بايدن يتعهد في ذكرى قيام إسرائيل بالالتزام الثابت بأمنها

«فتح» تتهم واشنطن بالمشاركة المستمرة في نكبات الشعب الفلسطيني

مسيرة في ذكرى النكبة في مدينة شفا عمرو شمال إسرائيل الثلاثاء (أ.ف.ب)
مسيرة في ذكرى النكبة في مدينة شفا عمرو شمال إسرائيل الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

بايدن يتعهد في ذكرى قيام إسرائيل بالالتزام الثابت بأمنها

مسيرة في ذكرى النكبة في مدينة شفا عمرو شمال إسرائيل الثلاثاء (أ.ف.ب)
مسيرة في ذكرى النكبة في مدينة شفا عمرو شمال إسرائيل الثلاثاء (أ.ف.ب)

تعهد الرئيس الأميركي، جو بايدن، في رسالة إلى الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ بمناسبة الذكرى الـ76 لقيام إسرائيل، بالتزامه الثابت بأمن إسرائيل، قائلاً: «إن التزامي بأمن إسرائيل ثابتٌ، ومن الضروري أن نعمل معاً».

وأضاف بايدن في رسالته لهرتسوغ: «تفتخر الولايات المتحدة بعلاقتنا المستمرة مع إسرائيل. وباعتبارنا أول دولة تعترف بإسرائيل كدولة مستقلة في عام 1948، فإن علاقاتنا مبنية على القيم الديمقراطية المشتركة والمصالح المشتركة والتقارب الثقافي المماثل. كان العام الماضي مؤلماً للغاية، حيث تعرضت إسرائيل لأسوأ هجوم في تاريخها في 7 أكتوبر 2023. لكن شعب إسرائيل أظهر قوة ومرونة غير عادية. إن التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل لا يتزعزع. ومن الضروري أن يعمل بلدانا معاً لتعزيز الأمن والسلام لإسرائيل والمنطقة بأكملها. وآمل أن تستمر بلداناً في العمل معاً لخلق مستقبل أفضل لجميع شعوبنا. آمل أن يجلب العام المقبل المزيد من السلام والفرح بدلاً من المعاناة».

الرئيس الأميركي جو بايدن مع نظيره الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ في مطار بن غوريون الدولي خلال زيارة بايدن في يوليو الماضي (أرشيفية - رويترز)

وجاء في رسالة بايدن: «كما أوضحت بعد هجوم (حماس) لقد دعمت إسرائيل طوال حياتي وكنت الرئيس الوحيد الذي زار إسرائيل أثناء الحرب، فإن التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل ثابت».

وتحتفل إسرائيل بذكرى قيامها الـ76 التي تمثل نكبة للشعب الفلسطيني.

وقالت حركة «فتح»، في بيان، الثلاثاء، في الذكرى الـ76 للنكبة، إن الحقيقة الفلسطينية لا يمكن طمسها، وإن إرادة الشعب الفلسطيني أصلب من أن تُكسر، وإصراره على التمسك بحق العودة وحق تقرير المصير وبالحرية والاستقلال الوطني لن يلين.

جنود إسرائيليون يفحصون المعدات العسكرية على الحدود الجنوبية قرب رفح أول مايو (إ.ب.أ)

وقالت إن المجتمع الدولي يتحمل المسؤولية التاريخية عن الظلم الذي لا يزال يتعرض له الشعب الفلسطيني وعن كل النكبات التي أصابته، و«آخرها حرب الإبادة الهمجية التي يتعرض لها أهلنا في قطاع غزة، والتي تقوم بها دولة الاحتلال الإسرائيلي بأبشع الأساليب والصور، بالتزامن مع الحرب على الضفة والقدس، في ظل تصاعد هجمات المستعمرين الإرهابيين بدعم من حكومة الاحتلال المجرمة».

المندوب الأميركي البديل لدى الأمم المتحدة روبرت وود مستخدماً حق النقض في مجلس الأمن خلال التصويت على منح دولة فلسطين العضوية الكاملة في المنظمة الدولية (صور الأمم المتحدة)

وتساءلت «فتح» لماذا يُمنع الشعب الفلسطيني دون غيره من الشعوب من حقه في تقرير المصير والعودة إلى وطنه، وألا تحصل دولة فلسطين على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة؟

وحمّلت «فتح» بريطانيا المسؤولية التاريخية والأخلاقية عن النكبة التي لحقت بالشعب الفلسطيني، فهي من أصدر وعد بلفور عام 1917 المشؤوم، واحتلت فلسطين لتنفذ الوعد، ودعمت إقامة إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني وفلسطين التي تم شطبها عن الخريطة عام 1948.

وأكدت «فتح» أن الولايات المتحدة الأميركية كانت شريكةً في صياغة «وعد بلفور» وشريكة في نكبة الشعب الفلسطيني، «وهي اليوم من يتحمل المسؤولية الحقيقية عن استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع وغزة وبيدها وقفها فوراً إن أرادت»، مشيرة إلى أن واشنطن تمارس النفاق السياسي عندما تدعي حرصها على حل الدولتين، وفي الوقت نفسه تدعم إسرائيل بالسلاح والذخائر الفتاكة، وتقوم بتغطية عدوانها على الشعب الفلسطيني سياسياً، وفي المحافل الدولية وعبر ممارسة حق «الفيتو» في مجلس الأمن.

فلسطينيون في مسيرة بمناسبة يوم النكبة بمدينة رام الله بالضفة الغربية (أرشيفية)

ودعت «فتح» الولايات المتحدة إلى العمل فوراً على وقف الحرب، إذا ما أرادت صيانة القانون الدولي وحل الدولتين.

ولأول مرة في إسرائيل تم بث المراسم السنوية لإيقاد الشعل بعد أن تم تسجيلها مسبقاً.

وقال موقع «تايمز أوف اسرائيل»، إنه باستثناء رسالة مسجلة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كان المزاج العام قاتماً إلى حد ما، في تناقض صارخ مع السنوات السابقة.

ويتم عادة بث الحفل على الهواء مباشرة، لكن سعى المنظمون الحكوميون لتصويره مسبقاً، وسط تكهنات بأنهم أرادوا تجنب المضايقات التي شوهدت في مراسم يوم الذكرى المتعددة قبل ساعات.

وقال نتنياهو في مقطع فيديو على خلفية موسيقى مبتهجة يضم لقطات من التاريخ الإسرائيلي وحرب غزة، إلى جانب لقطات له ولزوجته سارة: «بفضل هذه الروح انتصرنا على أعدائنا وضمنّا وجودنا. وبتنا حالياً أقوى أضعافاً مضاعفة»، مضيفاً: «هذا ليس عيد استقلال عادياً. فالحرب لا تزال في أوجها».

وأقيم «حفل إيقاد الشعل» وسط احتجاجات كبيرة من أولئك الذين يشعرون أنه لا ينبغي للحكومة أن تقيم مثل هذا الحفل بعد أن أشرفت على أكبر هجوم في يوم واحد للإسرائيليين في تاريخ البلاد. وقد قُتل حوالي 1200 شخص، وتم احتجاز 252 رهينةً خلال الهجوم الذي قادته «حماس» في 7 أكتوبر، وأشعلت شرارة الحرب المستمرة في غزة.

عائلات الإسرائيليين المحتجزين في غزة خلال مسيرة للمطالبة بالإفراج عنهم في تل أبيب يوم الخميس (رويترز)

ومن بين الأصوات الأكثر معارضةً لإقامة الحفل التقليدي أقارب الرهائن والعائلات التي فقدت أقاربها أو نزحت من منازلها نتيجة القتال في غزة وعلى الحدود اللبنانية.

وقاد بعضهم مراسم «إشعال شعل» بديلة في بلدة بنيامينا، حضرها حوالي 1000 إسرائيلي. وانضم 100 ألف آخرين إلى عائلات الرهائن الأخرى لإحياء بداية اليوم هناك، في تجمع كئيب مماثل في ساحة الرهائن في تل أبيب.

وجاءت رسالة بايدن بعد أن كان ألغى في وقت سابق شحنة أسلحة كانت متوجهةً إلى إسرائيل، وأعلن أنه لن يزود إسرائيل بأسلحة هجومية في هجوم للجيش الإسرائيلي يؤثر على المراكز السكانية في رفح جنوب قطاع غزة.

أنتوني بلينكن يتحدث مع عائلات الرهائن لدى حركة «حماس» خارج فندقه في تل أبيب الأربعاء (أ.ف.ب)

وأصر السفير الأميركي لدى إسرائيل، جاك لو، على أنه «لم يتغير شيء بشكل أساسي في العلاقة الأساسية» بين إسرائيل والولايات المتحدة، على الرغم من القرار الذي اتخذته إدارة بايدن بتأخير تسليم شحنة قنابل ثقيلة إلى إسرائيل، مشيراً إلى أن المساعدات العسكرية من واشنطن إلى تل أبيب زادت منذ اندلاع الحرب في غزة بعد هجوم «حماس» في 7 أكتوبر.

وأكد لو في مقابلة أجرتها معه «القناة 12» أنه تم تجميد «مجموعة واحدة من الذخائر فقط»، وأن «كل شيء آخر مستمر في التدفق».

وأضاف أنه ينبغي على الجانبين «مواصلة الحديث حول» القضايا المتعلقة باستخدام «القنابل ذات القطر الكبير والقنابل الثقيلة، خاصة عندما يكون هناك احتمال لاستخدامها في مناطق حضرية مكتظة بالسكان».

وكرر قائلاً: «لكنني أعتقد أنه من الخطأ الاعتقاد بأن أي شيء قد تغير بشكل جذري في العلاقة».

ورداً على سؤال حول نية بايدن المعلنة بعدم تزويد إسرائيل بأسلحة هجومية، إذا دخلت إلى هذه المراكز السكانية، أجاب لو: «ما قاله الرئيس هو أنه لا يعتقد أن شن حملة برية واسعة النطاق في منطقة مكتظة بالسكان هي فكرة جيدة. لكنه قال على وجه التحديد إنه لا ينبغي استخدام القنابل التي يبلغ وزنها 2000 رطل (900 كيلوغرام) في هذا المكان».

ومع ذلك، أشار لو إلى أن بايدن أوضح أن إسرائيل، حتى الآن، لم تنفذ هذا النوع من العمليات البرية الكبرى في رفح، التي تعارضها الولايات المتحدة. حتى الآن، عملية رفح لم «تعبر إلى المنطقة التي تكمن فيها خلافاتنا. آمل ألا نصل إلى خلافات حقيقية».


مقالات ذات صلة

غزة: 225 مسافراً عبر معبر رفح خلال أسبوع وسط قيود مستمرة

المشرق العربي فلسطينيون قادمون من رفح يصلون إلى مستشفى «ناصر» في خان يونس (رويترز) p-circle

غزة: 225 مسافراً عبر معبر رفح خلال أسبوع وسط قيود مستمرة

شهدت حركة السفر عبر معبر رفح البري عبور 225 مسافراً، خلال الفترة من الثاني إلى التاسع من الشهر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة )
شؤون إقليمية مبانٍ مدمرة في مخيم جباليا للاجئين بشمال غزة (أ.ف.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي يقتل أربعة «مسلّحين» خرجوا من نفق في رفح

قال الجيش الإسرائيلي، الاثنين، إنه قتل أربعة مسلحين فلسطينيين عند خروجهم من نفق في رفح بجنوب قطاع غزة، متهماً إياهم بأنهم كانوا يطلقون النار على جنود إسرائيليين

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي يتلقى الأطفال الفلسطينيون طعاماً مُعداً في مطبخ خيري برفح (أرشيفية-د.ب.أ)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل 6 مسلحين في رفح

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، مقتل 6 من المسلّحين في رفح، اليوم.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص معبر رفح من الجانب المصري (رويترز)

خاص نتنياهو يراوغ حول فتح «معبر رفح»... والوسطاء يرفضون «الابتزاز»

عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، للمراوغة مجدداً بشأن فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني، ورهن الخطوة باستعادة جثمان آخر جثة إسرائيلية من قطاع غزة.

كفاح زبون (رام الله) محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية جنديان إسرائيليان في رفح جنوب قطاع غزة (رويترز)

قيادي بـ «حماس»: انفجار رفح وقع في منطقة تسيطر عليها إسرائيل بالكامل

قال محمود مرداوي القيادي في حركة «حماس» إن الانفجار الذي وقع في منطقة رفح في جنوب قطاع غزة اليوم الأربعاء كان في منطقة تسيطر عليها إسرائيل بالكامل.

«الشرق الأوسط» (غزة)

إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
TT

إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)

اتهمت القيادة الموحدة للقوات المسلحة ​الإيرانية، المعروفة باسم «مقر خاتم الأنبياء»، الولايات المتحدة بانتهاك وقف إطلاق ‌النار من ‌خلال ​مهاجمة ‌إحدى ⁠السفن التجارية ​الإيرانية في ⁠خليج عمان، وتوعدت بالرد.

ونقلت وسائل إعلام حكومية عن متحدث ⁠باسم «خاتم ‌الأنبياء» ‌قوله اليوم ​الأحد ‌إن السفينة ‌كانت متجهة من الصين إلى إيران.

وذكر المتحدث «نحذر من ‌أن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ⁠سترد ⁠قريبا وتنتقم من هذه القرصنة المسلحة التي ارتكبها الجيش الأميركي».


الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».


المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
TT

المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

في تقرير صادر عن شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي «أمان»، أكدت تل أبيب أن هناك تصدعاً كبيراً في القيادة الإيرانية، مضيفة أن هذا التصدع بات مبشراً بانهيار جزئي على الأقل للنظام في طهران.

وقالت «أمان» إن غياب المرشد علي خامنئي، ترك فراغاً هائلاً ولم يعد هناك من يتمتع مثله بسطوة القائد الذي يُجمَع حوله الباقون وتكون له الكلمة الأخيرة. فابنه مجتبى، الذي انتخب للمنصب بعد وفاة والده، لا يتمتع بشخصية كارزماتية مثل والده، ويُنظر إليه بوصفه شخصية ناقصة دينياً وسياسياً، فضلاً عن كونه جريحاً، ويُعتقد أنه لا يقوى على الحسم.

لذلك فإن وراثة خامنئي الأب ما زالت مفتوحة، خصوصاً أن الشارع الإيراني يذكر القيادة الحالية بأن أحد عيوب نظام الشاه في الحكم أنه كان عائلياً يرث فيه الابن أباه. والآن يتصرف النظام الحالي بالطريقة نفسها التي هاجمها في الماضي.

قادة إيران الجدد

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

ونشر تقرير «أمان»، الذي ظهر في موقع «واللا» يوم الأحد، قائمة القادة الحاليين في إيران «الذين بقوا في الحكم بعد أن تمت تصفية 55 شخصية قيادية أساسية في الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران». وتضم قائمة القادة الحاليين، بالإضافة إلى مجتبى خامنئي، حسين طائب الرئيس السابق لجهاز استخبارات «الحرس الثوري»، وهو مستشار كبير لدى مجتبى خامنئي وأمين سره، ويُعرف عنه أنه يقود الاتجاه المتطرف، وقد سُمع وهو يقول إن الاتفاق مع الغرب والتنازل له خيانة تُشكل تهديداً وجودياً للنظام.

وتضم القائمة أيضاً محمد عبد اللهي رئيس مكتب المرشد العام وهو حامل مفاتيح باب الوصول إلى خامنئي، ويعد مدير التوازنات الحساسة بين التيارات المتصارعة على القيادة. كذلك أحمد وحيدي القائد العام لـ«الحرس الثوري»، وكان وزيراً للداخلية والدفاع، وكان أيضاً أول قائد لـ«فيلق القدس»، وهو متطرف جداً في مواقفه، ويمثل التيار الأمني والتنفيذي لـ«الحرس الثوري»، ويتمسك بالأذرع الإيرانية في المنطقة.

محمد باقر قاليباف: رئيس البرلمان ومن كبار المفاوضين مع الولايات المتحدة. يعد محافظاً ولكنه مهتم بتحسين الاقتصاد، ويسعى إلى منع الانهيار الداخلي السياسي والاجتماعي، الذي من شأنه أن يؤدي إلى موجة احتجاجات شعبية جديدة ضد النظام، ومع ذلك يحرص على قناة تواصل مع التيار الراديكالي.

وفي مجموعة الإصلاحيين: الرئيس مسعود بزشكيان، وهو الذي يحاول قيادة الخط الأكثر اعتدالاً لغرض إزالة العقوبات الاقتصادية عن إيران، لكنه محدود التأثير بسبب القيود التي يفرضها عليه «الحرس الثوري». كما أنه يتعرض لحملة تحريض تتهمه بـ«خيانة قيم الثورة».

عباس عراقجي، وزير الخارجية الذي كان مفاوضاً في الاتفاق النووي الأول سنة 2015، مع دول الغرب. ويقول ضابط كبير في «أمان» إن عراقجي دبلوماسي لديه خبرة ويبحث عن صيغ للتنازلات بطريقة لا تظهر إيران مستسلمة للإرادة الأميركية.

كما يقول تقرير «أمان» إنه بالإضافة إلى هؤلاء، توجد مجموعة اسمها «الممسكون بالخيوط»، وأبرز هؤلاء: علي إفتخاري وهو شخصية مؤثرة في المخابرات وبين صفوف النخبة الدينية التي انتخبت مجتبى مرشداً، تعد هذه المجموعة العقيدة الدينية للثورة ركناً أساسياً للنظام.

علي رائدين، هو رجل أمن رفيع ذو علاقات وطيدة بدوائر اتخاذ القرارات الحساسة، ويصفه جنرال إسرائيلي بأنه «أقوى خلية في السلسلة»، ومكلف بحماية النظام وثباته في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية. وقد كُلف بإعادة بناء قوة «الباسيج» بعدما تلقت ضربات كبيرة من إسرائيل.

حلقة الضعف

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

ويقول جنرال إسرائيلي في «أمان» إن حلقة الضعف في هذه القيادة أنه لا يوجد شخص يملك الكلمة الفصل، لذلك فإن كل قرار يصدر حالياً تنشأ له فوراً معارضة وشكوك، بحيث بدأت الثقة تتزعزع لدى الكثيرين بأنفسهم، وكذلك في بعضهم بعضاً. كما يسود التوتر بين هذه القيادات حتى في ظل وقف النار.

ويضيف أن وقائع الحرب والاغتيالات، وغياب علي خامنئي، والدمار وفقدان التواصل، كلها عوامل أدت إلى تصدع حقيقي داخل سلطة الحكم الإيرانية، وعقّدت قدرتها على اتخاذ القرارات.

ومع وجود قادة جدد في مواقع المسؤولية نشأت فوضى، وتعمقت أزمة الحكم والسلطة. ويُلاحظ أنه يوجد لدى المفاوضين الإيرانيين قدر محدود من المعرفة بما يمكن أن تقدمه حكومتهم من تنازلات أو حتى بمن يتعين عليهم سؤاله على وجه الدقة. وفضلاً عن ذلك، فإن المتشددين داخل «الحرس الثوري» باتوا أكثر نفوذاً ويمارسون سلطة أكبر من القيادة الدينية التي تتولى الحكم اسمياً.

ولا تستبعد «أمان» أن التيار المتشدد يخرب على أولئك الذين يتوصلون إلى اتفاقيات وتفاهمات مع واشنطن.

تقويض النظام

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد 10 يناير (رويترز)

من جهة أخرى، قال موقع «واللا» الإسرائيلي إنه خلال عملية «زئير الأسد» تم استهداف مئات الأهداف التابعة لقوات «الباسيج»، وتم اغتيال مسؤولين كبار. ومع ذلك، يوضح الجيش الإسرائيلي أنه لم تُصدر أي تعليمات لإسقاط النظام، وأن الضربات الجوية وحدها ليست كافية لتحقيق ذلك.

في الوقت نفسه، كُشف أن المستوى السياسي منع استهداف بنى تحتية وطنية، وأنه رغم الأضرار، لم يخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع. وتشير التقديرات داخل المؤسسة الأمنية إلى أن الهدف من العملية كان زعزعة استقرار النظام الإيراني وإضعاف قبضته، من خلال ضرب أذرعه الأمنية الداخلية، وعلى رأسها قوات «الباسيج»، التي تُعد أداة رئيسية في قمع الاحتجاجات الشعبية.

وقد شملت الهجمات مئات المواقع المرتبطة بهذه القوات، إضافة إلى استهداف شخصيات قيادية بارزة. وعُد ذلك جزءاً من محاولة إحداث تأثير داخلي في إيران، وليس فقط توجيه ضربة عسكرية تقليدية.

مع ذلك، شدّد مسؤولون في الجيش الإسرائيلي على أن إسقاط النظام لم يكن هدفاً رسمياً للعملية، وأن مثل هذا الهدف يتطلب أدوات أوسع بكثير من مجرد الضربات الجوية، بما في ذلك تحركات سياسية وشعبية داخلية.

كما تبين أن القيادة السياسية فرضت قيوداً على نطاق الهجمات، إذ منعت استهداف بنى تحتية وطنية حيوية داخل إيران، وهو ما حدّ من مستوى التصعيد، ومن حجم الضرر الممكن إحداثه.

ورغم الضربات التي وُجهت، تشير التقديرات إلى أن الشارع الإيراني لم يشهد تحركاً واسعاً أو احتجاجات كبيرة نتيجة هذه الهجمات، وهو ما عُد عاملاً مهماً في عدم تحقيق تأثير استراتيجي أعمق على استقرار النظام.

في المحصلة، ترى التقييمات أن الضربات الجوية، حتى وإن كانت واسعة، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جوهري داخل إيران، خصوصاً في ظل غياب تحرك داخلي من قبل الإيرانيين أنفسهم.