميكيّة الجيوسياسيّة متغيّرة، في ظل ثبات القدرية الجغرافيّة.

وشكّلت اللعبة الكبرى (Great Game) في القرن التاسع عشر مثالاً حيّاً على القدر الجيوسياسيّ، ففي تلك الفترة (1830-1907)، كانت بريطانيا لا تغيب عن أراضيها الشمس. كما تشكّلت الهند جوهرة التاج للعرش البريطاني، وعندما أرادت روسيا القيصريّة التمدد في آسيا الوسطى لتحقيق أهداف كثيرة، منها الوصول إلى المياه الدافئة، وبسبب عدم الرغبة في الحرب، توصّل الطرفان في عام 1907 إلى اتفاقية أنتجت ولادة أفغانستان التي نعرفها اليوم بوصفها دولة عازلة (Buffer) - قدر أفغانستان.

وخلال الحرب الباردة، كانت باكستان من أهم الدول التي أسهمت في احتواء الاتحاد السوفياتيّ، فهي دولة على الحدود المباشرة لدول آسيا الوسطى، وهي دولة تعدّ قاعدة أميركيّة متقدّمة، يمكن منها التجسس على كل من الصين والاتحاد السوفياتي. وعندما احتلّ السوفيات أفغانستان، لعبت باكستان الدور الأهم في استنزاف الجيش السوفياتي في أفغانستان.

لكن الديناميكية الجيوسياسية تبدّلت بعد سقوط الدب الروسي. تخلّت أميركا عن باكستان، لتعود إليها بعد كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بوصفها ممراً وقاعدة انطلاق للقوات الأميركيّة إلى أفغانستان. لكن بعد اصطفاف باكستان إلى جانب الصين، خصوصاً في مشروع الرئيس الصينيّ «الحزام والطريق»، يحاول الرئيس دونالد ترمب حالياً استمالة القيادات الباكستانيّة عندما قال: «أنا أحب باكستان».

تطل الولايات المتحدة على محيطين (2-Ocean Country)، الأطلسي والهادئ، وهو ما أعطاها بحريّة قوية، وأمّن لها عازلاً جغرافياً مهماً.

إذن القدرية الجغرافيّة، تمتزج مباشرة مع القدريّة الجيوسياسيّة للعم سام.

في المقابل، تطلّ الصين على المحيط الهادئ والبحار المجاورة، غير أن حريتها البحرية تبقى محدودة بفعل الهيمنة البحرية الأميركية. وبما أن الصين تعتمد على الملاحة البحرية بأكثر من 90 في المائة من تجارتها، سواء في التصدير أو الاستيراد، فإنها تسعى حالياً إلى الالتفاف على الممرات البحرية الخانقة، مثل مضيق ملقا، عبر إنشاء طرق بديلة، بحرية وبرية، في إطار مبادرة «الحزام والطريق».

لكن السؤال يبقى في كيفيّة تجاوز عقدة مضيق ملقا؟ هنا تتدخّل القدريّة الجغرافيّة إلى جانب القدريّة الجيوسياسيّة لتكون ميانمار الخيار الصينيّ الأهم. لكن لماذا؟ يبلغ طول الحدود المشتركة بين الصين وميانمار نحو 2185 كيلومتراً. كذلك الأمر، يوجد في جنوب الصين أهم المدن الصناعية الصينيّة، مثل غوانغجو وشينزين، وكذلك مدينة كامينغ عاصمة مقاطعة يونان. وإذا ما استطاعت الصين تأمين ممرٍّ عبر ميانمار إلى المحيط الهندي، فإنها تكون قد حققت جملة من الأهداف الجيوسياسية، أبرزها: تجاوز عقدة مضيق ملقا، والالتفاف على الهيمنة البحرية الأميركية في محيطها المباشر، وتأمين خطّ بري-بحريّ يسهّل عمليتَي التصدير والاستيراد؛ حيث تدخل مباشرة إلى المحيط الهندي عبر خليج البنغال، والذي من المفترض أن يكون تحت الهيمنة الهنديّة. هي تطوّق الهند من الشرق، خصوصاً أن علاقة الهند ببنغلاديش ليست جيّدة. وأخيراً وليس آخراً، تصبح الصين دولة تطلّ بطريقة غير مباشرة على محيطين، الهادئ والهنديّ، كما حال غريمها الأساسيّ الولايات المتحدة الأميركيّة.

في الختام، يمكن القول إن عالم اليوم يعيش حالة اللاتوازن، وذلك في ظل غياب الشرطي العالمي، وتراجع دور المنظمات الدوليّة. وعليه، بدأ تشكّل ديناميكيّات جيوسياسيّة جديدة وسريعة. ألا يمكن تصنيف الاعتراف الإسرائيلي مؤخراً بدولة أرض الصومال من ضمن هذه الديناميكيّات؟


وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
TT

وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، اليوم الأحد، إن الرئيس دونالد ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند، مؤكداً: «وسنظل جزءاً من حلف (الناتو)».

وأضاف بيسنت، لموقع «إن بي سي»، «غرينلاند ضرورية للأمن القومي الأميركي، ويجب أن نسيطر عليها».

وأشار وزير الخزانة الأميركي إلى أن الاتفاق التجاري مع الاتحاد الأوروبي لم يدخل حيز التنفيذ، مضيفاً: «وترمب لديه صلاحيات (طارئة) لفرض رسوم جمركية».

وتعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.