«حرب أسماك» بين الصين والغرب... في الفضاء

أسماك الزرد أو «الأسماك المخططة» التي أرسلت بكين نظيراتها إلى الفضاء لاختبار كيفية تعاملها مع قوى الجاذبية الضعيفة
أسماك الزرد أو «الأسماك المخططة» التي أرسلت بكين نظيراتها إلى الفضاء لاختبار كيفية تعاملها مع قوى الجاذبية الضعيفة
TT

«حرب أسماك» بين الصين والغرب... في الفضاء

أسماك الزرد أو «الأسماك المخططة» التي أرسلت بكين نظيراتها إلى الفضاء لاختبار كيفية تعاملها مع قوى الجاذبية الضعيفة
أسماك الزرد أو «الأسماك المخططة» التي أرسلت بكين نظيراتها إلى الفضاء لاختبار كيفية تعاملها مع قوى الجاذبية الضعيفة

بعد قضائها شهرها الأول على متن محطة الفضاء الصينية «تيان غونغ»، لا تزال أسماك الزرد أو (الأسماك المخططة) الأربعة التي أرسلتها بكين إلى الفضاء تتمتع بصحة جيدة.

كان الهدف من المهمة «الفضائية»، التي تم إرسال هذه الأسماك إليها، هو اختبار تطور الفقاريات في حالة الجاذبية الصغرى، أي كيفية تعاملها وتعايشها مع قوى الجاذبية الضعيفة. ويبدو أن كل شيء يسير على ما يرام مع هذا السرب السمكي الفضائي الصغير حسب المسؤولين الصينيين. ومع ذلك، عندما حطت أسماك الزرد رحالها داخل محطة «تيان غونغ» في 25 أبريل (نيسان) 2024، بدت هذه المخلوقات البحرية مشوشة وشديدة الارتباك في البداية، حسبما ذكر المراقبون المكلفون بمتابعتها.

أسماك الزرد أو «الأسماك المخططة» التي أرسلت بكين نظيراتها إلى الفضاء لاختبار كيفية تعاملها مع قوى الجاذبية الضعيفة

ففي تقاريرهم العلمية، أوضح رواد الفضاء الصينيون؛ يي غوانغفو، ولي كونغ، ولي غوانغسو، أنهم شاهدوها وهي تسبح على ظهورها، أو باتجاه الخلف، أو حتى في شكل دوائر، وبدت كما لو أنها غير قادرة على إيجاد طريقها للسباحة في الفضاء، قبل أن تستقر الأمور بشكل طبيعي.

لم تختر الصين هذا النوع من الأسماك مصادفة. ذلك أن الدورة الإنجابية لأسماك الزرد قصيرة، وكذلك مرحلة نموها، كما تسمح شفافية بيضها للعلماء بدراسة نموها بسهولة أكبر. علاوة على ذلك، فإن تركيبها الجيني يتقارب في العديد من النقاط مع تركيب البشر الجيني، مما يسمح باستخدام بعض استنتاجات التجربة لصالح الجنس البشري. ومن غير المتوقع أن تعود أسماك الزرد هذه إلى الأرض على الإطلاق، ذلك أن الهدف من بقائها في الفضاء هو بناء نظام بيئي حقيقي حولها يسمح للعلماء بدراسة ليس فقط تأثيرات الجاذبية الصغرى عليها، ولكن أيضاً عواقب التعرض للإشعاع الكوني.

يحرص رواد الفضاء الصينيون على أخذ عينات المياه التي تسبح فيها هذه الأسماك على فترات منتظمة، وكذلك على إطعامها في أوقات محددة. كما تسمح سلسلة من الكاميرات المثبتة بمراقبتها باستمرار من جانب الباحثين على الأرض.

بعد نجاح زراعة الخضراوات على متن المحطات الفضائية جاء الدور على الأحياء البحرية

هذه الأسماك الأربع ليست أول أسماك يتم دفعها إلى مدار الأرض. ففي عام 2012، وكجزء من مشروع بحثي، أرسلت اليابان أسماك «الزرد» و«ميداكا»، التي تعيش تقليدياً في حقول الأرز إلى محطة الفضاء الدولية. وأظهرت الدراسات التي أجريت عليها آنذاك انخفاضاً في كثافة عظام هذه الأسماك خلال عشرة أيام فقط، وقد لوحظت هذه الظاهرة نفسها بالفعل لدى البشر الذين سافروا إلى الفضاء. لكن أول سمكة ذهبت إلى الفضاء كانت بلا شك سمكة «موميكوج»، التي أرسلت إلى المدار عام 1973 ضمن مهمة «سكاي لاب 3» الأميركية، كما تم إرسال أسماك أخرى من هذا النوع إلى الفضاء عام 1975 مع مهمة «أبولو-سويوز» الأميركية-السوفياتية. ثم جاء دور سمك الزرد في عام 1976 خلال مهمة «ساليوت 5» برعاية الاتحاد السوفياتي. وبالتالي فإن المهمة الصينية هي جزء من سلسلة متصلة منطقية ومتماسكة تماماً، لوضع اللبنات العلمية لنظام غذائي فضائي معتمد لرواد الفضاء المستقبليين.

لكن الصين ليست وحدها من يجري تجاربه «السمكية» في الفضاء. ذلك أن الغرب يعد عدته العلمية كذلك، ولكن بطرق وأساليب مبتكرة ترتكز على إرسال بيوض الأسماك بدلاً من الأسماك نفسها.

ويجري فريق فرنسي منذ سنوات تجارب على بيض سمك «القاروص». وانتهت بالفعل تجربة على 200 بيضة لهذا النوع، بعد فحصها بعناية واحدة واحدة للتأكد من سلامتها قبل أن يتم الإغلاق عليها بإحكام داخل عبوة صغيرة خاصة ذات شكل نصف بيضاوي مملوءة بدقة بمياه البحر حتى حافتها.

وخلال التجربة الأرضية عانى البيض الثمين لمدة دقيقتين كاملتين، من اهتزازات شديدة تماثل انفجار محركات صاروخ الإطلاق الحامل للكبسولات الفضائية، أعقبتها ثماني دقائق أخرى من الاهتزاز الأكثر حدة تعادل صعوده إلى السماء.

سمك «القاروص الأوروبي» الذي تستعد «وكالة الفضاء الأوروبية» لإرسال بيوضه إلى القمر

صحيح أن هذه البيوض السمكية لم تغادر فعلياً الأرض. ولكن المحاكاة المعملية المصممة لإعادة خلق الاهتزاز الشديد أثناء الإقلاع النموذجي، أثبتت للباحثين الفرنسيين أن البيض يمكنه النجاة من «محنة الانطلاق» بشكل جيد. ويعد هذا الاكتشاف حاسماً في تقدم برنامج «حضانة القمر»، وهو برنامج يهدف إلى تحديد ما إذا كان بإمكان رواد الفضاء تربية الأسماك بنجاح داخل مزرعة قمرية مستقبلية.

يحلم سيريل برزيبيلا، الباحث في تربية الأحياء المائية لدى «معهد الأبحاث الفرنسي لاستغلال البحار»، الذي يقود البحث، بتصميم مزرعة أسماك قمرية تستخدم المياه الموجودة بالفعل على سطحه للمساعدة في إطعام سكان القرية القمرية المستقبلية المقرر إنشاؤها من جانب «وكالة الفضاء الأوروبية» بالتعاون مع «ناسا» الأميركية. ويعد مشروع «حضانة القمر» مجرد واحد من نحو 300 فكرة قيد التقييم حالياً من قبل «وكالة الفضاء الأوروبية». ويأمل برزيبيلا أن يقدم لسكان القمر طعاماً طازجاً وشهياً وغنياً بالبروتين، وليس مجرد عبوات من اليرقات المجففة المجمدة. يقول برزيبيلا: «لقد اقترحت فكرة إرسال البيض وليس الأسماك، لأن البيض والأجنة قوية جداً». وتشير تجاربه حتى الآن إلى أنه على حق. ومع ذلك، فقد أشارت الأبحاث التي أجراها فريقه أيضاً إلى أنه ليست كل الأسماك صالحة للاستخدام في الفضاء بشكل متساوٍ.

سيريل برزيبيلا الباحث في تربية الأحياء المائية لدى «معهد الأبحاث الفرنسي لاستغلال البحار» يحمل في يده عبوة الاختبار التي تحوي بيض سمك «القاروص»

لبدء بحثه حول الأسماك «الفضائية» المثالية للعيش على القمر، قام برزيبيلا وزملاؤه بتقليص قائمة تضم مئات الأنواع إلى حفنة قليلة فقط تتمتع بمواصفات خاصة: تستهلك كمية متواضعة من الأكسجين، وتنتج كمية صغيرة من ثاني أكسيد الكربون، وتحتاج إلى قليل من الوقت لفقس البيض، وتمتلك القدرة على مقاومة الجسيمات المشحونة، إذ تتعرض أشكال الحياة للإشعاع أثناء السفر إلى الفضاء. وقد وجد ضالته في نوعين مثاليين: «القاروص الأوروبي» و«سمك النعّاب».

يتم هز العبوات التي تحتوي على البيض باستخدام قطعة قياسية من معدات المختبر تسمى «الهزاز المداري». ثم تم تعريض البيض لاهتزازات أقوى بكثير باستخدام آلة مختلفة تهزهم في تسلسل خاص، مصمم لمحاكاة إطلاق صاروخ «سويوز» الروسي. ويجادل الفريق بأنه لا توجد رحلة فضائية من شأنها أن تسبب اهتزازاً أكثر تطرفاً من ذلك.

وبعد رجّ بيض المجموعتين، فقس 76 في المائة من بيض القاروص، وهي نتيجة لم تكن بعيدة عن معدل النجاح البالغ 82 في المائة لعينات المراقبة غير المهزوزة. ومقارنة بالقاروص، كان أداء «النعّاب» أفضل: فقد فقس 95 في المائة من البيض المهزوز مقابل 92 في المائة من نظيره الموجود في المجموعة غير المهزوزة. يقول برزيبيلا بسعادة: «لقد كان الأمر جنونياً تماماً. فقد كانت البيئة صعبة للغاية بالنسبة لهذا البيض». ويرجح برزيبيلا أن بيض الأسماك، بعد أن تطور ليصمد أمام محن البيئات المائية، حيث يتحمل التيارات القوية والأمواج والاصطدامات بالأسطح الصلبة، أصبح جاهزاً بشكل طبيعي للرحلات الفضائية.

إلى جانب القيمة الغذائية التي توفرها شرائح الأسماك المستزرعة على القمر، يشير برزيبيلا إلى أنه ستكون هناك فوائد أخرى لرواد الفضاء، «فمن وجهة النظر النفسية، من الأفضل أن يكون لديك ما يذكرك بالأرض، مثل الحديقة وحوض الأسماك».

«سمك النعّاب» أثبتت التجارب نجاحه في اختبارات الإطلاق الصاروخية الفضائية ويستعد كذلك للتموضع على القمر

ويتفق مع هذا الرأي لوك روبرسون، الباحث في مركز كيندي للفضاء التابع لوكالة «ناسا» الأميركية في فلوريدا، الذي يضيف «أن تصميم أنظمة قائمة بذاتها ومكتفية ذاتياً لإنتاج الغذاء خارج الأرض سيكون أمراً بالغ الأهمية لبرامج استكشاف الفضاء المستقبلية». ويشير روبرسون أيضاً إلى أن القاروص يعد خياراً مثيراً للاهتمام، لأن هذا النوع يتحمل مستويات متفاوتة من الملوحة، وبالتالي يمكن تربية القاروص بمياه الصرف الصحي الناتجة من أنظمة القاعدة القمرية الأخرى.

ومع ذلك، فثمة خيار أكثر ملاءمة للمأكولات البحرية القمرية. إذ يبحث روبرسون وزملاؤه في إيجابيات وسلبيات أنواع مختلفة مرشحة لتربية الأحياء المائية خارج الكوكب. واتضح له أن اللافقاريات مثل بلح البحر والروبيان، قد تكون رهاناً أفضل من القاروص؛ «فالأنواع الفقارية تتطلب مساحات كبيرة، ولا توفر السعرات الحرارية المثلى للكتلة الجسدية»، حسب اعتقاده.


مقالات ذات صلة

ماسك: «سبيس إكس» ستبني مدينتين على القمر والمريخ

الولايات المتحدة​ وافقت «سبيس إكس» على الاستحواذ على شركة «إكس إيه آي» في صفقة قياسية تدمج شركة الصواريخ والأقمار الصناعية مع شركة الذكاء الاصطناعي (أ.ب)

ماسك: «سبيس إكس» ستبني مدينتين على القمر والمريخ

قال الملياردير إيلون ماسك إن شركة «سبيس إكس» حولت تركيزها إلى بناء «مدينة ذاتية النمو» على سطح القمر، مشيرا إلى أن من الممكن تحقيق ذلك خلال أقل من 10 سنوات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)

تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أمس الجمعة نقلا عن مصادر أن شركة «سبيس إكس» التابعة للملياردير إيلون ماسك أبلغت المستثمرين بأنها ستعطي الأولوية للوصول إلى القمر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق المشتري كما لم يُقَس من قبل (رويترز)

مفاجأة في عمق النظام الشمسي... المشتري أصغر ممّا اعتقده العلماء

كوكب المشتري، عملاق الغاز في مجموعتنا الشمسية، أصغر حجماً ممّا كان يعتقده العلماء سابقاً...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا لقطة تُظهر «محطة الفضاء الدولية» (رويترز)

نهاية «محطة الفضاء الدولية» قريباً تطوي ثلاثة عقود من التعاون الدولي

طُرحت فكرة محطة الفضاء الدولية لأول مرة في أعقاب الحرب الباردة لتجسّد حينها روح التعاون بين روسيا والولايات المتحدة القوتين المتنافستين في الفضاء

«الشرق الأوسط» (باريس)
علوم صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)

بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

لا شك في أن كوكب المشتري هو أكبر كواكب المجموعة الشمسية، لكن اتضح أنه ليس كبيراً بالقدر الذي كان يعتقده العلماء في السابق، وإن كان الفارق ضئيلاً للغاية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.