تركيا توقف إعلامياً في قناة إخوانية لتهربه من الضرائب

محاولات لإضفاء الطابع السياسي على قضيته بسبب التطبيع مع مصر

الإعلامي بقناة «الشرق» الإخوانية عماد البحيري تم توقيفه بسبب التهرب الضريبي (من حسابه على  «فيسبوك»)
الإعلامي بقناة «الشرق» الإخوانية عماد البحيري تم توقيفه بسبب التهرب الضريبي (من حسابه على «فيسبوك»)
TT

تركيا توقف إعلامياً في قناة إخوانية لتهربه من الضرائب

الإعلامي بقناة «الشرق» الإخوانية عماد البحيري تم توقيفه بسبب التهرب الضريبي (من حسابه على  «فيسبوك»)
الإعلامي بقناة «الشرق» الإخوانية عماد البحيري تم توقيفه بسبب التهرب الضريبي (من حسابه على «فيسبوك»)

أحالت السلطات التركية، (الخميس)، المذيع بقناة «الشرق» المحسوبة على الإخوان المسلمين، عماد البحيري، إلى أحد مراكز التوقيف بدائرة الهجرة في إسطنبول.

وجاءت إحالة البحيري، وهو مواطن مصري، إلى دائرة الهجرة، كونه أجنبياً ولا يحمل الجنسية التركية، وذلك بعد أخذ إفادته بمعرفة النيابة العامة في شكوى مقدمة من مواطن سوداني اتهمه فيها بالتهرب الضريبي، بينما تداولت بعض الصفحات القريبة من الإخوان المسلمين أنه متهم أيضاً بالاعتداء على رجل أمن تركي.

تهرب ضريبي

عماد البحيري في لقطة على قناة «الشرق» قبل اعتقاله (موقع القناة)

وبحسب ما أعلنت قناة «الشرق»، التي يعمل بها البحيري، فإن توقيفه حدث في أثناء توجهه لدفع الضرائب المترتبة على نشاطه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وقناته على «يوتيوب»، (الثلاثاء)، إذ اكتشف الموظف المسؤول أنه مطلوب أمنياً.

وقالت مقدمة برنامج «إيه الحكاية»، الذي كان البحيري يشارك في تقديمه، دعاء حسن، وهي زوجة رئيس مجلس إدارة القناة، المعارِض المصري أيمن نور، إن الموظف قام على الفور باستدعاء الشرطة، التي قبضت على البحيري، حيث كان تخلّف عن الذهاب للنيابة العامة للإدلاء بإفادته في الشكوى المقدمة من المواطن السوداني، مع استمرار إجراءات محاكمته.

وأضافت أن النيابة العامة أفرجت عنه بعد أخذ إفادته، لكنها قرّرت إحالته إلى إدارة الهجرة كونه أجنبياً، وأنها زارته وزوجها أيمن نور في مركز الشرطة، وتأكدا من أنه يلقى معاملة حسنةً، وأن القناة كلفت مكتبين تركيَّين للمحاماة متابعة سير الإجراءات الخاصة به، متوقعة أن يتم الإفراج عنه بعد عيد الأضحى.

ونفت أن يكون هناك أي بعد سياسي وراء توقيفه، أو أن يكون تم القبض عليه بطلب من الحكومة المصرية تمهيداً لترحيله، كما تردد عبر بعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي. في حين أكد أيمن نور في حسابه على «إكس»، إحالة البحيري إلى دائرة الهجرة (الخميس)، بعد قرار النيابة إخلاء سبيله.

عماد البحيري ودعاء حسن في برنامج «إيه الحكاية» على قناة «الشرق» الإخوانية (موقع القناة)

توقف عن التحريض

واعتاد البحيري، المعروف بانتمائه للإخوان المسلمين، الهجوم على الحكومة المصرية والتحريض عليها عبر قناته على «يوتيوب»، التي أعلن في 27 يناير (كانون الثاني) الماضي توقفها، من خلال ظهوره فيما سماه «البث الأخير»، وأكد فيه أن السلطات التركية طلبت وقف الهجوم على مصر أو تناول الشأن المصري عبر قناته، وأنّه يفكر في الرحيل إلى مكان آخر، حتى يستمر في تقديم محتواه؛ لأنه لن يتمكّن بعد من القيام بذلك من تركيا بعد ذلك.

وأصدرت الحكومة التركية تعليمات لقنوات «الإخوان» التي تبث من إسطنبول، منذ بدء عملية تطبيع العلاقات مع مصر في 2021، بالتوقف عن الهجوم على مصر، أو التحريض على الحكومة المصرية، أو تناول الشأن المصري بطريقة سلبية.

وبينما استمرت قناة «الشرق» في البث من إسطنبول ملتزمةً بهذه التعليمات، انتقلت قناة «مكملين» إلى لندن، كما غادر تركيا عددٌ من الإعلاميين الذين اتبعوا منهج الهجوم والتحريض، وفي مقدمتهم معتز مطر، الذي كان المذيع الرئيسي في قناة «الشرق»، ومحمد ناصر الذي كان المذيع الرئيسي لقناة «مكملين» التي يعمل بها بعد انتقالها إلى لندن.

وأحاطت شبهات بالإعلامي الإخواني عماد البحيري من قبل، وتورط في فضيحة أخلاقية، بعدما دخل في علاقة مع إحدى الفتيات نُشرت محادثاتهما بالفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي.

غضب من التدقيق الضريبي

وبدأت السلطات التركية في الفترة الأخيرة تشديد القواعد بشأن الالتزام الضريبي، وفرضت على منصات التواصل الاجتماعي فتح مكاتب لها، ودفع الضرائب المترتبة على نشاطها، كما بدأت حملة للتحقق من عمليات التهرب الضريبي للشركات والأفراد.

وطالت حملة التدقيق شركات لتحويل الأموال من تركيا إلى سوريا، وشملت أيضاً تدقيق المعاملات المالية لعناصر الإخوان المسلمين والتحويلات المالية.

وأعلنت الإعلامية، هالة سمير، التي كانت تعمل في قناة «وطن» انشقاقها عن الإخوان المسلمين في مارس (آذار) الماضي؛ بسبب تخلي التنظيم عنها في قضية تهرب ضريبي واجهتها في تركيا، مؤكدة سعيها لمغادرة تركيا.

كما غادر أحد عناصر الإخوان الناشطين على «يوتيوب»، أحمد البحيري، تركيا، وأعلن الإخواني عبد الله الشريف تراجعه عن قرار كان قد اتخذه من قبل بالانتقال إلى تركيا وفضّل العيش في دولة أوروبية.

مزاعم عن موقف سياسي

وربط الإعلامي الإخواني ماجد عبد الله، في فيديو بثّه على حساباته بمواقع التواصل الاجتماعي، بين القبض على البحيري والقيود الضريبية على عناصر الإخوان، على الرغم من أنها ليست إجراء خاصاً بهم، وتطبيع العلاقات مع مصر.

وقال إنه عاني، منذ فترة وجيزة قبل القبض على عماد البحيري، من أزمة مع الضرائب التركية، واضطر إلى دفع مبلغ مالي كبير للتوصل إلى تسوية.

وعلى الرغم من عدم وجود أي شبهة سياسية وراء القبض على البحيري، فإن عبد الله، عدّ القبض عليه رسالةً له وللإعلاميين الآخرين المحسوبين على «الإخوان المسلمين».

وفسر عبد الله القبض على البحيري بأنه يهدف إلى الالتزام بالتوجيهات الصادرة عن السلطات التركية، والتوقف عن الهجوم على مصر وحكومتها في الوقت الحالي، وأن البديل هو التضييق والاعتقال، وأن القبض عليه وعلى آخرين أمر وارد بعد تطبيع العلاقات بين مصر وتركيا.


مقالات ذات صلة

تركيا: «أزمة صناديق الاستثمار» تشعل حرب اتهامات بالفساد بين إردوغان والمعارضة

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أعلن تشكيل مجلس للتحقيق في أزمة صناديق الاستثمار (الرئاسة التركية)

تركيا: «أزمة صناديق الاستثمار» تشعل حرب اتهامات بالفساد بين إردوغان والمعارضة

فجرت أزمة صناديق الاستثمار في تركيا حرب تصريحات عنيفة بين الرئيس رجب طيب إردوغان والمعارضة، وسط تبادل للاتهامات بالفساد

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد الوزيرة السابقة ونائبة رئيس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم فاطمة بتول صايان كايا (أ.ب)

تركيا تجمّد أصول نائبة رئيس حزب إردوغان مع اتساع أزمة صناديق الاستثمار

جمّدت السلطات التركية أصول الوزيرة السابقة ونائبة رئيس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم فاطمة بتول صايان كايا وزوجها إلياس كايا.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس «الحزب الجديد» أوزغور أوزيل طالب الرئيس رجب طيب إردوغان بالاستقالة أو إجراء انتخابات بعد تورط قيادات في حزبه في أزمة صناديق الاستثمار (حساب الحزب في إكس)

تركيا: أوزيل يطالب إردوغان بالاستقالة أو إجراء انتخابات مبكرة

تحولت أزمة التلاعب بصناديق الاستثمار في تركيا إلى محور سجال حاد بين الحكومة والمعارضة التي طالبت الرئيس رجب طيب إردوغان إما بالاستقالة وإما بالتوجه للانتخابات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية طائرة تابعة لشركة «كاسبيان» الإيرانية للطيران (أ.ف.ب)

احتجاز طائرة إيرانية في إسطنبول بسبب ديون بقيمة 3 ملايين يورو

 احتُجزت طائرة تابعة لشركة «كاسبيان» الإيرانية للطيران في مطار إسطنبول، بينما كان الركاب وأفراد الطاقم على متنها استعداداً للإقلاع إلى إيران.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية الحزب الحاكم في تركيا يؤكد أن الرئيس إردوغان سيكون مرشحه لانتخابات الرئاسة المقبلة عام 2028 (الرئاسة التركية)

الحزب الحاكم في تركيا: إردوغان مرشحنا لانتخابات الرئاسة المقبلة

أعلن حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا أن الرئيس رجب طيب إردوغان سيكون مرشحه للرئاسة في الانتخابات المقبلة بغض النظر عما تقوله المعارضة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

وزير الخارجية الألماني يتوجه إلى مونتينيغرو للمشاركة في اجتماع بشأن غرب البلقان

 وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
TT

وزير الخارجية الألماني يتوجه إلى مونتينيغرو للمشاركة في اجتماع بشأن غرب البلقان

 وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)

يتوجّه وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، اليوم (الخميس)، إلى مونتينيغرو للمشاركة في اجتماع على مستوى وزراء الخارجية حول التوسع المزمع للاتحاد الأوروبي في منطقة غرب البلقان.

ويلتقي الساسة في العاصمة بودجوريتسا في إطار ما يعرف باسم «عملية برلين» التي انطلقت عام 2014. ويسعى المشاركون، من بين أمور أخرى، إلى تعزيز التعاون الإقليمي مع دول غرب البلقان الست. ومن المقرر أن يقدم فاديفول ونظيره المونتينيغري إرفين إبراهيموفيتش ومفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون التوسع مارتا كوس معلومات لاحقاً عن نتائج الاجتماع، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الألمانية.

وتشمل الدول المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي في غرب البلقان مونتينيغرو وألبانيا وصربيا والبوسنة والهرسك ومقدونيا الشمالية. أمّا كوسوفو فهي مرشح محتمل للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وتسعى الدول الست جميعاً إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها تمر بمراحل مختلفة في هذا المسار.

وتُجرى مفاوضات الانضمام بين الاتحاد الأوروبي ومونتينيغرو وصربيا منذ عامي 2012 و2014 على التوالي. وبدأت عملية التفاوض مع ألبانيا ومقدونيا الشمالية عام 2022. وتحمل البوسنة والهرسك صفة دولة مرشحة للانضمام، لكنها لم تبدأ بعد مفاوضات الانضمام.

ووفقاً لأحدث تحليل أجرته المفوضية الأوروبية، قطعت مونتينيغرو أكبر شوط في عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وأكدت المفوضية مؤخراً أن البلاد يمكنها إتمام مفاوضات الانضمام بحلول نهاية عام 2026، إذا حافظت على وتيرة الإصلاحات الحالية.

ويعتزم فاديفول التوجه إلى إيطاليا في وقت لاحق اليوم للقاء نظيره الإيطالي أنطونيو تاجاني. ويعتزم الوزيران غرس شجرة بمناسبة مرور 75 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية الألمانية - الإيطالية. ومن المقرر بعد ذلك أن يشارك فاديفول وتاياني في العاصمة الإيطالية في احتفال بمناسبة يوم الوحدة الألمانية.


فرنسا أمام ثلاثية صعبة: اقتصاد متعثر وديون وشارع غاضب

رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)
TT

فرنسا أمام ثلاثية صعبة: اقتصاد متعثر وديون وشارع غاضب

رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)

بين اقتصاد يكاد يتوقف عن النمو، ومالية عامة تستنزفها الديون، وشارع يستعيد لغة الاحتجاج، تجد فرنسا نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد. فالحكومة مطالبة بتهدئة مطالب تتعلق بالأجور والقوة الشرائية والخدمات العامة، لكنها في الوقت نفسه تستعد لميزانية تقشفية يفترض أن تخفض الإنفاق بمليارات اليورو، فيما تقترب البلاد من استحقاق رئاسي سيزيد حساسية أي قرار اقتصادي.

وليس من السهل العثور على مؤشرات إيجابية عند مراجعة أداء الاقتصاد الفرنسي هذا العام، إذ تعكس الأرقام الرسمية حجم الضغوط التي تواجهها البلاد. وعلى الأرض، بدأت في 29 سبتمبر (أيلول) موجة جديدة من المظاهرات والإضرابات، بمسيرات وتجمعات لعناصر الإطفاء الذين لعبوا دوراً حاسماً في مكافحة حرائق الصيف الماضي، قبل أن ينضم إليهم موظفو القطاع العام استجابة لدعوات نقابية، ثم طلاب التعليم الثانوي الرسمي المطالبون بتحسين ظروف الدراسة. ولا تبدو قائمة المطالب مرشحة للتوقف عند هذا الحد.

وتخطط النقابات لتصعيد تحركها في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، في احتجاجات تشمل غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية، إلى جانب المطالبة بزيادة عامة في الأجور، ورفع موازنات المدارس والمستشفيات، وتوظيف مزيد من العاملين وتحسين ظروف العمل. وبالتوازي، يستعد ناشطون من حركة «السترات الصفراء» للعودة إلى الشوارع ومستديرات الطرق، احتجاجاً على ارتفاع أسعار مشتقات الطاقة، والمطالبة بتجميدها وفرض ضرائب أعلى على الشركات العاملة في القطاع.

هذا الحراك يعيد إلى الأذهان موجة الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا في 2018 و2019 تحت راية «السترات الصفراء»، والتي تحولت في مراحل منها إلى مواجهات وأعمال عنف وحرائق وتخريب للممتلكات واشتباكات مع قوات الأمن. ولا تزال تلك المشاهد حاضرة في الذاكرة الفرنسية، ما يضفي على عودة الاحتجاجات الحالية حساسية إضافية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية والمالية التي تواجهها البلاد.

رئيس الحكومة الفرنسية سيباستيان لو كورنو سيواجه صعوبات كبرى في إقرار موازنة عام 2027 (رويترز)

حكومة عاجزة

إزاء اتساع المطالب الاجتماعية، تجد حكومة سيباستيان لو كورنو نفسها أمام هامش ضيق للاستجابة، فيما تخشى أن تتقاطع موجة الاحتجاجات مع الاستنفار السياسي الذي يسبق الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027.

ويأتي ذلك في وقت يستعيد فيه التضخم زخمه، إذ أعلن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية ارتفاع معدل التضخم في فرنسا من 2.6 في المائة في أغسطس (آب) إلى 3.4 في المائة في سبتمبر (أيلول). ويزيد ارتفاع الأسعار من الضغوط على الأسر، ولا سيما الشرائح الأقل دخلاً، مع تآكل قدرتها الشرائية.

وفي مواجهة ارتفاع أسعار الوقود، لجأت الحكومة إلى تقديم مساعدة مالية للمتضررين من زيادة أسعار البنزين والديزل، بينما استمرت الضغوط الناجمة عن أسعار الغاز والكهرباء.

وفي المقابل، تستعد الحكومة لعرض مشروع موازنة 2027، يوم الخميس، في وقت يتجه فيه إلى التقشف وخفض الإنفاق، ما يجعل من الصعب أن تلبي الإجراءات المالية الجديدة معظم المطالب التي يرفعها المحتجون.

وتستهدف الحكومة تحقيق وفر قدره 54 مليار يورو من خلال خفض الإنفاق وملاحقة البنود التي تعتبرها غير ضرورية، فيما تشمل إجراءاتها المقترحة المعاشات التقاعدية.

وتكشف احتياجات التمويل عن حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة الفرنسية؛ إذ تستعد باريس لاقتراض نحو 340 مليار يورو في 2027، بينما تقترب ديونها من 3.6 تريليون يورو، وفق مصادر حكومية، بزيادة نحو 60 مليار يورو عن مستواها في نهاية مارس (آذار).

ويضع هذا الوضع الحكومة أمام معادلة صعبة: احتواء الضغوط الاجتماعية في وقت تتطلب فيه أوضاع المالية العامة خفض الإنفاق، بينما يزيد اقتراب الانتخابات من حساسية القرارات المتعلقة بالأجور والخدمات والإنفاق الاجتماعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال جلسة محادثات ثنائية الأربعاء (إ.ب.أ)

تكلفة الدين تضيق الخناق

ويزيد ضعف النمو وتدهور المالية العامة من كلفة اقتراض فرنسا من الأسواق، إذ تصل بعض عوائد سنداتها إلى نحو 4.8 في المائة. ويأتي ذلك في وقت يتوقع فيه أن يقتصر نمو الاقتصاد الفرنسي خلال 2026 على نحو 0.05 في المائة، وهو من أضعف معدلات النمو في الاتحاد الأوروبي.

وفي المقابل، بلغت المديونية نحو 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزة بفارق كبير السقف المحدد في قواعد الاتحاد الأوروبي عند 60 في المائة. كما تتزايد كلفة خدمة الدين، مع توقع وصول مدفوعات الفوائد إلى نحو 79 مليار يورو بنهاية العام الحالي.

وتبرز حدة التحول عند مقارنة الوضع الحالي بما كانت عليه أسواق الدين الفرنسية بين 2019 و2021، عندما تراجعت عوائد بعض السندات الحكومية إلى مستويات سالبة. وكانت تلك البيئة تسمح لباريس بالاقتراض بتكلفة شديدة الانخفاض، فيما قبل المستثمرون في بعض الحالات عائداً سالباً مقابل الاحتفاظ بالسندات الفرنسية.

أما اليوم، فقد ارتفعت تكلفة الاقتراض الفرنسية إلى مستويات تتجاوز تلك المسجلة في عدد من الاقتصادات الأوروبية التي كانت تواجه تقليدياً ضغوطاً أكبر في أسواق الدين، بينها اليونان وإسبانيا وإيطاليا. كما اتسع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى أكثر من 1.2 نقطة مئوية، في مؤشر على ارتفاع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون لتمويل فرنسا.

ومع استمرار ارتفاع الدين وضعف النمو، تزداد حساسية المالية العامة الفرنسية تجاه أسعار الفائدة؛ فكلما ارتفعت كلفة الاقتراض، اتسع الجزء من الموازنة المخصص لخدمة الدين، ما يضيّق المجال أمام الإنفاق على الخدمات العامة والسياسات الاجتماعية والاستثمار.

صعوبات إقرار موازنة عام 2027

لا يمكن فصل الضغوط التي تواجه الموازنة الفرنسية عن أزمة الطاقة، التي رفعت كلفتها بنحو 9 مليارات يورو في 2026، في وقت لا تبدو فيه مؤشرات على انحسار هذه الضغوط في المستقبل القريب. ومن المرجح أن يواجه رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو مهمة شاقة في تمرير مشروع موازنة 2027 أمام البرلمان، ولا سيما «الجمعية الوطنية»، في ظل اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية وما يرافقه من حسابات سياسية متزايدة.

ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، قد تجد الكتل السياسية نفسها أمام ضغوط متزايدة لمراعاة انعكاسات أي موازنة تقشفية على قواعدها الانتخابية، بما يفتح المجال أمام مفاوضات صعبة ومطالب برلمانية متعارضة. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ضوء تجربة العام الماضي، عندما سقطت حكومتان بعد إخفاقهما في تأمين الأغلبية اللازمة لتمرير موازنة 2026، ما دفع لو كورنو إلى تقديم تنازلات لنواب الحزب الاشتراكي سعياً إلى تأمين الدعم اللازم لإقرارها.

متظاهرون يشاركون في إضراب عام في باريس (إ.ب.أ)

اقتصاد كبير وثقل سياسي

ورغم الضغوط المالية، لا يزال الاقتصاد الفرنسي يحتفظ بثقل كبير على المستويين الأوروبي والعالمي. ووفق بيانات البنك الدولي لعام 2025، تحتل فرنسا المرتبة الثانية بين اقتصادات الاتحاد الأوروبي من حيث الناتج المحلي الإجمالي، بعد ألمانيا، إذ بلغ ناتجها نحو 3.366 تريليون دولار، مقابل 5.051 تريليون دولار لألمانيا. وعلى المستوى الأوروبي الأوسع، تأتي فرنسا في المرتبة الثالثة بعد ألمانيا وبريطانيا، التي بلغ ناتجها نحو 4.003 تريليون دولار.

وعالمياً، تحتل فرنسا المرتبة السابعة من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، وفق البيانات نفسها، خلف الولايات المتحدة والصين وألمانيا واليابان والهند وبريطانيا. ويمنحها ثقلها الاقتصادي، إلى جانب عضويتها الدائمة في مجلس الأمن وقدراتها النووية، نفوذاً سياسياً يتجاوز الوزن الذي يعكسه حجم اقتصادها وحده.

لكن الضغوط المالية والاقتصادية الراهنة قد تزيد صعوبة الحفاظ على هذا الثقل داخل الاتحاد الأوروبي، حيث شكلت فرنسا وألمانيا لعقود محوراً رئيسياً في دفع عملية التكامل الأوروبي. ومع اقتراب نهاية الولاية الثانية للرئيس إيمانويل ماكرون في ربيع 2027، تزداد أهمية الاستحقاق الرئاسي المقبل بالنسبة للسياسات الاقتصادية والمالية الفرنسية، في وقت يطرح فيه صعود اليمين القومي، وفي مقدمته حزب «التجمع الوطني»، احتمال حدوث تحولات في عدد من الملفات، بما فيها السياسة المالية والاقتصادية.


بكين ترفض تصنيف بريطانيا معهداً صينياً «واجهةً للتجسس»

المخابرات البريطانية حذَّرت جامعات المملكة المتحدة من التعامل مع معهد أبحاث صيني لأنه واجهة للتجسس (بيكسلز)
المخابرات البريطانية حذَّرت جامعات المملكة المتحدة من التعامل مع معهد أبحاث صيني لأنه واجهة للتجسس (بيكسلز)
TT

بكين ترفض تصنيف بريطانيا معهداً صينياً «واجهةً للتجسس»

المخابرات البريطانية حذَّرت جامعات المملكة المتحدة من التعامل مع معهد أبحاث صيني لأنه واجهة للتجسس (بيكسلز)
المخابرات البريطانية حذَّرت جامعات المملكة المتحدة من التعامل مع معهد أبحاث صيني لأنه واجهة للتجسس (بيكسلز)

نفى متحدث باسم السفارة الصينية لدى المملكة المتحدة اتهامات الحكومة البريطانية لمعهد صيني بأنه واجهة للتجسُّس. ووصف المتحدث الاتهامات بأنها «خيالية، ومفبركة تماماً».

وأضاف المتحدث، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»: «نعارض بقوة مثل هذه الادعاءات التي لا أساس لها من الصحة، وقدَّمنا احتجاجاً للجانب البريطاني».

كانت الحكومة البريطانية قد طالبت، أمس (الأربعاء)، جامعات المملكة المتحدة بالتوقف عن العمل مع معهد أبحاث صيني يقول جهاز الأمن البريطاني إنه واجهة للتجسُّس.

وقال وزير الأمن، دان غارفيس، إنه يتعيَّن على الأكاديميِّين البريطانيِّين «إنهاء جميع الترتيبات» مع معهد الصين العام لأبحاث التكنولوجيا.

وقالت وكالة الاستخبارات الداخلية البريطانية (إم آي 5) إن أكثر من 100 أكاديمي مرتبط بالمملكة المتحدة عملوا في مشروعات تمولها الاستخبارات الصينية سراً من خلال معهد الأبحاث. وتضمَّنت المشروعات العمل في مجال الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاتصالات السرية، وإخفاء المعلومات.

وقالت «إم آي 5» إن المعهد لديه «علاقات قوية للغاية مع وزارة أمن الدولة الصينية»، ويسعى إلى تمويل الأبحاث التي تعمل على تحسين «القدرة الفنية على التجسُّس» للدولة الصينية.

وأوضح المتحدث باسم السفارة الصينية أن التعاون بين الجامعات البريطانية والصين يتم على أساس طوعي، ووفقاً للقوانين والقواعد.

وأضاف: «مثل هذا التبادل والتعاون يعود بالنفع على الطرفين». وتابع: «نطالب الاستخبارات البريطانية بالتوقف عن نشر هذه الأكاذيب وتقويض التبادل التعليمي والتعاون البحثي بين الصين والمملكة المتحدة».