أكثر من 800 يوم على الحرب... غيّرت شكل الحياة وأنماط الاستهلاك في روسيا

بدائل «صديقة» للمنتجات الغربية من السيارات إلى السينما

جنود ومدنيون يلتقطون صورة تذكارية في «يوم النصر» الذي يقام احتفالاً بالانتصار على النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية في موسكو (رويترز)
جنود ومدنيون يلتقطون صورة تذكارية في «يوم النصر» الذي يقام احتفالاً بالانتصار على النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية في موسكو (رويترز)
TT

أكثر من 800 يوم على الحرب... غيّرت شكل الحياة وأنماط الاستهلاك في روسيا

جنود ومدنيون يلتقطون صورة تذكارية في «يوم النصر» الذي يقام احتفالاً بالانتصار على النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية في موسكو (رويترز)
جنود ومدنيون يلتقطون صورة تذكارية في «يوم النصر» الذي يقام احتفالاً بالانتصار على النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية في موسكو (رويترز)

لم يكن غالبية الروس غداة إعلان الرئيس فلاديمير بوتين انطلاق «العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا، فجر 24 فبراير (شباط) 2022 يتوقعون أن يطول أمد المواجهة لأكثر من أسبوعين أو ثلاثة.

دار الحديث عن عملية خاطفة وحاسمة، تعيد القيادة الأوكرانية «إلى رشدها» أو تقضي عليها عبر انهيار داخلي كبير، ينهي مظاهر العداء لروسيا في البلد الجار، ويضع الغرب أمام أمر واقع يدشن مرحلة جديدة في آليات التعامل مع المتطلبات الأمنية للكرملين.

لكن «العملية الخاصة» تحولت تدريجياً إلى أكبر مواجهة تخوضها روسيا منذ الحرب العالمية.

سيدة تحمل بعض مقتنياتها وتخرج من منزلها المدمر في قصف أوكراني على مبنى في منطقة بيلوغرود الروسية (رويترز)

وبعد مرور أكثر من 800 يوم على إطلاق الرصاصة الأولى لـ«تحرير دونباس» غدا تعبير «الحرب الشاملة» الأكثر تداولاً، على رغم أن القوانين تحرّم استخدامه، مع كل ما حمل ذلك من تداعيات على حياة الروس اليومية.

هنا، لا يقتصر الأمر على عسكرة الاقتصاد وتسخير مقدرات البلاد لخدمة الجبهة. فالتأثيرات المباشرة لا تقف عند تأقلم عشرات المدن والبلدات الحدودية مع واقع انطلاق صافرات الإنذار يومياً، وحياة الملاجئ خلال هجمات الصواريخ والطائرات المسيرة، التي لم تسلم منها أحياناً، حتى مناطق العمق الروسي أو حتى مراكز صنع القرار السياسي والاقتصادي.

صحيح أن التدابير الواسعة المتخذة نجحت في تجاوز التداعيات الأسوأ لأكبر اختبار تمرّ به البلاد منذ عشرات السنين، لكن الاقتصاد بقي عملياً صامداً متماسكاً، والجبهة الداخلية صلبة للغاية.

أما ملامح الحياة اليومية للروس فقد تغيرت كثيراً.

من كان يتوقع قبل عامين ونيف، أن تهيمن الصين بهذه السرعة، على أكثر من 60 في المائة من سوق السيارات في البلاد؟ وأن تعود سيارة «لادا» التي تذكّر بالحقبة السوفياتية للتجول بكثافة في شوارع المدن الكبرى؟

من كان ينتظر أن تخلو رفوف المتاجر من أنواع الجبنة الفرنسية والمعكرونة الإيطالية والزيت الاسباني الفاخر؟

لا يقف الأمر عند السلع الاستهلاكية، ومنتجات الغذاء والدواء التي تبدلت ملامحها كثيراً، كما تبدل الكود الرقمي للبلدان المنتجة لها. فحتى صناعة السينما تغيرت. غابت هوليوود والإنتاج الغربي عموماً عن الصالات وحلّت ثقافة «البلدان الصديقة» مكانها، لتنافس بذلك الإنتاج المحلي الذي شهد بدوره طفرة غير مسبوقة، سيطر فيها المحتوى الموجه وثقافة الحرب على معايير الجودة والمنافسة.

متسوقون في سوبر ماركت في موسكو (الشرق الأوسط)

من الـ«سوبرماركت» إلى الصيدلية والشوكولاتة

قد تثير رفوف محال البقالة الفارغة الذعر في الدول الغربية. أما في روسيا، وعلى الرغم من رزم العقوبات غير المسبوقة، ليس هناك ما يشير إلى نقص الغذاء. جولة قصيرة على أي متجر في العاصمة موسكو، أو حتى في المناطق البعيدة عنها، والأقل حظاً لجهة القدرة الشرائية للمواطن، تدل مباشرة إلى أن التغييرات التي طرأت، لا تتعلق بنقص المنتجات المطروحة، بل بتبدل منشأها.

كانت مشكلة «الأمن الغذائي» قد طرحت بشكل مبكّر للغاية، منذ أن انهالت رزم العقوبات على روسيا بعد قرار ضم شبه جزيرة القرم في 2014. منذ ذلك الحين، كان الاعتماد على الواردات الغذائية في سلاسل البيع بالتجزئة والأسواق الروسية قد انخفض بشكل كبير. من الثلث تقريباً إلى نحو 10 في المائة فقط حالياً.

لذلك؛ كان هذا القطاع مهيئاً سلفاً لمواجهة تداعيات العقوبات الغربية والمشكلات اللوجيستية المتعلقة بطرق مرور البضائع.

وأظهر استبدال الواردات النتائج الأكثر إثارة للإعجاب في فئة المنتجات مثل اللحوم والدواجن: حيث انخفضت حصة الواردات وفقاً للجهات المختصة من 19.6 إلى 5.4 في المائة. وانخفضت حصة الزيوت الحيوانية والنباتية والسكر والحبوب المستوردة.

وفي ما يتعلق بالفواكه والخضراوات، فإن حصة الواردات تتقلب تبعاً للموسم، ولكن حتى هنا، فإن التقدم واضح. الأكثر صعوبة يكمن في تعويض منتجات من المستحيل استبدالها بمنتج وطني، مثل القهوة والشاي.

هذا لا يعني أن قطاع المواد الغذائية لا يعاني مشكلات جدية؛ إذ لا تزال صناعة الأغذية الروسية تعتمد على المواد الخام وقطع الغيار ومعدات الإنتاج المستوردة.

لم تفرغ رفوف المحال التجارية من المواد الغذائية لكن بلدان المنشأ تغيرت (الشرق الأوسط)

ويؤكد تجار التجزئة أن العمل مع الشركات المصنعة الروسية أكثر ربحية لهم من شراء البضائع المستوردة. وتعمل الشراكات مع الموردين المحليين على تقليل التكاليف: ليست هناك حاجة إلى إنفاق الأموال على الخدمات اللوجيستية أو القلق بشأن المخاطر العالية لانقطاع الإمدادات. لكن حجم حصة البضائع الروسية يبقى محصوراً بقدرة الشركات المصنعة على تذليل عقبات نقص المواد الخام وتحسين القدرة التنافسية.

وأشارت يوليا كرامايكوفا، رئيسة قسم التفاعل مع الهيئات الحكومية في سلسلة متاجر «ماغنيت»، إلى أن استراتيجية العمل مع الشركة المصنعة الروسية هي التي ساعدت على النجاة من الأزمة في العام الماضي. لكنها تقول إن مجرد وضع المنتج على الرف ليس كافياً. وتقول «نحن في حاجة إلى مساعدة المصنّعين الروس على التنافس بنجاح مع أولئك الذين يشغلون حالياً حصة كبيرة على الرف». للقيام بذلك؛ عليك أن تخبر المشتري لماذا يستحق هذا المنتج الشراء. إذا لم تقم بإجراء حملات تسويقية نشطة، فسيظل المنتج ببساطة على الرف ويتم شطبه في النهاية. مسألة الترويج والتسويق لها الأولوية».

محل بتسمية «ماغ» يعرض ألبسة من سلسلة «زارا» بعد إغلاق الأخير متاجره في روسيا إثر العقوبات الدولية (غيتي)

تكتسب هذه العبارة أهمية خاصة، خصوصاً على خلفية أن كثيرين من منتجي السلع الغربية المنشأ وجدوا آليات لتعويض خسائرهم بعد مغادرة أسواق روسيا. وتم ذلك عبر الاعتماد على «وسطاء» ساعدوا على الالتفاف على العقوبات المفروضة. هذا الأمر حظي بتشجيع واسع من جانب السلطات؛ لأنه يخفف من المشكلات الناشئة في القطاع.

لذلك؛ عاد العديد من منتجات الاتحاد الأوروبي إلى رفوف المتاجر بعد أشهر من الغياب. وكما يوضح المستوردون أنفسهم، فقد استغرق الأمر بعض الوقت لإعادة بناء الخدمات اللوجيستية.

ولكن من الواضح أن تنوع الواردات الأوروبية الذي كان موجوداً قبل تبادل العقوبات لم يعد موجوداً. وسرعان ما تم استبدال المنتجات الأوروبية بمنتجات منافسة من الدول العربية والبرازيل والأرجنتين وتركيا والصين وبلدان آسيا الوسطى وخصوصاً كازاخستان.

المشهد العام المباشر، يتحدث عن نفسه. فإذا كانت في السابق مجموعة واسعة من زيوت الزيتون متاحة في سوق واحدة وجميعها تقريباً من اليونان وإيطاليا وإسبانيا، فقد أصبح هامش الاختيار الآن أضيق وأقل جودة.

والمعكرونة الإيطالية غدت باهظة الثمن بالمقارنة مع المنتجات المماثلة القادمة من السوق الروسية الداخلية أو من «البلدان الصديقة».

وتوجد منتجات من الخضراوات المعلبة الأوروبية على الرفوف، لكنها ليست كثيرة. على سبيل المثال، ارتفعت أسعار المعلبات الهنغارية أضعافاً عدة، وباتت البازلاء البولندية نادرة وغالية الثمن، وأنواع الأجبان الفرنسية التي كانت تملأ رفوف المتاجر الكبرى تقلصت كثيراً وتم استبدال الجزء الأعظم منها بمنتجات بيلاروسية وكازاخية، ومنتجات تحمل العلامات التجارية لبلدان بعيدة.

بطبيعة الحال، لا يوجد حالياً، شيء مستورد من أوكرانيا في المتاجر، غابت الشوكولاتة الفاخرة التي كانت تهدى في المناسبات، وهي بالمناسبة من إنتاج مصانع الرئيس السابق بيترو باروشينكو صاحب العلامة التجارية الشهيرة «روشن» والذي كان يلقب «ملك الشوكولاتة» وغدا العدو اللدود حالياً للكرملين. كما غاب معها كل أنواع المنتجات الأخرى التي حملت سابقاً العلامة التجارية للبلد الجار.

يكاد الأمر نفسه، ينسحب على سوق الأدوية، على رغم أن هذا القطاع ليس مشمولاً بشكل رسمي في لوائح العقوبات الغربية. لكن المنتجات الغربية باتت مفقودة في الصيدليات، بالدرجة الأولى بسبب الصعوبات اللوجيستية لنقلها.

اعتماد شبه كلي على الصناعات الدوائية والطبية المحلية الروسية (الشرق الأوسط)

لا ورق لإصدار فواتير

لا ترتبط مشكلة الإنتاج المحلي للأدوية فقط بفتح المنصات الضرورية والقيود المفروضة على القيمة المضافة التي تقلل الربحية، ولكن أيضاً باستيراد المكونات الأساسية وعناصر الصناعة الكيماوية.

وهناك مشكلة أخرى لم تكن لتخطر على بال، برزت مع الحرب والعقوبات الكبرى المفروضة على روسيا. مَن كان يتصور أن تفتقد المتاجر الكبرى والصيدليات للورق اللازم لإصدار فواتير البيع والشراء على سبيل المثال؟

يقول مستوردون إن الزيادة في تكلفة هذه المنتجات زادت بنسبة 3.6 ضِعف خلال العام الأول للحرب. وتستهلك الصيدليات في منطقة موسكو وحدها نحو 45 ألف لفة من الورق المخصص لإصدار الفواتير يومياً. ووفقاً للمدير العام للشركة الروسية المصنعة لورق الفواتير فيتالي سيناتوف، والمدير العام لسلسلة صيدليات «ريغلا» ألكسندر فيليبوف، فإن النقص الحاد في هذه المنتجات الحيوية لعمل المتاجر والصيدليات حدث على خلفية توقف إمدادات المواد الخام، وارتفاع أسعار الصرف، وتعطل سلاسل التوريد. وفي وقت سابق، أبلغ أحد أكبر منتجي الورق في روسيا، وهو مصنع «أرخانغيلسك» عن نقصٍ حاد في المواد الكيماوية المستوردة. وانعكس ذلك حتى على قدرة شرطة السير من إصدار مخالفات خطية لسائقي السيارات.

عاملة توضب معاطف فرو معدة للتصدير إلى روسيا في محل للبيع بالجملة في ريتان الصينية (أ.ف.ب)

عودة «لادا» وسيارات «بلدان صديقة»

التحولات الكبرى في الحياة اليومية لملايين الروس، تظهر بوضوح عند أول جولة في شوارع العاصمة الروسية ومدن كثيرة أخرى. والروس الذين نافسوا في السابق أغلى مدن العالم في اقتناء السيارات الغربية الفاخرة، باتوا يواجهون صعوبات جدية في العثور على قطع غيار لسياراتهم، فضلاً عن غياب معظم ماركات السيارات الحديثة عن معارض البيع. طبعاً هنا أيضاً مثل كل القِطاعات الأخرى، وجد المستوردون طرقاً لإدخال بضائع عبر بلدان ثالثة. لكن المشكلة الكبرى في ارتفاع الاسعار وفقدان ميزات خدمات ما بعد البيع.

وهنا كان من الطبيعي أن تدخل الصين بقوة على الخط، لتعويض النقص الحاصل وإطلاق أوسع حملات لترويج بضاعتها، بالتزامن مع عودة ازدهار صناعة السيارات المحلية من طراز «لادا» التي نادراً ما كانت تتجول على الطرقات قبل سنوات قليلة إلا في الأرياف والمناطق البعيدة.

سيارات صينية ومن بلدان «صديقة» تجوب شوارع موسكو (الشرق الأوسط)

في مارس (آذار) الماضي وحده تم بيع 146.5 ألف سيارة جديدة في روسيا، وهذه النتيجة هي الأعلى شهرياً منذ مايو (أيار) 2021، عندما عادت مبيعات سيارات الركاب إلى مستويات ما قبل الأزمة.

تدل معطيات إلى أن الشركة الرائدة في السوق حالياً هي «لادا»، التي بلغت مبيعاتها في مارس 39.9 ألف وحدة (حصة 27.2 في المائة). بينما تجاوزت العلامتان التجاريتان الصينيتان «هافال» و«جيلي» نسبة 10 في المائة (16 ألفاً و15 ألف وحدة على التوالي). التالي في الترتيب هي «شيري»، و«تشانجان»، و«إكسيد»، و«أومودا»، ويغلق العشرة الأوائل بواسطة «ليكسيانج»، و«بلجي» و«جيتور». كلها ماركات تحمل أسماء يصعب نطقها أو معرفتها على كثير من الروس، وهي حلّت مكان الماركات التجارية الغربية الكبرى والمعروفة لديهم.

في مطلع أبريل (نيسان) أفاد تقرير بأن حصة مبيعات ماركات السيارات الصينية في روسيا في عام 2023 تجاوزت 50 في المائة. ووفقاً للمعطيات يتحول سكان المدن الكبرى بشكل متزايد إلى السيارات الكهربائية والهجينة الصينية. وتلك النسبة آخذة في التصاعد، وتقول بعض التقارير الروسية أن حصة الصين في سوق السيارات زادت فعلياً عن 60 في المائة خلال الربع الأول من العام، وفقا لأليكسي غريغورييف، رئيس شركة «روود».

وبحسب وكالة «أوتوستات» التحليلية، فقد عادت سوق السيارات إلى الانتعاش بعد تجاوز أزمة 2022. وفي عام 2023، تم بيع 1.06 مليون سيارة ركاب جديدة في روسيا، وهو ما يزيد بنسبة 69 في المائة على العام السابق. ومع ذلك، لا يزال الرقم متخلفاً عن حجم مبيعات 2021 البالغة 1.54 مليون سيارة جديدة. ووفقاً لغريغورييف، لا ينبغي للسوق أن تتوقع نتائج مذهلة في عام 2024.

لتوضيح وضع السوق حاليا يكفي القول إنه من الناحية الكمية، لن تحدث تغييرات كبرى على حجم المبيعات، كما يقول كونستانتين بولديريف، رئيس تطوير الأعمال في مؤسسة «أوتوتيكا» ولكن التغير الهيكلي يتعلق بالـ «مكون العمري».

لتوضيح هذه الفكرة يمكن القول إنه على مدى السنوات القليلة الماضية، كانت السوق مليئة بالسيارات المنتجة قبل عام 2014، لكن في عام 2024، ستتجاوز كل هذه السيارات عتبة السنوات العشر؛ ما يعني أن شراءها بحالة مقبولة سيكون صعباً، بعبارة ملطفة.

إلى جانب التعافي التدريجي لحجم المبيعات في سوق السيارات، ينمو حجم الإقراض وفقاً لذلك. في نهاية عام 2023، ارتفع عدد قروض السيارات الصادرة بنسبة 67 في المائة مقارنة بعام 2022، ومن الناحية النقدية تضاعفت السوق تقريباً مرتين وفقاً لتقارير «أوتوستات».

وتهيمن منتجات المراكب الصينية بقوة بعدما أصبحت الخيار الوحيد المتاح عملياً في قطاع السيارات الأجنبية في السوق المحلية. من بين الشركات الروسية في الصناعة التي لديها إمكاناتها الإنتاجية والهندسية الخاصة، لم يتبق سوى «أوتوفاز» التي تنتج سيارات «لادا»، كما يقول سيرغي تسيليكوف، مدير وكالة «أوتوستات» .

وهو يقرّ بأنه «ليس هناك أي معنى للأمل في ظهور شركات روسية محلية يمكنها إنتاج سيارات جديدة، فإن الجزء الأكبر من صناعة السيارات المحلية، باستثناء منتجات (أوتوفاز) سوف يتكون من الإصدارات الروسية من السيارات الصينية بدرجات متفاوتة من التوطين».

ويؤكد الخبير أنه في الظروف الحالية لا ينبغي الاعتماد على عودة العلامات التجارية الأجنبية المألوفة بالشكل السابق.

لا يتعلق «التصيين» بالسيارات الشخصية فحسب، بل يتعلق أيضاً بقطاع الشركات. وبحسب فاديم موراتشين، مدير المكتب التمثيلي في سان بطرسبرغ لشركة «كاركيد» للتأجير، فإن حصة سيارات الركاب الصينية في محفظة المنظمة ارتفعت من 15 في المائة في 2022 إلى ما يقرب من 45 في المائة في نهاية عام 2023.

وهو يضيف: «المهم هو أن مشغلي سيارات الأجرة وتقاسم السيارات قد استبدلوا أسطول سياراتهم بالكامل تقريباً، والذي كان يتكون سابقاً من علامات تجارية أوروبية أو كورية، بسيارات من صناعة السيارات الصينية، وإذا حاولت الآن استدعاء سيارة أجرة أو ركوب سيارة «خدمة المشاركة، لن ترى أبداً سيارة أوروبية أو كورية».

أما بالنسبة للنماذج المطروحة، فإن العلامات التجارية الصينية العاملة رسمياً في عام 2023 عرضت على الروس ما يقرب من 100 طراز جديد. وفقاً لـ«أوتوستات» فقد «تضاعف عدد مراكز وكلاء العلامات التجارية الصينية ثلاث مرات في السنوات الأخيرة»، مع انطلاق «العملية الخاصة» كان هناك نحو 700 مركز، والآن يوجد أكثر من 2000 مركز. لا يوجد شركة تجارية واحدة في روسيا ليس لديها منتج صيني في محفظة معروضاتها.

إيران تدخل على الخط

لكن المثير حقاً، أنه مع انتشار السيارات الصينية وهيمنتها الكبرى، بدأت تظهر حالياً «سيارات صديقة» أخرى، خصوصاً من إيران.

ظهرت سيارات من طراز «إيران خودرو تارا» في وكالات البيع الروسية، وأبرزها شبكة «رولف» الواسعة الانتشار.

في الأسبوع الماضي، أعلنت إدارة «رولف» عن بدء مبيعات سيارات «تارا» التي تعد حالياً الأرخص سعراً في سوق السيارات في روسيا، بعد «لادا غرانتا» التي يتم إنتاجها بمواصفات «شعبية للغاية». يبلغ سعر «تارا» 1.529 مليون روبل (16 ألف دولار). للمقارنة، فإن سيارة «بايك يو فايف بلوس» الصينية التي يتم تجميعها في مصنع «أفتو تور» في كالينينغراد، تقدر قيمتها بـ1.7 مليون روبل.

يقول أوليغ موسيف، رئيس منصة «أوتوماركت» إن السيارات القادمة من إيران ستكون مطلوبة على أي حال.

ووفقاً له، فإنه «في روسيا، هناك حاجة إلى ناقلات بسيطة يقلّ سعرها عن مليونين، وهناك طلب عليها، ولكن النجاح سيعتمد على تنظيم الخدمة، والوفاء بالتزامات الضمان وتوريد قطع الغيار. وهذا هو بالضبط ما فشلت الشركات التي حاولت نقل السيارات من إيران في السنوات السابقة في مواجهته.

ويعتمد نجاح السيارات القادمة من إيران، من بين أمور أخرى، على تكلفة سيارة «لادا فيستا» الحديثة التي لم يتم الإعلان عنها بعد. كونها قد تكون منافساً جيداً وفقاً للخبراء، رغم أنها لا تمتلك مواصفات فنية تناهز السيارة الإيرانية؛ كونها ما زالت تعتمد على علبة السرعة العادية ولم تضف ميزة ناقل أوتوماتيكي للحركة إلى منتجاتها.

محل لبيع تذكارات سياحية تحتفي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وشعارات سوفياتية في موسكو (غيتي)

سينما «قومية» تتحدى هوليوود

لم تنعكس التغييرات التي طرأت على حياة الروس خلال عامين ونيف، في المتاجر وطرُز السيارات التي تتجول في الطرق فحسب. ومع اتخاذ المواجهة الكبرى التي تخوضها روسيا أبعاداً ثقافية وحياتية في شتى المجالات، برز عنصر مواجهة الدعاية الغربية بكل أشكالها بقوة. والمجال الفني – الثقافي لا يشكل استثناءً في هذا السياق. بل غدا جزءاً أساسياً من الثقافة الجديدة لروسيا المعاصرة. كان من الطبيعي أن تغيب منتجات هوليوود عن الشاشات الروسية. وشركات الإنتاج العالمية الكبرى وخصوصاً الغربية منها غادرت السوق الروسية مثلما غادرتها القطاعات الغربية الأخرى.

صبّ هذا التوجه في صالح «الدعاية الوطنية» الموجهة التي تعمل على هدم تأثيرات الثقافة الغربية على المجتمع الروسي.

صالات السينما تعرض أفلاماً روسية وصينية عوضاً عن الأفلام الغربية وسينما هوليوود (الشرق الأوسط)

لم تكد تمر أسابيع بعد اندلاع الحرب، حتى بدأت تظهر تأثيرات التحولات الكبرى في هذا المجال. غابت الأفلام السينمائية الغربية عن أفيشات دور العرض في روسيا، كما غابت حتى عن المنصات الرقمية. يكفي كمثال أن شبكة «إيفي تي في» الأوسع انتشاراً وتأثيراً في روسيا لم تعد تعرض على مشتركيها أي إنتاج سينمائي غربي حديث، ومن بين مئات الأفلام المعروضة على منصتها لا يتجاوز عدد الأفلام الغربية في أبريل أكثر من أربعة أو خمسة أفلام، تميزت بأن منتجيها واصلوا العمل مع الروس.

رمى هذا التطور بثقل واسع على دور العرض الروسية التي أغلقت نصفها تقريباً أبوابها في السنة الأولى للحرب بسبب غياب عروض الأفلام الحديثة؛ ما أدى إلى نقص الإيرادات بشكل حاد.

لكن هذه واحدة فقط من المشكلات التي واجهت هذا القطاع. ومع الطفرة الكبرى في الإنتاج الروسي لتعويض النقص في الأسواق، فقد برزت مشكلتان كبيرتان للغاية.

أولهما أن مضمون الإنتاج السينمائي الروسي الحديث ركز على الحرب ومجرياتها، بشكل تحريضي مباشر، ما أفقده كثيراً من ميزاته الفنية وجودته، وحمله أعباء الانخراط في «الحرب الشاملة».

والمشكلة الثانية برزت مع اتضاح مستوى النقص في الكوادر الفنية بسبب هجرة الكثير من المحترفين، وزيادة معدلات التشغيل على من بقي منهم بشكل كبير.

ورأى المخرج المسرحي ديمتري سكوتنيكوف أنه «لا يوجد عدد كافٍ من المخرجين والمصورين، والمتخصصين الفنيين ذوي الخبرة». وأضاف: «قبل عامين، كان المرجع الرئيسي لدور السينما، كقاعدة عامة، يتألف من منتجات هوليوود، والتي، بدورها، أثرت إيجاباً على تطوير السينما المحلية (...) الآن تغير كل شيء كثيراً. اختفت الأفلام الغربية عملياً، وتحاول السينما الروسية استبدال كل هذا بطريقة أو بأخرى في كل مكان وفي وقت واحد. بطبيعة الحال، هذا أمر صعب؛ لأن الحجم والتركيز تغيرا بشكل حاد للغاية».

هنا، ومثل كل القطاعات الأخرى تقريباً، برز البديل الجاهز للهيمنة على السوق عبر الحليف الأقرب والصديق اللدود (الصين).

وفقاً للقائمة بأعمال مدير شركة «روس كينو» العملاقة إيكاترينا نوموفا، فإن السينما الصينية ستكون قادرة على سد العجز الذي نشأ في سوق السينما الروسية بعد رحيل شركات السينما الغربية. علاوة على ذلك، قالت إن «المشاهدين الروس لديهم موقف إيجابي تجاه المشاريع الصينية».

دافعت نوموفا عن هذا التوجه عبر تأكيد أن «جودة السينما الصينية نمت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة وأصبحت أكثر جاذبية».

ووفقاً لها، بدأت العديد من البلدان على رأسها الصين وبلدان أفريقية ومن مناطق أخرى في عرض محتواها على منصات الإنترنت ودور السينما الروسية. وأشارت نوموفا إلى أن «المشاهد يقبل بسرور على هذه المنتجات».


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز) p-circle

مسيَّرات أوكرانية تهاجم مصنعاً روسياً لوقود الصواريخ

كشف مسؤول ​في جهاز الأمن الأوكراني، اليوم السبت، عن أن طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت ‌مصنعاً لإنتاج مكونات ‌وقود ‌الصواريخ ⁠في ​منطقة ‌تفير غرب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)
الاقتصاد صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)

ترمب يلغي رسوماً جمركية فرضها على الهند بسبب النفط الروسي

قال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقع أمراً تنفيذياً يلغي الرسوم العقابية البالغة 25 % التي ​فرضها على الواردات من الهند بسبب شرائها النفط الروسي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا موظف في شركة طاقة يتفقد محولاً كهربائياً بعد أن ألحقت غارات جوية روسية بطائرات مسيرة وصواريخ أضراراً بالغة بالبنية التحتية المدنية الحيوية في كييف (رويترز)

هجوم روسي كبير على شبكة الطاقة الأوكرانية... وواشنطن تريد إنهاء الحرب قبل الصيف

أعلنت شركة تشغيل شبكة الكهرباء الأوكرانية، اليوم (السبت)، أن القوات الروسية شنّت «هجوماً واسع النطاق» على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)

اتهام روسي لأوكرانيا بمحاولة اغتيال ضابط كبير في موسكو

تعرّض ضابط عسكري روسي رفيع المستوى لإطلاق نار في مبنى سكني بموسكو، أمس (الجمعة)، نُقل على أثره إلى المستشفى، بينما اتَّهمت السلطات أوكرانيا بتدبير محاولة

رائد جبر (موسكو)

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.