بوتين في فيتنام بعد كوريا الشمالية... تنسيق لمواجهة «تحديات قديمة وجديدة»

تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والأمن والدفاع والصناعات النووية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الفيتنامي تو لام (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الفيتنامي تو لام (أ.ب)
TT

بوتين في فيتنام بعد كوريا الشمالية... تنسيق لمواجهة «تحديات قديمة وجديدة»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الفيتنامي تو لام (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الفيتنامي تو لام (أ.ب)

عزَّز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في ثاني محطات جولته الآسيوية، مسار إحياء التحالفات القديمة لبلاده، وتجديد آليات التنسيق مع شركاء تقليديين عبّروا عن دعم لمواقف موسكو في المواجهة المتفاقمة حالياً مع الغرب.

وفي فيتنام، التي وصلها بعد زيارة لافتة إلى كوريا الشمالية أثارت قلق بلدان غربية، تعمّد بوتين تأكيد سعي موسكو وهانوي لتعزيز التعاون الواسع، في إطار الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي نصّت عليها المعاهدة الروسية الفيتنامية للصداقة والتعاون، المبرمة منذ ثلاثة عقود.

وأكد البيان الثنائي، الصادر في ختام جولة المحادثات المطوّلة التي عقدها بوتين مع الرئيس الفيتنامي تو لام، «استقلالية العلاقات بين البلدين وتطابق مواقفهما الدولية، وعزمهما مواصلة التعاون في كل المجالات».

بوتين مع نظيره الفيتنامي (إ.ب.أ)

وشدد على «مواصلة تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة»، مؤكداً أن العلاقات بين البلدين لا تخضع لتغيرات الظروف الجيوسياسية، وتهدف إلى تعزيز السلام والاستقرار والأمن. وأكد أن الطرفين يتبنيان «مواقف قريبة جداً أو متطابقة تجاه الملفات الدولية والإقليمية».

على الصعيد الثنائي أكد الطرفان دعمهما «التطوير المستمر للتعاون في صناعة النفط والغاز والطاقة والتقنيات الرقمية».

ومع هذه المجالات شدد البيان بشكل منفصل على أن «التعاون في مجال الدفاع والأمن يحتل مكانة خاصة في العلاقات الروسية الفيتنامية»، مؤكداً أن هذا التعاون غير موجّه ضد دول ثالثة.

كما جرى تأكيد أهمية زيادة الاستثمارات المتبادلة، بما في ذلك في مجال الفلزات والتعدين. وتعهّد الجانبان بالإسراع في تنفيذ مشروعات استراتيجية متفق عليها، بينها اتفاق إنشاء مركز للعلوم والتكنولوجيا النووية في فيتنام.

اللافت أن التعاون في المجال النووي حظي باهتمام خاص من جانب بوتين الذي استبَق زيارته بنشر مقالة في وسائل الإعلام الحكومية الفيتنامية أكد فيها التزام بلاده بهذا المسار.

وكتب بوتين، في مقالة لصحيفة «نيان زان»، الرسمية التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الفيتنامي، بعنوان «روسيا وفيتنام.. صداقة اجتازت اختبارات الزمن»، والذي نشر «الكرملين»، على موقعه الإلكتروني، مقتطفات منه: «يجري العمل على مبادرة إنشاء مركز للعلوم والتكنولوجيا النووية في فيتنام بمساعدة مؤسسة روس أتوم (المسؤولة عن الصناعات النووية الروسية)».

وأشار الزعيم الروسي إلى أن «روس أتوم» مستعدة بشكل عام لمساعدة الشركاء الفيتناميين في تشكيل صناعة الطاقة النووية الوطنية، بما في ذلك عبر تعزيز قدرات فيتنام البشرية بهذا القطاع.

وأكد بوتين أن روسيا وفيتنام تتعاونان بشكل وثيق في المنصات الرئيسية متعددة الأطراف، وفي المقام الأول الأمم المتحدة. وأعرب عن امتنانه لفيتنام؛ لموقفها «المتوازن بشأن الأزمة الأوكرانية»، ورغبتها في المساهمة للبحث عن سبل حقيقية لحلها سلمياً.

وخلال زيارة بوتين لفيتنام، وقَّع الطرفان 15 اتفاقاً ومذكرة تفاهم بين موسكو وهانوي تشمل مختلف قطاعات التعاون؛ بما فيها الطاقة والصحة والعلوم.

واستهلّ الرئيسان، بوتين وتو لام، الشق الرسمي من المحادثات بتأكيد نيتيهما توسيع التعاون في المجالين العسكري والأمني. وقال تو لام إن بلاده تُعلق أهمية كبيرة على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع روسيا، التي تَعدّها «إحدى أولويات السياسة الخارجية». وقال إن فيتنام «تذكر بامتنان المساعدة والدعم المتفاني الذي قدَّمه الشعب الروسي لفيتنام في كفاحنا من أجل الاستقلال».

وأضاف: «تنتهج فيتنام سياسة خارجية سلمية مستقلة ومنفردة ومتعددة الاتجاهات، لكننا، في الوقت نفسه، نُعلق أهمية كبيرة على تنمية الصداقة التقليدية مع روسيا، والشراكة الاستراتيجية الشاملة».

العَلم الروسي بجانب العَلم الفيتنامي في شوارع هانوي (أ.ف.ب)

من جانبه أكد بوتين أن تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع فيتنام هو الآخر من أولويات روسيا على الدوام، وأشار إلى إحياء الذكرى الـ30 لإبرام معاهدة الصداقة بين البلدين. ولفت إلى استمرار تطور العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين.

وكرر الرئيسان، في المؤتمر الصحافي الختامي، تأكيد أولويات تحرك روسيا وفيتنام لتجديد آليات التعاون الشامل، ومنح زخم لتوسيع التنسيق في السياسات، وفتح مجالات جديدة لعمل مشترك.

وقال بوتين، للصحافيين: «اتخذنا قرارات بشأن دعم الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين. وقد انتهت المحادثات بتوافق وجو من الود والثقة، وتحدثنا عن التعاون المشترك، وتطرقنا إلى أهم القضايا الإقليمية والدولية، واهتممنا بالتعاون التجاري والاستثماري».

ولفت إلى أن موسكو وهانوي أطلقتا عملاً مشتركاً لاستخدام العملات الوطنية في التعاملات التجارية، وإنشاء قنوات للتعاون في مجال المصارف بالعملات الوطنية.

وأشار إلى بروز «آفاق جديدة للتعامل مع الطاقة المتجددة، بما في ذلك تجديد منظومة الطاقة في فيتنام، وتنفيذ المشاريع الروسية الفيتنامية لتوليد الطاقة الكهرومائية».

وقال إن الخبراء الروس أسهموا في إنتاج ثلث الإنتاج الفيتنامي للطاقة الكهرومائية، مُذكراً بأن الطرفين يعملان على تطوير التعاون بمجال الطاقة النووية.

وتحدّث بوتين عن إنتاج مشترك على الأراضي الفيتنامية للشاحنات الروسية الصغيرة من طراز «غازيل»، وتصديرها إلى بلدان ثالثة.

كما أشار إلى توسيع التعاون في المجال الزراعي، «حيث يزداد حجم الإيرادات في مجال التقنيات الزراعية، إضافة إلى إقامة مؤسسات وشركات للمنتجات الزراعية الفيتنامية في أكثر من إقليم روسي».

رئيس الوزراء الفيتنامي فام من جين مع الرئيس الروسي (أ.ب)

في الإطار الإنساني الثقافي، كشف بوتين عن خطط واسعة لتعزيز التعاون، وإقامة أسابيع للسينما ومعارض تشكيلية واستعراضات فنية وعروض مسرحية للطرفين، فضلاً عن تطوير القطاع السياحي بشكل متبادل.

وفي السياسة الإقليمية ركز بوتين على التعاون في الأمم المتحدة والقمم الآسيوية ومنظمة «آسيان»، إضافة إلى «الاهتمام المشترك في بناء هيكل أمني جديد على مبدأ عدم استخدام القوة والحل السلمي للأزمات وعدم بناء تحالفات عسكرية في المنطقة».

بدوره أكد تو لام تعزيز وتكثيف الاستثمارات المتبادلة، والتعاون في مجالات النفط والغاز، وتهيئة الظروف المناسبة للتعاون على مستوى القطاع الخاص.

وتحدّث عن اتفاقات على توسيع التعاون في مجال الطاقة المتجددة، وفي مجالي الأمن والدفاع، وقال إن روسيا وفيتنام «تكافحان معاً التحديات القديمة والجديدة»، وتعملان على توسيع أطر التعاون في شتى المجالات.

وأكد دعوة بلاده المتطابقة مع وجهة النظر الروسية لبناء «نظام عالمي عادل قائم على ميثاق الأمم المتحدة، وحل النزاعات بالطرق الدبلوماسية والسلمية، وتطبيق نظام التجارة الحرة».

اللافت أن زيارة بوتين لفيتنام مثل زيارته لكوريا الشمالية أثارت ردود فعل لدى الغرب. ونقلت وسائل إعلام حكومية روسية أن «هانوي تحدّت واشنطن عملياً عبر الاستقبال الحافل لبوتين»، وقالت إن الولايات المتحدة حاولت ممارسة ضغوط على فيتنام، ووجّهت انتقادات حادة لها، على خلفية الإعداد لهذه الزيارة.

ونقلت عن وكالة «بلومبرغ» أن فيتنام «استضافت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، متجاهلة انتقادات واشنطن، ومؤكدة بذلك استمرار علاقتها مع موسكو في مواجهة رد الفعل السلبي من الولايات المتحدة».

بوتين ضيف دار الأوبرا الفيتنامية (إ.ب.أ)

في هذا السياق، كانت المحطة الأولى من جولة بوتين قد أثارت تحفظات غربية واسعة، خصوصاً بعد إعلان توقيع اتفاقية «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» بين روسيا وكوريا الشمالية، والتي نصّت، في أحد بنودها، على الدفاع المشترك ضد الأخطار الخارجية. وأعربت اليابان وكوريا الجنوبية عن قلق بسبب هذا التطور، علماً بأن بوتين كان قد لوَّح، في وقت سابق، بأن بلاده سوف تعمل على تسليح خصوم واشنطن وحليفاتها، وتعزيز وضع البلدان التي تواجه أوضاعاً مماثلة لروسيا لجهة العقوبات الغربية والقيود المفروضة عليها.


مقالات ذات صلة

6 قتلى بضربات روسية وأوكرانية متبادلة في شرق أوكرانيا

العالم عناصر الإنقاذ يعملون في موقع ضربة روسية بمنطقة كييف (إ.ب.أ)

6 قتلى بضربات روسية وأوكرانية متبادلة في شرق أوكرانيا

قضى 3 أشخاص على الأقل، الاثنين، جراء ضربة روسية استهدفت حديقة في منطقة خاركيف، بينما لقي ثلاثة آخرون حتفهم في هجوم أوكراني استهدف مركبة تابعة لدار جنازات.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا مجمع تجاري تضرر جراء هجوم صاروخي روسي على كييف الاثنين (رويترز)

الكرملين لا يستبعد قمة روسية - صينية - أميركية الشهر المقبل

قال الناطق الرئاسي الروسي، ديمتري بيسكوف، إن ثمة تفاهماً أولياً على عقد قمة روسية - أميركية - صينية تتناول أزمة أوكرانيا وقضايا أخرى.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)

الحرب الخفية داخل روسيا... عملاء سريّون يروون تفاصيل عملياتهم لصالح أوكرانيا

قدّم رجلان روسيان، يعملان سراً لصالح أجهزة الاستخبارات الأوكرانية، شهادات نادرة حول عمليات يزعمان المشاركة فيها، استهدفت أصولاً عسكرية وأفراداً داخل روسيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا دمى ماتريوشكا تحمل صور الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيريه الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ معروضة في محل للهدايا التذكارية في موسكو (إ.ب.أ)

تقرير: بوتين يقترح عقد قمة مع ترمب وشي لمناقشة اتفاق بشأن أوكرانيا

أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلاً عن مصادر مطلعة بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اقترح عقد قمة الشهر المقبل مع ترمب وشي لمناقشة اتفاق بشأن أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الولايات المتحدة​ الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما بالبيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

ترمب: زيلينسكي لا يريد إنهاء الحرب

أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة لم تُوقف تقاسم المعلومات مع أوكرانيا، داعياً الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى وضع حد للحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب يوقع أمراً تنفيذياً يهدف إلى تعزيز أبحاث صحة المرأة

الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يوقع أمراً تنفيذياً يهدف إلى تعزيز أبحاث صحة المرأة

الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب (أ.ب)

أكد البيت الأبيض، اليوم الإثنين، أن الرئيس دونالد ترمب يستعد لتوقيع أمر تنفيذي يهدف إلى تعزيز الأبحاث الفيدرالية المتعلقة بصحة المرأة، في خطوة جاءت بمبادرة من السيدة الأولى ميلانيا ترمب.

وينص الأمر التنفيذي، الذي كانت صحيفة «يو إس إيه توداي» أول من أوردت نصه، على إنشاء قسم جديد لصحة المرأة في المعاهد الوطنية للصحة، وتشكيل فرقة عمل في البيت الأبيض تكرس جهودها لهذه القضية.

ومن المتوقع أن تتحدث ميلانيا ترمب، خلال مراسم التوقيع اليوم الاثنين، عن إعطاء الأولوية للبحوث وكسر المحظورات حول مناقشة القضايا المتعلقة بصحة المرأة، بحسب ما أعلنه البيت الأبيض.

وستتولى سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، التي أنهت مؤخراً علاجها من سرطان الثدي، إلى جانب وزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت إف كينيدي جونيور، قيادة فرقة العمل التابعة للبيت الأبيض.

ولا يتضمن الأمر التنفيذي أهدافاً تمويلية محددة.


حكومة فرنسا تسعى لاحتواء الشارع وتجيز منع التجول في أواسط المدن

احتراق قصر البلدية في مدينة «ليموج» وسط فرنسا ليل السبت - الأحد (أ.ف.ب)
احتراق قصر البلدية في مدينة «ليموج» وسط فرنسا ليل السبت - الأحد (أ.ف.ب)
TT

حكومة فرنسا تسعى لاحتواء الشارع وتجيز منع التجول في أواسط المدن

احتراق قصر البلدية في مدينة «ليموج» وسط فرنسا ليل السبت - الأحد (أ.ف.ب)
احتراق قصر البلدية في مدينة «ليموج» وسط فرنسا ليل السبت - الأحد (أ.ف.ب)

عجلت «تنسيقية السترات الصفراء» في الإعلان عن يوم حراك جديد السبت المقبل، في 24 أكتوبر (تشرين الأول) لمواصلة الضغط على الحكومة، التي بدت عاجزة في اليومين الأخيرين عن المحافظة على سلمية المظاهرات وحماية المؤسسات العامة والملكيات الخاصة، في العديد من المدن من الحرائق والسلب والنهب، في حين تحولت شوارع المدن الرئيسية، مثل باريس العاصمة وليون ومرسيليا وتولوز وغيرها، ساحات معارك للكرّ والفرّ.

ولم تساعد الكلمة التي ألقاها الرئيس إيمانويل ماكرون، ليل الأحد، في تهدئة الوضع؛ كونها خلت، وفق الأكثرية الساحقة من التعليقات، من أي إعلان جدي لجهة الاستجابة لمطالب التلامذة والطلاب والمتظاهرين الآخرين الذين نزلوا إلى الشوارع والساحات في غالبية الأراضي الفرنسية، للتنديد بغلاء المعيشة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط) مترئساً اجتماعاً أمنياً في قصر الإليزيه الأحد (أ.ب)

كذلك، عجَّل التلامذة في الإعلان عن مواصلة حراكهم يوم 5 نوفمبر (تشرين الثاني)؛ ما يعني أن رهان الحكومة على أسبوعي العطلة المدرسية (من 17 أكتوبر إلى 2 نوفمبر) لم يكن في مكانه، وأن الحلول الجزئية التي هلَّل لها وزير التربية، إدوار جيفراي، وسعى لتسويقها لم تشفِ غليلهم ولم تقنعهم بالعودة إلى صفوف الدراسة.

بيد أن السؤال الرئيسي الذي شغل الطبقة السياسية يميناً ويساراً يدور حول التساؤل التالي: كيف لدولة كبرى بحجم فرنسا أن تعيش مثل هذا «السبت الأسود»، حيث قنوات التلفزة العالمية، من قلب باريس العاصمة وعشرات المدن الأخرى، نقلت مشاهد الحرائق والاشتباكات و«غيوم» الغازات المسيلة للدموع وصور هذه المجموعات من المشاغبين يحطمون وينهبون ويحرقون كل ما قدروا عليه؟ والسؤال الآخر كان، بطبيعة الحال: من المسؤول؟

من المسؤول؟

إذا كان من أمر أجمعت عليه غالبية الأحزاب، فعنوانه تحميل المسؤولية لوزير الداخلية لوران نونيز، المسؤول عن أمن الفرنسيين. ولأن أصابع الاتهام وجهت إليه؛ فإن نونيز لم يتأخر، مساء الأحد في تقديم استقالته للرئيس ماكرون الذي رفضها «نظراً لضرورة ضمان استمرارية قيادة قوات حفظ النظام»، وفق ما جاء في بيان صباحي لقصر الإليزيه.

وماكرون نفسه لم يكن بعيداً عن هذا التقييم؛ إذ لم يتردد في كلمته المسائية من الإشارة إلى «إخفاقات» في إدارة المسؤولين الأمنيين للمظاهرات، داعياً وزارة الداخلية إلى «تكييف أساليبها» في التعاطي مع مثيري الشغب «في أسرع وقت ممكن». كذلك، عبَّر ماكرون عن «قصور» الأجهزة الأمنية عن الاستعداد المسبق للمظاهرات وما رافقها، وعن فشل المخابرات الداخلية في توقع حجمها. ذلك أن المعلومات التي رشحت عنها أفادت بأنها تتوقع نزول ما يقل عن 200 ألف شخص إلى الشوارع في الأراضي الفرنسية كافة ومنهم خمسون ألفاً في باريس. والحال، أن العدد وصل، وفق الأرقام الرسمية إلى 550 ألفاً، منهم 110 آلاف في العاصمة، وسط قناعات المسؤولين بأن الحراك الطلابي إلى تراجع، وأن «السترات الصفراء» لم يعيدوا تنظيم صفوفهم للتظاهر بقوة.

كذلك، فشلت المخابرات الداخلية في استباق تدفق مجموعات اليسار المتطرف، التي تعمل لإحداث الفوضى والإطاحة ببنى الدولة، والتي تتألف بشكل رئيسي ممن يسمون «البلاك بلوك» الذين ينزلون إلى الشوارع بثيابهم السوداء وهم بالغو التنظيم والحركية، كما أنهم يستغلون المظاهرات كافة مهما تكن أسبابها للاصطدام مع رجال الشرطة والدرك.

ميدان «لاريبوبليك» وسط باريس 17 أكتوبر حيث بدأت أعمال الشغب (أ.ب)

إزاء هذا الواقع، لم يمكن من مَنفذ لوزير الداخلية سوى تقديم استقالته. وهو قال صباح الاثنين في حديث لإذاعة «فرنس أنتير»: «لقد قدمت استقالتي لأنني أتحمل مسؤولية كل ما حصل». وذهب إلى حد الاعتراف بـ«فقدان السيطرة» على الوضع الذي أفلت تماماً من أيدي القوى الأمنية التي وُجّهت لها سهام النقد حول كيفية إدارتها لمجمل ما حصل يوم «السبت الأسود».

ولم يتردد جيرالد درامانان، وزير العدل، في القول إن السلطات «أخفقت بلا شك» في إدارة الأزمة. والحال أن القوى الأمنية التي أصيب منها قرابة ألف عنصر، لم تتأخر في إلقاء القبض على عدد كبير من الموقوفين في يوم واحد (2331 شخصاً). وفي باريس وحدها، التي تواصلت فيها أعمال العنف والنهب واستهداف الممتلكات الخاصة، الأحد، حيث أوقف أيضاً 350 شخصاً. وتم تداول معلومات تفيد بأن القوى الأمنية وصلت إلى حد استنزاف مخزونها من القنابل المسيلة للدموع والقنابل الصوتية والقنابل المستخدمة لتفريق المتظاهرين.

عود على بدء

بعد عام واحد من وصوله إلى قصر الإليزيه، اندلع حراك «السترات الصفراء». وها هم هؤلاء ينزلون مجدداً إلى الشوارع قبل ستة أشهر من نهاية ولاية ماكرون الثانية. ولا يتيح الدستور الفرنسي له الترشح لولاية ثالثة. ومشكلة رئيس الجمهورية أن الدولة ليست اليوم في وضع يتيح لها الاستجابة للمطالب الاجتماعية والطلابية وكلها تحتاج إلى مليارات، في حين الحكومة تجهد لإقرار ميزانية تقشفية للعام المقبل مع عجز يصل إلى 5 في المائة في حين القاعدة الأوروبية تقول باحتوائه عند 3 في المائة.

رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو ولوران نونيز وزير الداخلية بعد انتهاء اجتماع بمقر الوزارة في باريس الاثنين (رويترز)

كذلك، تجدر الإشارة إلى أن ديون الدولة، في 2026، بلغت أرقاماً غير مسبوقة (3600 مليار يورو) بحيث تبلغ فوائدها أقل بقليل من 80 مليار دولار. ويعني ذلك، عملياً، أن الحكومة التي لا تتمتع بأكثرية تدعمها في البرلمان، ليست متأكدة من قدرتها على تمرير الميزانية كما أنها لا تمتلك الملاءة المالية التي تمكنها من الاستجابة للمطالب المرفوعة إليها. فطلاب المدارس الثانوية يريدون مثلاً عشرة مليارات يورو للنهوض بالتعليم الثانوي وتوفير 250 ألف مقعد دراسي جامعي إضافي، وإصلاح مباني الثانويات، وتوفير العدد الكافي من الأساتذة، ناهيك عن المطالب الاجتماعية برفع مرتبات الموظفين وتوفير الرعاية الاجتماعية.

طوارئ... أم الجيش إلى الشوارع؟

ولأن الوضع على هذا المنوال، وبناءً على طلب ماكرون؛ فقد بكّر رئيس الحكومة، سيباستيان لوكورنو، في عقد اجتماع لـ«خلية الأزمة (الأمنية) الوزارية» في «قصر ماتينيون» (مقر رئاسة الحكومة)، أعلن على أثره أن عزم الحكومة على إعادة الإمساك بالوضع «كاملاً». واستكمل الاجتماع الأول بآخر مسائي وفق الصيغة نفسها. وأهم ما نتج منه الطلب من المحافظين الذين يقع حفظ الأمن على عاتقهم، أن يعمدوا إلى «فرض حظر جزئي ومحدد للتجول» في وسط المدن التي يديرونها، وهو ما كان أوحى به ماكرون في كلمته مساء الأحد.

وكان برونو روتايو، رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي والمرشح للانتخابات الرئاسية، قد طالب بفرض «حالة الطوارئ» للسيطرة على الوضع الأمني. أما غبريال أتال، رئيس الوزراء السابق ورئيس حزب «النهضة» الداعم لماكرون والمرشح أيضاً للرئاسة، فقد دعا إلى الاستعانة بالقوات المسلحة «بشكل مؤقت» للسيطرة على الوضع.

وكان العديد من السياسيين قد أخذ على الحكومة أنها لم تنشر العدد الكافي من رجال الشرطة والدرك، كما أنها لم تتهيأ لمواجهة زحف المتظاهرين. ورد وزير الداخلية بالقول إنه نشر 60 ألف رجل (مقابل 80 ألفاً نشروا نهاية 2018 في عز أزمة «السترات الصفراء»).

ومن المآخذ الأخرى على وزارة الداخلية، أن محافظ مدينة مرسيليا أكد أن ثلاثين ألفاً من المشاغبين شاركوا في أعمال السرقة والنهب والحرائق. ورد عليهم رئيس بلدية المدينة المذكورة بأن هذا الرقم «وهمي» وأن هؤلاء لا يزيد عددهم عن 1500 شخص. وشكا بونوا بايان، في الوقت نفسه من العدد القليل وغير الكافي من رجال الشرطة والدرك الذين انتشروا في مدينته؛ ما مكن عدد من المتظاهرين من اقتحام مبنى البلدية.

مارين لوبن: المستفيدة الأولى

تأخذ قوى اليسار على السلطة تجاهلها مطالب المتظاهرين، في حين تطالبها قوى اليمين بمزيد من الحزم والصرامة. وقال إيمانويل غريغوار، عمدة باريس الاشتراكي إن السلطة «عملت على ترك هذه الحركة الاجتماعية تتعفن». بالمقابل، أكد رئيس حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، جوردان بارديلا، أنها «تخلّت تماماً عن مسؤولياتها». وتوجه السلطة وأحزاب اليمين واليمين المتطرف أصابع الاتهام إلى أقصى اليسار وتحديداً نحو حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد الذي تتهمه بتشجيع الحراك والسعي لاستغلاله في المعركة السياسية الرئاسية. بيد أن التحليلات المتداولة ترى العكس إذ تعتبر ان مارين لو بن، مرشحة حزب ألتجمع الوطني» اليميني المتطرف أولى المستفيدين مما يجري في فرنسا من فوضى وتفلت الشارع وهي تقدم نفسها على أنها «الأقدر» على فرض القوانين والتعامل مع الهجرات غير الشرعية. وكتب سيباستيان شينو، في تغريدة على منصة «إكس» متوجهاً للفرنسيين قائلاً: «الوضع بالغ الخطورة. أيها الفرنسيون، اصمدوا فنحن واصلون».


تهديد أمني يجبر طائرة نمساوية قادمة من تل أبيب على الهبوط في صوفيا

أرشيفية لطائرة تابعة للخطوط الجوية النمساوية (أ.ف.ب)
أرشيفية لطائرة تابعة للخطوط الجوية النمساوية (أ.ف.ب)
TT

تهديد أمني يجبر طائرة نمساوية قادمة من تل أبيب على الهبوط في صوفيا

أرشيفية لطائرة تابعة للخطوط الجوية النمساوية (أ.ف.ب)
أرشيفية لطائرة تابعة للخطوط الجوية النمساوية (أ.ف.ب)

اضطرت رحلة تابعة للخطوط الجوية النمساوية كانت متجهة من تل أبيب إلى فيينا إلى الهبوط غير المقرر في العاصمة البلغارية صوفيا، مساء الأحد، عقب تهديد استهدف الطائرة، وفق ما أفادت به «وكالة الأنباء النمساوية» (إيه.بي.إيه)، نقلاً عن شركة الطيران.

وذكرت الخطوط الجوية النمساوية في بيان نقلته وكالة أنباء «إيه.بي.إيه»: إنه يجري تفتيش طائرة تابعة لها من طراز «إيرباص A320» بعد تحويل مسارها وهبوطها، إثر تلقي تهديد.

وأفادت تقارير إعلامية إسرائيلية بأن طائرة تلقت تهديدا بوجود قنبلة بعد مغادرتها الأجواء الإسرائيلية، حيث كانت تحلق حينها قرب الحدود البلغارية - الرومانية.

وهبطت الطائرة بأمان في صوفيا وعلى متنها 51 راكباً وطاقم مكون من ستة أفراد، وفقاً لما أوردته «إيه.بي.إيه». وستجري إعادة حجز تذاكر للركاب على رحلات بديلة في أسرع وقت ممكن بمجرد فحص الطائرة.

وقالت وزارة النقل البلغارية إن الطائرة كانت قد وصلت إلى المنطقة الحدودية بين بلغاريا ورومانيا عندما عادت أدراجها باتجاه صوفيا بسبب التهديد.

ووفقاً لوزارة الدفاع البلغارية، أطلقت الطائرة إشارة تفيد بوجود تهديد بوجود قنبلة؛ ما دفع طائرات مقاتلة لمرافقة الرحلة.

وقالت الخطوط الجوية النمساوية، وهي شركة تابعة لمجموعة «لوفتهانزا» الألمانية، إنه تم تفتيش الطائرة والركاب والطاقم في صوفيا، ولم يتبين وجود أي خطر.

وبعد إعلان زوال الخطر، تمكن الركاب من متابعة رحلتهم إلى فيينا خلال ليلة الأحد إلى الاثنين. ولم تتوفر معلومات إضافية حول طبيعة التهديد.