مجلس الأمن الدولي قلق من خطر الإرهاب في الساحل... هل يملكُ مفاتيح الحل؟

خبير: عاجز بسبب الخلافات حول الساحل الأفريقي

جلسة مجلس الأمن لنقاش الوضع الأمني في غرب أفريقيا والساحل يوم الجمعة (الأمم المتحدة)
جلسة مجلس الأمن لنقاش الوضع الأمني في غرب أفريقيا والساحل يوم الجمعة (الأمم المتحدة)
TT

مجلس الأمن الدولي قلق من خطر الإرهاب في الساحل... هل يملكُ مفاتيح الحل؟

جلسة مجلس الأمن لنقاش الوضع الأمني في غرب أفريقيا والساحل يوم الجمعة (الأمم المتحدة)
جلسة مجلس الأمن لنقاش الوضع الأمني في غرب أفريقيا والساحل يوم الجمعة (الأمم المتحدة)

في آخر اجتماع له، عبَّر مجلس الأمن الدولي عن قلقه البالغ حيال تصاعد أعمال العنف الإرهابية في الساحل وغرب أفريقيا، خصوصاً في دول النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وهي الدول التي تحكمها أنظمة عسكرية تربطها علاقة متوترة مع الغرب، ودخلت في تحالف عسكري وأمني مع روسيا.

دول تربطها علاقة متوترة مع الغرب

تثير وضعية دول الساحل الأمنية الصعبة، ومواقف حكامها السياسية، كثيراً من الخلافات داخل مجلس الأمن الدولي، فمن جهة هنالك روسيا والصين اللتان ترتبطان بعلاقات وثيقة مع الحكام العسكريين في الساحل، ومن جهة أخرى هنالك الغرب ممثَّلاً في الولايات المتحدة وفرنسا التي توترت علاقتها بهذه الدول، وفقدت نفوذها في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

أطفال في مخيم للنازحين من الإرهاب في شمال بوركينا فاسو (الأمم المتحدة)

قلق أممي

رغم أن مجلس الأمن الدولي ناقش الوضعية الأمنية الصعبة في منطقة الساحل، وتأثيرها في الوضع بشكل عام في غرب أفريقيا، فإنه لم يتخذ أي قرار، وإنما اكتفى بإصدار بيان يعبِّر فيه عن «قلقه البالغ» حيال ما سماه «تصاعد أعمال العنف بين المجتمعات في غرب أفريقيا والساحل، خصوصاً في وسط الساحل».

وقال المجلس في بيانه إن أغلب الهجمات الخطيرة تنفذها «جهات غير حكومية، بمن في ذلك الأفراد والجماعات والشركات والكيانات المرتبطة بتنظيمي (داعش) و(القاعدة)»، مشيراً إلى أن ذلك من شأنه أن «يسهم في تعقيد إعادة سلطة الدولة، وسيادة القانون، وتوفير الخدمات الاجتماعية الأساسية في جميع أنحاء المنطقة».

ورأى مجلس الأمن أن تصاعد خطر الإرهاب يقوض «الجهود الدولية والإقليمية والوطنية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، ولكنه شدد على أهمية «الحوار الشامل على المستويين الوطني والمحلي»، مؤكداً أنه «يلعب دوراً مركزياً في تعزيز السلام والأمن الدائمين».

قلق أم عجز؟

يقول الخبير في الشأن الأفريقي محمد الأمين ولد الداه، في حديث مع «الشرق الأوسط» إن قلق مجلس الأمن حيال تدهور الأوضاع الأمنية في الساحل «ليس بالأمر الجديد، بل إنه أمر معتاد في كل جلسة لمجلس الأمن بهذا الشأن، وحتى في التقارير الأممية».

وأضاف الخبير في الشأن الأفريقي أن «قلق مجلس الأمن يعكس حالة عجز المنظمة الأممية، وعدم قدرتها على فعل أي شيء، خصوصاً بعد خروج قواتها من المنطقة إثر إنهاء مهام البعثة الأممية المشتركة في دولة مالي، وبعد أن أصبح مصير دول الساحل بيد أنظمة عسكرية انقلابية».

وكانت الأوضاع الأمنية الصعبة في منطقة الساحل قد أسفرت خلال السنوات الأخيرة عن موجة انقلابات عسكرية بدأت أولاً في دولة مالي عام 2020، ثم بوركينا فاسو عام 2021، وأخيراً في النيجر عام 2023، ورفضت جيوش هذه الدول بعد أن سيطرت على الحكم تسليم السلطة إلى المدنيين؛ ما أدى إلى توتر علاقاتها مع الغرب، ودفعها إلى التحالف مع روسيا والصين.

وبالفعل دخلت هذه الأنظمة العسكرية في شراكة عسكرية وأمنية مع روسيا، حصلت بموجبها على صفقات سلاح، ويوجد فيها عسكريون روس من أجل تدريب جيوشها على محاربة الإرهاب، ولكن هؤلاء العسكريين يقدَّر عددهم بالمئات، وأغلبهم عبارة عن مقاتلين من مجموعة «فاغنر»، التي أصبحت مؤخراً تسمى «فيلق أفريقيا».

مجلس متصدع

ويعتقدُ الخبير في الشأن الأفريقي محمد الأمين ولد الداه أن الصراع الدائر على الأرض بين المعسكرين في منطقة الساحل يلقي بظلاله على جميع نقاشات وقرارات وبيانات مجلس الأمن الدولي.

وقال ولد الداه: «ما أخشاه هو أن تعبِّر هذه البيانات الصادرة عن مجلس الأمن - في جزء كبير منها - عن التنافس الشديد بين أعضاء مجلس الأمن والخلافات الحادة»، وهو تنافسٌ يعتقدُ الخبير أن له تأثيراً مباشراً في حياة السكان المحليين في منطقة الساحل.

وأوضح ولد الداه أن «ما يخشاه هو أن تكون بيانات الأمم المتحدة تأتي كلما كان هنالك طرف يسعى لتحميل المسؤولية أو الضغط على روسيا والصين في هذا الشأن، بمعنى أن قرارات الأمم المتحدة وبياناتها لا تصدر من أجل تخفيف معاناة السكان في الساحل، وإنما في إطار التجاذب الدولي في المنطقة».

بعثة من مجلس الأمن الدولي في بوركينا فاسو عام 2019 (أرشيف الأمم المتحدة)

مفاتيح الحل

لا يزالُ مجلس الأمن على موقفه من رفض الانقلابات العسكرية التي جرت في دول الساحل، حين عبَّر في بيانه عن قلقه البالغ «إزاء التغييرات غير الدستورية للحكومات، ومحاولات الانقلاب»، بل إنه دعا الأنظمة العسكرية إلى «استعادة النظام الدستوري في أسرع وقت ممكن»، لكن هذا الموقف، وفق ما يعتقده الخبير في الشأن الأفريقي، لن يقود إلى «حل» للأزمة في منطقة الساحل، ويؤكد أن «البحث عن مفاتيح الحل يجب أن يبدأ بسعي الأمم المتحدة نحو تشجيع الحوار مع الأنظمة الانقلابية، والخروج بها من حالة العزلة والقطيعة مع المجموعة الدولية».

وأضاف أن «الحوار هو السبيل الوحيد نحو إعادة بناء جسور الثقة مع دول الساحل، ومن ثم بناء مستوى من التعاون والتنسيق الأمني يمكن أن يخفف من وطأة وحدة الأزمة الأمنية في منطقة الساحل».


مقالات ذات صلة

محكمة تونسية تقضي بسجن زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي مدى الحياة

شمال افريقيا رئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي لدى مغادرته المحكمة (أرشيفية - متداولة)

محكمة تونسية تقضي بسجن زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي مدى الحياة

اتهم الغنوشي وشخصيات أخرى في النهضة بتأسيس «جهاز أمني سري» لخدمة الحركة التي فازت في الانتخابات التي أعقبت الثورة في عام 2011.

«الشرق الأوسط» (تونس)
المشرق العربي تدعيم أحد الجسور المؤقتة على نهر الفرات شرق سوريا لصعوبة بناء جسور جديدة (محافظة دير الزور)

سوريا تعول على إزالة اسمها من الدول الراعية للإرهاب لدفع تعافيها الاقتصادي

تعول الحكومة السورية على إزالة تصنيفها من قائمة الدول الراعية للإرهاب بوصفه العقبة السياسية والقانونية الكبرى أمام تعافيها الاقتصادي.

سعاد جرَوس (دمشق)
أفريقيا سكان في بيني يحملون جثث مدنيين أعدمهم مقاتلو تحالف القوى الديموقراطية في الكونغو (أ.ف.ب)

مقتل سبعة بهجوم مسلّحين مرتبطين بـ«داعش» في الكونغو الديموقراطية

اندلعت اشتباكات الأحد في شمال شرق جمهورية الكونغو الديموقراطية بعد مقتل سبعة أشخاص على الأقل في هجوم شنه مسلّحون مرتبطون بتنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (بيني)
الخليج أعضاء التنظيم المرتبط بـ«ولاية الفقيه» الذين قُبض عليهم في البحرين (بنا)

البحرين: التحقيقات مع عناصر «الحرس الثوري» أكدت ارتكابهم جرائم ماسّة بالأمن

كشفت النيابة العامة البحرينية، الأحد، جانباً من نتائج التحقيق مع التنظيم الرئيسي المرتبط بـ«الحرس الثوري» الإيراني.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
أوروبا ركاب يمرون بسيارة شرطة متوقفة أمام محطة القطار المركزية حيث قام رجل بإصابة ثلاثة أشخاص بسلاح أبيض في وينترتور بالقرب من زيوريخ يوم 28 مايو 2026 (أ.ف.ب)

سويسرا: عملية الطعن في محطة القطارات «هجوم إرهابي»

وصفت السلطات السويسرية عملية الطعن التي أسفرت عن إصابة ثلاثة أشخاص، الخميس، في محطة قطارات وينترتور بالقرب من زيوريخ بأنها «هجوم إرهابي».

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)

«الصحة العالمية» تقر بتأخرها في الاستجابة لتفشي إيبولا

طبيب يرتدي معدات الحماية الشخصية في إحدى المناطق المعزولة لمراقبة مرضى إيبولا في الكونغو (أ.ف.ب)
طبيب يرتدي معدات الحماية الشخصية في إحدى المناطق المعزولة لمراقبة مرضى إيبولا في الكونغو (أ.ف.ب)
TT

«الصحة العالمية» تقر بتأخرها في الاستجابة لتفشي إيبولا

طبيب يرتدي معدات الحماية الشخصية في إحدى المناطق المعزولة لمراقبة مرضى إيبولا في الكونغو (أ.ف.ب)
طبيب يرتدي معدات الحماية الشخصية في إحدى المناطق المعزولة لمراقبة مرضى إيبولا في الكونغو (أ.ف.ب)

اعترفت منظمة الصحة العالمية، الأربعاء، بأن وباء إيبولا تفشى بشكل كبير في وسط أفريقيا قبل أن تبدأ جهود التصدي حالياً بالاستجابة للوضع تدريجياً.

وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس للصحافيين في جنيف: «ما زلنا متأخرين».

وحذّر قائلاً: «لم يتم تتبع سوى 45 في المائة تقريباً من المخالطين، وللسيطرة على التفشي نحتاج إلى رفع هذه النسبة إلى أكثر من 90 في المائة»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت جمهورية الكونغو الديمقراطية في 15 مايو (أيار) بدء تفشي الموجة السابعة عشرة من فيروس إيبولا في البلاد التي يزيد عدد سكانها على 100 مليون نسمة.

وأصدرت منظمة الصحة العالمية إنذاراً صحياً دولياً.

وقال مدير المنظمة الذي زار الكونغو الديمقراطية مؤخراً إنه «متفائل جداً بمستوى الالتزام» الذي لمسه، مؤكداً أن ذلك «أعطاه أملاً، رغم استمرار التحديات».

وأشار إلى التأخر في اكتشاف الحالات الأولى، وانعدام الأمن في المناطق المتضررة، وانعدام الثقة بين بعض السكان، وعدم وجود لقاح.

ودعا تيدروس الدول التي تفرض قيوداً شاملة على السفر بسبب الوباء إلى رفعها، محذراً من أنها تعرقل جهود احتواء الفيروس الفتاك.

وأضاف أن المنظمة «توصي بإجراء فحوص عند مخارج المطارات والموانئ والمعابر الحدودية لمنع انتقال العدوى من خلال المصابين والمخالطين».

وسُجلت في جمهورية الكونغو الديمقراطية 344 حالة إصابة مؤكدة بينها 60 حالة وفاة، في 24 منطقة صحية موزعة على ثلاثة أقاليم (إيتوري، وشمال كيفو، وجنوب كيفو)، بحسب تيدروس.

وانخفضت الحالات المشتبه بها إلى 116، مقارنة بأكثر من ألف الأسبوع الماضي.

وفي أوغندا، سُجلت حالة وفاة مؤكدة و15 حالة إصابة مؤكدة، بينها لدى مقيم كونغولي سافر إلى الإمارات قبل وصوله إلى أوغندا.

وتتعاون منظمة الصحة العالمية مع السلطات الصحية في أوغندا والإمارات لجمع مزيد من المعلومات حول هذه الحالة، وتقييم المخاطر، وتسهيل تتبع المخالطين.

وما زال مواطن أميركي أصيب بالفيروس في جمهورية الكونغو الديمقراطية يتلقى العلاج في ألمانيا.


عقوبات واشنطن في شرق الكونغو... محاولة لتطويق التهديدات ودفع التفاهم

جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
TT

عقوبات واشنطن في شرق الكونغو... محاولة لتطويق التهديدات ودفع التفاهم

جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)

فرضت واشنطن عقوبات أميركية جديدة على «قادة التمرد» في شرق الكونغو، في خطوة تأتي وسط تعثر يشهده مسار السلام الذي ترعاه واشنطن منذ أكثر من عام، وتفشي وباء «إيبولا» مع تصاعد المواجهات المسلحة.

تلك العقوبات، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، قد «تُطوّق التهديدات المستمرة من جانب حركة (23 مارس) وقوات تحرير رواندا، اللتين تعدان أساس اشتعال النزاع في الكونغو»، مؤكداً أن «العقوبات لن تكون وحدها دافعاً للتفاهم، بل أداة من الأدوات التي يجب أن تتواصل فيها الضغوط لبحث إمكانية التوصل إلى سلام دائم».

وتواجه الكونغو الديمقراطية تمرداً مسلحاً عنيفاً منذ عدة سنوات؛ إذ يواجه الجيش في شرق البلاد تحالفاً يضم حركة «23 مارس» و«تحالف القوى الديمقراطية». وتسعى «23 مارس» إلى توسيع نفوذها والسيطرة على الحكم، وهي تُسيطر على مناطق محاذية لرواندا، وتُتهم كيغالي بدعمها، فيما يُعد «تحالف القوى الديمقراطية» جماعة مسلحة تنشط قرب الحدود الكونغولية - الأوغندية، ويرتبط بتنظيم «داعش».

وأعلنت الولايات المتحدة، أخيراً، فرض إجراءات إضافية لمواجهة التهديدات التي «تواجه الاستقرار والازدهار» في شرق الكونغو الديمقراطية، بفرض عقوبات على غوستاف كوبوايو، القيادي الاستخباري في القوات الديمقراطية لتحرير رواندا (FDLR)، وجون إيماني نزينزي، رئيس الاستخبارات في حركة «23 مارس» المدعومة من رواندا.

استمرار العنف

اتهمت واشنطن هذين القياديين، في بيان وزارة الخارجية الأميركية، مساء الثلاثاء بـ«ارتكاب أعمال عنف وعمليات قتل وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وهجمات على المدنيين في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا»، مؤكدةً أنها «ستواصل استخدام جميع الأدوات المتاحة لتعزيز الاستقرار الدائم في المنطقة».

وفي 30 أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن الولايات المتحدة ‌فرضت ‌عقوبات على الرئيس ‌السابق لجمهورية الكونغو الديمقراطية جوزيف كابيلا، لدوره في دعم حركة «23 مارس».

ولم تنجح الكونغو الديمقراطية في اقتناص سلام كامل بعد جولات في عام 2025، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، قد وقّعوا في واشنطن، نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما.

وجاء التوقيع بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافةً إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي، فيما لم تسفر محادثات في 2026، كان آخرها في أبريل (نيسان) الماضي بسويسرا عن تقدم بعد.

أداة ضغط

وفقاً لتقديرات المحلل السياسي التشادي صالح إسحاق عيسى، فإن العقوبات الأميركية تمثل أداة ضغط سياسية واقتصادية مهمة، إذ تستهدف القيادات المتهمة بتأجيج الصراع أو دعمه، وتبعث برسالة مفادها أن المجتمع الدولي يراقب الانتهاكات ويحمّل المسؤولين عنها تبعات مباشرة.

وقد تسهم هذه الإجراءات، حسب عيسى في «تقييد حركة بعض الفاعلين المسلحين، والحد من مصادر تمويلهم، ورفع تكلفة الاستمرار في القتال»، مُستدركاً: «غير أن قدرة العقوبات على إنهاء النزاع تظل محدودة إذا لم تترافق مع مسار سياسي وأمني شامل». وأكد أن «الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية يرتبط بتشابكات عرقية وأمنية وإقليمية معقدة، فضلاً عن التنافس على الموارد الطبيعية وضعف مؤسسات الدولة وانتشار الجماعات المسلحة. لذلك فإن العقوبات قد تدفع الأطراف نحو التفاوض أو تخفف من وتيرة التصعيد، لكنها لا تكفي وحدها لإرساء سلام دائم».

وتأتي هذه العقوبات مع استمرار النزاع المسلح، وسط أزمة صحية كبيرة تواجهها الكونغو بمنطقة الصراعات.

وأعلنت الحكومة في الكونغو الديمقراطية، الثلاثاء، إعادة فتح المطار الرئيسي في إقليم إيتوري شرق البلاد، بؤرة تفشي فيروس إيبولا، بعد إغلاق لمدة عشرة أيام لأسباب تتعلّق بالسلامة العامة.

جمود جهود السلام

لم تسجل فرص السلام أي تقدم خلال الأسابيع الماضية، رغم إعلان الجيش الكونغولي ومسؤول من المتمردين انسحاب تحالف «23 مارس» من عدّة مواقع رئيسية في مقاطعة كيفو الجنوبية، شرق الكونغو، وذلك نحو مواقع محاذية للحدود مع رواندا، وفق ما نقلته «رويترز» في 13 مايو (أيار) الماضي.

وعن ردود فعل المتمردين بعد العقوبات، أوضح الخبير في الشؤون الأفريقية أنه من الصعب الجزم بمسار واحد، لكن قراءة تجارب العقوبات السابقة على الجماعات المسلحة في شرق الكونغو تشير إلى ثلاثة احتمالات رئيسية بين التصعيد وإظهار عدم التأثر بالعقوبات أو إبداء مرونة سياسية أكبر إذا شعرت بأن العقوبات جزء من ضغط دولي وإقليمي متكامل، أو المزج بين الأمرين عبر استمرار التوترات والاشتباكات المحدودة على الأرض مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.

ويخلص إلى أن العقوبات لن تؤدي وحدها إلى تهدئة فورية، وأنه غير مستبعد حدوث موجة تصعيد محدودة خلال الأشهر المقبلة، موضحاً «لكن استمرار الضغوط الدولية، قد يدفع الأطراف تدريجياً إلى تفضيل التفاوض على المواجهة».


انتخابات إثيوبيا... جبهات التوتر هل تقلص تأثيرات الفوز المتوقع لآبي أحمد؟ 

الرئيس الإثيوبي تايي أتسكي سيلاسي خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات العامة (وكالة الأنباء الإثيوبية)
الرئيس الإثيوبي تايي أتسكي سيلاسي خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات العامة (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

انتخابات إثيوبيا... جبهات التوتر هل تقلص تأثيرات الفوز المتوقع لآبي أحمد؟ 

الرئيس الإثيوبي تايي أتسكي سيلاسي خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات العامة (وكالة الأنباء الإثيوبية)
الرئيس الإثيوبي تايي أتسكي سيلاسي خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات العامة (وكالة الأنباء الإثيوبية)

أقرت الحكومة الإثيوبية، الثلاثاء، بـ«وجود تحديات ومعارضة للانتخابات العامة السابعة»، التي ينتظر أن تعلن نتائجها الرسمية يوم 11 يونيو (حزيران) الحالي، بينما وصفت جبهة «أورومو» المناهضة لرئيس الوزراء آبي أحمد الاقتراع بأنه «مسرحية»، وحظرت التنقل في الإقليم حتى 4 من الشهر الحالي.

تلك التحذيرات المعارضة لم تمنع من المشاركة الواسعة في الاقتراع، وقد لا تعوق نجاح آبي أحمد، حسب ما يرى خبير إثيوبي، غير أن خبيراً ثانياً في الشؤون الأفريقية يعتقد أن شرعية النتائج وحدها ليست كافية، ويجب النظر لتلك الاعتراضات والتوصل لمشروع وطني جامع ينهي التوترات.

مشاركة تاريخية

أعلن مكتب الاتصال الحكومي، في بيان، الثلاثاء، «نجاح الانتخابات العامة السابعة في البلاد»، مشيداً بـ«ملايين المواطنين لمشاركتهم في ممارسة ديمقراطية سلمية وتاريخية»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية للبلاد.

كما أقرّ البيان بـ«وجود تحديات ومعارضة للعملية الانتخابية»، لكنه أكد «نجاحها بفضل التزام المواطنين والمؤسسات المشاركة في تنظيمها»، حسب الوكالة الرسمية.

ولم يكشف البيان الحكومي الإثيوبي صور التحديات والمعارضة للعملية الانتخابية، لكن جبهة «أورومو» المناهضة لآبي أحمد وصفت في بيان عشية الانتخابات، الاقتراع، بأنه «مسرحية»، مؤكدة أن «الانتخابات المفروضة ليست إرادته ولا أولويته».

وأكدت الجبهة المعارضة أن «(جيش تحرير أورومو) لن يقف مكتوف الأيدي ويعلن حظراً كاملاً على جميع وسائل النقل والتنقل في أنحاء إقليم أوروميا حتى 4 يونيو (حزيران) الجاري، ولا يُسمح بحركة أي مركبات أو نشاط تجاري. كما يُمنع أي سفر غير مصرح به من أي نوع».

وصرح رئيس هيئة الانتخابات ميلاتورك هايلو، للصحافيين، بأن 143 من إجمالي نحو 48 ألف مركز لم يتم فتحها بسبب «مشكلات أمنية»، وقال إن التصويت «توقف» في مراكز أخرى، بدون تقديم تفاصيل، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية مساء الاثنين.

ورغم عقد الانتخابات في عموم أنحاء البلاد، فإنها استثنت إقليم تيغراي في الشمال، في ضوء استمرار التوتّر بين السلطات الإقليمية هناك والسلطات الفيدرالية في العاصمة، حسب المصدر ذاته.

وكانت الهيئة سبق أن أكدت قبل الانتخابات أن مراكز الاقتراع ستفتح في كامل إقليم أوروميا، الذي يشكّل نحو ثلث مساحة البلاد، على الرغم من نشاط ما يسمى «جيش تحرير أورومو» المتمرّد منذ 2018.

مواطن إثيوبي خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات العامة (وكالة الأنباء الإثيوبية)

من جانبه، يرى المحلل السياسي الإثيوبي زاهد زيدان، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الانتخابات الإثيوبية شهدت مشاركة واسعة من الناخبين، عبر أكثر من 47 ألف دائرة انتخابية في عموم البلاد وأكثر من 40 حزباً.

وأشار إلى أن «هناك تحديات وقعت، سواء في ظل عدم مشاركة من إدارة إقليم تيغراي، المنعزلة عن اتفاقية بريتوريا، أو محاولة ما تعرف باسم (جبهة تحرير أورومو) منع الناخبين».

واستدرك: «لكن تمت هذه الانتخابات في إقليم أوروميا بسلام حتى الساعات المتأخرة من الليل، وجرت العملية الانتخابية بسلاسة وسهولة في معظم إقليم أوروميا، باستثناء مدينة أو اثنتين من المدن التابعة للإقليم، حيث ساد فيها بعض اللغط وشيء من عدم استتباب الأمن، أو بعض القلاقل الصادرة من المنتسبين لـ(جبهة تحرير أورومو)».

وكذلك الأمر في حاضنتين في إقليم أمهرة، حيث كانت هناك بعض العمليات غير السلمية من منتسبي «جبهة تحرير أمهرة»، أو ما يطلق عليها «ميليشيات فانو»، الذين عملوا على منع بعض الناخبين، خصوصاً في مدينة «دبر طابور» من إجراء الانتخابات أو الاقتراع لمرشحيهم، وفق المحلل السياسي الإثيوبي زاهد زيدان.

ولكن على وجه العموم، يشير زيدان إلى أن «هناك إشادة كبيرة جداً بهذا العرس الديمقراطي الذي كان يراد تشويهه من قبل بعض الحملات أو الحركات المسلحة في الداخل، المدعومة من الخارج، كما يذكر الحزب الحاكم»، مؤكداً أن هذه الانتخابات كانت بمثابة مثال للديمقراطية الأفريقية.

ما بعد النتائج

جرى تعيين آبي أحمد في المنصب عام 2018 عقب احتجاجات حاشدة ضد تحالف «الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية» الذي حكم البلاد لفترة طويلة. وحصل حزب «الازدهار» على 410 مقاعد من إجمالي 484 مقعداً في البرلمان في انتخابات عام 2021.

ومن المتوقع أن يهيمن حزب «الازدهار» الحاكم على الانتخابات في مواجهة معارضة متشرذمة أضعفتها الخصومات الداخلية. ومن المتوقع إعلان النتائج بحلول 11 يونيو (حزيران)، بحسب ما نقلته «رويترز» الاثنين.

وعن المستقبل، يرى زاهد زيدان إمكانية رؤية إثيوبيا جديدة، متطورة، الصوت الأعلى للشعب، مضيفاً: «نريد أن يكون انتقال السلطة بطريقة سلسة وسليمة، وأن يسكت صوت البندقية ليس في إثيوبيا وحسب، بل على امتداد القارة الأفريقية برمتها».

وشدد الخبير في الشؤون الأفريقية الدكتور على محمود كلني، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، على أن ما بعد إعلان النتائج في إثيوبيا سيكون أمام آبي أحمد إمكانية لتحويل الانتصار الانتخابي المتوقع لفرصة لاحتواء الأزمات وفتح مسار تفاوضي مع القوى المعارضة والمجموعات المسلحة.

ويعتقد كلني أن الفوز المتوقع لآبي أحمد يدفعه لترسيخ مشروعه السياسي، لكن استمرار التوترات الأمنية والانقسامات المجتمعية يفرض عليه تحديات كبيرة تتجاوز حدود نتائج صناديق الاقتراع، مؤكداً أن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بنتائج الانتخابات، بل بمشروع وطني جامع قائم على تفاهمات.

Your Premium trial has ended