الكلفة الباهظة لجمال يوسف

قمصانه الثلاثة هي مرايا روحه المتلألئة في قاع البئر

قمصان يوسف الثلاثة هي مرايا روحه المتلألئة في قاع البئر (أدوبي ستوك)
قمصان يوسف الثلاثة هي مرايا روحه المتلألئة في قاع البئر (أدوبي ستوك)
TT

الكلفة الباهظة لجمال يوسف

قمصان يوسف الثلاثة هي مرايا روحه المتلألئة في قاع البئر (أدوبي ستوك)
قمصان يوسف الثلاثة هي مرايا روحه المتلألئة في قاع البئر (أدوبي ستوك)

تحتل العلاقة بين الرجل والمرأة حيزاً غير قليل من سور القرآن الكريم وآياته. ومع أن القرآن قد حث على التكامل الروحي والجسدي بين الطرفين، إلا أن اهتمامه الأساسي ظل منصبّاً على التشريعات والمبادئ الحقوقية والأخلاقية التي تكفل لمؤسسة الزواج قابليتها للنجاح والاستمرار. وهو ما عكسته بشكل جلي الآية القرآنية: «ومن آياته أن خلقكم لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمة». واللافت أن مفردة الحب رغم ورودها المتكرر في القرآن الكريم، لا ترد إلا في سياق تعلّق البشر بالمال والسلطة والنفوذ والملذات، أو في سياق الدعوة إلى المودة والرحمة، في حين أن معناها المتصل بالشغف والاشتهاء، يكاد يقتصر على ما ورد في سورة يوسف: «وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً إنا لنراها في ضلال مبين».

على أن أية قراءة متأنية لهذه التجربة الفريدة لا يمكن أن تتم على السطوح الظاهرة للوقائع، بل عبر التعقب العميق لمسار الأحداث، وفك شفرات الرموز المفتاحية التي تمكّن الدارس المتأمل من الوقوف على تجليات الجمال اليوسفي، وهو يخوض أقسى امتحاناته، ويتحول إلى مسرح للصراع الضاري بين المقدس والمدنس، بين الظلام والنور، كما بين العمى والإبصار.

والملاحظ أن الرموز المفتاحية لقصة يوسف تتوزع بين الأحلام والقمصان، حيث مثلت الأولى الجانب الاستشرافي من شخصيته، بينما بدت الثانية ترجمة مرئية لجمال يوسف ولمكابداته. وقد كان الحلم الأول الذي رآه يوسف في حقبة صباه المبكر، والذي سرده على أبيه بالقول: «يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين»، بمثابة الحدث الأساس الذي وضع يوسف أمام تحديات حياته اللاحقة، خصوصاً أن المعنيِّين بهذا الحلم، وفق المفسرين، هم إخوته الأحد عشر، فضلاً عن أمه وأبيه. أما الحلمان الثاني والثالث، العائدان إلى رفيقه في السجن، وإلى فرعون بالذات، فهما اللذان وفرا ليوسف ما يستحقه من أسباب الرفعة والنجاح، بعد أن أظهرا قدرته الفائقة على الإمساك بناصية الغيب وقراءة إشاراته الملغزة.

وفي لعبة الرموز تلك، بدت قمصان يوسف الثلاثة وكأنها تعكس مسار حياته الصعبة والموزعة بين العثرات والنجاحات؛ فالقميص الملون الذي خص به يعقوب ولده الأثير لأنه «ابن شيخوخته»، وفق «سفر التكوين»، بدا نعمة الابن ونقمته في آن. وإذا صح أن ذلك القميص هو نفسه الذي كان يعقوب قد أعطاه لراحيل أثناء زواجه منها، فإن الأمر لا بد من أن يرفع منسوب الغيظ والحسد عند الإخوة الباقين الذين يرون في ذلك استئثاراً من الفتى المدلل بالأم الغائبة، مع كل ما يعنيه ذلك من استصغار لهم في عيني الأب. وفي حين أن الإخوة الأحد عشر لم يغفروا لأبيهم هذا التمييز في المعاملة، فهم لم يغفروا ليوسف في الوقت ذاته، حسنه الفريد ولا حلمه النبوئي الذي رأوا فيه نبرة «استعلائية» واضحة؛ ولذلك فقد خلصوا بعد نقاش طويل إلى رمي أخيهم في البئر بدلاً من قتله، على أساس أن مصيره القاتم سيكون واحداً في الحالين.

وفي كتابه «عرائس المجالس» يتوقف النيسابوري الثعلبي طويلاً عند تفاصيل ما حدث بين يوسف وإخوته عند رميهم إياه في البئر، ضاربين بمناشداته وتوسلاته عُرض الحائط، فيكتب قائلاً إنهم «جعلوا يُدلّونه في البئر فيتعلق بشفيره، ثم ربطوا يديه إلى عنقه ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، ردّوا عليّ قميصي أستر به عورتي، ويكون لي كفناً بعد مماتي، وأطلِقوا يديَّ أطرد بهما هوام الجب، فقالوا له: ادعُ الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً تُلبسك وتؤنسك، ثم دلّوه إلى البئر بحبل، فلما بلغ نصفها قطعوا الحبل لكي يسقط ويموت».

ويرى الباحث العراقي ناجح المعموري في كتابه «تأويل النص التوراتي: قميص يوسف»، أن يعقوب أراد من خلال إلباس القميص الملون ليوسف، استحضار صورة راحيل الغائبة التي توفيت باكراً، بقدر ما كان ذلك بالنسبة له، وهو الرجل الكهل، حنيناً إلى زمن صباه الوردي. كما يذهب المعموري بعيداً في التأويل، فيقيم تماهياً من نوع ما بين القميص المشرب بالحمرة الذي أهداه الأب ليوسف، وبين الملامح الأنثوية في شخصية الابن، الذي رأى فيه يعقوب تعويضاً رمزياً عن خلو بيته المكتظ بالذكور من «الوجود النسلي الأنثوي».

لم يكن القميص بهذا المعنى مجرد حلية خارجية لتزيين الجسد، بل هو الجسد نفسه متماهياً مع ألق الروح. وليس رمي يوسف في البئر بعد صبغ قميصه بدم كاذب، واتهام الذئب بقتله، سوى جزء من الضريبة الباهظة التي كان لا بد له من دفعها، لكي يأخذ جماله الاستثنائي طريقه إلى التشكل. وقد يكون النزول إلى البئر في جانبه التأويلي، نوعاً من عودة يوسف إلى رحم راحيل المتحد برحم الأرض، تمهيداً لولادته الثانية، أو تماهياً مع ذهب الأرض ونباتاتها وكنوزها التي تلمع في أحشاء الظلام، قبل أن تنعقد ثمارها في الضوء الساطع.

الإنسان لا يكون جميلاً بالولادة، بل يصبح جميلاً بالتجربة والدأب وصقل الذات

ولم يطل الأمر كثيراً حتى كان يوسف يخوض في مصر، وفي منزل سيده الذي اشتراه، امتحانه الآخر القاسي. وإذا كان الشاب الممتلئ حيوية ونضارة قد أوشك على التخلي عن آخر دفاعاته، أمام الإغواء الشهواني لامرأة العزيز، فقد جهد السماوي فيه بكل ما يملكه من تعفف، في إبعاد نزوة الترابي قليلاً إلى الوراء. أما البرهان الإلهي الذي مد للشاب الوسيم حبل النجاة، والمتمثل بالآية: «ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه»، فما كان ليحدث لو لم يبذل الأخير أقصى ما يستطيعه للدفاع عن جماله. وإذا كان المفسرون قد ذهبوا بمعظمهم إلى تأويل القسم الأول من الآية بأنه التهيؤ للمواقعة الجسدية، فإنهم وقفوا حائرين إزاء طبيعة ذلك البرهان الذي أبقته الآية في دائرة الإبهام واللبس. وقد رأى ابن عباس أن يوسف رأى تمثال صورة أبيه عاضاً على إصبعه، وقائلاً يا يوسف: «أتزني فتكون كالطير ذهب ريشه؟». ثم قيل: «فضرب صدره حتى خرجت شهوته من أنامله».

وحيث كان يوسف يحتاج إلى برهان آخر محسوس لإثبات براءته، فقد أدى قميصه الثاني هذه المهمة وفق السردية القرآنية، مثبتاً بتمزّقه من الخلف أن امرأة العزيز هي التي تسببت بتمزيقه أثناء فراره منها، بينما لا تشير السردية التوراتية إلى تمزق القميص، بل تكتفي بالقول إن امرأة سيده فوطيفار «أمسكت بثوبه قائلة اضطجع معي، فترك ثوبه في يدها وهرب». ولعل طلب زليخة من يوسف الدخول المفاجئ على النسوة المجتمعات لتحضير الطعام، وقيام الأخيرات بتقطيع أيديهن انبهاراً بجماله، هو الدلالة الأبلغ على أن الضريبة العالية للجمال يتشارك في دفعها الفاتنون والمفتونون، بقدر ما يُظهر أن الجمال المتصلة رمزيته باللون الأحمر لقميص يوسف الأول، يمكن أن يكون من ناحية أخرى، خصوصاً في جانبه غير الممتلَك، سبباً للخوف والعنف وإراقة الدماء. ومع أن هدف زليخة من الإتيان بالنساء، كان التخفيف عن نفسها عبء الشعور بالذنب، إلا أن الإهانة التي لحقت بها جراء صدود يوسف، لم تخفف من غلوائها سوى الزج به في السجن، بحيث كان عليه الانتقال مرة أخرى من ظلمة البئر إلى ظلمة الزنزانة.

أما القميص الثالث الذي أرسله يوسف إلى أبيه العجوز، مع إخوته القادمين إلى مصر بحثاً عن القمح والقوت، فقد تغير معه مسار الأمور، بعد أن أدى تفسيره الحاذق لحلم فرعون إلى كسب ثقة الأخير، الذي جعله قيماً على خزائن البلاد وثروتها، وهو الذي أنقذ مصر وأهلها من مجاعة محققة. وسرعان ما تحول القميص إلى ريح ناقلةٍ لرائحة الابن الغائب، ومعيدةٍ ليعقوب القدرة على الإبصار، وهو الذي كانت عيناه قد ابيضتا من فرط الحزن. ويوسف الذي دُفع طويلاً إلى عتمةِ لا يستحقها، بات بمستطاعه أخيراً أن يهب الضوء والقوت لمن يستحقهما، فضلاً عن أن قدرته على الصفح والمسامحة قد أدت إلى لمّ شمل العائلة بعد فراق طويل.

وإذا كان ثمة ما يمكن استخلاصه من هذه التجربة الإنسانية الفريدة، فهي أن الجمال الحقيقي لا تصنعه وسامة الملامح، بل يشع من أكثر الأماكن صلة بصفاء الروح ومناجم الحدوس. كما تؤكد التجربة اليوسفية على أن الجمال ليس أعطية مجانية أو «شيكاً» بلا رصيد، بل هو استحقاق باهظ الثمن يتطلب إيفاؤه نزولاً إلى الآبار العميقة للآلام والمشقات. ومع أن التجربة بحد ذاتها تتصل بأحد أكثر الأنبياء تميزاً وشهرة في التاريخ، إلا أن يوسف في الدلالة الأبعد للقصة، يتجاوز ذاته المغلقة ليصبح رمزاً للجمال الأسمى الذي يستطيع أن يمتلكه كل كائن بشري، فيما لو أحسن التنقيب عنه في داخله وخلف سراديب نفسه. ومن الأمثولات المستخلصة أخيراً، أن الإنسان لا يكون جميلاً بالولادة، بل يصبح جميلاً بالتجربة والدأب وصقل الذات، وأن الجمال كالهوية، ليس معطىً ناجزاً ومكتمل الشروط، بل هو مشروعٌ للحياة كلها، يظل أبداً قيد الإنجاز.


مقالات ذات صلة

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون Stephen Markley

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

الرواية الاستباقيّة (Preemptive Novel) مفهومٌ يقترنُ عضوياً بالمستقبل؛ لذا من المناسب البدءُ بالمستقبل. لم يكن المستقبل في تاريخ الرواية الحديثة محضَ زمنٍ لم…

لطفية الدليمي
ثقافة وفنون «رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

يُقال في علم عناوين الكتب (Titology): «كلما تساءلنا كيف نتحدث عن الكتب هرعت العناوين لإنقاذنا»، ولكنني الآن لا أهرع إلى عنوان هذا الكتاب «رسالة اللا غفران

محمد أمير ناشر النعم

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.