بوتين يأمر بتعزيز الإنتاج الحربي ويلوح مجدداً بـ«السلاح الاستراتيجي»

قال إن القوات النووية في حالة تأهب «دائمة» وحذّر من خطر اندلاع صراع عالمي

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الساحة الحمراء (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الساحة الحمراء (رويترز)
TT

بوتين يأمر بتعزيز الإنتاج الحربي ويلوح مجدداً بـ«السلاح الاستراتيجي»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الساحة الحمراء (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الساحة الحمراء (رويترز)

في خطابه بمناسبة احتفالات روسيا بعيد النصر على النازية هذا العام، وجه فلاديمير بوتين الذي تم تنصيبه هذا الأسبوع رئيساً لروسيا لفترة ثالثة، معظم حديثه إلى الغرب، مجدداً التلويح بقدرات بلاده العسكرية واستعدادها لمواجهة أي تهديدات غربية، بما في ذلك على صعيد استخدام الأسلحة الاستراتيجية الفتاكة، ومحذراً (الخميس) من أن قوات بلاده النووية في حالة تأهب «دائمة».

وفي خطاب ألقاه (الخميس) في الساحة الحمراء أمام آلاف الجنود الذين ارتدوا بزّات عسكرية مخصصة للمراسم، أشاد بوتين بجيشه الذي قاتل في أوكرانيا واتّهم «النخب في الغرب» بإثارة النزاعات حول العالم.

صاروخ باليستي روسي خلال عرض عسكري في الساحة الحمراء بموسكو (أ.ف.ب)

واتهم بوتين الغرب بالعمل على تشويه حقيقة الحرب العالمية الثانية. وتغيير الحقائق لتصغير دور الاتحاد السوفياتي فيها. وزاد: «في السنوات الثلاث الأولى من الحرب قاتل الاتحاد السوفياتي النازية بمفرده، فيما عملت أوروبا برمّتها على دعم هتلر». ورأى أن «الانتقام والاستهزاء بالتاريخ وتبرير النازية جزء من السياسة العامة للنخب الغربية».

وزاد أن الغرب «يواصل إثارة النزاعات والنعرات القومية حول العالم، ويسعى لتقييد مراكز التنمية السيادية». وقال إن «روسيا ترفض ادعاءات أي دولة أو تحالفات باستثنائيتها ولن تقبل تهديدها»، ملوحاً بأن «قواتنا الاستراتيجية على أهبة الاستعداد الدائم لمواجهة أي تهديدات أو تحديات». مع هذا التلويح، زاد بوتين أن بلاده «ستبذل قصارى جهدها لمنع حدوث صدام عالمي رغم سياسات النخب الغربية».

وفي شأن الحرب الأوكرانية قال الرئيس الروسي إن «جميع المشاركين في العملية العسكرية في أوكرانيا هم أبطالنا، وتقف معهم روسيا بأكملها. مصير البلاد ومستقبلها يعتمد على كل واحد منا في هذه المرحلة المفصلية». وأعرب مجددا عن ثقته بقدرة بلاده على إحراز نصر جديد، ورأى أن «شجاعة وبطولة العسكريين الروس تعد عنصراً رئيسياً لضمان النصر».

لم تشهد احتفالات روسيا بعيد النصر على النازية هذا العام، تغييرات كثيرة على وقع الحرب في أوكرانيا والمواجهة المتفاقمة مع الغرب. وأجواء الاحتفال بالعيد الأهم في البلاد والذي يكاد يكون المناسبة الأبرز التي تجمع عليها كل فئات المجتمع الروسي حافظت على التقاليد التي ترسخت لسنوات طويلة، خصوصاً لجهة تنظيم العرض العسكري الكبير في الساحة الحمراء، والعروض الصغيرة المماثلة في عشرات المدن الروسية. فضلاً عن مشاهد الاحتفالات الشعبية والرسمية الأخرى التي تعم البلاد في العادة.

لكن هذا لا يعني أن الحرب المشتعلة على الجبهات على بعد مئات الكيلومترات من الكرملين، لم ترم بثقلها للعام الثالث على التوالي على المناسبة. في العامين الأول والثاني كان الكرملين يبحث عن اختراق كبير أو نصر ملموس ليعلنه الرئيس فلاديمير بوتين أمام مواطنيه في هذا اليوم.

بوتين يتوجه لأداء اليمين في قصر الكرملين الكبير الثلاثاء بحفل التنصيب (أ.ب)

لكن في هذا العام سيطر أكثر الحديث عن المواجهة الكبرى مع الغرب وعن «التحديات الماثلة أمام روسيا»، وانعكس هذا المزاج على خطاب بوتين الذي كان موجهاً بالدرجة الأولى إلى الغرب. أيضاً كان للعسكريين المشاركين في الحرب الأوكرانية دور مهم في العرض العسكري الذي كان يقتصر في السابق على أفواج المحاربين القدامى، وقطعات الجيش المختلفة. في هذا العام تم إيلاء اهتمام خاص لـ«المحاربين على الجبهة» الذين حصل المشاركون منهم في العرض العسكري على أوسمة وميداليات.

رغم ذلك، ومع الحرص على إظهار أن روسيا تطور قدراتها وإمكاناتها العسكرية وتتحدى أي تهديدات خارجية، جاء العرض العسكري في الساحة الحمراء «متواضعاً» هذا العام بالمقارنة مع السنوات الماضية.

شارك في العرض نحو 9 آلاف عسكري من القطعات المختلفة، وهو أقل رقم للمشاركين في عروض مماثلة منذ سنوات طويلة. أيضاً تم استعراض نحو 70 قطعة من الآليات والمعدات والأنظمة الصاروخية، في مقابل حضور أكثر من 200 آلية ونظام صاروخي ومعدات مختلفة في عروض سابقة. ولم تقدم روسيا جديداً في العام الحالي على صعيد التقنيات الحربية، في مقابل أن السنوات الماضية شهدت عرض «عضلات» قوياً لتقنيات متفوقة ومحدثة.

بوتين مع الرئيس الكوبي في ذكرى النصر على النازية (إ.ب.أ)

لكن هذا الغياب تم تعويضه باستعراض نفذته طائرات حربية من طرازات مختلفة، بينها قاذفات استراتيجية ومقاتلات رسمت في سماء الساحة الحمراء ألوان العلم الروسي.

الحضور الأجنبي أيضاً كان متواضعاً. ومع غياب ممثلي كل «البلدان المعادية» للعام الثالث على التوالي، فقد حضر إلى جانب بوتين زعماء بيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان وكوبا ولاوس وجمهورية غينيا بيساو.

وشارك الرؤساء الحاضرون بعد المناسبة، في وضع أكاليل الزهور عند ضريح الجندي المجهول قرب سور الكرملين، لكنهم لم يجلسوا خلال العرض إلى جانب الرئيس الروسي الذي فضل أن يحيط نفسه بعدد من قدامى المحاربين.

وطلب بوتين من الحاضرين في بداية العرض الوقوف دقيقة صمت لإحياء ذكرى ضحايا «الحرب الوطنية العظمى»، وهي التسمية الروسية للحرب العالمية الثانية، وكذلك ضحايا روسيا في الحرب الأوكرانية.

وهذا الدمج بين الحدثين بدا متعمداً. وتم التركيز عليه كثيراً في حديث بوتين نفسه، وفي تعليقات كل المسؤولين الروس، وذلك على اعتبار أن روسيا «تواجه حالياً أحفاد النازيين»، وأن معركتها الحالية امتداد لحربها على النازية في الماضي.

بعد الاحتفال عقد بوتين اجتماعاً مع القيادات العسكرية، تركز النقاش خلاله حول آليات ضمان تطوير الجهد العسكري، وتوسيع عمليات الإنتاج الحربي لسد حاجة الجيش على الجبهات.

وقال بوتين خلال الاجتماع إن «عدو روسيا لديه وسائل حديثة للقتال، والمجتمع الغربي بأكمله يعمل لصالحه، وهم يحلمون بأن الاتحاد الروسي بشكله الحالي سوف ينتهي»، موجهاً لتعزيز دعم الجبهات ومواصلة زخم العمليات الهجومية.

احتفالات الساحة الحمراء (رويترز)

وأقر بوتين خلال الاجتماع بوجود «مشكلات صعبة»، وقال إنه «على علم بمشكلة الطائرات من دون طيار المعادية التي تحلق مثل الذباب فوق رؤوسنا، في المنطقة العسكرية الشمالية الغربية»، متعهداً بأن تواصل القيادة العسكرية العمل لإنهاء هذه المشكلة. وزاد: «أنا متأكد من أنه ستكون لدينا نتائج على هذا الصعيد». وزاد بوتين أن «المصممين والمهندسين في الاتحاد الروسي يعملون ليل نهار للبقاء في الصدارة والمحافظة على التفوق على العدو في مجال التكنولوجيا العسكرية (...) نحن نحقق نجاحات». وخاطب القادة العسكريين الحاضرين بعبارة: «علينا أن نحافظ على تقدمنا، وأن نكون دائماً متقدمين بخطوة عن الأعداء».


مقالات ذات صلة

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

أوروبا أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب) p-circle

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

موسكو ترحب بتعليق الرسوم الجمركية الجديدة المرتبطة بالحرب على أوكرانيا، ووصفت هذه الخطوة بأنها «لحظة مهمة وتاريخية بحق».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) p-circle

إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

الخلاف بين ترمب وزيلينسكي يهدد الدعم الحيوي لكييف... المحلل كليمنس فيشر: أوكرانيا تمر بـ«أحلك لحظاتها» في الحرب بعد وقف الدعم الأمريكي

«الشرق الأوسط» (واشنطن - برلين - كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: أميركا سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا

رأى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (السبت)، أن الولايات المتحدة سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا، غداة تعليق الرئيس دونالد ترمب العمل ببعضها.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وسط أزمة مع كييف... ترمب يعلّق عقوبات تستهدف عائدات النفط الروسي

أعفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب روسيا الجمعة من عقوبات أقرها الكونغرس مؤخراً، وتستهدف عائداتها النفطية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)

ترمب يوقّع أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من عقوبات أقرّها «الكونغرس»

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، أمرا تنفيذيا أعفى بموجبه روسيا من عقوبات أميركية ورسوم جمركية تستهدف عائدات الطاقة الروسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
TT

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)

أعلنت رومانيا السبت إسقاط طائرتين مسيّرتين فوق البحر الأسود، وسط تصاعد هجمات المسيّرات على سفن في المنطقة في إطار تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وقال وزير الدفاع الروماني رادو ميروتا في منشور عبر «فيسبوك»: «استهدف طيارون في الجيش الروماني طائرتين مسيّرتين وأسقطوهما قبل دقائق فوق البحر الأسود، بعد لحظات من دخولهما أراضينا بشكل غير قانوني»، من دون تحديد نوع المسيّرتين.

وكتب ميروتا: «دخلت المسيّرة الأولى المجال الجوي الروماني في تمام الساعة 17:59 بالتوقيت المحلي (14:59 بتوقيت غرينيتش)، وأُسقطت في أقل من دقيقتين، على بُعد 25 كيلومتراً جنوب شرق مدينة سولينا الساحلية على البحر الأسود».

وأضاف أن «المسيّرة الثانية كانت في المنطقة نفسها، واستُهدفت وأُسقطت في الساعة 18:05 بالتوقيت المحلي (15:05 بتوقيت غرينيتش)، بعد خمس دقائق من دخولها المجال الجوي الروماني، على بُعد 20 كيلومتراً شرق سولينا».

وأوضحت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلات من طراز «إف-16» تابعة لسلاح الجو الروماني أسقطت طائرتين مسيّرتين بعد أن رصدت أنظمة الرادار مجموعة من الأهداف الجوية تتحرك على بعد نحو 120 كيلومتراً شرق جزيرة سيربنت، متجهة نحو الجنوب الغربي.

وسبق لـ«حلف شمال الأطلسي» أن أسقط أربع طائرات مسيّرة في المجال الجوي الروماني هذا العام.


بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
TT

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية ترحيل روماني حُكم عليه في يونيو (حزيران) الماضي بالسجن عامين في لندن بتهمة إضرام النار في ممتلكات على صلة برئيس الوزراء السابق كير ستارمر.

وأدين ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني من أصل أوكراني، ورومان لافرينوفيتش، وهو أوكراني، بتورطهما في هجمات استهدفت ممتلكات مرتبطة بكير ستارمر يوم كان رئيساً للوزراء في مايو (أيار) 2025.

حُكم على كاربيوك بالسجن عامين وعلى لافرينوفيتش بالسجن 7 سنوات.

وقال عدد من وسائل الإعلام البريطانية إن لروسيا صلة بالحرائق، رغم أن القاضي الذي تولى القضية لم يشر إلى ذلك في حكمه الصادر في يونيو.

عناصر من الشرطة البريطانية (أرشيفية - رويترز)

وقال ناطق باسم وزارة الداخلية، السبت: «رُحّل هذا الشخص من المملكة المتحدة»، في إشارة إلى كاربيوك، من دون تحديد الدولة التي رحل اليها.

وأضاف: «كان هجوماً مشيناً. إن إدانة هذين الرجلين وسجنهما ينبغي أن يكون رسالة واضحة إلى كل من قد يُخدع بوعود المال من مجهولين».

وتوصلت المحكمة إلى أن رومان لافرينوفيتش وستانيسلاف كاربيوك تصرفا بناءً على أوامر من شخص يتحدث الروسية على تطبيق «تلغرام».

كما خلصت إلى أن كاربيوك لم يكن متورطاً «بشكل مباشر» في عمليات إحراق الممتلكات، بل اقتصر دوره على «تكليفه محاولة استرداد الأموال المعروضة مقابل ارتكاب هذه الجرائم».


المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
TT

المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)

لم ينفع قرار وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس بمنع التظاهر والتجمع في محيط المقرات الحكومية الرئيسية مثل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد وجادة الشانزيليزيه وغيرها من المناطق «الحساسة»؛ ذلك أن المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى جادة الشانزليزيه، حيث استبق الكثير من المحلات وصولهم من خلال تحصين واجهاتها الزجاجية فيما أغلق بعضها أبوابه مخافة أعمال السلب والنهب والتكسير والحرائق.

وسبق لوزارة الداخلية والقوى الأمنية أن استبقت «يوم التعبئة» الذي جاء ليتوج حراك تلامذة التعليم الثانوي احتجاجاً على الظروف التعليمية الذي انطلق منذ نحو الشهر، وشهد خمس محطات تعبئة. والجديد فيما حصل السبت أن التداخل بين الحراك الطلابي والاحتجاجات التي عمت غالبية المدن الفرنسية على غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية خصوصاً للطبقات الدنيا والارتفاع غير المسبوق لأسعار المشتقات النفطية، ما أرجع «السترات الصفراء» إلى الشوارع والمستديرات وإلى جوار محطات البنزين والديزل وخلافها.

اللافت أن الحكومة استبقت يوم التعبئة بالتحذير من اللجوء إلى العنف، وبإبراز رغبتها في التشدد في معاملة المخلين بالأمن، وهو ما شدد عليه وزير الداخلية لوران نونيز الذي أباح العودة إلى استخدام القنابل الصوتية والوسائل الأخرى لتفريق المتظاهرين.

متظاهرون تسلقوا التمثال الذي يتوسط ساحة الجمهورية في باريس وشعارهم «الناس في حالة غضب» (رويترز)

من جانبه، دعا جيرالد درامانان، وزير العدل، المدعين العامين في البلاد إلى التشدد قضائياً مع الأشخاص الذين يتم توقيفهم. وفي المحصلة، فإن مجموعات اليسار المتشدد المسماة «بلاك بلوكز» نجحت مرة أخرى في حرف المظاهرات عن أهدافها الحقيقية وتحويل العديد منها إلى ساحات كر وفر بينها وبين القوى الأمنية من شرطة ودرك وفرق مكافحة الشغب. والجمعة، دعا أركان الدولة، بدءاً برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى التظاهر السلمي والتحذير من استغلال الحراك لأهداف سياسية.

وفيما اليسار الفرنسي يؤيد الحراك والمطالب الاجتماعية والطلابية، فإن اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يركز على ضرورة المحافظة على الأمن والتنديد بالمحتجين وبأعمال العنف. وبعكس ما حصل في باريس ومرسيليا وليون واستراسبورغ، وهي المدن الأربع الكبرى في فرنسا، «إضافة إلى مدن رين وتولوز وأنجيه» التي شهدت أعمال عنف ذكّرت بما عرفته البلاد عامي 2018 و2019 بمناسبة احتجاجات «السترات الصفراء»، فإن «مسيرات سلمية» حصلت في مدن عديدة مثل بريست وروان وبايون وكان ومونبيليه.

إلا أن الأنظار تركزت على «عنف المدن» الذي تجلى بإشعال الحرائق وتحطيم العديد من الواجهات والدخول في معارك كر وفر مع القوى الأمنية التي عمدت، بالمقابل، إلى إلقاء القبض على المئات من المحتجين والمشاغبين ومواجهتهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه واستدعاء فرق مكافحة الشغب المؤللة. وقالت وزارة الداخلية إن محتجين حاولوا في مرسيليا اقتحام مركز للشرطة ونهبوا متاجر وحطموا واجهات.

وألقت شرطة باريس القبض على نحو 100 شخص لحيازتهم أسلحة ومواد أخرى محظورة. ودخل متظاهرون إلى مقر بلدية مرسيليا الواقعة في الجزء التاريخي من المدينة، ما حمل عمدتها، بونوا بايان، على طلب تعزيز حضور الشرطة لحماية البلدية.

كذلك هاجم متظاهرون فرعاً للشرطة في المدينة وحطموا بعض موجوداته. وبسبب التجاوزات، عمدت مديرية الشرطة في العاصمة إلى استدعاء «الفرقة رقم 8» المتخصصة في مكافحة الشغب لوسط المدينة المسمى «لي هال»، ما يعكس صعوبة سيطرة السلطات على الحركة الاحتجاجية التي شهدت نزول «السترات الصفراء» إلى بعض الأماكن.

أما في ليون، فقد هاجم محتجون المكتب السياحي للمدينة ونجحوا في اجتياحه وإحراقه ومنع رجال الإطفاء من الوصول إليه.

وفي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمسيرتين بعيدتين عن المراكز «الاستراتيجية» في العاصمة وتحويلهما باتجاه المناطق الشعبية القائمة شمال العاصمة. إلا أن هذه الخطة لم يتم العمل بها. وفي أكثر من حي باريسي حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات.

وأفادت الشرطة بالقبض على 163 شخصاً في العاصمة وحدها. وأدان عمدة باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، «أعمال التخريب والتكسير» التي شهدتها العاصمة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المتظاهرين «كانت ترغب في التظاهر في أجواء هادئة وسلمية».

في باريس حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات (أ.ب)

وعمد محتجون إلى تحطيم واجهة محل كبير «مونوبري» ومطعم للوجبات السريعة «ماكدونالدز» في شارع سيباستوبول، شمال العاصمة وسرقة محتوياته، لكن المظاهرات في باريس في أحياء أخرى كانت هادئة وسلمية. واعتبر غريغوار أن أعمال التكسير تصرف الانتباه عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، الذين نزلوا إلى الشوارع إلى جانب طلاب الجامعات وأصحاب السترات الصفراء ومختلف النشطاء، كما تسيء إلى صورة تحركهم الاحتجاجي.

وبالمقابل، رأى أنه «لا يتعين أن يكون أي تحرك احتجاجي ذريعة لارتكاب أعمال عنف ضد المتظاهرين». وكذلك، نددت وزارة الداخلية بـ«التحشيد القوي» من جانب اليسار المتطرف، وبالمساعي الهادفة لإثارة الاضطرابات، وبالهجمات العنيفة التي قامت بها جماعات من الملثمين، وبالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون وإضرام الحرائق ومحاولات النهب والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وتحدثت عن «أعمال خطيرة للغاية» لا سيما في مرسيليا وليون. وفي مدينة أفينيون، تم اقتحام ساحة مقر محافظة «فوكلوز»، بينما شهدت مدينة غرونوبل «أعمال تخريب طالت مبنى البلدية. كذلك، تعرضت محال تجارية للتخريب في مدن بو ومونبلييه وتولوز وفالانس.

كما في كل مناسبة، تتضارب الأرقام وتميل النقابات والجهات الداعية لها لتضخيمها، فيما تميل الجهات الرسمية لتخفيض أعداها. وقالت «نقابة كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، إن نصف مليون شخص شاكوا في المظاهرات التي عمت غالبية المدن الفرنسية.