جعجع لـ«الشرق الأوسط»: «حزب الله» يأخذ لبنان إلى المجهول... والمصيبة الكبرى قادمة

لا يتوقع انتخاب رئيس للبلاد قريباً «لأن أولوية الممانعة في مكان آخر»

جعجع (القوات اللبنانية)
جعجع (القوات اللبنانية)
TT

جعجع لـ«الشرق الأوسط»: «حزب الله» يأخذ لبنان إلى المجهول... والمصيبة الكبرى قادمة

جعجع (القوات اللبنانية)
جعجع (القوات اللبنانية)

حذر رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع من أن «حزب الله»، ومن خلفه إيران، يأخذان لبنان إلى أماكن خطرة، لافتاً إلى أن السلطة اللبنانية، التي هي بمثابة الأم والأب، تخلت عن لبنان وتركته فريسة السياسات الخطرة لإيران في المنطقة. ويتهم جعجع «محور الممانعة» بتعطيل انتخابات الرئاسة الشاغرة منذ نحو سنتين؛ «لأن أولوياتهم في مكان آخر»، كاشفاً عن اتصالات جادة تجريها «القوات» مع نحو 25 نائباً يشكلون قوة تستطيع ترجيح الكفة في داخل البرلمان؛ لإقناعهم باتخاذ موقف واضح من الانتخابات، معبراً عن «إيجابية بطيئة نسبتها نحو 30 في المائة».

جعجع: محور الممانعة يقول إما أن تنتخبوا مرشحي... وإما لا رئيس (القوات اللبنانية)

وفيما يتوقع جعجع، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن «يذهب الوضع في جنوب البلاد حيث المواجهات بين «حزب الله» وإسرائيل، إلى مزيد من التفجر، وأن نكون على أبواب تصعيد أكبر من التصعيد الذي نراه راهناً، يأسف لغياب الحكومة عما يجري من التصعيد والتحركات، ومن الرسائل الدبلوماسية والرسائل السياسية وغيرها، كأنه لا يوجد أي حكومة في لبنان، وبالتالي عندما يكون أبوك وأمك؛ أي حكومتك الشرعية، غائبَين هذا يعني أنه ممكن أن يتم أخذك إلى أي مكان، وللأسف هناك من يأخذ لبنان إلى المجهول».

جعجع يعتقد أن حرب الجنوب اللبناني لا ترتبط بحرب غزة وحدها، فنحن «الآن، وبسبب ارتباطات (حزب الله)، مربوطون من البحر الأحمر إلى مضيق باب المندب، إلى مضيق هرمز والعراق وسوريا، وصولاً إلى لبنان». وهذا الترابط يضع البلاد في موقع خطر - كما يقول جعجع – لافتاً إلى أنه إذا بقيت الأوضاع على ما هي عليه فنحن أمام «حرب استنزاف لئيمة تكبّد لبنان أرواحاً بشرية من جهة، وخسائر اقتصادية من جهة أخرى، واستنزاف على المستويات كافة». أما «إذا تم التصعيد بشكل أكبر فالله أعلم أين سنصبح وماذا سيحصل وكيف ستكون الخسائر»، ليخلص إلى القول إن «لبنان خاسر في كلتا الحالتين، ومن المفترض أن يعتني بلبنان، هو لا يعتني به، أو من يجب أن يعتني به هو الحكومة، وأكثريتها من محور الممانعة، وبالتالي هذا المحور يأخذ لبنان إلى الأماكن التي نحن فيها الآن».

ويرد جعجع ما يصفه بأنه «الاستسلام الرسمي»؛ أي انكفاء الدولة، إلى أن العدد الأكبر في (أعضاء) الحكومة الحالية هو من محور الممانعة أو هم مؤيدون لهذا المحور، لذا هم فرحون بما يحصل. وهم يرتكبون جريمة كبيرة بحق لبنان. ويقول: «برأيي كل لبنان يسقط في الوقت الحاضر في الجنوب، وهم يتحملون مسؤوليته، وأي خراب سيطول لبنان لاحقاً هم يتحملون مسؤوليته». ويغمز من قناته بقية أعضاء الحكومة، ومن بينهم رئيسها نجيب ميقاتي، بقوله: «لا يستطيع أي شخص أن يأخذ مسؤولية رسمية ويقول إنه مغلوب على أمره، مَن هو مغلوب على أمره؟ عليه بالاستقالة».

وينبه رئيس «القوات» إلى أن التهديدات التي وجهها أمين عام «حزب الله» حسن نصرالله إلى دولة قبرص المجاورة، والسيناريو الناجم عنها، مخاطرة كبيرة جداً، ولفت إلى أن الشعب اللبناني لم يعد يقوم بردات فعل كبيرة لسبب بسيط؛ إذ إنه موجود بالمصيبة. ولا يوجد مصيبة إلا وهناك أخرى أكبر منها، وبتقديري أن الأمور تسير نحو مصيبة أكبر». ويقول: «لا أستطيع أن أفهم لماذا نهاجم اليوم دولةً كقبرص... إنها تصرفات غير محسوبة وغير مسؤولة. قبرص هي دولة الجوار الوحيدة من دون مشاكل معها».

ويستنتج جعجع من مسار الحوار أن «هناك حساباً واحداً في لبنان اليوم، عنوانه: ما هو الأفضل للمصلحة الاستراتيجية لإيران». ويقول: «أنا أفهم أن يقوم الإيرانيون بحسابات على أساس ما هو الأفضل لمصالحهم، وهذا أمر طبيعي، ولكنّ فريقاً لبنانياً (حزب الله) يجرّ كل لبنان نحو ما فيه مصلحة لإيران، هذا أمر غير مقبول».

ولا يرى جعجع وجود هامش حركة فاعلة للمعارضة اللبنانية حيال ما يحصل، «نحن نعارض كما يجب، ولهذه الغاية عقدنا مؤتمراً في معراب، الشهر الفائت، تناولنا فيه موضوع الجنوب، وركزنا على تطبيق القرار 1701». ويقول: «إن كان الأمر هو للحفاظ على الجنوب وعلى أرض لبنان، فنحن بالطليعة للدفاع عن هذا الأمر، و1701 يؤمّن حماية الجنوب. فإن انتشر الجيش اللبناني مكان (حزب الله) في الجنوب أفلا نؤمّن لبنان بهذه الطريقة؟ بالتأكيد». أما لماذا يقومون بكل ما يقومون به؛ فـ«لأنه من الضروري أن تبقى يد إيرانية على البحر الأبيض المتوسط»، لافتاً إلى تصريح لأحد مستشاري (مرشد الجمهورية الإسلامية) أية الله علي خامنئي، قال فيه: «وصلنا 3 مرات إلى شاطئ البحر المتوسط؛ مرتين منها في عهدي الملكَين الأخمينيين؛ قورش الأول، وأحشويروش أو خشايارشا الأول، وآخر مرة بواسطة (حزب الله) اللبناني».

ملف رئاسة الجمهورية

لا جديد في ملف الرئاسة المعطلة من نحو سنتين أو أقل. يرى جعجع أن الانتخابات كان يجب أن تحصل قبل شهرين من نهاية ولاية الرئيس ميشال عون... ولكن للأسف، من جديد محور الممانعة، وأمام أعين العالم، يعطل الجلسات ولا يزال يعطلها حتى اليوم». ولا يتوقع جعجع طبعاً حصول اختراقات في الملف الرئاسي قريباً؛ «لسبب بسيط هو أن لدى محور الممانعة أولويات أخرى. وهو يعطل انتخاب الرئيس من خلال رئاسة المجلس، ومن خلال انسحاب نوابه من جلسات الانتخاب». ولا يقبل جعجع بأي مقاربة تحمّل المعارضة مسؤولية ما في تعقيدات الملف، فنحن «لم نترك مقاربة إلا وجربناها، آخر مرة عندما كان الموفد الفرنسي في لبنان طرحت عليه ثلاث مقاربات، أخذها بعين الاعتبار، ورأى أنها منطقية. المقاربة الأولى أن نقبل جميعنا بمبادرة تكتل (الاعتدال الوطني)، المقاربة الثانية أن ينزل لودريان شخصياً إلى المجلس النيابي للاجتماع بممثلين عن كافة الكتل النيابية؛ لوضعهم بأجواء الخلاصة التي توصل لها بعد جولته على كل الفرقاء. وبعدها يتركهم ليتشاوروا، وعلى الأثر يدعو الرئيس بري لجلسة في المجلس النيابي بدورات متعددة حتى انتخاب رئيس، والمقاربة الثالثة أن يدعو الرئيس بري لجلسة انتخاب رئيس كالعادة، وإن أفضت الجلسة الأولى إلى رئيسٍ كان به، وإن لم تفض يعلق الجلسة ولا يقفل المحضر، ويترك مجالاً للكتل النيابية للتشاور، وبعدها يعقد جلسة ثانية، وهلم جراً، لانتخاب رئيس. يقول جعجع إن «لودريان أخذ هذه الاقتراحات وأرسل موفدين، وتواصل مع جماعة الممانعة، وطرح عليهم كل هذه المقاربات، فلم يقبل بأي مقاربة».

وفي المقابل، لا يوافق جعجع على مقولة إنه لا يوجد أكثرية تأتي برئيس في البرلمان الحالي، لافتًا إلى أنه يجب ترك «العملية الرئاسية تسير بالجدية المطلوبة، لترى إن كان هناك أكثرية أم لا»، ليستنتج أنه «آخر جلسة عقدت في 14 يونيو (حزيران) من العام الماضي، لو تركوا الدورة الثانية من الانتخابات تنعقد لكان لدينا رئيس جمهورية منذ ذاك الوقت».

وعن تمسك المعارضة برفض الحوار حول الانتخابات، قال جعجع: «الحوار قائم كل لحظة وكل ساعة، وأعطيتك ثلاث مقاربات تؤدي للحوار، لا أحد يغش الرأي العام. ونحن كنا وما زلنا مع كل حوار ممكن أن يؤدي إلى نتيجة. وطرحنا ثلاث طرق لحوار جدي، ورُفضت الطرق الثلاث. ما نحن ضده هو طاولة حوار رسمية؛ لأنها تخالف للدستور. ومن جهة أخرى، إذا قبلنا بها نكون قد خلقنا عرفاً نصبح ملزمين به إلى أبد الآبدين».

المعادلة التي يضعها محور الممانعة واضحة برأي جعجع، «فهو يقول لنا إما أن تنتخبوا مرشحي لرئاسة الجمهورية أو ما يوازيه، وإما أن تبقوا من دون رئيس جمهورية. ونحن بالطبع لن ننتخب مرشحه بعد كل ما مر به لبنان. نحن نضغط قدر الإمكان، نجرب، نبتدع خطوات ونتحاور، ولكن لن نقفز فوق الدستور. نجرب أي أمر آخر لكي نخرق هذا الحصار، ولكنني أشك؛ لأن محور الممانعة أولوياته أخرى، ولا يهتم بلبنان ولا بالرئاسة».

ويقلل جعجع من أهمية حراك رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل في الملف الرئاسي، ولا يرى له أفقاً أو جدوى. مجيباً عن السؤال حوله بسؤال مضاد: «هل قام باسيل بأمر جدي في يوم من الأيام»، ليستطرد قائلاً: «ما يقوم به باسيل من خطوات هو لكي يقول إنه لا يزال على المسرح السياسي، وهو يتحرك. باسيل يحاول بيع الرئيس نبيه بري موقفاً ربما يقبل الرئيس بري بأن يتفاهم معه على مرشح (خنفشاري) على شاكلة الوزير باسيل لرئاسة الجمهورية».

مع كل هذه السوداوية، يحاول جعجع إضفاء بعض من التفاؤل، فرغم كل ما يحصل تبقى الروح اللبنانية، ويجب أن نحمل الشعلة دائماً. ويقول: «هناك 25 نائباً في المجلس النيابي باستطاعتهم أن يميلوا الدفة، ولكن حتى اللحظة هم لا يريدون الدخول بمواجهة مع أحد. هذا واحد من الحلول الممكنة. ونحن نعمل في هذا الاتجاه». وعن وجود بوادر إيجابية، قال: «لا بأس، التقدم بنسبة 30 في المائة. نحن نجرب».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تقلق العائدين إلى جنوب لبنان بالقصف والتوغل وتفجير المنازل

المشرق العربي لبناني من سكان بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان ينتظر وصول رئيس الحكومة نواف سلام للبلدة المدمرة جراء الحرب خلال زيارة له الأحد إلى المنطقة (أ.ف.ب)

إسرائيل تقلق العائدين إلى جنوب لبنان بالقصف والتوغل وتفجير المنازل

كثف الجيش الإسرائيلي وتيرة التوغل في المنطقة الحدودية بجنوب لبنان حيث يمضي في نسف المنازل إلى جانب تكثيف رمي القنابل الصوتية، في مسعى لإفراغها من العائدين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس حزب «القوات اللبنانية» يترأس اجتماعاً لتكتل «الجمهورية القوية» في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)

«القوات اللبنانية» يدفع بوجوه جديدة للاستحقاق النيابي

أعلن 4 نواب من أصل 19، وهو عدد نواب تكتل «القوات» الحالي، عن تنحيهم، وهم: ملحم رياشي، جورج عقيص، شوقي الدكاش وسعيد الأسمر.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي أحمد الأسير والفنان اللبناني فضل شاكر يشاركان في احتجاج ببيروت عام 2013 (أرشيفية - رويترز)

شهادة الأسير أمام القضاء العسكري اللبناني تعزز الدفع ببراءة فضل شاكر

لم تكن جلسة المواجهة التي عُقدت بين فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير كافية لوضع حدّ لمحاكمة شاكر في أربعة ملفات أمنية، ما دفع المحكمة إلى إرجاء الجلسة إلى 24 مارس.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يعتصمون عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا اعتراضاً على قرار سوري يمنع شاحناتهم من دخول أراضيها (أ.ف.ب)

اتفاق مؤقت بين لبنان وسوريا يسمح بمرور الشاحنات

توصل لبنان وسوريا، الخميس، إلى اتفاق مؤقت يقضي بإعادة حركة الشاحنات إلى طبيعتها لمدة أسبوع واحد، بعد قرار سوري قضى بمنع الشاحنات غير السورية من دخول أراضيها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنديان من الجيش اللبناني في موقع عسكري حدودي مع إسرائيل في قرية علما الشعب بجنوب لبنان (أرشيفية - أ.ب)

توقعات فرنسية من اجتماع الدوحة ومؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني

توقعات فرنسية من اجتماع الدوحة ومؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني وباريس تحذِّر: المساعدات الدولية لن تكون المصدر الوحيد لتوفير احتياجات الجيش المالية

ميشال أبونجم (باريس)

وفد «حماس» في القاهرة... محادثات بشأن «نزع السلاح» ودفع المرحلة الثانية

طفل فلسطيني يقف خلف سلك بلاستيكي وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني يقف خلف سلك بلاستيكي وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

وفد «حماس» في القاهرة... محادثات بشأن «نزع السلاح» ودفع المرحلة الثانية

طفل فلسطيني يقف خلف سلك بلاستيكي وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني يقف خلف سلك بلاستيكي وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تتسارع المحادثات الثنائية بشأن تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة؛ فمن اجتماع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى زيارة وفد من حركة «حماس» للقاهرة، والتي تتناول دفع المرحلة الثانية ومساعي نحو تفاهمات بشأن نزع سلاح الحركة...

ذلك الملف الحرج الذي تتمسك به إسرائيل، وتتحفظ «حماس» عليه، وتطالب بمقاربة جديدة، ستحاول القاهرة أن تجد له مخرجاً يحقق مصلحة المنطقة والقضية الفلسطينية، خاصة في ظل مقترح أميركي مطروح، قائم على التدرج في هذا الملف، قبيل أيام من أول اجتماع لـ«مجلس السلام» يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، وفق ما يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

أولويات «حماس»

وقال مصدر فلسطيني مطلع، مقرب من «حماس»، لـ«الشرق الأوسط»، إن وفداً من الحركة موجود في القاهرة بقيادة خليل الحية، يبحث تنفيذ بنود الاتفاق ومواجهة الخروقات المستمرة من جانب إسرائيل، مؤكداً أنه سيناقش ملفات بينها نزع السلاح أيضاً، لكن الأولوية التي تسعى لها الحركة حالياً هي دعم تعافي الشعب الفلسطيني وزيادة المساعدات، خاصة مع اقتراب شهر رمضان الكريم، غير مستبعد حدوث لقاء بين «حماس» و«فتح» بالقاهرة حال توفرت الإرادة لدى حركة التحرير الفلسطينية في ظل عدم وجود شروط مسبقة من الحركة.

مسلحون من الفصائل الفلسطينية يحمون قوافل المساعدات في غزة يوم 17 يناير 2024 (رويترز)

ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، الخميس، عن مسؤول رفيع في «مجلس السلام» الذي سيعقد أول اجتماعاته في 19 فبراير الحالي، أن «(حماس) وافقت على نزع سلاحها، والذي سيبدأ الشهر المقبل»، مستدركاً: «لكن آخر ما سيتم تفكيكه سيكون الأسلحة الخفيفة؛ لأن (حماس) تخشى الفصائل في غزة».

وجاءت هذه التسريبات الإسرائيلية غداة حديث صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية عن أن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس»، يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدم هذا المقترح خلال أسابيع.

وجاء المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً، قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب، إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب، في حين أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام لـ«مجلس السلام» في غزة قبل لقاء ترمب.

والإعلان عن وصول وفد «حماس» للقاهرة يأتي بعد لقاء وفد من حركة «فتح» مع وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في القاهرة، الثلاثاء.

وقال المحلل السياسي الفلسطيني، إبراهيم المدهون، إن «وجود وفد من حركة (حماس) وعدد من الفصائل الفلسطينية في القاهرة لا يمكن فصله عن الجهود الجارية لترتيب (اليوم التالي) في قطاع غزة، والعمل على تفعيل (خطة السلام) التي أُقرت وحظيت بموافقة فلسطينية»، متوقعاً «إمكانية أن تكون هناك مشاورات فلسطينية - فلسطينية، بخلاف التنسيق مع القيادة المصرية للوصول لحلول، وبحث إمكانية فتح مسار حوار مع قيادة حركة (فتح) والسلطة الفلسطينية».

وفيما يتعلق بملف السلاح، فحركة «حماس»، بحسب تقديرات المدهون، ستكون «حذرة من الانزلاق إلى نقاش مبكر حول هذا العنوان، وترى أن الأولوية في هذه المرحلة يجب أن تكون لوقف العدوان، وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي إلى ما يُعرف بـ(الخط الأحمر)، مع وجود قوات دولية أو إقليمية تساهم في تثبيت وقف إطلاق النار ومنع تجدد المواجهة، مع حماية الشعب الفلسطيني وإغاثته، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار».

أطفال يتسلقون عبر الأنقاض من ثقب جدار بمخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، حسام الدجني، أن موقف «حماس» يتمسك بمقاربة ترك السلاح مقابل إنهاء الاحتلال، ولكن فكرة واشنطن المطروحة بخصوص السلاح الثقيل والتدرج ربما تكون قابلة للنقاش والدراسة من الحركة لاحقاً حال توفرت ضمانات، مشيراً إلى أن إسرائيل ستحاول تضخيم هذا الملف رغم أن الصواريخ التي كانت مع «حماس» لم تطلق منذ نحو 6 أشهر، بما يعني أنها نفدت، حسب رأيه.

ويأتي الإعلان عن زيارة «حماس» للقاهرة بعد إعلان الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ضوء تلك الخروق، يرى المدهون أن «حماس» ستتعامل مع ملف السلاح باعتباره شأناً وطنياً جامعاً، لا يُحسم بضغط خارجي أو باشتراطات إسرائيلية، بل عبر توافق فلسطيني شامل يكون جزءاً من أي صيغة سياسية مستقبلية، ويرى كذلك أن إثارة الاحتلال لقضية السلاح في هذه المرحلة تأتي في سياق محاولة تعطيل الاتفاق أو تفريغه من مضمونه، لا سيما أن المرحلة الثانية من التفاهمات كان أساسها انسحاب الاحتلال، وفتح المعابر، والبدء بإعادة الإعمار.

ويعتقد الدجني أن ترمب سيحاول إنهاء هذه المعضلة بهذا المقترح التدريجي لنزع السلاح، مشيراً إلى أن «قوات الاستقرار» بغزة، إذا كانت حيادية، ستكون مقبولة، وستكون ضماناً لاستقرار القطاع والمنطقة.


إسرائيل تقلق العائدين إلى جنوب لبنان بالقصف والتوغل وتفجير المنازل

لبناني من سكان بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان ينتظر وصول رئيس الحكومة نواف سلام للبلدة المدمرة جراء الحرب خلال زيارة له الأحد إلى المنطقة (أ.ف.ب)
لبناني من سكان بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان ينتظر وصول رئيس الحكومة نواف سلام للبلدة المدمرة جراء الحرب خلال زيارة له الأحد إلى المنطقة (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تقلق العائدين إلى جنوب لبنان بالقصف والتوغل وتفجير المنازل

لبناني من سكان بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان ينتظر وصول رئيس الحكومة نواف سلام للبلدة المدمرة جراء الحرب خلال زيارة له الأحد إلى المنطقة (أ.ف.ب)
لبناني من سكان بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان ينتظر وصول رئيس الحكومة نواف سلام للبلدة المدمرة جراء الحرب خلال زيارة له الأحد إلى المنطقة (أ.ف.ب)

كثف الجيش الإسرائيلي من وتيرة التوغل في المنطقة الحدودية في جنوب لبنان، حيث يمضي في نسف المنازل، إلى جانب تكثيف رمي القنابل الصوتية في المنطقة، في مسعى لإفراغ المنطقة الحدودية ممن تبقى من السكان أو من عادوا إليها بعد الحرب، وإقلاقهم بالقصف والتفجيرات والرشقات النارية.

وبينما لم تُسجل أي غارات جوية في منطقة شمال نهر الليطاني منذ نحو أسبوع، تتركز الانتهاكات لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، في المنطقة الحدودية، وتتخذ عدة أشكال تتراوح بين التوغل داخل الأراضي اللبنانية، وتنفيذ تفجيرات للمنازل، حتى المتضررة منها جراء الحرب أو المعرضة لقصف سابق، إلى جانب إطلاق رشقات نارية متواصلة من المواقع العسكرية باتجاه القرى، فضلاً عن القصف المدفعي المتقطع، ورمي القنابل الصوتية في القرى من مسيّرات.

تفجير أربعة منازل

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية، الخميس، بأن قوة مشاة إسرائيلية توغلت فجراً إلى حي النورية الواقع في وسط بلدة كفركلا الحدودية، وأقدمت على تفخيخ وتفجير أحد المباني السكنية في الحي. كذلك أقدمت على تفجير مبنيين عند أطراف بلدة عديسة على مقربة من وادي هونين، بواسطة المتفجرات، ما أدى إلى تدميرهما تماماً.

لبنانيون ينتحبون على نعش عنصر في قوى الأمن الداخلي قُتل هو وطفله البالغ من العمر ثلاث سنوات بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة يانوح شرق مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ب)

وكانت بلدية بليدا قد أعلنت في بيان الأربعاء، أن القوات الإسرائيلية استهدفت منزلاً مأهولاً تقطنه عائلة آمنة مع أطفالها، حيث أُجبرت العائلة على إخلائه تحت القصف، قبل أن تعمد طائرات مسيّرة إلى إلقاء براميل متفجّرة عليه، ما أدى إلى نسفه وتدميره كلياً. وقالت إن استهداف منزل مدني يؤوي عائلة وأطفالاً يشكّل تصعيداً خطيراً، ويكشف سياسة ممنهجة تهدف إلى ترهيب الأهالي ومحاولة دفعهم إلى مغادرة أرضهم.

قصف وقنابل

والخميس، أفادت الوكالة اللبنانية بأن المدفعية الإسرائيلية قصفت الأطراف الغربية لبلدة يارون بالقذائف الثقيلة، ما أدى إلى تضرر منزلين في الحارة القديمة بعدما أصابهما القصف بشكل مباشر. كما ألقت محلّقة إسرائيلية مسلحة قنبلتين صوتيتين على بلدة عيتا الشعب الحدودية.

آليات عسكرية للجيش اللبناني تواكب زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل بجنوب لبنان الأحد... ويبدو سكان البلدة في استقباله (أ.ف.ب)

وبعد الظهر، قصفت المدفعية الإسرائيلية منطقة العزية في أطراف بلدة دير ميماس. كما أطلقت نيران رشاشاتها الثقيلة من موقعها المستحدث داخل الأراضي اللبنانية في منطقة اللبونة، مستهدفة أطراف بلدة علما الشعب برشقات متتالية.

وأفادت وسائل إعلام محلية بأن الطيران الحربي والتجسسي والمُسيّر حلّق فوق العديد من المناطق والمدن الجنوبية امتداداً حتى الشمال، مروراً بالعاصمة بيروت.


الطفلة ضحى تنزع عن وجه الجيش الإسرائيلي قناع إنسانية زائفة

TT

الطفلة ضحى تنزع عن وجه الجيش الإسرائيلي قناع إنسانية زائفة

ضحى أبو سنيمة ووالدتها تجلسان بجوار منزل مهدم (الشرق الأوسط)
ضحى أبو سنيمة ووالدتها تجلسان بجوار منزل مهدم (الشرق الأوسط)

قبل أشهر، انتشرت على صفحات التواصل الإسرائيلية صورة جندي يقف إلى جانب طفلة فلسطينية في منطقة نائية على حدود قطاع غزة، ويقدم لها يد العون بعدما ضلَّت الطريق ووصلت إلى مكان انتشار قواته.

راجت الصورة بقوة، فقد كانت مثالاً لـ«إنسانية» تدحض ما يتردد عن «انعدام رحمة» في ظل مجازر تُرتكب في قطاع غزة طوال حرب استمرت عامين وخلَّفت أكثر من 70 ألف قتيل.

لكن الأيام مرت والشهور، لتتكشف حقيقة ما حدث للطفلة ضحى أبو سنيمة (9 سنوات) التي اختفت أنباؤها بعد انتشار الصورة، واكتنف قصتها الغموض.

فبعد رحلة نزوح متكرر، وصلت ضحى إلى منطقة المواصي بغرب خان يونس في جنوب قطاع غزة، حيث أجرت معها «الشرق الأوسط» لقاء روت فيه قصة مغايرة تماماً لما حاكته ماكينة الجيش الإعلامية (الهاسبارا) التي لا تألو جهداً في محاولة تحسين صور الضباط والجنود.

وقصَّت ضحى كيف باتت واحدة من أصعب لياليها في العراء وسط أجواء قاسية، بعدما اقتادها الجنود هي ووالدها إلى موقع عسكري، ورفضوا تقديم أي غطاء لهما يقيهما من شدة البرد.

في العراء... من دون غطاء

كانت ضحى تعيش مع أسرتها في منزلهم بحي الشويكة شرق رفح، قبل أن يُجبر القصف اليومي والدتها على النزوح بشقيقاتها الصغار إلى منطقة مواصي خان يونس، حيث تعيش عائلة الأم، فيما بقت ضحى ووالدها في المنزل الذي وصلت إليه القوات الإسرائيلية في سبتمبر (أيلول) 2025 وطلبت منهما ومن الجيران مغادرة منازلهم واقتادتهم لموقع عسكري بعد تفتيش المنازل وهدمها جميعها، بما فيها بيت أسرة ضحى التي شاهدت الهدم بعينيها.

فلسطينيون على عربات تجرها الدواب وسط مياه أمطار غمرت خيامهم في المواصي غرب خان يونس يوم 15 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)

ونُقلت الصغيرة ووالدها إلى الموقع العسكري القريب من حي الشويكة، وهناك خضعت لتحقيق قصير، قبل التحقيق لساعات مع والدها الذي عُصّبت عيناه وقُيّدت يداه. وحين عاد إليها أبوها تقرر نقلهما إلى موقع كرم أبو سالم العسكري، حيث عاشت أقسى أيامها.

فهناك، وحسب رواية الصغيرة، رأت حشوداً عسكرية ضخمة، ثم اقتيد والدها للتحقيق معه مجدداً، هذه المرة لساعات طوال. وحين عاد إليها مع منتصف الليل، كانت في العراء في جو شديد البرودة؛ وعندما طلب الأب من أحد الجنود توفير «بطانية» لها رفض، ما اضطره لخلع سترته كي يدفئ بها ابنته التي نامت على حَجَر كبير.

وفي اليوم التالي، سُمح لها وأبيها بالتوجه نحو مسار دخول شاحنات المساعدات في محيط موقع كرم أبو سالم؛ ومن هناك عادا إلى بيتهما المدمر، وضع الأب خيمة بسيطة بجانبه. وبعد فترة عادت والدتها الحامل إلى المكان نفسه الذي كان شاهداً على مقتل بعض أشقائها، وفقدان أحدهم دون أن يُعرف مصيره، في حوادث منفصلة، وهم يحاولون توفير المياه والطعام للعائلة. ولاحقاً، قُتل الأب في غارة.

ومع اقتراب مخاض الأم المكلومة، اضطرت إلى النزوح مجدداً مع من تبقى من أطفالها، لتلد في أحد مستشفيات مواصي خان يونس.

العناء النفسي

لا تعرف ضحى أين كانت حين التُقطت صورتها مع الجندي الإسرائيلي، وإن كانت تظن أن المكان هو محيط الموقع العسكري الذي نُقلت إليه برفقة والدها أول مرة.

ولا تزال الصغيرة تتذكر وجه الجندي الذي كان يقف جانبها في الصورة، وكيف كانت ترتعد منه خوفاً من أن يقتلها.

وتقول والدتها إن طفلتها تعيش ظروفاً نفسية صعبة وما زالت تطاردها الكوابيس. وتضيف: «أصبحت أكثر عدوانية، وكثيراً ما نراها تبكي وحدها، وتتأثر بقوة كلما رأت طائرات أو قوات إسرائيلية».

وعن حياتها بعد عودتها إلى منطقة منزلها المدمر في الشويكة، قالت إنهم عاشوا ظروفاً مأساوية، لا يتوفر فيها طعام ولا ماء، وإنها اضطرت بعد مقتل زوجها للنزوح مجدداً إلى مواصي خان يونس.

كانت ضحى أقرب الأبناء لأبيها، كما تروي الأم، لذلك تأثرت كثيراً برحيله، ما زاد من تدهور حالتها النفسية.

أما ضحى، فقالت بصوت شَرَخَ الانكسار والوجع براءته: «ياريت أبويا ضل عايش، يجيب إلنا الأكل والمية. إحنا هون ما فيه أكل ولا مية ولا تعليم ولا لعب. بدنا الدنيا ترجع مثل ما كانت قبل. بدنا مدارس وأكل وشرب وثياب. إحنا هون مش مرتاحين، ولا حاجة عنَّا... حتى الفراش والبطاطين. بدي أعيش مثل العالم في بيت مثل كل أطفال العالم وأتعلم».

وتروي والدة ضحى كيف كانت ابنتها تحب الدراسة ومتعلقة بها. وبحسرة قالت: «كان حلمي أشوفها دكتورة لأنها ذكية».

وتظل صورة ضحى والجندي شاهداً حياً على «إنسانية زائفة» تروج لها «الهاسبارا» الإسرائيلية.