المساعدات الغذائية إلى غزة... تعثّر في الإدخال ومخاوف من مجاعة

مسؤول إغاثي فلسطيني تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن وفيات بسبب الجوع

فلسطينيون ينتظرون الطعام من مطبخ خيري وسط نقص الإمدادات الغذائية في رفح (رويترز)
فلسطينيون ينتظرون الطعام من مطبخ خيري وسط نقص الإمدادات الغذائية في رفح (رويترز)
TT

المساعدات الغذائية إلى غزة... تعثّر في الإدخال ومخاوف من مجاعة

فلسطينيون ينتظرون الطعام من مطبخ خيري وسط نقص الإمدادات الغذائية في رفح (رويترز)
فلسطينيون ينتظرون الطعام من مطبخ خيري وسط نقص الإمدادات الغذائية في رفح (رويترز)

10 في المائة فقط من احتياجات غزة الغذائية والطبية تجد طريقها إلى القطاع عبر نافذة شديدة الضيق، إثر إغلاق معبر «رفح»، منذ سيطرة إسرائيل على جانبه الفلسطيني في 7 مايو (أيار)، بينما تدفع الـ90 في المائة الغائبة، السكان إلى المجاعة، وفق ما يقول مسؤولون.

فبالتوازي مع العمليات العسكرية المستمرة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تشن إسرائيل حرباً من نوع آخر على المدنيين، إذ تعرقل إمدادات عربية دولية من المساعدات، وتهدد ما يزيد على مليون نسمة بالموت والمجاعة بحلول منتصف شهر يوليو (تموز) المقبل، وفق تقديرات أممية.

«آلة الحرب هي المستفيد الوحيد من الوضع الحالي، بينما يتضور سكان غزة جوعاً جراء القيود الإسرائيلية على إدخال المساعدات الغذائية»، كما يقول المدير التنفيذي لجمعية «الهلال الأحمر الفلسطيني» في قطاع غزة، الدكتور بشار مراد، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»، أن علامات المجاعة «تتضح يوماً بعد يوم».

يؤكد أيضاً هذا الوضع الصعب، المستشار الإعلامي لـ«الأونروا»، عدنان أبو حسنة، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، مطالباً بـ«حلول عاجلة لوقف شبح المجاعة بقطاع غزة».

هذه الحلول المطلوبة على وجه السرعة لتفادي الكارثة، وفق أبو حسنة، تتمثل في «وقف الحرب، وفتح إسرائيل المعابر وممرات إنسانية، وزيادة حجم المساعدات من نحو 40 شاحنة يومياً على الأقل، إلى الـ600 شاحنة التي كانت تمر قبل الحرب، مع الحاجة لزيادتها في ظل الظروف «الأسوأ بالتاريخ» في قطاع غزة.

ورسم مؤتمر الاستجابة الطارئة الدولية لغزة، الذي عُقد بالأردن قبل أيام، الوضع الكارثي على الأرض بعد 8 أشهر من الحرب، رقمياً، إذ تعرض 60 في المائة من المباني في غزة للتدمير، والأمر نفسه ينطبق على ما لا يقل عن 80 في المائة من المرافق التجارية، فضلاً عن تحوّل مرافق المؤسسات التعليمية والصحية إلى أنقاض.

فلسطينيون فارون من شمال غزة مع توغل الدبابات الإسرائيلية (رويترز)

وفيما يتعلق بالسكان، رصد المؤتمر في بياناته «نزوح أكثر من مليون و700 ألف فلسطيني في القطاع، أي 75 في المائة من السكان، منذ بداية الحرب».

خريطة «شح الغذاء»

تدمير البنى التحتية وإجبار الناس على ترك المنازل، وإغلاق ممرات المساعدات الإنسانية، خلق ما يمكن وصفه بـ«خريطة شح الغذاء» في القطاع، حيث تصبح المعاناة «أكثر قسوة» كلما تحوّل الاتجاه شمالاً، كما يقول أبو حسنة.

وبالتوازي مع شح الغذاء، يواجه سكان قطاع غزة نقصاً شديداً في المياه الصالحة للشرب بعد اجتياح مياه الصرف الصحي ومياه البحر الملحة للخزان الجوفي للقطاع وتلويثه، بجانب نقص شديد في الوقود، وفق أبو حسنة.

هذا الوضع خيم على وجوه وأجساد سكان غزة، إذ يقول أبو حسنة: «نرى هياكل بشرية ينقصها كل شيء. وبسبب شح الغذاء، 90 في المائة من الأطفال يعانون سوء تغذية، والأمهات ليست لديهن القدرة على الرضاعة».

ويضيف: «استمرار الأوضاع الحالية المتمثلة في إدخال مساعدات تشكل 10 في المائة فقط من الاحتياجات، وأحياناً لا تدخل مساعدات لأيام، يجعل الوضع بغزة الأسوأ في التاريخ، وجحيماً لا يطاق».

وتؤكد تصريحات أبو حسنة تقارير أممية متلاحقة، أحدثها صدر في 14 يونيو (حزيران) الحالي عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلّة، ويؤكد أن «جزءاً كبيراً» من السكان في جميع أنحاء غزة يعاني من «الجوع الكارثي».

التقرير لمس الأزمة الكبرى وهي صعوبة إدخال المساعدات المتوفرة بالفعل، في ظل القيود الإسرائيلية، إذ قال إن «نقص الوقود والقيود المفروضة على الوصول، يعرقلان بشدة إيصال المساعدات المنقذة للحياة».

كما تحدث المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، في 12 يونيو، عن «ظروف شبيهة بالمجاعة تواجه نسبة كبيرة من سكان غزة»، لافتاً إلى أن 8 آلاف طفل دون الخامسة «يعانون من سوء التغذية الحاد».

هذه التقديرات تتوافق مع تحذيرات صدرت في أوائل يونيو الحالي، في بيان ثنائي مشترك عن منظمة الزراعة العالمية «الفاو» وبرنامج الأغذية العالمي، بجانب المنسق الأممي، مارتن غريفيث، توقعت أن نصف سكان قطاع غزة «سيواجهون الموت والمجاعة بحلول منتصف يوليو».

فلسطينيون يتسابقون للحصول على أجولة الدقيق من شاحنة مساعدات (رويترز)

توالي البيانات الدولية المحذرة من الوضع في غزة، يرجعه المدير التنفيذي لجمعية «الهلال الأحمر الفلسطيني» في قطاع غزة، إلى «شح كبير في الغذاء ملموس في أرض الواقع».

يقول بشار مراد لـ«الشرق الأوسط»: «المساعدات الحالية 90 منها غذائية وأغلبها دقيق، ورغم ذلك فهي أقل كثيراً من المطلوب، وسط شح في اللحوم والدواجن والخضار».

ويتابع: «ظهرت علامات مجاعة في شمال غزة، وسُجلت وفيات بها، بالإضافة لمدينة دير البلح، بسبب النقص الشديد في المساعدات الغذائية، فضلاً عن صدور تقرير حكومي، الجمعة الماضي، يؤكد وفاة 33 طفلاً بسبب المجاعة، وظهور علامات سوء التغذية على 85 ألف طفل».

أكثر الفئات تضرراً في نقص الغذاء هم الأطفال والنساء خصوصاً الحوامل وكبار السن، وفق مراد، قبل أن يضيف أن «ظاهرة نقص الأوزان بدت واضحة لتفاقم سوء التغذية، وأبلغونا في شمال غزة بأن هناك أزمة كبيرة في الدقيق».

ويمضي قائلاً: «رغم الإنزال الجوي العربي والدولي للمساعدات، فكمياتها لا تكفي، والنقص بالغذاء يزداد»، معتقداً أن «إسرائيل تستخدم الغذاء سلاحاً بالمخالفة للقانون الدولي، وتعرض سكان القطاع للمجاعة عبر منع دخول المساعدات».

امرأة تقوم بإعداد الطعام بجانب أطفالها في رفح (رويترز)

مسار الإمدادات

يقترب المسؤول الإغاثي الفلسطيني من مسار الإمدادات ومنافذه، كاشفاً أن معدل دخول شاحنات المساعدات قبل الحرب كان يصل في حده الأدنى إلى 500 شاحنة يومياً، وكان يصل أحياناً إلى 1000 شاحنة، تضم مواد غذائية بجانب أخرى طبية، فضلاً عن مواد البناء.

وبعد اندلاع الحرب في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تراجع حجم المساعدات القادمة من معبر رفح الرئيسي لدخول المواد الإغاثية للقطاع، في ظل قيود إسرائيلية. وكانت تدخل أحياناً 20 شاحنة يومياً، وفي أيام أخرى يصل الرقم إلى 60 شاحنة، وبالحد الأقصى كانت تصل إلى القطاع 170 شاحنة يومياً، وهي كميات قليلة لا تكفي احتياجات المواطنين، على حد قول المسؤول الإغاثي الفلسطيني.

ويقول مراد في هذا السياق: «كان منفذ رفح هو المعبر الأساسي لدخول المساعدات، لكن مع بدء عملية جيش الاحتلال في رفح (6 مايو الماضي)، رأينا نقصاً شديداً في المواد الغذائية لم يعوضه افتتاح الميناء العائم الأميركي» الذي تم تفكيكه لعدم صموده أمام أمواج غزة، أو الإنزال الجوي أو المساعدات القادمة بحراً.

ويضاف لمعبر رفح، معبر إيرز الذي يديره الجيش الإسرائيلي، بجانب معبر آخر له في المنطقة الغربية من مدينة بيت لاهيا شمال القطاع وهو مخصص لنقل الدقيق، ومساعدات من «الأونروا» قادمة عبر ميناء أشدود، بمعدل متفاوت من الشاحنات، بين 15 إلى 60 شاحنة يومياً. لكن المساعدات القادمة عبر الضفة الغربية كانت تتعرض لاعتداءات مستوطنين متطرفين، وفق المسؤول الفلسطيني.

ويضيف مراد «تأثرت المساعدات بشدة بعد توقف معبر رفح، بعد سيطرة قوات الاحتلال على الجانب الفلسطيني في 7 مايو».

وبعد اتصال بين الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ونظيره الأميركي، جو بايدن، في 24 مايو، تقرر «دفع كميات من المساعدات الإنسانية والوقود لتسليمها إلى الأمم المتحدة في معبر كرم أبو سالم، وذلك بصورة مؤقتة، لحين التوصل إلى آلية قانونية لإعادة تشغيل معبر رفح من الجانب الفلسطيني».

إلقاء مساعدات جواً على شمال قطاع غزة في 13 مارس الماضي (د.ب.أ)

وعن تأثير هذا الاتفاق المؤقت، يقول المستشار الإعلامي لـ«الأونروا»، إن «هناك نقصاً شديداً في الإمدادات التي تدخل من معبر كرم أبو سالم وفي المتوسط يدخل من 40 إلى 60 شاحنة يومياً، وهذا لا يكفي»، لافتاً إلى أن هذه المساعدات الغذائية «أغلبها معلبات وبقوليات بجانب دقيق».

وبعد إعلان الجيش الإسرائيلي، الأحد، هدنة تكتيكية مؤقتة للسماح بمرور مساعدات بالاتفاق مع الأمم المتحدة ومنظمات دولية، قال المتحدث الأممي، ينس ليرك: «لم يُترجَم هذا بعدُ إلى وصول مزيد من المساعدات إلى المحتاجين».

ومع استمرار مسار التعثر المتعمد من إسرائيل لدخول المساعدات براً، لجأت دول عربية منها مصر والأردن والإمارات وأميركا وبريطانيا لعمليات إنزال جوي، بخلاف إمدادات بحرية سيرتها السعودية، وأخرى قادتها أبوظبي بشراكة دولية.

وكانت مصر دولة استقبال مساعدات دعم غزة عبر مطار وميناء العريش من مختلف أنحاء العالم لتمريرها عبر معبر رفح.

حلول عاجلة

وإزاء العوائق التي تواجه الإمدادات، يرى المسؤول الإغاثي الفلسطيني مراد أن «أفضل الحلول حالياً يتمثل بانسحاب إسرائيل من الجانب الفلسطيني لمعبر رفح، لعودة دخول المساعدات»، مؤكداً أن «المعبر هو الشريان الرئيسي لقطاع غزة».

ويتفق معه المستشار الإعلامي لـ«الأونروا»، ويقول «إن لم يحدث تدخل حقيقي بزيادة حجم المساعدات، وفتح المعابر سنكون أمام مجاعة منتصف الشهر المقبل».

ويعتقد أن الحلول العاجلة تتمثل في «وقف إطلاق النار، وفتح المعابر، وإدخال كميات كبيرة من المساعدات الغذائية والطبية، وإدخال مستشفيات ميدانية ومياه صالحة للشرب ووقود وفتح ممرات إنسانية».


مقالات ذات صلة

«لجنة غزة»... عقبات تعرقل بدء المهام بانتظار ضغوط الوسطاء

تحليل إخباري اجتماع للجنة إدارة غزة في القاهرة (هيئة الاستعلامات المصرية)

«لجنة غزة»... عقبات تعرقل بدء المهام بانتظار ضغوط الوسطاء

بدأت لجنة إدارة قطاع غزة عملها بالقاهرة، منذ أيام، غير أن دخول القطاع بات محل منع إسرائيلي، يحاول الوسطاء تلافيه.

محمد محمود (القاهرة)
أوروبا وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)

فرنسا تدعم تعليق اتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا

كشف وزير الخارجية الفرنسي ​جان نويل بارو، اليوم الثلاثاء، أن باريس تؤيد تعليق اتفاق التجارة المُبرم بين الاتحاد الأوروبي ‌والولايات المتحدة ‌الصيف الماضي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
خاص فلسطيني يحمل جثمان رضيعته البالغة 3 أشهر يوم الثلاثاء بعد وفاتها جراء البرد في مدينة غزة (أ.ف.ب) play-circle

خاص فيروس تنفسي يحصد وفيات يومية في غزة... ولا مقومات لتحديده

يؤكد مسؤولون طبيون في غزة أنه منذ أقل من شهر وبشكل شبه يومي، تسجل حالات وفاة جديدة بسبب انتشار فيروس «خطير وفتاك» بين سكان القطاع، بينما لا توجد مقومات لكشفه.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نازحون فلسطينيون يتجمعون خارج خيمة في مخيم مؤقت بمدينة دير البلح في وسط قطاع غزة (أ.ب)

«حماس»: بدء إجراءات لوجيستية وإدارية في غزة لدعم عمل اللجنة الوطنية

قال متحدث باسم «حماس»، الثلاثاء، إن الجهات الحكومية في غزة شرعت باتخاذ إجراءات لوجيستية وإدارية لتسهيل عمل اللجنة الوطنية المشكلة حديثاً وتسليمها مقاليد الأمور.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي الفلسطينيون النازحون الذين لجأوا إلى خيام مؤقتة ومدارس أو منازل متضررة بشدة يواصلون حياتهم وسط الأزمة الإنسانية المستمرة في غزة (د.ب.أ) play-circle

أوامر إخلاء إسرائيلية في غزة للمرة الأولى منذ وقف النار

أمرت القوات الإسرائيلية عشرات العائلات الفلسطينية في جنوب قطاع غزة بمغادرة منازلها، في أول إخلاء قسري منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر.

«الشرق الأوسط» (غزة)

محاكمات غيابية ضد «حميدتي» و«حمدوك» بتهم تصل إلى الإعدام

أرشيفية لحمدوك (يمين) وهو يصافح «حميدتي» في أديس أبابا (موقع «إكس»)
أرشيفية لحمدوك (يمين) وهو يصافح «حميدتي» في أديس أبابا (موقع «إكس»)
TT

محاكمات غيابية ضد «حميدتي» و«حمدوك» بتهم تصل إلى الإعدام

أرشيفية لحمدوك (يمين) وهو يصافح «حميدتي» في أديس أبابا (موقع «إكس»)
أرشيفية لحمدوك (يمين) وهو يصافح «حميدتي» في أديس أبابا (موقع «إكس»)

بدأت في مدينة بورتسودان جلسات أول محاكمة غيابية ضد كلّ من قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وشقيقه عبد الرحيم دقلو، ورئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وذلك ضمن دعوى جنائية تضم 201 متهم، يواجهون اتهامات تصل عقوبتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد. وقد وصف نشطاء ومتهمون هذه المحاكمات بأنها كيدية وتشكل سابقة خطيرة تستهدف النيل من الخصوم السياسيين.

وكانت محاكم سودانية في عدد من المدن قد أصدرت، في أوقات سابقة، أحكاماً بالإعدام والسجن المؤبد والسجن لمدد طويلة بحق نشطاء مدنيين وسياسيين معارضين للحرب، وذلك تحت اتهاماتٍ تتعلق بـ«التعاون مع قوات الدعم السريع».

وقالت «وكالة الأنباء السودانية الرسمية» (سونا) إن وقائع الجلسة الأولى انعقدت في مجمع محاكم الجنايات بمدينة بورتسودان، التي تتخذ منها الحكومة عاصمة مؤقتة. ووفقاً لوكالة «سونا»، استمعت المحكمة إلى «خطبة الادعاء الافتتاحية» التي قدمتها هيئة الاتهام، وتناولت الوقائع والبيانات المتعلقة بالدعوى الجنائية.

أرشيفية رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا مع وفد تحالف «صمود» السوداني بالقصر الرئاسي في بريتوريا (الصفحة الرسمية لتحالف صمود)

وأوضحت الوكالة أن بعض المتهمين ستجري محاكمتهم حضورياً، في حين تُجرى محاكمة آخرين غيابياً، ومن أبرزهم قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وإخوته عبد الرحيم والقوني دقلو، إضافة إلى سياسيين يتقدمهم عبد الله حمدوك، وياسر عرمان، ووجدي صالح عبده، وآخرون.

وتتمثل التهم الموجهة إلى المتهمين في دعم «التمرد»، والمشاركة في عمليات عسكرية ضد القوات المسلحة السودانية، وحمل السلاح، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وتقويض النظام الدستوري، وإثارة الحرب ضد الدولة، ومعاونة «جماعات الإجرام والإرهاب»، إضافةً إلى أفعالٍ أخرى وصفتها خطبة الادعاء بأنها «خطيرة».

21 تهمة

وقال رئيسُ النيابة العامة ورئيس هيئة الاتهام، ماهر سعيد، في تصريحاتٍ لوكالة «سونا»، إن القضية تعد من «أضخم» القضايا التي باشرتها النيابة العامة بالتنسيق مع الشرطة، مشيراً إلى أن إجراءات التحري استغرقت أكثر من عامين ونصف عام، تم خلالها جمع وتحليل بينات وقرائن وصفها بالمتكاملة والدقيقة. وأضاف سعيد أن الدعوى تشمل أكثر من 21 مادة اتهام من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991م، مقروءةً مع المواد (5/6/9/10) من قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2001، والمادة (35) من قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2014. وأوضح أن ملف الاتهام أُعد بواسطة «اللجنة الوطنية للتحقيق في جرائم وانتهاكات القانون الوطني والقانون الدولي الإنساني»، مبيناً أن الإجراءات شملت حصر المتهمين، وتحديد بياناتهم، ومخاطبة السجل المدني وسجلات الأراضي، واستكمال الإجراءات القانونية اللازمة لإثبات الوقائع المنسوبة إليهم، مؤكداً أن الجلسات ستتواصل إلى حين صدور الحكم النهائي.

الرئيس الكيني ويليام روتو مع حمدوك وعبد الواحد نور رئيس «حركة تحرير السودان» خلال توقيع وثيقة سياسية في نيروبي مايو 2024 (منصة «إكس»)

وتأتي جلسات هذه المحاكمة في أعقاب مسار قضائي سابق، أطلقته محكمة في بورتسودان خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي، حيث بدأت حينها محاكمة غيابية لحميدتي وشقيقه عبد الرحيم دقلو و14 من قادة «قوات الدعم السريع»، على خلفية اتهامات تتعلق بمقتل والي غرب دارفور خميس أبكر، وقد طالب النائب العام آنذاك بتوقيع عقوبات «قاسية» على المتهمين.

وفي رد على بدء المحاكمة، وصف المحامي وجدي صالح، عضو التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، وأحد المتهمين، المحاكمةَ بأنها «عبث سياسي وسابقة خطيرة»، مؤكداً، في تصريحاتٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن هدفها هو «النيل من الخصوم السياسيين». وتساءل صالح: «ما الذي يجمعنا مع حميدتي و(قوات الدعم السريع)؟»، معتبراً أن هذه المحاكمة تأتي ضمن بلاغاتٍ أخرى موجهة ضدهم، هدفها «تحقيق مكاسب سياسية»، وأضاف: «تحالف صمود يعمل من أجل إنهاء الحرب التي دخلت عامها الثالث».

وبالتوازي مع محاكمة بورتسودان، كان رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، قد وجّه في التاسع من يناير (كانون الثاني) الحالي، بإعادة تصنيف ومراجعة أوضاع النساء المحتجزات بتهم التعاون مع «الميليشيا»، وتسريع إجراءات التقاضي، وضمان حقوقهن، وهي خطوة لاقت ترحيباً واسعاً من القانونيين والمهتمين بحقوق الإنسان داخل السودان وخارجه.

وكانت محاكم سودانية قد أصدرت في وقت سابق أحكاماً متفاوتة بحق مدنيين خلال الفترة الماضية، بتهم تتعلق بما يُعرف بـ«التعاون مع قوات الدعم السريع»، تراوحت بين الإعدام، والسجن المؤبد، والسجن لمدد طويلة، إضافة إلى قضايا أخرى مشابهة ما تزال منظورة أمام المحاكم. وقالت هيئة «محامو الطوارئ»، وهي تجمع حقوقي مستقل، في بيان لها، إن السلطات الأمنية في مناطق سيطرة الجيش تنتهج «سياسة قمعية ممنهجة تستهدف المدنيين»، لا سيما النشطاء الرافضين للحرب وقوى ثورة ديسمبر (كانون الأول).

واتهم البيان السلطات بالقيام باعتقالات تعسفية، وممارسة الإخفاء القسري، وعقد محاكمات «صورية»، استنادا إلى بلاغات «ملفقة وذات طابع سياسي».

وأشار التجمع إلى قرار محكمة جنايات مدينة ود مدني، الصادر في 13 يناير الحالي، الذي قضى بالسجن المؤبد بحق الكاتب والمؤرخ خالد بحيري. وذكر أن قضية بحيري ترتبط بقيامه بأنشطة إنسانية خلال فترة سيطرة «قوات الدعم السريع» على مدينة ود مدني، موضحاً أن الكاتب، عقب اعتقاله، حُرم من حق الدفاع والتواصل مع أسرته.

البرهان وحمدوك خلال زيارة لولاية القضارف يوم 16 أغسطس 2021 (مجلس السيادة الانتقالي)

وفي مدينة دنقلا شمال البلاد، أفاد البيان بأن محكمة جنايات المدينة تحاكم الطبيب أحمد عبد الله خضر، المعروف بـ«شفا»، بموجب مواد في القانون الجنائي تتعلق بإثارة التمرد وسط القوات النظامية، والإخلال بالسلامة العامة، وهي تهم تصل عقوبتها إلى السجن لأكثر من خمس سنوات. وأضاف البيان أن السلطات الأمنية في مدينة القضارف شرق البلاد اعتقلت الناشط علاء الدين الشريف، المعروف بـ«وطن»، الأسبوع الماضي، بينما كانت قد أصدرت، في 11 يناير الحالي، حكماً بالسجن لمدة ستة أشهر والغرامة بحق الناشط أيمن عبد الرحمن حماد الحريري، على خلفية منشور على «فيسبوك».

وإلى جانب الاعتقالات والمحاكمات بالسجن، كانت المحاكم السودانية قد أصدرت، في يونيو (حزيران) الماضي، أحكاماً بالإعدام بحق 52 شخصاً خلال 35 يوماً في تسع ولايات، وفقاً لما نقلته فضائية «الجزيرة». وطالب التحالف الحقوقي بالإفراج عن جميع المعتقلين، ووقف المحاكمات ذات الدوافع السياسية، والتحقيق في الانتهاكات، وتوفير الرعاية الصحية للمحتجزين، كما دعا الجهات الأممية والدولية المعنية إلى متابعة الأوضاع الحقوقية في السجون والمحاكم السودانية.


برّاك: دور «قسد» كقوة رئيسية لمكافحة تنظيم «داعش» انتهى

المبعوث الأميركي توماس براك (رويترز)
المبعوث الأميركي توماس براك (رويترز)
TT

برّاك: دور «قسد» كقوة رئيسية لمكافحة تنظيم «داعش» انتهى

المبعوث الأميركي توماس براك (رويترز)
المبعوث الأميركي توماس براك (رويترز)

قال المبعوث الأميركي إلى دمشق توم باراك، الثلاثاء، إن وظيفة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) كقوة رئيسية في التصدي تنظيم «داعش» انتهت، معتبراً أن القوات الحكومية باتت مؤهلة لتولي أمن السجون والمخيمات حيث يُحتجز المتطرفون وأفراد عائلاتهم.

وفي منشور على منصة «إكس»، كتب برّاك: «الغرض الأساسي من (قوات سوريا الديمقراطية) كقوة رئيسية في الميدان لمكافحة (تنظيم داعش) انتهى إلى حدّ كبير»، معتبراً أن السلطات السورية «باتت الآن مستعدة وفي موقع يؤهلها لتولي المسؤوليات الأمنية، بما يشمل» السجون التي يُحتجز فيها عناصر التنظيم والمخيمات التي تضم أفراد عائلاتهم.

وشكّلت واشنطن لسنوات داعماً رئيسياً لـ«قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها الأكراد، في قتالها ضد التنظيم المتطرف وصولاً إلى دحره من آخر مناطق سيطرته عام 2019. لكنها بعد إطاحة الحكم السابق، باتت داعمة رئيسية للسلطات الجديدة ولجهودها في توحيد البلاد بعد سنوات النزاع الطويلة.


اجتماع رباعي في فبراير لتنسيق استجرار الطاقة من مصر والأردن إلى لبنان عبر سوريا

صورة أرشيفية لـ«محطة الزهراني لإنتاج الكهرباء» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لـ«محطة الزهراني لإنتاج الكهرباء» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

اجتماع رباعي في فبراير لتنسيق استجرار الطاقة من مصر والأردن إلى لبنان عبر سوريا

صورة أرشيفية لـ«محطة الزهراني لإنتاج الكهرباء» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لـ«محطة الزهراني لإنتاج الكهرباء» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

كشف مصدر وزاري لبناني لـ«الشرق الأوسط»، أنّ اجتماعاً رباعياً يضم مسؤولين لبنانيين وسوريين ومصريين وأردنيين، سيُعقد في فبراير (شباط) المقبل، لمتابعة التنسيق المتصل بملف استجرار الغاز والكهرباء، وإعادة النظر بالاتفاقيات السابقة المبرمة في عهد نظام بشار الأسد، ضمن الخطوات التي تعمل عليها السلطات اللبنانية لتحسين واقع التغذية الكهربائية في لبنان.

ولطالما تعثر مشروع استجرار الطاقة الكهربائية من الأردن، والغاز الطبيعي من مصر لتوليد محطات الكهرباء في لبنان، بسبب عقوبات «قانون قيصر» التي كانت مفروضة على النظام السوري. وبعد إلغاء العقوبات إثر سقوطه عاد ملف الكهرباء إلى صدارة المشهد السياسي والاقتصادي في لبنان، وسلك هذه المرّة طريقين، أولهما مقاربة حكومية تعِد بمسار تعافٍ طويل الأمد، وحراك إقليمي يُفترض أن يُختبر عملياً في الاجتماع الرباعي المرتقب خلال شهر فبراير المقبل.

وقال مصدر وزاري متابع لملف الطاقة لـ«الشرق الأوسط»، إنّ الاجتماع «الرباعي المرتقب يندرج في إطار متابعة التنسيق المتصل بملف استجرار الغاز والكهرباء».

وأوضح المصدر أنّه «سيتم اطلاع المجتمعين على تقرير الوفد الفني الذي زار لبنان وحدد التكلفة والفترة المطلوبة لتأهيل جزء الأنبوب العربي فيه، وكذلك التقرير الفني المتعلق بالجهة السورية».

وأشار إلى أنّه «في الاجتماعات المقبلة سيعاد النظر بالاتفاقيات السابقة خصوصاً المبرمة في عهد نظام الأسد».

الرئيس اللبناني جوزيف عون مجتمعاً برئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في قصر بعبدا في ديسمبر الماضي (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

وأعادت زيارتا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، ورئيس الوزراء الأردني جعفر حسان إلى بيروت خلال الأسابيع الماضية، إحياء خيار استجرار الكهرباء والغاز ضمن إطار الربط الإقليمي. ويقوم الطرح الأردني على تزويد لبنان بطاقة تتراوح بين 150 و250 ميغاواط خلال ساعات الذروة، فيما أعادت القاهرة طرح تزويد لبنان بالغاز الطبيعي لتشغيل معمل دير عمار بدل الفيول عبر خط الغاز العربي.

غير أنّ هذه التفاهمات، على أهميتها السياسية، ما زالت محكومة بشروط تقنية ومالية لم تُستكمل، ما أبقى التنفيذ مؤجَّلاً وربط أي تقدّم عملي بما سيُحسم على مستوى التنسيق في الشهر المقبل.

وفيما يتصل بالغاز، لا تتضمن الخطة إنشاء خطوط جديدة أو شحنات بحرية، بل إعادة تفعيل خط الغاز العربي القائم، على أن يأتي التوريد الأساسي للبنان مباشرة من مصر، فيما يبقى التنفيذ مرتبطاً بجهوزية البنية التحتية داخل سوريا ولبنان.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل نظيره الأردني جعفر حسان في بيروت في يناير 2026 (إ.ب.أ)

تعافٍ... لا حلول ترقيعية

بموازاة هذه الاستعدادات، حدّد وزير الطاقة والمياه اللبناني جو صدّي الإطار العام لمقاربة الحكومة، مؤكداً أنّ «العمل جارٍ على تعافي قطاع الكهرباء وفق خريطة طريق محددة، وهذا عمل أساسي لا مفرّ منه مهما طال أمره، ويهمّنا أن يشعر المستثمرون بأن القطاع فعّال».

وبحسب صدّي، تقوم الخطة على مسار إصلاحي متكامل يبدأ بزيادة القدرة الإنتاجية التقليدية عبر إنشاء معملين جديدين في دير عمار والزهراني، بقدرة تقارب 825 ميغاواط لكل منهما، وبتكلفة تُقدَّر بنحو ملياري دولار، بالتوازي مع فتح قنوات استثمار مع دول الخليج، والاستعانة بمؤسسة التمويل الدولية لتأمين الضمانات المالية المطلوبة في ظل التعثّر المالي للدولة.

وأوضح في مؤتمر صحافي أنّ «الخطة تترافق مع دفعة للاستثمار في الطاقة المتجددة، عبر تفعيل رخص مزارع الطاقة الشمسية المجمّدة، وإطلاق مشاريع تفوق قدرتها 100 ميغاواط، إضافة إلى تخصيص جزء من قرض البنك الدولي لإنتاج طاقة شمسية بقدرة تصل إلى 150 ميغاواط، وتأهيل محطات كهرومائية على الليطاني بتمويل دولي».

وزير الطاقة اللبناني جو صدي خلال مؤتمر صحافي (المركزية)

وشدّد صدي على أنّ نقل القطاع تدريجياً إلى الغاز الطبيعي، يشكّل ركناً أساسياً في المقاربة، مع الحرص «على تنويع مصادر الاستيراد وعدم ربط لبنان بمصدر واحد، سواء عبر تفعيل خط الغاز العربي أو التحضير لإنشاء محطة تغويز عائمة لاستيراد الغاز بحراً». كما طرح ملف الربط الكهربائي مع قبرص، كاشفاً «أنّ البنك الدولي سيموّل دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع، في إطار رؤية بعيدة المدى لإدخال لبنان في سوق كهرباء أوسع في شرق المتوسط».

تحديات داخلية

داخلياً، أقرّ صدي، بأن واقع الشبكة يشكّل أحد أكبر التحديات، في ظل إهمال طويل يستدعي استثمارات لا تقل عن 500 مليون دولار لتأهيلها وتحديثها، وقد بدأ العمل مع الصندوق العربي لتأمين جزء من التمويل. كما أعلن «إعادة تنظيم قطاع التوزيع بعد فشل تجربة مقدّمي الخدمات، وتفعيل دور الهيئة الناظمة، وتعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان وفق آلية شفافة».

وكشف أنّ نحو 30 في المائة من الكهرباء تُسرق، بتكلفة تقديرية تصل إلى 200 مليون دولار سنوياً، مؤكداً «بدء ملاحقة كبار المتعدين والتنسيق مع القضاء، إضافة إلى التزام تسديد جزء كبير من فواتير مؤسسات الدولة لمصلحة المؤسسة».

وتؤمن «مؤسسة كهرباء لبنان» ساعات تغذية محدودة يومياً، فيما يستمر الاعتماد شبه الكامل على المولدات الخاصة والطاقة الشمسية. وتؤكد مصادر في القطاع، أنّ المعامل الحالية إن شغلت في أقصى طاقتها لا تستطيع تأمين أكثر من 10 ساعات، ما يؤكد الحاجة الملحة لإنشاء معامل جديدة على الغاز لزيادة كميات الإنتاج.