هل تستجيب دمشق لمطالب دولية بوقف الانتهاكات والإخفاء القسري؟

تعميم أخير لوزير الداخلية إلى وحدات الشرطة بالتقيد بمدد قانونية للتوقيف والتحقيق

اجتماع وزير الداخلية محمد الرحمون مع مديري إدارات الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات والاتجار بالأشخاص ورؤساء فروع الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات في المحافظات
اجتماع وزير الداخلية محمد الرحمون مع مديري إدارات الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات والاتجار بالأشخاص ورؤساء فروع الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات في المحافظات
TT

هل تستجيب دمشق لمطالب دولية بوقف الانتهاكات والإخفاء القسري؟

اجتماع وزير الداخلية محمد الرحمون مع مديري إدارات الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات والاتجار بالأشخاص ورؤساء فروع الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات في المحافظات
اجتماع وزير الداخلية محمد الرحمون مع مديري إدارات الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات والاتجار بالأشخاص ورؤساء فروع الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات في المحافظات

أدرجت مصادر حقوقية سورية تعميم وزارة الداخلية في دمشق، بوقف التعذيب المعنوي أو الجسدي للموقوفين ضمن سلسلة التغييرات الأمنية، منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، بينها إلغاء المحاكم الميدانية العسكرية، وما تبعها مطلع العام الحالي من تغييرات في الأجهزة الأمنية.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن دمشق تعمل على شد مفاصل أجهزتها الأمنية وإعادة توصيف وتحديد مهامها، بهدف تمتينها وتدعيم مركزيتها، وفي الوقت ذاته توجه رسائل إلى الأطراف العربية والدولية بـ«الاستجابة لمطالب مكافحة تهريب المخدرات والاتجار بالبشر ووقف الانتهاكات».

صورة من قرار وزير الداخلية السورية الأحد الماضي

ولفتت المصادر إلى أن التعميم الذي نشرت نصه وزارة الداخلية السورية على معرفاتها بوسائل التواصل الاجتماعي، خلت من الإشارة إلى المعتقلين لأسباب سياسية تتعلق بحرية الرأي، والانتهاكات التي يتعرضون لها هم وعائلاتهم وكل من يتصل بهم. مع الإشارة إلى أن الاعتقالات الخاصة بحرية التعبير في السنوات الأخيرة، أغلبها جرى استناداً إلى قانون الجرائم الإلكترونية.

وحسب تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن الأشهر الستة الأخيرة شهدت مقتل نحو 29 شخصاً تحت التعذيب في السجون السورية، كما تم اعتقال 534 مدنياً بينهم 8 أطفال و21 سيدة. وذلك، رغم إصدار محكمة العدل الدولية قراراً في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، يطالب النظام السوري باتخاذ جميع الإجراءات لمنع أعمال التعذيب وغيرها من الانتهاكات، ويعد القرار ملزماً قانوناً لسوريا وجاء استجابة لدعوى رفعتها هولندا وكندا أمام محكمة العدل الدولية للنظر في اتهام بانتهاك «اتفاقية مناهضة التعذيب» الدولية.

وعقب اجتماع عقده وزير الداخلية محمد الرحمون مع مديري إدارات الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات والاتجار بالأشخاص ورؤساء فروع الأمن الجنائي ومكافحة المخدرات في المحافظات، أصدر الأحد الماضي، تعميماً إلى جميع وحدات الشرطة بالتعاون مع الجهاز القضائي للتقيد بالمدد القانونية للتوقيف والتحقيق، وعدم اللجوء إلى تمديده إلا في حالة الجرائم الجنائية الكبيرة.

ونص التعميم على ضرورة توخي الدقة في التعامل مع المعلومات التي ترد من المخبرين وأصحاب السوابق والأشخاص المقبوض عليهم عند التحقيق: «كيلا يوضع مواطنون أبرياء في دائرة الاتهام».

كذلك طالبهم بإبلاغ ذويهم بمكان وجودهم لدى الجهة التي قبضت عليهم، و«تجنب اللجوء إلى التعذيب الجسدي أو المعنوي لانتزاع الاعتراف القسري، (الإكراه، التهديد، الإهانة والإساءة بالكلام... وغيرها»، لكونها تتنافى مع (المادة 53) من الدستور». قرار الوزير طالب بقصر استخدام «إذاعة البحث» على من تتوفر ضده أدلة وعدم إذاعة البحث عن الأشخاص إلّا من خلال المفتاح الخماسي والرقم الوطني.

ونوه التعميم إلى «متابعة وضبط شبكات تهريب المهاجرين التي تستغل حاجة المواطنين للسفر بشكل غير مشروع خارج البلاد»، وتكثيف الجهود في مواجهة بعض الجرائم التي ارتفعت معدلاتها في الآونة الأخيرة، لا سيما سرقة الكابلات الكهربائية والهاتفية.

كما شدد التعميم على ضرورة تكثيف الدوريات، لا سيما في الأماكن المحتملة لعبور شحنات المخدرات باتجاه المناطق الحدودية والمناطق التي يحتمل فيها ترويج المواد المخدرة وتعاطيها داخل البلاد.

ياسمين المشعان عضو رابطة عائلات قيصر تحمل صور ضحايا النظام السوري أمام محكمة ألمانية 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

يشار إلى أن جهاز المخابرات العامة (أمن الدولة)، يتبع إدارياً وزارة الداخلية، إلا أنه عملياً يتمتع بسلطات تفوق سلطات الوزير كما أن معظم ضباط الأمن يأتون من ملاك وزارة الدفاع. ويضم جهاز أمن الدولة عدداً كبيراً من الأفرع في دمشق والمحافظات، أشهرها فرع الاتصالات بدمشق ويعرف بفرغ (الخطيب) سيئ الصيت، وقد اختفى في أفرعه آلاف السوريين في السنوات الأولى من الاحتجاجات وفق منظمات حقوقية، ونسبة كبيرة منهم اعتقلوا بطرق تعسفية وجرى إنكار وجودهم فيها، بينهم قتلى تم التعرف عليهم من خلال صور «قيصر».

وفي السنوات الأخيرة تحول فرع (الخطيب) إلى كابوس يقض مضاجع العاملين في مجال الصرافة وصاغة الذهب في جميع المحافظات السورية الواقعة في مناطق سلطة دمشق، من خلال لجان أمنية ترسل إلى المحافظات، وذلك رغم وجود أفرع لجهاز أمن الدولة فيها؛ حيث يتولى ملاحقة تصريف العملة ويفرض إتاوات باهظة ضمن ما صار يعرف بـ(التسوية) التي تمت قوننتها، مؤخراً، لتجنب تحويل أفراد الأمن إلى القضاء المختص.

صورة متداولة في حسابات سورية لباتريك ومازن دباغ الفرنسيين السوريين اللذين قضيا تحت التعذيب

ورجحت المصادر الحقوقية في دمشق أن تكون توصية وزارة الداخلية بـ«تجنب اللجوء إلى التعذيب الجسدي أو المعنوي لانتزاع الاعتراف القسري لكونه يتنافى مع (المادة 53) من الدستور»، صدرت على خلفية قلق دمشق من تزايد الدعاوى الموجهة ضدها دولياً، بتهم انتهاك حقوق الإنسان ومقتل المعتقلين تحت التعذيب، لا سيما وقد أثيرت مؤخراً قضية الطبيب الأميركي من أصل سوري، مجد كم ألماز، الذي اختفى في سوريا عام 2017، وأعلن الأسبوع الماضي عن وفاته تحت التعذيب في السجون السورية، ومطالبات عائلته بمحاسبة المسؤولين عن مقتله.

تجمع لناشطين سوريين في باريس بالتزامن مع محاكمة المسؤولين الأمنيين الثلاثة أمام محكمة فرنسية (أرشيف - إ.ب.أ)

وقد ترافقت إثارة هذه القضية مع إصدار محكمة في باريس يوم الجمعة الماضي، حكماً غيابياً بالسجن المؤبد بارتكاب جرائم حرب، على 3 من أبرز الشخصيات الأمنية السورية، هم؛ علي مملوك مستشار الرئيس السوري لشؤون الأمن الوطني، وجميل حسن المدير الأسبق لإدارة المخابرات الجوية السورية، وعبد السلام محمود. وركزت المحاكمة الفرنسية على دورهم في «اعتقال وتعذيب وقتل المواطن الفرنسي من أصول سورية مازن الدباغ وابنه باتريك عام 2013 في دمشق». في قضية عُدّت الأولى من نوعها في أوروبا.

مبنى مدمر بجدارية خلال إحياء الذكرى العاشرة للهجوم الكيماوي على الغوطة الأحد (د.ب.أ)

في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عدّ رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن التعميم الأخير، قرار شكلي كما في التعاميم السابقة التي صدرت عن مجلس الوزراء، مثل تعميم رقم 1 - 3039 المرتبط بمتطلبات الموافقة الأمنية، والذي حدد مدة لا تزيد على 48 ساعة للبت فيها، وإعلان سبب القرار في حالة الرفض وإفساح مجال للمدنيين للمراجعة. كذلك التعاميم المتعددة المرتبط بإذاعة البحث بناء على الاسم الثلاثي والرقم الوطني والبيانات التفصيلية الأخرى، وجميعها لم تلتزم بها الأجهزة الأمنية.

عبد الغني، نوه بأن «التعاميم تصدر عن وزارة الداخلية بينما عمليات الاعتقال التعسفية في الأصل تقوم بها الأجهزة الأمنية، وليس لوزارة الداخلية أي سلطة عليها، بما فيها الأمن السياسي الذي يتبع لها شكلياً». وعبر عن قناعته بأن التعميم الحالي مرتبط أكثر بقوائم المطلوبين في جرائم المخدرات، التي بدأت تتحول لظاهرة ابتزاز واستدراج المدنيين عشوائياً، بناء على تقارير كيدية، لافتاً إلى تقرير سابق للشبكة السورية حول مرسوم العفو الأخير «أوضحنا فيه اكتظاظ السجون المركزية بمحتجزين بتهم المخدرات، وكذلك شبكات الاتجار بالبشر (المهربين) التي يرتبط معظمها بالفرقة الرابعة وتعمل بصلاحيات تمنحها لها الأجهزة الأمنية».

ولفت الحقوقي السوري إلى تقرير للشبكة، مطلع الشهر الحالي «سجلنا فيه وفاة المحامي ثامر الطلاع في فرع الأمن الجنائي بمدينة الحسكة بسبب التعذيب. ولم نلحظ أي تغيير في سلوك الأجهزة الشرطية أو الأمنية في التعامل مع المعتقلين والمحتجزين».

في نهاية مداخلته، لفت عبد الغني إلى أن وزير الداخلية محمد الرحمون، يعد من الشخصيات الأمنية البارزة في التخطيط وإدارة الملف الأمني الداخلي في سوريا، وقد أدرج على لائحة عقوبات وزارة الخزانة الأميركية مطلع عام 2017، كما أضيف إلى قوائم العقوبات الصادرة عن المملكة المتحدة عام 2019، بسبب ارتباطه المباشر ببرنامج الأسلحة الكيماوية السورية، لكونه جزءاً من سلسلة إصدار الأوامر المتعلقة بالهجوم بالأسلحة الكيماوية على عدة مناطق في محافظة ريف دمشق، وبشكل خاص مجزرة الغوطة عام 2013، التي قتل فيها 1127 شخصاً مسجلين بالأسماء والتفاصيل في قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان. كما وضِع اللواء محمد خالد الرحمون مطلع مارس (آذار) 2019 على قائمة العقوبات الأوروبية، في قائمة ضمت سبعة وزراء في حكومة النظام السوري.


مقالات ذات صلة

هجوم إلكتروني يستهدف بريد جورجيا ميلوني

أوروبا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في روما يوم 7 سبتمبر 2026 (رويترز)

هجوم إلكتروني يستهدف بريد جورجيا ميلوني

قال مصدر في مجلس النواب الإيطالي، اليوم (الثلاثاء)، إن حساب البريد الإلكتروني لرئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، كان من بين الحسابات التي استُهدفت في هجوم إلكتروني.

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا مشهد لممر الأغذية المجمدة المغلق في متجر كبير بالقرب من نانت وذلك عقب هجوم سيبراني استهدف أنظمة التبريد في سلاسل متاجر فرنسية مما تسبب في تلف الأغذية واندلاع حرائق في عدة متاجر (رويترز)

هجوم سيبراني يطال مئات المتاجر بفرنسا... ويتلف أغذية بملايين اليوروات

تعرضت مئات المتاجر الكبرى (سوبر ماركت) في فرنسا لهجوم سيبراني أدى إلى ارتفاع درجات حرارة الثلاجات، وأجهزة التجميد، ما تسبب في تلف أغذية طازجة، ومجمدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ذكرت تقارير أن الصور جاءت من هجمات قرصنة استهدفت حسابات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالإضافة إلى حالات من الاستدراج الإلكتروني (رويترز)

فرنسا وأميركا تغلقان موقعاً إلكترونياً يبيع صوراً عارية لآلاف النساء

أعلن الادعاء العام الفرنسي، اليوم الأربعاء، أن عملية مشتركة بين السلطات الفرنسية والأميركية أدت إلى إغلاق منصة إلكترونية كانت توزع صوراً عارية لآلاف النساء.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا قرصنة إلكترونية (رويترز)

الشرطة الإسبانية توقف قائداً لمجموعة قرصنة إلكترونية عمره 16 عاماً

قالت الشرطة الإسبانية اليوم الخميس إنها ألقت القبض على مراهق يبلغ من العمر 16 عاماً يشتبه في أنه المشغل الرئيسي لمجموعة من المتسللين الإلكترونيين.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الولايات المتحدة​ عناصر من «إف بي آي» أمام منزل متهمة بالاحتيال في لوس أنجليس يوم 16 سبتمبر 2026 (أ.ب)

«إف بي آي» يحقق في مزاعم اختراق بيانات جميع موظفيه

أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) أنه يحقق في مزاعم مجموعة قرصنة إلكترونية باختراق أنظمته وسرقة بيانات حساسة تتعلق بآلاف الموظفين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

فصيل يحذر واشنطن من استخدام أجواء العراق لضرب إيران

مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

فصيل يحذر واشنطن من استخدام أجواء العراق لضرب إيران

مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

أكد أحد الفصائل العراقية الموالية لإيران، الجمعة، أنه «سيبقى ملتزماً بالحياد» إلا إذا استخدمت الولايات المتحدة الأجواء أو الأراضي العراقية لتنفيذ أي هجمات عسكرية ضد إيران.

وعدّ الفصيل المعروف باسم «أنصار الله الأوفياء»، الذي يقوده حيدر الغراوي، أحد قادة تحالف «الإطار التنسيقي»، أن استخدام الأجواء العراقية لضرب إيران «خرق يستدعي من الفصيل الرد على الولايات المتحدة».

وقال المتحدث باسم الحركة، علي الفتلاوي، إن الحركة ستلتزم الحياد ما دام العراق غير مستخدم منطلقاً للاعتداء على أي دولة مجاورة، مشيراً إلى أن واشنطن مطالبة بالالتزام بعدم خرق الأجواء العراقية، وفق ما أوردته وكالة «شفق نيوز» المحلية.

وحسب الفتلاوي، فإن أي «انتهاك للسيادة العراقية سيقابله موقف من الحركة»، مبيناً أن طبيعة الرد ستحددها القيادة وفق مقتضيات المرحلة.

وتقول الجماعة التي تسمي نفسها «المقاومة الإسلامية في العراق» إنها رصدت عشرات الاختراقات من الطيران الحربي والاستطلاعي للقوات الأميركية خلال الأيام الماضية.

وأكد الفتلاوي أن الحركة لم تسلّم سلاحها، موضحاً أن الاتفاق يتضمن تنظيم السلاح وحصره خلال المدة الممتدة من سبتمبر (أيلول) 2026 حتى يونيو (حزيران) 2027، وليس سحبه أو تسليمه.

وكانت الحكومة قد أمهلت أساساً الفصائل حتى 30 سبتمبر 2026 لتسليم سلاحها بالتزامن مع انتهاء مهمّة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش»، غير أنها تراجعت بعد ذلك، ثم حددت 30 يونيو 2027 موعداً جديداً، في ظلّ استمرار مفاوضاتها مع الفصائل.

وكان رئيس الحكومة، علي الزيدي، قد حذر مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، «قوى الإطار التنسيقي» من مغبة عدم الالتزام بالمواعيد المحددة لحصر السلاح بيد الدولة.

إلى ذلك، تداولت أوساط سياسية عراقية موقفاً أميركياً من الفصائل المسلحة تضمنت تحذيراً من مواصلة دورها في «سرقة موارد الشعب العراقي».

ونسبت تقارير الموقف إلى متحدث أميركي عن «الخارجية» قوله إن «استراتيجية واشنطن تجاه العراق تقوم على دعم سيادته وتعزيز أمنه واستقراره الاقتصادي»، فيما شدد على أن إيران لا يمكن أن تؤدي أي دور في تحقيق هذه الأهداف، متهمة طهران باستغلال الفصائل المسلحة للاستيلاء على موارد الشعب العراقي.


العملية العسكرية الإسرائيلية في الخليل متواصلة لليوم الثامن

جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)
جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

العملية العسكرية الإسرائيلية في الخليل متواصلة لليوم الثامن

جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)
جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)

واصلت إسرائيل، اليوم الجمعة، ولليوم الثامن على التوالي، عمليتها العسكرية في الخليل، بالضفة الغربية، ودفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة نحو منطقة دير بحة غرب المدينة، حيث أجبرت عدداً جديداً من العائلات على النزوح القسري من تلك المنطقة.

ونقلت «وكالة الأنباء الفلسطينية» (وفا) عن شهود عيان قولهم إن قوات الاحتلال دفعت بتعزيزات عسكرية إضافية ترافقها وحدات هندسية من مدخل الخليل الشمالي «فرش الهوى»، باتجاه منطقة دير بحة المغلقة والمحاصرة من قبل الاحتلال منذ الجمعة الماضي.

وفجرت القوات الإسرائيلية منزلي أحمد وحمودة الجعبة، في منطقة دير بحّة المحاصرة بمدينة الخليل، بعد اقتحامهما برفقة خبراء ووحدة الهندسة والمتفجرات، حيث أقدمت على تفخيخ المنزلين اللذين تفصل بينهما عشرات الأمتار، قبل تفجيرهما عن بعد بشكل متزامن، في ظل مواصلة الحصار والإغلاق المفروضين في محيطهما.

الجيش الإسرائيلي يفجر منزل أسير فلسطيني في بلدة بيتا القريبة من نابلس بالضفة الغربية الأربعاء الماضي (إ.ب.أ)

وكان أحمد وحمودة الجعبة قتلا في 23 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي عقب إطلاق جنود الاحتلال الإسرائيلي الموجودين على الحاجز العسكري عند المدخل الشمالي للخليل «فرش الهوى»، الرصاص الحي تجاههما.

إلى ذلك، ارتفع عدد العائلات المتضررة جراء العدوان إلى أكثر من 780 عائلة، منها 537 عائلة هُجّرت قسراً بشكل كامل، فيما يواجه نحو 5000 مواطن ظروفاً من الحصار والتهجير القسري، سواء بإجبارهم على النزوح من منازلهم أو محاصرتهم داخلها، لا سيما في منطقتي الجلدة ودير بحة اللتين تخضعان لحصار وإغلاق مشددَّين منذ يوم الجمعة الماضي.

واعتقلت القوات الإسرائيلية منذ بدء عدوانها، ما يزيد على 115 مواطناً، بينهم فتاة، فيما احتجزت مئات المواطنين وأخضعتهم للتنكيل.

كما تسبب الحصار العسكري المفروض على مناطق في مدينة الخليل ومحيطها في تعطيل التعليم الوجاهي في 66 مدرسة، ما انعكس على 2872 طالباً وطالبة، بينهم 2198 طالباً وطالبة تحت الحصار المباشر، و674 من النازحين قسراً الذين تعذر وصولهم إلى صفوفهم الدراسية.

جندي إسرائيلي يصوّب سلاحه خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد أحياء مدينة الخليل بالضفة الغربية في 27 أكتوبر 2026 (رويترز)

وفي الجانب الاقتصادي، تُقدّر الغرفة التجارية في الخليل الخسائر المباشرة الناجمة عن الإغلاقات في المدينة بما يتراوح بين 10 و12 مليون شيقل يومياً، منها نحو مليون شيقل في قطاع الحليب وحده.

وعلى صعيد الإغاثة وتقديم المساعدات، أعلنت لجنة المساندة والإغاثة المكلفة من محافظ محافظة الخليل، اعتماد بيانات 537 أسرة متضررة تضم 3361 فرداً، بينهم 232 رضيعاً، و1193 طفلاً تتراوح أعمارهم بين سنتين و17 عاماً، و326 من كبار السن، و147 امرأة حاملاً ومرضعاً، و32 شخصاً من ذوي الإعاقة، و213 من أصحاب الأمراض المزمنة.

وقد تلقت اللجنة 531 اتصالاً لطلب المساعدة عبر رقمها المجاني، وجرى التعامل مع الاحتياجات بالتنسيق مع المؤسسات المختصة، إلى جانب تشكيل لجان متخصصة للإغاثة والتسكين والتعليم والشؤون القانونية والإعلامية والمالية.

ورأى رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، روحي فتوح، إن «ما تشهده محافظة الخليل من عدوان وحصار متواصل لليوم الثامن، وتهجير ومحاصرة نحو خمسة آلاف مواطن وتدمير عشرات المنازل وعمليات البطش والتنكيل، هو إرهاب دولة تمارسه حكومة اليمين العنصرية ضمن مشروع تطهير عرقي ممنهج يستهدف اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وفرض واقع استعماري بالقوة».


«حزب الله» وطاولات الحوار... عشرون عاماً من النقاش حول السلاح بلا اتفاق تنفيذي

طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)
طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)
TT

«حزب الله» وطاولات الحوار... عشرون عاماً من النقاش حول السلاح بلا اتفاق تنفيذي

طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)
طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)

أعادت دعوة الرئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط إلى حوار مع «حزب الله»، يستند إلى حصرية السلاح بيد الدولة، الجدل بشأن جدوى استعادة طاولات الحوار اللبنانية، بعدما بقي سلاح الحزب بنداً خلافياً في معظم محطاتها.

وتتباين المواقف بين اعتباره مدخلاً لتفادي الصدام، ورؤيته وسيلة لتأجيل الحسم، بعد انتقال الملف من «الاستراتيجية الدفاعية» إلى قرارات حصرية السلاح.

ومنذ طاولة مارس (آذار) 2006 التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه برّي، انتقل بحث سلاح «حزب الله» إلى عنوان «الاستراتيجية الدفاعية»، قبل أن تقطع حرب يوليو (تموز) الجلسات.

وبعد مواجهات مايو (أيار) 2008، التي استعمل الحزب فيها سلاحه في الداخل ضد معارضيه، أفضى اتفاق الدوحة إلى انتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية حصلت فيها المعارضة على 11 وزيراً من أصل 30 وزيراً، بما أتاح لها تعطيل القرارات التي تتطلب أكثرية الثلثين، مع تعهد بعدم استخدام السلاح لتحقيق مكاسب سياسية، من دون الاتفاق على نزعه.

واستؤنف الحوار برعاية الرئيس اللبناني ميشال سليمان، وصولاً إلى «إعلان بعبدا» في يونيو (حزيران) 2012، الذي دعا إلى تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، لكنه لم يحسم مصير السلاح، ثم انطلق حوار الحزب و«تيار المستقبل» في عين التينة عام 2014 لتخفيف الاحتقان المذهبي، في حين استمر الخلاف على «إعلان بعبدا» حتى لقاء بعبدا عام 2020.

وكلفت الحكومة في أغسطس (آب) 2025 الجيش وضع خطة لحصرية السلاح، ثم حظرت في مارس 2026 أنشطة الحزب العسكرية والأمنية وطالبته بتسليم سلاحه. وفي المقابل، أعلن أمينه العام نعيم قاسم في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) الاستعداد للتعاون في ملف حصرية السلاح، وفق الدستور والقوانين ومن دون إملاءات خارجية، مؤكداً أولوية الانسحاب الإسرائيلي.

 

برّي ونصر الله في دردشة أثناء الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ للنائب علي حسن خليل)

الحوارات كرّست اختلال موازين القوى

واعتبر النائب السابق الدكتور فارس سعيد أن «تجارب الحوار الوطني في لبنان أثبتت أن الحزب كان المستفيد الأساسي منها؛ إذ استُخدمت، في رأيه، لتكريس سلاحه ونفوذه على القرار السياسي اللبناني»، مؤكداً أن «العودة إلى طاولة حوار داخلية مع الحزب لم تعد مجدية؛ لأن القرار الفعلي موجود في إيران، وبالتالي فإن أي حوار جدي يجب أن يكون مع طهران، وليس مع (حزب الله) بوصفه مكوّناً سياسياً داخلياً».

وقال سعيد لـ«الشرق الأوسط» إن «الحوار الوطني اللبناني - اللبناني الذي جاء بعد نحو 15 عاماً من الحرب الأهلية وسقوط 150 ألف ضحية، أفضى إلى تعديل دستوري وعقد اجتماعي وسياسي جديد تمثّل في اتفاق الطائف»، مشدداً على أن «أي حوار حصل بعد اتفاق الطائف كان يجب أن تكون مرجعيته تنفيذ هذا الاتفاق؛ لأنه لا يمكن أن تأتي نتائج حوار لاحق على حساب النتائج التي أرسى عليها (الطائف) النظام السياسي اللبناني».

ورأى أن «(حزب الله)، مستفيداً من موازين قوى إقليمية ودولية معينة، بعد أحداث 7 مايو 2008، عندما وضع يده بالقوة على القرار في لبنان، حاول استبدال اتفاق الدوحة باتفاق الطائف»، موضحاً أن «اتفاق الطائف قام على مبدأ العيش المشترك الإسلامي - المسيحي، في حين جاء اتفاق الدوحة ليكرّس الثلث المعطل وحق (الفيتو) داخل مجلس الوزراء، بما أتاح لفريقٍ تعطيل القرار السياسي».

وأضاف أن «طاولات الحوار التي انعقدت لاحقاً برعاية رئيس الجمهورية آنذاك ميشال سليمان، والتي كان من المفترض أن تشارك فيها أيضاً جهات عربية لكنها لم تشارك، تحوّلت إلى حوارات هدفها تكريس أمر يتناقض مع الدستور واتفاق الطائف، وهو حق فريق لبناني في الاحتفاظ بالسلاح تحت عنوان الدفاع عن لبنان في مواجهة إسرائيل».

ووصف الحوارات اللاحقة، ومنها «إعلان بعبدا»، بأنها «شكلية»، معتبراً أنها «لم تتمكن من تغيير موازين القوى أو إعادة القرار السيادي إلى مؤسسات الدولة». وفي شأن الحوار الثنائي في عين التينة، قال إن «الفكرة التي انطلق منها الحوار كانت تجنيب لبنان تداعيات الاحتقان السني - الشيعي، بعدما أصبحت المنطقة على صفيح ساخن مذهبياً، وكان المطلوب تفادي انتقال هذه المأساة إلى الداخل اللبناني».

وأضاف أن «أي تجربة حوارية جمعت أطرافاً لا تحمل السلاح، مثل (القوات اللبنانية) و(الحزب التقدمي الاشتراكي) و(حركة أمل) و(تيار المستقبل)، مع الفريق الذي يحمل السلاح؛ أي (حزب الله)، كانت في نهاية المطاف لمصلحة الحزب داخل لبنان».

وشدد على أن «أي حوار مع (حزب الله) اليوم، من جانب الجمهورية اللبنانية، يجب أن يكون في حقيقته حواراً بين الجمهورية اللبنانية وإيران، وليس إعادة إنتاج لطاولة حوار داخلية»، معتبراً أن «الحزب لا يملك حرية اتخاذ قرار الحوار؛ لأن قراره موجود في إيران».

 

برّي والحريري وبينهما خليل في البرلمان أثناء الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ)

من «الاستراتيجية الدفاعية» إلى القرار التنفيذي

رأت الأكاديمية والباحثة السياسية الدكتورة حياة الحريري أن فكرة «الاستراتيجية الدفاعية» التي طُرحت لمناقشة سلاح الحزب تحولت إلى «اللاقرار وعملية شراء الوقت وتأجيل حسم الدولة»، معتبرة أن الخطأ الأساسي كان في إحالة مسألة أمنية تخص الدولة إلى طاولة تجمع قادة الأحزاب والزعامات الطائفية.

وشددت لـ«الشرق الأوسط» على أن «الاستراتيجية الدفاعية تضعها الدولة اللبنانية ومؤسسات الدولة اللبنانية، وليس الأحزاب»، موضحة أن تحديدها يقع ضمن صلاحيات السلطات الدستورية ووزارة الدفاع وقيادة الجيش، وأن مناقشة الأمن القومي بين القوى السياسية بدلاً من المؤسسات المعنية تمثل «عملية لشراء الوقت والتهرب من تحمل المسؤولية».

وقالت إن الحزب «لم يكن لديه أي مشكلة في الحديث عن السلاح، وفي الحديث عن (الاستراتيجية الدفاعية)، بطاولات حوار، بل كان يشجع النقاش ويقدم تصورات تعتبر سلاحه جزءاً أساسياً من أي استراتيجية دفاعية، وتنسق المنظومة الأمنية والعسكرية للدولة معه بما يتوافق مع مصالحه». ورأت أن الوثائق ساعدته على تحسين صورته وإظهار الانفتاح على الدولة؛ لأنه «ما دام هناك اعتراض لفظي فقط لا غير، لم يكن الحوار يشكل مشكلة له».

ولفتت إلى أن «البيانات الوزارية المتعاقبة وفرت للحزب غطاءً سياسياً لسلاحه تحت عنوان (المقاومة)، في حين أن اليوم تجاوزت قرارات حكومة نواف سلام الخط الأحمر في علاقته بالدولة، فالسلطة السياسية أخذت قراراً تنفيذياً ولو أنه لم يطبق، مع ضرورة الفصل بين دلالة القرار وإمكان تنفيذه».

وربطت الحريري ذلك بتصاعد هجوم الحزب على الحكومة واتهامه خصومه بالتعاون مع إسرائيل، قائلة إنه يشترط، بحسب قراءتها، التراجع عن قرارَي الخامس والسابع من أغسطس المتعلقين بحصرية السلاح، وعن قرار حظر نشاطه العسكري، قبل استئناف الحوار.

ورأت أن القبول بتلك الشروط سيعيد الحوار إلى «نقاشات طويلة عن (الاستراتيجية الدفاعية) من دون تقدم عملي»، وانتقدت الاكتفاء بتعابير «(حصر السلاح) و(تجميد السلاح) و(احتواء السلاح) إذا لم تقترن بخطوات تنفيذية». وخلصت إلى أن «الحزب يريد مناقشة دمج سلاحه ضمن منظومة الدولة مع الاحتفاظ بسلطة (حزب الله) على هذا السلاح وبقراره في استخدامه، بدلاً من نقل القرار العسكري بصورة حصرية إلى المؤسسات اللبنانية».