زيارة بوتين لكوريا الشمالية تحمل أهمية خاصة في الظروف الإقليمية والدولية المعقدة

تعزيز التحالف في مواجهة الغرب و«شراكة استراتيجية شاملة» وتنسيق السياسات في القضايا الإقليمية والدولية

بوتين وكيم خلال زيارة الأخير لروسيا في 13 سبتمبر (أ.ف.ب)
بوتين وكيم خلال زيارة الأخير لروسيا في 13 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

زيارة بوتين لكوريا الشمالية تحمل أهمية خاصة في الظروف الإقليمية والدولية المعقدة

بوتين وكيم خلال زيارة الأخير لروسيا في 13 سبتمبر (أ.ف.ب)
بوتين وكيم خلال زيارة الأخير لروسيا في 13 سبتمبر (أ.ف.ب)

استبق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وصوله، الثلاثاء، إلى كوريا الشمالية بالمصادقة على مسودة «اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة» مطلقاً مرحلة جديدة نوعياً في علاقات بلاده مع البلد الأكثر عزلة في العالم، والذي انحاز بشكل قوي إلى جانب روسيا في الحرب الأوكرانية والمواجهة المتفاقمة مع الغرب.

الرئيس الروسي والزعيم الكوري الشمالي في قاعدة «فوستوشني» الفضائية بأقصى الشرق الروسي يوم 13 سبتمبر 2023 (رويترز - أرشيفية)

وبينما يراقب الغرب من كثب، مجريات الزيارة والنتائج التي سوف تتمخض عنها خصوصاً على صعيد تعزيز التعاون العسكري بين موسكو وبيونغ يانغ، شدد الطرفان الروسي والكوري الشمالي على الأهمية التي تكتسبها الزيارة على الصعيد الثنائي وفي إطار توسيع التنسيق في سياسات البلدين حيال الملفات الإقليمية والدولية.

وتعد هذه واحدة من الزيارات الخارجية النادرة لبوتين على خلفية ملاحقته من جانب محكمة الجنايات الدولية. وسبق للرئيس الروسي أن زار الصين لتكون محطته الخارجية الأولى بعد إعادة انتخابه رئيساً في مارس (آذار) الماضي، كما قام بزيارتين داخل الفضاء السوفياتي السابق الشهر الماضي، واحدة إلى بيلاروسيا حليفته الرئيسية في الحرب الأوكرانية، والثانية إلى اوزبكستان.

وتحمل زيارة كوريا الشمالية الحالية أهمية خاصة في الظروف الإقليمية والدولية المعقدة، علماً بأن بوتين كان قد قام بزيارة وحيدة إلى هذا البلد بعد مرور شهرين فقط على توليه الرئاسة في روسيا للمرة الأولى في عام 2000؛ لذلك فإن العودة إلى بيونغ يانغ بعد مرور 24 سنة وعلى خلفية المواجهة المتفاقمة حالياً مع الغرب، تعكس توجه الكرملين إلى تحديد خيارات بلاده على صعيد التحالفات القائمة في السياسة الخارجية، وقد شكلت المصادقة على مسودة معاهدة «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» عشية الزيارة إشارة مهمة في هذا السياق.

وتعد مصادقة بوتين على المسودة الإجراء الأخير قبل التوقيع على الوثيقة رسمياً خلال لقائه المرتقب مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. وجاء ذلك في توجيه رئاسي نشر رسمياً، الثلاثاء، قبيل وصول بوتين إلى بيونغ يانغ في زيارة دولة تستغرق يومين.

وأفاد بيان أصدره الكرملين بأن بوتين وجه بـ«قبول اقتراح وزارة الخارجية الروسية، المتفق عليه مع الهيئات والمنظمات الحكومية الفيدرالية المختصة، لتوقيع اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة بين الاتحاد الروسي وجمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية». وسمح بوتين لـ«الخارجية الروسية» بإدراج «تعديلات لا تحمل طابعاً جوهرياً على مسودة الاتفاق إذا رغب الطرفان بذلك».

صورة وزعتها كوريا الشمالية (حليفة موسكو) لعملية إطلاق صواريخ من منطقة غير محددة (أ.ف.ب)

وكان مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف قد أشار إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية، ووصفها بأنها «تحدد آفاق مواصلة التعاون الثنائي مع الأخذ في الحسبان المتغيرات الكبيرة في العلاقات بين البلدين في السنوات الأخيرة سواء في مجال السياسة الدولية أو في المجال الاقتصادي وكذلك في القضايا الأمنية». ووصف الزيارة بأنها محطة مهمة للبلدين. وقال أوشاكوف: «سيجري التوقيع على وثائق عدة... أبرزها الاتفاقية الجديدة التي تحل مكان معاهدة الصداقة والمساعدة المتبادلة لعام 1961، ومعاهدة الصداقة والتعاون وحسن الجوار لعام 2000، وإعلاني موسكو وبيونغ يانغ لعامي 2000 و2001».

ورداً على سؤال عما إذا كانت الوثيقة الجديدة ستتضمن التعاون في مجال التعاون العسكري التقني والمساعدة العسكرية، وأشار أوشاكوف إلى أن الوثيقة تنظر في كل مجالات التعاون بما في ذلك على صعيد المتطلبات الأمنية للبلدين.

اللافت أن بوتين حدد عشية الزيارة الهدف الأساسي منها، خصوصاً على صعيد تعزيز التحالف وأوجه التعاون في الحرب الأوكرانية، وفي ملفات المواجهة الحالية مع الغرب.

وأكد في مقالة نشرتها وسائل إعلام كورية شمالية حكومية، أن «روسيا وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية تعملان بنشاط على تطوير شراكة متعددة الأوجه، ونقدر تقديراً عالياً دعم جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية للعملية العسكرية الروسية الخاصة بأوكرانيا، وتضامنها معنا في القضايا الدولية الرئيسية، واستعدادها للدفاع عن الأولويات ووجهات النظر المشتركة في الأمم المتحدة. لقد كانت بيونغ يانغ، ولا تزال، قريبة من مسار أفكارنا وداعمة لنا، ومستعدة لمقاومة رغبة الغرب الجماعي في منع تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب يقوم على العدالة، والاحترام المتبادل للسيادة، ومراعاة مصالح بعضنا البعض».

وفي المقابل، وصفت صحيفة «رودونغ شينمون» الكورية الشمالية الرسمية الصراع الدائر في في أوكرانيا بأنه «حرب مقدسة». وجاء في افتتاحية الصحيفة التابعة لحزب العمال الحاكم، بمناسبة زيارة بوتين : «إن العملية العسكرية الخاصة الروسية في أوكرانيا هي حرب مقدسة لحماية الحقوق السيادية وكرامة الدولة الروسية ومصالحها التنموية». وأضافت الصحيفة: «إن حكومة وشعب جمهوريتنا يعربان عن دعمهما الكامل وتضامنهما مع الشعب الروسي بشأن العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، ويدينان بشدة المحاولات الخطيرة التي تقوم بها القوى المعادية لإذكاء نار الصراع المسلح في جميع أنحاء أوروبا».

وفي إشارة لافتة كتبت الصحيفة أن «شعبنا يرى شرفاً كبيراً له في القتال جنباً إلى جنب في جبهة مشتركة للدفاع عن الاستقلال والعدالة الدولية مع رفيق سلاح مشهود له مثل الشعب الروسي».

كيم جونغ أون مع فلاديمير بوتين خلال زيارة لأحد مستودعات تجميع الصواريخ بروسيا في 13 سبتمبر 2023 (أ.ب)

وأشار الرئيس الروسي إلى أن زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، يتبع بثقة المسار الذي وضعه أسلافه - رجلا الدولة البارزان وصديقا الشعب الروسي، الرفيقان كيم إيل سونغ وكيم جونغ إيل.

ومع مراقبة الغرب مجريات الزيارة، فإن التركيز الأساسي ينصب على مجالات تعزيز التعاون العسكري، والآليات التي يستخدمها الطرفان للالتفاف على العقوبات المفروضة على البلدين، وتوسيع مساحة التعاون الثنائي لتجاوز تداعيات القيود المفروضة.

بدأ تحالف موسكو وبيونغ يانغ منذ تأسيس كوريا الشمالية بعد الحرب العالمية الثانية، وتوثّقت علاقتهما بشكل أكبر منذ أدى الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022 إلى عزل الغرب بوتين على الساحة الدولية.

ويتهم الغرب كوريا الشمالية بأنها زودت موسكو بتقنيات عسكرية مهمة وضخمة. ووفقاً لمعطيات فقد استخدمت روسيا بكثافة في الحرب الأوكرانية طرازات من الأسلحة والمعدات الكورية الشمالية، على رأسها صواريخ متعددة الأغراض جرى نقلها إلى روسيا بكميات كبيرة، وكذلك ملايين العبوات من قذائف المدفعية والذخائر اللازمة للأسلحة الثقيلة والمتوسطة.

ووفق الغرب، استخدمت بيونغ يانغ مخزونها الضخم من الذخائر لتزويد روسيا كميات كبيرة منها، واتهم البنتاغون موسكو، الأسبوع الماضي، باستخدام صواريخ باليستية كورية شمالية في أوكرانيا. ووفقاً لتقارير فقد مكنت الإمدادات الكورية الشمالية من سد فجوة مهمة في حاجات القطاع العسكري الروسي، وتعويض عجز المجمع الصناعي العسكري عن توفير متطلبات الجبهة في عدد من المجالات رغم زيادة الإنتاج الروسي عدة أضعاف خلال العامين الماضيين. ووصفت كوريا الشمالية الاتهامات الغربية بتزويد روسيا أسلحة بأنها «سخيفة».

وتقول واشنطن وسيول إن روسيا في المقابل زودت كوريا الشمالية الخبرة اللازمة لبرنامجها للأقمار الاصطناعية، وأرسلت مساعدات لمواجهة نقص الغذاء في البلاد. ورغم أن كوريا الشمالية نفت أن تكون قد قدمت معدات عسكرية لروسيا، فإن بوتين شكر قبل رحلته حكومة كيم جونغ أون على مساعدتها في المجهود الحربي. وقال بوتين في مقال نشرته «وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية»: «نحن نقدر عالياً أن جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية (كوريا الشمالية) تدعم بقوة العمليات العسكرية الخاصة التي تنفذها روسيا في أوكرانيا»، مضيفاً أن البلدين يعملان على توسيع «تعاونهما المتبادل والمتساوي». ويخضع البلدان لعقوبات من الأمم المتحدة، بيونغ يانغ منذ عام 2006 بسبب برامجها النووية والصواريخ الباليستية المحظورة، وموسكو بسبب غزوها أوكرانيا.

وبدوره، دعا وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا المجتمع الدولي إلى مواجهة العلاقة الوثيقة التي تربط بوتين وكيم عبر زيادة إمدادات الأسلحة إلى كييف. وقال: «أفضل طريقة للرد عليها (الزيارة) هي مواصلة تعزيز التحالف الدبلوماسي من أجل سلام عادل ودائم في أوكرانيا وتسليم المزيد من صواريخ (باتريوت) والذخائر إلى أوكرانيا».

بوتين يزور معرض للمعدات العسكرية في جمهورية ياقوتيا في أقصى شرق روسيا (أ.ب)

من جانب آخر، عيَّن الرئيس الروسي 3 نواب جدد لوزير الدفاع الروسي، من بينهم امرأة يعتقد أنها من أقاربه البعيدين. وستتولى آنا تسيفيليفا مسؤولية بناء المساكن والتأمين الاجتماعي لأفراد القوات المسلحة. ويذكر أن بافيل فرادكوف أحد النواب الجدد، هو نجل مدير الاستخبارات ورئيس الوزراء السابق ميخائيل فرادكوف. ومن المقرر أن يتولى فرادكوف الابن مسؤولية إدارة ممتلكات الجيش وأصوله.

كذلك، جرى تعيين نائب وزير المالية السابق، ليونيد جورين، نائباً أول لوزير الدفاع بموجب مرسوم رئاسي. وأُدرج كل من تسيفيليفا وزوجها على قوائم عقوبات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة ودول أخرى لأنهما استفادا من قربهما من الحكومة الروسية.


مقالات ذات صلة

تهديدات ترمب لغرينلاند تضع «الناتو» أمام تحدٍّ غير مسبوق

العالم منازل مغطاة بالثلوج على ساحل مدينة نوك عاصمة غرينلاند 7 مارس 2025 (أ.ب) play-circle

تهديدات ترمب لغرينلاند تضع «الناتو» أمام تحدٍّ غير مسبوق

تطرح أحدث تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند تحدياً جديداً وربما غير مسبوق لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وقد يكون حتى وجودياً.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

أوكرانيا: روسيا تهاجم ميناءين بمنطقة أوديسا

قال مسؤولون أوكرانيون إن روسيا هاجمت ميناءين بحريين في منطقة أوديسا الأوكرانية، اليوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل شخص وإصابة ثمانية آخرين.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رستم عمروف مستشار الأمن القومي الأوكراني (د.ب.أ)

مستشار الأمن الأوكراني: بحثنا مع واشنطن الإطار العام لإنهاء الحرب

أعلن رستم عمروف، مستشار الأمن القومي الأوكراني رئيس وفد بلاده في المفاوضات، أنه عقد اليوم الأربعاء، جولة أخرى من المشاورات مع الوفد الأميركي.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في صورة تذكارية مع القادة والمسؤولين المشاركين في اجتماع «تحالف الراغبين» في باريس (الخارجية التركية)

تركيا مستعدة للإشراف على أمن البحر الأسود حال انتهاء حرب روسيا وأوكرانيا

أبدت تركيا استعدادها للإشراف على الأمن في البحر الأسود حال التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بين روسيا وأوكرانيا المستمرة لما يقرب من 4 سنوات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (إ.ب.أ)

ستارمر: نشر القوات في أوكرانيا سيخضع لتصويت البرلمان

قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الأربعاء، ​إن أي نشر للقوات البريطانية، بموجب إعلان جرى توقيعه مع فرنسا وأوكرانيا، سيخضع لتصويت برلماني.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أوكرانيا: روسيا تهاجم ميناءين بمنطقة أوديسا

جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)
جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)
TT

أوكرانيا: روسيا تهاجم ميناءين بمنطقة أوديسا

جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)
جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

قال مسؤولون أوكرانيون إن روسيا هاجمت ميناءين بحريين في منطقة ​أوديسا الأوكرانية، اليوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل شخص وإصابة ثمانية آخرين.

ووفقاً لـ«رويترز»، هاجمت روسيا مراراً مواني أوكرانيا والسفن التي تبحر منها وترفع أعلاماً أجنبية في الأسابيع الأخيرة، بعد أن تعهد ‌الرئيس فلاديمير بوتين بعزل ‌أوكرانيا عن ‌البحر ⁠رداً ​على ‌ضربات كييف لناقلات النفط غير المرخص بها التي تبحر إلى روسيا.

وقالت إدارة المواني البحرية الأوكرانية إن الميناءين اللذين تعرضا للهجوم هما تشورنومورسك وبفيديني، وكلاهما شريان تصدير رئيسي لاقتصاد ⁠أوكرانيا الذي يعتمد على السلع الأساسية.

وقال ‌نائب رئيس الوزراء أوليكسي كوليبا: «هذا هجوم آخر من قبل دولة إرهابية على البنية التحتية للمواني التي تشارك في ضمان الأمن الغذائي العالمي».

وأضاف كوليبا أن منشآت المواني والمباني ​الإدارية والصهاريج التي تحتوي على الزيوت النباتية تضررت في هجمات ⁠اليوم، مضيفاً أن المواني مستمرة في العمل حتى مع أعمال إصلاح الأضرار.

وصعّدت روسيا من ضرباتها على المواني الأوكرانية في ديسمبر (كانون الأول)، بعد أن شنت أوكرانيا ضربات على ناقلات فارغة من «أسطول الظل»، والتي تستخدمها موسكو لشحن نفطها إلى المشترين على الرغم ‌من العقوبات الغربية.


«نستله» توسع نطاق سحب حليب الأطفال إلى أفريقيا والأميركتين وآسيا

يرفرف العلم السويسري فوق مقر شركة «نستله» في فيفي بسويسرا (رويترز)
يرفرف العلم السويسري فوق مقر شركة «نستله» في فيفي بسويسرا (رويترز)
TT

«نستله» توسع نطاق سحب حليب الأطفال إلى أفريقيا والأميركتين وآسيا

يرفرف العلم السويسري فوق مقر شركة «نستله» في فيفي بسويسرا (رويترز)
يرفرف العلم السويسري فوق مقر شركة «نستله» في فيفي بسويسرا (رويترز)

أظهر إحصاء صادر عن شركة «نستله» وبيانات وطنية عن سلامة الغذاء اتساع نطاق سحب بعض دفعات منتجات ​تغذية الرضع التابعة للشركة إلى خارج أوروبا، ليصل إلى أفريقيا والأميركتين وآسيا، بما في ذلك الصين والبرازيل وجنوب أفريقيا.

ولم يتم تأكيد أي أمراض حتى الآن في ما يتعلق بدفعات من عدة منتجات من حليب الأطفال استدعتها «نستله» بسبب احتمال تلوثها بمادة السيريوليد، وهي مادة ‌سامة يمكن ‌أن تسبب الغثيان والقيء.

وأصدرت 37 ⁠دولة ​على ‌الأقل، بما في ذلك معظم الدول الأوروبية، بالإضافة إلى أستراليا والبرازيل والصين والمكسيك وجنوب أفريقيا، تحذيرات صحية بشأن احتمال تلوث حليب الأطفال.

وتزيد عملية السحب من الضغوط على الشركة المصنعة لمنتجات شهيرة مثل «كيت كات» و«نسكافيه» ورئيسها التنفيذي الجديد فيليب نافراتيل الذي يسعى إلى إنعاش النمو من خلال مراجعة ‌محفظة الشركة بعد الاضطرابات الإدارية، إذ انخفضت أسهم «نستله» بحوالي 5.7 في المائة هذا الأسبوع.

وقالت وزارة ‍الصحة البرازيلية، اليوم الأربعاء، إن السحب إجراء وقائي بعد اكتشاف المادة السامة في منتجات منشؤها هولندا.

وقالت «نستله» في أستراليا إن الدفعات التي تقرر ​سحبها هناك تم تصنيعها في سويسرا، بينما قالت «نستله» بالصين إنها قررت سحب دفعات حليب ⁠الأطفال المستوردة من أوروبا.

وذكر إشعار صادر عن اللجنة الوطنية للمستهلكين في جنوب أفريقيا أن حليب الأطفال «نان» الذي تقرر سحبه تم إنتاجه في يونيو (حزيران) 2025 وتمتد صلاحيته حوالي 18 شهراً.

وأضافت اللجنة: «تم تصديره أيضا إلى ناميبيا وإسواتيني».

وقالت وزارة الصحة النمساوية، أمس الثلاثاء، إن عملية السحب طالت أكثر من 800 منتج من أكثر من 10 مصانع، وهي الأكبر ‌في تاريخ «نستله». ولم يتمكن متحدث باسم «نستله» من تأكيد ذلك.


الغربيون ينسقون خطواتهم بشأن أوكرانيا مع توافر الدعم الأميركي

من اليمين: ستارمر وماكرون وزيلينسكي (إ.ب.أ)
من اليمين: ستارمر وماكرون وزيلينسكي (إ.ب.أ)
TT

الغربيون ينسقون خطواتهم بشأن أوكرانيا مع توافر الدعم الأميركي

من اليمين: ستارمر وماكرون وزيلينسكي (إ.ب.أ)
من اليمين: ستارمر وماكرون وزيلينسكي (إ.ب.أ)

كانوا ستة وراء منصاتهم الفردية للتحدث للصحافة بعد يوم كامل من المشاورات متعددة الأطراف والأشكال في قصر الإليزيه. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توسط المجموعة التي ضمت إليه الرئيس الأوكراني، والمستشار الألماني، ورئيس الوزراء البريطاني، وأيضاً «وخصوصاً» مستشاري الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير المكلفين ملف الحرب الروسية-الأوكرانية التي ستدخل بعد خمسين يوماً عامها الخامس.

الرئيسان ماكرون وزيلينسكي يصلان معاً إلى قاعة الاجتماع وتظهر في الصورة أعلام الدول المشاركة فيه في قصر الإليزيه (رويترز)

وكان من الطبيعي أن يتحدث إيمانويل ماكرون أولاً، يليه بروتوكولياً فولوديمير زيلينسكي، ثم كير ستارمر، وفريدريتش ميرتس. بيد أن كل الأنظار كانت موجهة نحو الضيفين الأميركيين لمعرفة ما إذا كانت إدارة الرئيس دونالد ترمب قبلت، أخيراً، توفير «الضمانة الأمنية» التي يتمسك بها قادة «تحالف الراغبين» للانخراط في توفير دعم متعدد الأشكال لأوكرانيا، وأهم ما فيه المشاركة في «القوة متعددة الجنسيات» المفترض أن يشكلها هؤلاء للانتشار على الأراضي الأوكرانية بعد أن يتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، والأفضل لاتفاقية سلام بين موسكو وكييف.

«شبكة الأمان» الأميركية

منذ أشهر عديدة يدور الحديث حول الضمانة الأميركية التي تعد بمثابة «شبكة أمان» للوحدات العسكرية الأوروبية، إذ تعني أن واشنطن لن تترك الأوروبيين وحيدين في حال عاودت القوات الروسية هجماتها على أوكرانيا بعد انتهاء الحرب. ومنذ أكثر من أسبوع، ما فتئت باريس تروج لأمرين: الأول: التقارب المستجد في التعاطي مع الملف الأوكراني بين واشنطن وكييف والعواصم الأوروبية الأخرى. والثاني: أن ترمب أولاً وبعده وزير خارجيته ماركو روبيو أكدا أن الولايات المتحدة «ستدعم الأوروبيين»، وأنه ستكون لها مشاركة مهمة في الضمانات الأمنية.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلقي كلمة في مؤتمر صحافي عقب توقيع إعلان نشر القوات في أوكرانيا (إ.ب.أ)

من هنا، كان ترقب الجميع لما سينطق به ويتكوف وكوشنير. الأول قال عندما جاء دوره إن الرئيس ترمب «مقتنع بأنه يتعين وضع حد لهذه المجزرة» «الحرب في أوكرانيا»، وأن الولايات المتحدة «ملتزمة بالدفاع عن أوكرانيا» في حال تعرضها لاعتداء جديد من روسيا، وأن هذه الحرب ستنتهي إلى الأبد». وعند طرح سؤال بهذا المعنى، رد كوشنير قائلاً: «إذا عمدت أوكرانيا إلى توقيع اتفاقية سلام نهائية، فيتيعن عليها أن تعرف أنها ستحظى، بكل وضوح، بقوة ردع صلبة، وحقيقية، وأن تتأكد أن الحرب لن تعود أبداً». وأضاف ويتكوف من جانبه: «إن الرئيس ترمب يدعم بقوة البروتوكولات الأمنية التي تم التوصل إليها في إطار تحالف الراغبين، والتي غرضها ردع أي هجوم جديد يستهدف أوكرانيا»، مضيفاً أن الرئيس ترمب «لا يتراجع أبداً عن التزاماته، وسوف نكون إلى جانب الأوكرانيين».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً الأمين العام للحلف الأطلسي مارك روته على مدخل القصر الرئاسي (رويترز)

كان لهذه الكلمات وقع لذيذ على أسماع الحاضرين. وسارع الرئيس ماكرون إلى الإعلان أن «مرحلة جديدة» تم اجتيازها، لأن الأميركيين «أوضحوا مشاركتهم فيها (شبكة الأمان) من خلال قيادة آلية مراقبة وقف إطلاق النار». وأضاف ماكرون لاحقا: «ليس لي أن أتبنى أي نظرية تشكك في التزام الأميركيين بتوفير شبكة الأمان». وبنظره، فإن ما أقدمت عليه واشنطن يعد «التزاماً لصالح السلام».

وبدا ماكرون عازماً على قطع الطريق على التحفظات التي تسمع هنا وهناك، وتحذر من أن الرئيس ترمب متقلب الرأي، ويمكنه أن يتراجع عن التزاماته طالما لم تصبح رسمية. ولذا، فإن الرئيس الأوكراني يطالب بأن يصادق الكونغرس الأميركي رسمياً على هذه الالتزامات لتتحول إلى قانون لا يتغير بتغير العهود، مشيراً إلى أنه «من المهم جداً أن يتوصل تحالف الراغبين إلى توقيع وثائق ملزمة، ولا تبقى الأمور مجرد كلام في الهواء». ونبه زيلينسكي إلى أن كثيراً من التفاصيل تحتاج إلى توضيحات وبالدرجة الأولى كيفية عمل آلية المراقبة، وكيفية الإيفاء بدعم وتمويل الجيش الأوكراني. وسبق له، بمناسبة لقائه ترمب في فلوريدا، قبيل نهاية السنة الماضية، أن طالب بأن تكون الضمانة الأميركية صالحة لخمسين عاماً بدل الـ15 عاماً التي وعده بها ساكن البيت الأبيض.

ماكرون مع كوستا (أ.ب)

وثيقتان

وثيقتان اثنتان صدرتا بمناسبة قمة باريس: الأولى: رسالة نوايا ثلاثية الأطراف، تضم فرنسا، وبريطانيا، وأوكرانيا وقعها قادتها الثلاثة مباشرة بعد انتهاء أعمال القمة، والثانية: «إعلان باريس» الصادر عن قمة التحالف، ووزعها قصر الإليزيه بالإنجليزية، والفرنسية. وبالطبع تتعين الإشارة إلى أن «رسالة النوايا» لا تعني التزامات نهائية، بل إنها توافق مبدئي على مسائل يتعين التفاوض بشأنها لاحقاً.

بيد أن أهميتها تكمن في أنها أول وثيقة ترى النور، وتتناول نشر «القوة متعددة الجنسيات» في أوكرانيا. أما سبب اقتصارها، في الوقت الحاضر، على فرنسا وبريطانيا، لأن هاتين الدولتين تعدان سابقتين ورائدتين في الدعوة إلى تشكيل القوة المذكورة، وقيادتها، وتأكيد المشاركة بها ميدانياً.

الفريق الأميركي الذي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مبعوثي الرئيس دونالد ترمب (أ.ب)

وقال ماكرون لاحقاً إن بلاده مستعدة للمشاركة «بعدة آلاف» في القوة المذكورة. وتؤكد «الرسالة» على أن نشر «القوة» مرهون بتوصل الطرفين الروسي والأوكراني لاتفاق لوقف إطلاق النار، أو اتفاقية سلام، وأن غرضها توفير الضمانات الأمنية، وردع أي اعتداء جديد على أوكرانيا، ودعم تعزيز قواتها العسكرية المفترض أن تتكون من 800 ألف رجل.

وبموجب الرسالة، تلتزم باريس ولندن بإقامة «مراكز عسكرية، ولوجستية» في أماكن متعددة من الأراضي الأوكرانية، بينما تنتشر «القوة» على الخطوط الخلفية. وأكد ماكرون لاحقاً أن مهمتها «ليست قتالية». وقبل انتشار القوة، يتعين التوصل مع أوكرانيا إلى «إطار قانوني» يتيح لها العمل، والانتشار في أوكرانيا من أجل تأمين المجالين البحري والجوي لأوكرانيا. وتنص «الرسالة» على إنشاء مركز تنسيق مشترك لإدارة عملية الانتشار، ومساهمات الدول الشريكة. وتنص الفقرة الرابعة من «الرسالة» على دور الولايات المتحدة في الإشراف على آلية وقف إطلاق النار من جهة، وأن تلعب دوراً في «شبكة الأمان» في حال تعرض القوة لهجمات.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً المستشار الألماني فريدريتش ميرتس في الإليزيه (د.ب.أ)

تكمن أهمية «إعلان باريس» الصادر عن «تحالف الراغبين، وأوكرانيا، والولايات المتحدة» في أنه يفصل «الضمانات الأمنية القوية من أجل سلام راسخ ودائم في أوكرانيا» بعد أن يحدد المبادئ التي تنطلق منها الأطراف المعنية، والتزامهم بـ«أن ضمان سيادة أوكرانيا، وأمنها المستدام يجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من أي اتفاق سلام، وأن أي تسوية يجب أن تكون مدعومة بضمانات أمنية قوية لأوكرانيا»، واعتبارهم أن «قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها تُعد مسألة بالغة الأهمية لضمان مستقبل أمن أوكرانيا، والأمن الجماعي في الفضاء الأوروبي-الأطلسي».

ويلتزم الموقعون على «الإعلان» (الولايات المتحدة ليست بينهم) «بنظام من الضمانات الملزمة سياسياً وقانونياً»، وتفعيله مباشرة بعد وقف النار، معتبرين أنه «استكمال للاتفاقات الثنائية» التي أبرمت سابقاً مع كييف. وتشمل الضمانات المشار إليها المشاركة في آلية لمراقبة وقف إطلاق النار، والتحقق منه بقيادة أميركية، وإقامة لجنة خاصة للنظر في أي خرق، وتحديد المسؤولية عنه، ومعالجته، ودعم الجيش الأوكراني بكافة الوسائل، وتشكيل القوة متعددة الجنسيات، والتوافق على إجراءات تتضمن «تخطيطاً عسكرياً منسقاً لإعداد تدابير طمأنة في الجو، والبحر، والبر».

ومن بين الفقرات المهمة تلك الخاصة بـ«التعهدات الإلزامية لدعم أوكرانيا في حال تعرضها لهجوم مسلح جديد من روسيا من أجل استعادة السلام»، و«قد» يكون من بينها استخدام القدرات العسكرية، وفرض مزيد من العقوبات... ومن الناحية العملياتية، اتفقت الأطراف المعنية على تشكيل خلية تنسيق بين الولايات المتحدة، وأوكرانيا، وتحالف الراغبين يكون مقرها «القيادة العملياتية» للتحالف في باريس.

ما سبق بالغ الأهمية لكن تعوقه ثلاث عقبات رئيسة: الأولى: إنه بمجمله مرتبط بقبول روسيا وقفاً لإطلاق النار. وحتى اليوم لا يبدو أنها راغبة بذلك طالما لم تتحقق أهدافها من الحرب. والثانية: رفض موسكو نشر قوات تكون من بين مكوناتها دول أطلسية. والثالثة: الخلافات المستحكمة بخصوص مصير الأراضي التي تطالب بها روسيا، ومصير محطة زابوريجيا النووية، وحجم الجيش الأوكراني المستقبلي... وتقول مصادر رئاسية إن مهمة إقناع بوتين من مسؤولية الطرف الأميركي. وكل ذلك يدل على أن نهاية الحرب لن تكون غداً، وأن قمماً أخرى ستكون ضرورية قبل بلوغ هذا الهدف.