الاضطرابات الجوية المفاجئة في السماء الصافية... ما سببها؟

أدلة قوية على أن ازديادها بسبب التغيرات المناخية

طائرة الخطوط الجوية السنغافورية (أ.ف.ب)
طائرة الخطوط الجوية السنغافورية (أ.ف.ب)
TT

الاضطرابات الجوية المفاجئة في السماء الصافية... ما سببها؟

طائرة الخطوط الجوية السنغافورية (أ.ف.ب)
طائرة الخطوط الجوية السنغافورية (أ.ف.ب)

«اضطراب السماء الصافية» ما مدى شيوعه؟ وما سبب خطورته على حركة الطيران العالمية؟

سلطت وفاة رجل بريطاني وإصابة العشرات من الأشخاص الآخرين على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية السنغافورية تعرضت لاضطرابات شديدة، الثلاثاء، الضوء على المخاطر المحتملة للطيران في أجواء غير مستقرة.

اضطرابات قوية نادرة

ولا يزال السبب الدقيق لوفاة الرجل البالغ من العمر 73 عاماً قيد التحقيق. وقالت السلطات إنه ربما أصيب بنوبة قلبية، رغم أن ذلك لم يتم تأكيده. واستناداً إلى روايات الشهود، وعدد الإصابات والهبوط الحاد للطائرة، يشير الخبراء إلى المخاطر الكبيرة التي تشكلها الاضطرابات أثناء الرحلة على ركاب الخطوط الجوية وأطقمها.

وفي حين أن الوفيات المرتبطة بالاضطرابات نادرة جداً، إلا أن الإصابات تراكمت على مر السنين. ويشير بعض من خبراء الأرصاد الجوية ومحللي الطيران إلى تزايد التقارير عن حدوث اضطرابات، وإلى التأثيرات المحتملة التي قد يخلفها تغير المناخ على ظروف الطيران.

ومع ذلك، فإن معظم حوادث اصطدام الطائرات بالدوامات الهوائية تكون بسيطة، وقد قامت شركات الطيران بإجراء تحسينات مطردة لتقليل معدلات الحوادث الناتجة عن الاضطرابات بمرور الوقت. وينصح الخبراء المسافرين جواً بتوخي الحذر، مشددين على أهمية ارتداء حزام الأمان كلما أمكن ذلك على اعتبار أنه الخط الأول للحماية.

أسباب اضطراب السماء الصافية

ما هذا الاضطراب؟ الاضطراب هو في الأساس هواء غير مستقر يتحرك بطريقة لا يمكن التنبؤ بها، يربطه معظم الناس بالعواصف الشديدة. لكن النوع الأكثر خطورة هو اضطراب الهواء الصافي، الذي يحدث غالباً دون أي تحذير مرئي في السماء أمامك.

يحدث اضطراب الهواء الصافي في أغلب الأحيان في أو بالقرب من التيارات المتدفقة المرتفعة التي تسمى التيارات النفاثة. والسبب هو «مقاصصة أو قصّ الرياح»، الذي يحدث عندما تتحرك كتلتان هوائيتان ضخمتان قريبتان من بعضهما بعضاً بسرعات مختلفة. وإذا كان الفرق في السرعة كبيراً بدرجة كافية، فلن يتمكن الغلاف الجوي من تحمل الضغط، وينقسم إلى أنماط مضطربة، مثل الدوامات في الماء.

«عندما تحصل على قص رياح قوي بالقرب من التيار النفاث، يمكن أن يتسبب ذلك في فيضان الهواء». ويوضح توماس جين، رئيس قسم علوم الطيران التطبيقية في جامعة إمبري ريدل للطيران في دايتونا بيتش بولاية فلوريدا في حديث نقلته «أسوشييتد بريس»، أن ذلك يخلق هذه الحركات الفوضوية في الهواء.

ما مدى شيوع الإصابات المرتبطة بالاضطرابات؟

من الصعب تتبع العدد الإجمالي للإصابات المرتبطة بالاضطرابات في جميع أنحاء العالم. لكن بعض الدول تنشر بيانات وطنية. أفاد المجلس الوطني لسلامة النقل بأن أكثر من ثلث جميع حوادث الطيران في الولايات المتحدة في الفترة من عام 2009 حتى عام 2018 كانت مرتبطة بالاضطرابات الجوية، وأدى معظمها إلى إصابة واحدة أو أكثر خطيرة، ولكن لم تلحق أي أضرار بالطائرة. بين عامي 2009 و2022، أصيب 163 شخصاً بجروح خطيرة بما يكفي خلال أحداث الاضطرابات التي تتطلب العلاج في المستشفى لمدة يومين على الأقل، وفقاً للإحصاءات. وكان معظمهم من المضيفات، وهن تعرضن للخطر بشكل خاص؛ لأنهن أكثر عرضة للخروج من مقاعدهن أثناء الرحلة.

لا تزال التحقيقات جارية فيما حدث خلال رحلة الخطوط الجوية السنغافورية يوم الثلاثاء. وقالت شركة النقل إن طائرة «بوينغ 777 - 300 إي آر» هبطت 6000 قدم (حوالي 1800 متر) في حوالي ثلاث دقائق بعد اصطدامها باضطرابات شديدة فوق المحيط الهندي.

وتشير الأرقام الأولية للضحايا من المطار ومستشفى في بانكوك، حيث هبطت الطائرة المتجهة من لندن إلى سنغافورة وسط طقس عاصف، إلى أنه بالإضافة إلى حالة الوفاة، أصيب ستة أو سبعة ركاب بجروح خطيرة. وورد أن العشرات من المسافرين الآخرين وأفراد الطاقم أصيبوا بجروح متوسطة أو أقل خطورة.

وقال لاري كورنمان، عالم المشروع في المركز الوطني لأبحاث الغلاف الجوي التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الذي درس الاضطرابات منذ فترة طويلة: «ليس من غير المألوف أن تحدث اضطرابات جوية تسبب إصابات طفيفة تصل إلى كسر في العظام على سبيل المثال... لكن الوفيات نادرة جداً جداً - خاصة بالنسبة لطائرات النقل الكبيرة».

ووفقاً لستيوارت فوكس، مدير الطيران والعمليات الفنية في الاتحاد الدولي للنقل الجوي، فإن آخر حالة وفاة مرتبطة بالاضطرابات الجوية الواضحة تم الإبلاغ عنها من شركة طيران كبرى حدثت في عام 1997. وقد تم الإبلاغ عن عدد قليل من الوفيات على الطائرات الصغيرة منذ ذلك الحين، بما في ذلك حالة وفاة على متن طائرة خاصة العام الماضي.

وقد ساعدت إجراءات السلامة الموحدة الآن بشكل كبير في منع مزيد من حالات الإصابات الخطيرة على مر السنين كما أشار فوكس. وهي تشمل مراجعة توقعات الطقس، وإلزام الطيارين بالإبلاغ عندما يواجهون اضطرابات جوية، وتعليق خدمة المقصورة عندما تتعرض الطائرات لأجواء قاسية.

هل يستطيع الطيارون تجنب الاضطرابات الجوية؟

يستخدم الطيارون مجموعة متنوعة من الأساليب لتجنب الاضطرابات، بما في ذلك استخدام شاشة رادار الطقس. في بعض الأحيان يمكنهم ببساطة رؤية العواصف الرعدية والتحليق حولها. لكن الاضطرابات الجوية في السماء الصافية «هي أمر مختلف تماماً»، وفقاً لدوغ موس، طيار طيران سابق ومستشار سلامة. وقال إنه يمكن أن يكون مدمراً، «لأن الوقت الذي يسبق الحادث يمكن أن يكون هادئاً للغاية، ويأخذ الناس على حين غرة». وأضاف موس أن مراقبي الحركة الجوية سيحذرون الطيارين بعد تعرض طائرة أخرى لاضطرابات جوية صافية، وأن كثيراً من الطيارين ينظرون أيضاً إلى التيارات النفاثة في المستوى العلوي على طول طريقهم بحثاً عن علامات قص الرياح، ثم يخططون للطيران فوق تلك المناطق أو أسفلها أو حولها.

وقال موس إن الطائرات الحديثة قوية أمام أي اضطراب، وقد تتعرض مناطق المقصورة، مثل الصناديق العلوية لأضرار تجميلية، «لكنها لا تؤثر على السلامة الهيكلية للطائرات».

هل يسبب التغير المناخي زيادة الاضطرابات؟

ويشير بعض العلماء إلى أن التقارير عن حدوث اضطرابات آخذة في الارتفاع. وهناك عدد من التفسيرات المحتملة لذلك، لكن كثيراً من الباحثين أشاروا إلى التأثيرات المناخية المحتملة.

ويوضح جين، من جامعة إمبري ريدل للطيران، أن البعض يتوقع أن تغير المناخ يمكن أن يغير التيار النفاث وقص الرياح، ما سيؤدي بالتالي إلى زيادة الاضطراب في الهواء. وفي بيان الثلاثاء، قال بول ويليامز، أستاذ علوم الغلاف الجوي في جامعة ريدينغ في إنجلترا، إن هناك «أدلة قوية على أن الاضطرابات تزداد بسبب تغير المناخ». وقال ويليامز إن فريقه البحثي اكتشف مؤخراً أن اضطراب الهواء الصافي الشديد في شمال المحيط الأطلسي قد زاد بنسبة 55 في المائة منذ عام 1979، على سبيل المثال.

وقال إن أحدث توقعات الفريق تشير إلى أن الاضطرابات الشديدة في التيارات النفاثة قد تتضاعف أو تزيد ثلاث مرات في العقود المقبلة إذا استمرت الظروف العالمية كما يُتوقع.

ومع ذلك، يقول آخرون إن عوامل أخرى يمكن أن تلعب دوراً أيضاً. ويشير كورنمان إلى أنه قد يكون هناك ازدياد في الحركة الجوية الإجمالية، وهو ما قد يزيد من حدوث الاضطرابات مع ارتفاع عدد مسارات الطيران، بما في ذلك تلك الموجودة في المناطق التي تعاني مزيداً من الاضطرابات.

كيف يمكن للمسافرين البقاء آمنين؟

باختصار، اربط حزام الأمان. قد يكون من الصعب التنبؤ بالاضطرابات الجوية، لكنّ الخبراء يؤكدون أن خط الدفاع الأول في الهواء هو إبقاء حزام الأمان مربوطاً، كلما أمكن ذلك. وقال جوين: «الطائرات مصممة عموماً لتحمل الاضطرابات الجوية»، مشيراً إلى أن عدم ارتداء الركاب لأحزمة الأمان يمثل مصدراً كبيراً للإصابات الناجمة عن الاضطرابات الجوية أثناء الرحلة.

وقال إنه على الرغم من عدم وجود أي احتياطات مضمونة، فإن ارتداء حزام الأمان يزيد بشكل كبير من فرص الفرد في تجنب الإصابات الخطيرة... ارتدِ حزام الأمان «فهو مجرد حل سريع حقاً لمنع الإصابة».

* خدمة «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا منزل غمرته المياه قرب نهر غواداليتي مع وصول العاصفة «ليوناردو» إلى أجزاء من إسبانيا (رويترز)

فيضانات «ليوناردو» تجتاح المغرب وإسبانيا والبرتغال... وإجلاء عشرات الآلاف (صور)

ضربت العاصفة «ليوناردو» المغرب وجنوب إسبانيا والبرتغال، ما دفع السلطات إلى إعلان حالات التأهب القصوى وإجلاء عشرات الآلاف من السكان.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
علوم اختراقات 2026 العلمية

اختراقات 2026 العلمية

انطلاق البرمجة التوليدية وتصاميم لبطاريات مطورة وإحياء الكائنات المنقرضة

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص مديرة السياسات الاجتماعية في مجموعة البنك الدولي عفت شريف (الشرق الأوسط) p-circle 01:59

خاص البنك الدولي من الرياض: وظائف الغد خارج «المنطق التقليدي»

في وقت يواجه فيه العالم منعطفات اقتصادية حاسمة لم يعد الحديث عن «وظائف المستقبل» مجرد توقعات نظرية بل ضرورة تفرضها التحولات العالمية

زينب علي (الرياض)
الولايات المتحدة​ عامل يزيل الجليد من أحد الشوارع في أوكسفورد بميسيسيبي الأميركية (أ.ب)

عاصفة قطبية توقع 30 قتيلاً في الولايات المتحدة

ارتفعت حصيلة ضحايا البرد القارس الذي يضرب الولايات المتحدة إلى 30 قتيلاً، بينهم سبعة قضوا في حادث تحطم طائرة ليلة الأحد، في ظل استمرار موجة الصقيع القطبية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.