إلى متى تلاحق الاتهامات لجان تحكيم «بوكر» العربية؟

بعد فوز «قناع بلون السماء» للفلسطيني السجين باسم خندقجي

باسم خندقجي
باسم خندقجي
TT

إلى متى تلاحق الاتهامات لجان تحكيم «بوكر» العربية؟

باسم خندقجي
باسم خندقجي

قضيت 6 أشهر تقريباً، في عام 2016، في العاصمة البريطانية لندن. وافق وجودي هناك إعلان القائمة الطويلة لجائزة «بوكر» الإنجليزية 2016، في 27 يوليو (تموز) 2016. فراودتني على الفور فكرة قراءة روايات القائمة الطويلة كلها، وتقليص عددها إلى قائمة قصيرة من 6 روايات، قبل إعلان لجنة تحكيم الجائزة الرسمية قائمتها. ثم أختار الرواية التي أرى أنها تستحق الفوز بالجائزة، كما هو الإجراء المتبع في تلك الجائزة، وفي الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر العربية). بكلمات أخرى، كنت سأعمل كلجنة تحكيم من عضو واحد. ثم عدلتُ عن الفكرة لأنني لم أُرِد تكريس وقتي كله لقراءة روايات القائمة الطويلة؛ يكفي أن القراءة والتطواف بمخازن بيع الكتب كانا يستحوذان على جزء غير صغير من وقتي. استقرّ قراري في النهاية على تأجيل القراءة إلى ما بعد إعلان القائمة القصيرة، واستثنيت من القائمة الطويلة رواية ج. م. كوتسي «أيام دراسة المسيح» 2016.

غلاف قناع بلون السماء

حين شرعتُ في قراءة رواية كوتسي، لم توفّر لي تجربة قراءة ممتعة، فالإمتاع هو ما أبحث عنه في أي رواية قبل أي شيء آخر. كانت في مستوى أدنى من توقعاتي. فقررت أنها لا تستحق أن تكون على القائمة القصيرة، رغم أنني لم أقرأ روايات القائمة الطويلة الأخرى. لم أعبأ بكون كوتسي الفائز بجائزة نوبل للأدب 2003، وأنه فاز بجائزة «بوكر» مرتين، لأنه لم يكن في أفضل حالاته في تلك الرواية بالذات، ووصولها إلى القائمة القصيرة، إن وصلت، يعني خضوع اختيارها لاعتبارات لا علاقة لها بالإبداع والأدب والسرد كفن. ربما يتغير رأيي فيها لو قرأتها مرة ثانية، لكنني لم أفعل، ولست متحمساً لتكرار التجربة، على الأقل حتى الآن.

في 13 سبتمبر (أيلول) 2016، جاءت القائمة القصيرة من دونها لتؤكد صحة قراري، الذي لم يكن متأثراً بما نُشر عنها من مراجعات أو قراءات نقدية لأنني لم أقرأ شيئاً عنها إطلاقاً. كانت تلك هي المرة الأولى التي يتطابق فيها قرار اللجنة مع قراري الشخصي. ما يعني أن هنالك اتفاقاً أو تطابقاً آخر في الاختيار أسفل الطريق.

غلاف في غرفة العنكبوت

وخاضت لجنتي المؤلفة مني تجربة قراءة ماراثونية سريعة جداً للروايات الست بحماس وثقة، عززهما خروج رواية كوتسي من المنافسة، إذ شكل خلو القائمة القصيرة منها حافزاً ودافعاً قويين لي وأنا أجوس خلال تلك الغابات السردية بمفردي. وخرجت منها بقرار وضع رواية «الخائن» 2015، لبول بيتي، في مقدمة الروايات، بصفتها المرشحة الأولى للجائزة، تليها رواية مادلين ثين «لا تقولوا إننا لا نملك شيئاً» 2016، كمرشحة ثانية، متوقعاً وآملاً ألا تذهب الجائزة إلى غيرهما. وهذا ما حدث بالفعل، فقد فازت «الخائن» بالجائزة. وكان فوزها عاملاً محفزاً.

لجنة تحكيم موازية

بعد عودتي إلى الوطن، طرح اقتراح تشكيل لجنة بيت السرد في جمعية الثقافة والفنون السعودية بالدمام لتحكيم جائزة «بوكر العربية» لعام 2017، اللجنة الموازية كما سمّاها الشاعر والإعلامي زكي الصدير، في تقرير أعدّه عن نتائج التحكيم لصحيفة «العرب» اللندنية.

وتشكلت لجنة بيت السرد الموازية الكبيرة من: القاص والروائي جبير المليحان، والشاعر عبد الوهاب الفارس، والناقد والكاتب المسرحي عبد العزيز السماعيل، والناقد الدكتور أحمد سماحة، والناقد والروائي عيد الناصر، والقاص والناقد عبد الواحد اليحيائي، والقاصة والروائية مريم الحسن، والقاص والروائي عبد الله الوصالي، والقاصة منيرة الإزيمع، والكاتبة عالية نوح، بالإضافة إلى صاحب الاقتراح. وبعد قراءة ومناقشات على مدى 6 أسابيع، أعلنّا في الأسبوع السابع فوز «في غرفة العنكبوت» لمحمد عبد النبي، تليها في المركز الثاني «موت صغير» لمحمد حسن علوان، وفي الثالث «أولاد الغيتو - اسمي آدم» لإلياس خوري.

لقد خضنا تجربة تحكيم ممتعة ومفيدة، وضعنا خلالها مهاراتنا النقدية والتحليلية على المحك بجدية وتفانٍ؛ تجربة مارسنا خلالها الحوار والاختيار بحرية وديمقراطية، تجربة لم تكن مطوّقة بأي قيود وحسابات واعتبارات، عدا ما اتفقنا عليه من معايير، أو خطوط عريضة اهتدينا بها في قراءة ومناقشة الروايات الست، وكانت غايتنا اختيار ما نتفق، بالأغلبية، على أنها الرواية الفضلى التي تستحق الفوز بـ«بوكر العربية»، بغضّ النظر عن نتيجة تحكيم اللجنة الرسمية للجائزة. فازت «في غرفة العنكبوت» في مرحلتي التصويت، لأنها الأفضل في نظر الأغلبية.

مارسنا التحكيم غير متأثرين بهويات وجنسيات وانتماءات الروائيين الفكرية والسياسية. ولم نشعر بالندم لأن رواية السعودي محمد حسن علوان لم تأتِ في المركز الأول. إن «موت صغير» رواية رائعة وعظيمة، أعطيناها حقّها من القراءة الجادة والمناقشة المستفيضة العميقة، مثل الروايات الأخرى على القائمة القصيرة، بيد أننا انحزنا، أو انحازت الأغلبية منّا إلى رواية محمد عبد النبي. لقد وجدنا أنفسنا أثناء قراءة «في غرفة العنكبوت» أننا في حضرة روائي يبني العالم التخييلي في روايته ببراعة ومهارة عنكبوت، فكان العنكبوت في داخل الرواية، وفي خارجها، بعيد عنّا وقريب منا، أو كنا قريبين منه في نفس الوقت، وقت القراءة.

لم نضع رواية «موت صغير» في المركز الأول، ليس لأننا لم نكن نتمنى ذلك، ولكن لتغلب انحيازنا للإبداع، مهما تكن جنسية المبدع، على انتمائنا الوطني، ولالتزامنا بمعايير التحكيم من دون التأثر بأي عوامل قد تجرفنا بعيداً عمّا كنا نعدّه المسار الصحيح في التحكيم، مع الإيمان بأن الروائي علوان لا يمثل سوى نفسه في تلك المسابقة. لم يكن يمثلنا، ولا يمثل المملكة. كان يمثل نفسه روائياً ومبدعاً متميزاً، وليس كما دأب بعض الصحافة عندنا على اعتبار وتصوير مشاركة أي أديب سعودي في مسابقة أو مؤتمر أو مهرجان في الخارج على أنها تمثيل للمملكة. الحقيقة أنه عندما يتلقى أديب دعوة ويلبيها بالمشاركة في هذه الفعالية الثقافية أو تلك، إنما يمثل نفسه، ما لم تكن مشاركته ضمن وفد رسمي وتحت مظلة رسمية باسم المملكة.

تلميع السجون

أستحضر، الآن، تلك التجربة التحكيمية، والتجارب التي تلتها في بيت السرد، لأنها أكدت عدة حقائق ذات صلة قوية بالتحكيم ولجانه في المسابقات الأدبية. أولاها أنه من المستبعد، إن لم يكن مستحيلاً، تطابق نتائج التحكيم للجنتين مكلفتين بقراءة وتحكيم نفس النصوص الأدبية. والثانية، أن استبدال عضو أو عضوين في لجنة تحكيم بعضو أو عضوين آخرين سينجم عنه اختلاف في النتائج، وسيحدث الاختلاف أيضاً عند استبدال نصوص بنصوص أخرى. ولو طُلِب من لجنة ما لجائزة أدبية ما أن تعيد التحكيم بعد مرور بعض الوقت بعد إعلان نتائج تحكيمها لتلك الجائزة، فليس من المستبعد أن تنتهي إلى نتائج مختلفة. والحقيقة الأخيرة، التي يؤكدها باستمرار الجانب البليد والخامل من الصحافة الثقافية العربية، أن كل لجنة تحكيم هي هدف للتشكيك وسوء الظن والاتهام بالانحياز وبوجود مؤامرة.

يبدو أن لجنة تحكيم «بوكر العربية» التي منحت الجائزة لرواية الأديب الفلسطيني باسم خندقجي «قناع بلون السماء»، على موعد مع موجة من التشكيك في نزاهتها وفي حياديتها وموضوعيتها في القراءة والاختيار؛ رغم أنها كانت واضحة في تبيان مبررات اختيارها «قناع بلون السماء» من بين 133 رواية ترشحت لهذه الدورة. جاء في البيان الصادر عن اللجنة أن رواية خندقجي هي «أفضل رواية نُشرت بين يوليو 2022 ويونيو (حزيران) 2023». ومما ورد في وصف نبيل سليمان، رئيس لجنة التحكيم، للرواية، قوله: «يندغم في (قناع بلون السماء) الشخصي بالسياسي في أساليب مبتكرة. رواية تغامر في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم».

وسيطول التشكيك استحقاق خندقجي للجائزة أيضاً. وكما يستمر محاطاً بقضبان وجدران زنزانته، ستظل روايته محاطة بدائرة من التحفظات على فوزها عند البعض، وبالتشكيك في أحقيتها للجائزة لأنها في نظر أولئك البعض الرواية التي لم تكن لتفز لولا تعاطف لجنة التحكيم مع كاتبها القابع في سجون المُحْتَل المغتصب، ومع الشعب الفلسطيني في نضاله ومقاومته للاحتلال الصهيوني. لكن ما لم يخطر بالبال أن يَعدَّ آخرون فوز «قناع بلون السماء» فوزاً سياسياً من «أجل تلميع سمعة السجون الإسرائيلية». والسؤال: لماذا لم يحدث «التلميع» من قبل، خصوصاً أنه صدر لخندقجي 3 روايات قبل «قناع بلون السماء» منذ اعتقاله في 2004؟!

* ناقد وكاتب سعودي


مقالات ذات صلة

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
ثقافة وفنون دونا تارت

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون سنوات جبران الباريسية

سنوات جبران الباريسية

عاش جبران خليل جبران مرحلةً مفصليةً من حياته في العاصمة الفرنسية باريس. ففي الأول من يوليو (تموز) عام 1908، غادر مدينة بوسطن متوجهاً إلى باريس ليدرس الفنون،

شاكر نوري
ثقافة وفنون الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة

«إسكندرية فين؟»... كتاب يستعيد الوجه الأنثوي لعروس المتوسط

في كتابها «إسكندرية فين؟.. رحلة تناجرا» الصادر أخيراً عن دار العين للنشر بالقاهرة، لا تنطلق الكاتبة والباحثة المصرية ياسمين عبد الله، في بحثها عن مدينتها

منى أبو النصر (القاهرة)

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».


لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت
TT

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992. غير أن المفارقة الأهم في تجربتها لا تكمن في الرقم وحده، بل في تصريحها لوسائل الإعلام بأنها تكتب نحو ثلاث روايات سنوياً، ثم تعود إلى مخطوطاتها فتختار واحدة منها للنشر، وتضع الأخريات جانباً. وقد أدهشت الكاتبة المعروفة كثيرين حين كشفت عن طقوسها في الكتابة؛ ففي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في أغسطس الماضي، قالت نوتومب إنها تستيقظ في الرابعة صباحاً، وتشرب الشاي المركّز، ثم تكتب أربع ساعات متواصلة قبل أن يبدأ يومها العادي، وهي الوتيرة التي تحافظ عليها كل أيام الأسبوع. تجربة نوتومب تطرح سؤالاً يتجاوز خصوصيتها: كيف يستطيع بعض الكتّاب إنتاج أعمال كثيرة، والحفاظ في الوقت نفسه على مستوى أدبي جيد، في حين يحتاج آخرون إلى أعوام طويلة قبل نشر رواية جديدة؟ هل يرتبط الأمر بالنوع الأدبي؟ أم بانضباط الكاتب؟ أم أن الإلهام، ذلك العنصر الغامض، لا يزال صاحب الكلمة الأخيرة؟

ستيفن كنغ

تقدّم تجارب الكتّاب غزيري الإنتاج جواباً أولياً: الكاتب لا ينتظر الإلهام دائماً، بل يصنع له موعداً. يكشف ستيفن كينغ، في كتابه «عن الكتابة: مذكرات حرفة»، عن أنه يضع لنفسه هدفاً يومياً يقارب ألفي كلمة، أي نحو عشر صفحات، ويعمل من أربع إلى ست ساعات يومياً. ويقول: «إن من يريد أن يكتب عليه أن يقرأ كثيراً ويكتب كثيراً». يرفض كاتب روايات الرعب والتشويق الأميركي أن يترك العمل رهينة المزاج، فهو يحوّل الكتابة عادةً تشبه القراءة أو المشي: فعل يومي لا يحتاج في كل مرة إلى قرار جديد. كما يفضّل إنجاز المسودة الأولى بوتيرة منتظمة، ثم الابتعاد عنها فترة قبل العودة إلى المراجعة؛ فالمسودة الأولى، في نظره، ليست موضع الكمال، بل مساحة لاكتشاف الرواية. أما أونوريه دو بلزاك، أحد أعمدة الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، فكان يستيقظ في منتصف الليل ليجلس إلى مكتبه ساعات طويلة. وقد ارتبط اسمه بأسطورة شرب خمسين فنجاناً من القهوة يومياً، والمؤكد أن بلزاك كان يكتب بإيقاع قاسٍ، حتى إنّ مشروعه الروائي الضخم «الكوميديا الإنسانية» تطلّب منه إنتاجاً متواصلاً أرهق جسده وأضرّ بصحته.

إمبرتو إيكو

وكان إسحاق أسيموف مثالاً آخر على تحويل الكتابة عملاً يومياً منتظماً. فقد نُسب إليه نحو 477 كتاباً بين التأليف والتحرير والمشاركة، وكان يكتب أو يراجع طوال ساعات طويلة. وتحدث عن متوسط يومي بلغ ألف كلمة في مرحلة، ثم ارتفع إلى نحو 1700 كلمة في مرحلة لاحقة. ولم يكن سرّه في انتظار لحظة استثنائية، بل في قدرته على مواصلة العمل حتى في الأيام العادية، حين لا يبدو الإلهام قريباً.

وتنتمي دانييل ستيل إلى الفئة نفسها من الكتّاب الذين جعلوا الاستمرار نظاماً للحياة؛ إذ قالت في مقابلة مع دار «بنغوين راندوم هاوس» إنها تعمل دائماً، ولا تحتمل الابتعاد عن الكتابة أكثر من أسبوعين. غير أن «العمل» عندها لا يعني الكتابة المتصلة فحسب، بل يشمل التخطيط، والمراجعة، والقراءة، والتواصل مع المحررين والناشرين.

يرى الكتّاب غزيرو الإنتاج أن على الكاتب ألا ينتظر الإلهام دائماً... بل يصنع له موعداً

وبينما يمضي بعض الكتّاب في الكتابة بوتيرة غزيرة ومنتظمة، يفضّل آخرون التمهل أعواماً قبل أن يعودوا إلى القرّاء بعمل جديد. وهذا يكشف عن أن الإبداع لا يخضع لإيقاع واحد، ولا يقاس دائماً بسرعة الإنتاج أو كثرة العناوين. تقدّم الكاتبة الأميركية دونا تارت نموذجاً معاكساً. فقد احتاجت إلى نحو عشر سنوات لكتابة «التاريخ السّري»، ثم إلى عقد آخر تقريباً لإنجاز «الصديق الصغير». وفي مقابلاتها، أوضحت أنها تحب أن تمضي وقتاً طويلاً مع المشروع الواحد، وأنها لا ترى في طول المدة عبئاً أو دليلاً على العجز. حيث تكتب تارت ببطء، وتعيد النظر في التفاصيل، وقد تحذف مشاهد كاملة بعد أسابيع من العمل إذا اكتشفت أنها لا تخدم البناء العام للرواية. ولعل هذا البطء لا يعود إلى ضعف الانضباط، بل إلى انضباط مختلف: حماية النص من الاستعجال. فالكاتب السريع يحمي ساعات الكتابة من المقاطعة، في حين يحمي الكاتب البطيء حق العمل في أن يتشكل بعيداً عن ضغط السوق. كلاهما منضبط، لكن كل واحد منهما يعرّف الانضباط بطريقة مختلفة. هناك أعمال لا يمكن إنجازها بسرعة، لا لأن الكاتب أبطأ من غيره، بل لأن موضوعها يحتاج إلى بحث طويل واحتكاك بالعالم. فالكاتب الذي يتناول حقبة تاريخية أو شخصية سياسية أو مجتمعاً بعيداً لا يستطيع أن يكتفي بلمعة أولى أو بمعلومات متناثرة.

أمبرتو إيكو مثال بارز على ذلك. فقد قال الكاتب والمفكر الإيطالي في حوار مع مجلة «باريس ريفيو» إن رواية «اسم الوردة» احتاجت إلى عامين من الكتابة، لكنه كان يمتلك قبل ذلك سنوات من التخصص في تاريخ العصور الوسطى ومئات الملفات والملاحظات. أما رواية «بندول فوكو»، فقد استغرقت منه ثمانية أعوام في البحث والكتابة. لم يكتفِ فيها إيكو بقراءة الكتب، بل بحث في المخطوطات والعمارة وأسماء الرهبان وتفاصيل الأديرة والطقوس الدينية.

وكان يعرف أن الرواية التاريخية لا تقنع بمجرد الحكاية؛ إنها تحتاج إلى بنية معرفية تمنح الخيال قوة الحقيقة. وقد لا تظهر كل هذه المعرفة على سطح النص، لكنها تمنحه كثافته ومصداقيته. وينطبق الأمر نفسه على البريطانية هيلاري مانتل في ثلاثيتها عن توماس كرومويل؛ فهي لم تكتفِ بقراءة المصادر التاريخية، بل استعانت بالمؤرخين وأمناء الأرشيف المختصين في حكم آل تيودور، وعملت على وثائق ومراسلات وملاحظات بحثية. وفي مقابلة مع «تايمز هاير إديوكيشن»، تحدثت عن العلاقة التكاملية بين الروائي والمؤرخ، وعن أهمية دراسة التفاصيل السياسية والاجتماعية. أما الروائي الأميركي جيمس ميشينر، فقد احتاج إلى عامين من البحث قبل كتابة روايته التاريخية «تشيسابيك»؛ إذ انتقل إلى المنطقة التي تتناولها الرواية، وتحدث إلى سكانها، وقرأ مئات الكتب، ثم أمضى عامين آخرين في الكتابة. لم يكن الزمن هنا علامة على بطء شخصي، بل كان جزءاً من أمانة المشروع الأدبي. قد تكتب نوتومب ثلاث روايات في السنة، وقد ينتظر قارئ تارت عشر سنوات، وقد يملأ كينغ آلاف الصفحات وفق حصته اليومية، لكن لا توجد وصفة واحدة للكتابة الجيدة. هناك فقط علاقة خاصة بين الكاتب والزمن: بعضهم يحوّل الزمن عادةً، وبعضهم يحوّله بحثاً، وبعضهم يحوّله صمتاً طويلاً.


صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
TT

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة. وتطوّرت هذه الممارسة بشكل كبير في كنف الأسرة الأموية، وباتت لها طقوس وتقاليد خاصة بها، أشار الرواة إليها في العديد من الأخبار والروايات. أسوة بالغساسنة، شيد أسياد هذه الأسرة القصور والمشاتي في أطراف بوادي الشام وغور الأردن للاستراحة والاستجمام والصيد واللهو، وتميّزت هذه المنشآت بفنها المعماري الذي مزج بين طرز الروم والفرس، كما تميّزت بحللها التزيينية التصويرية. يحوي هذا الميراث صوراً تشهد لانتشار فنون الصيد في ذلك العهد، أشهرها تلك التي تزيّن بعضاً من جدران قصير عمرة في غور الأردن. إلى جانب هذه اللوحات الجدارية، تبرز لوحة أرضية من الحجم الكبير، تصور فارساً يصطاد الغزلان، مصدرها قصر الحير الغربي، جنوب غرب تدمر، في البادية السورية.

عُثر على هذه اللوحة خلال أعمال المسح التي كشفت عن القصر في خريف عام 1936، وتمّ نقلها في العام التالي إلى متحف دمشق الوطني حيث جرى تثبيتها في جناح خصّص بأكمله لهذا الموقع الأثري الأموي. وقد أُنجزت على قاعدة من الملاط الجصِّي الجاف، ومساحتها شبه مربّعة، طولها 5 أمتار، وعرضها 4.85 متر. يحد هذا اللوح إطار زخرفي عريض يتبع التقليد الساساني، وقوامه سلسلة متناسقة تعتمد شكل المُعين الرباعي الأضلع، تعلوها أزهار محوّرة هندسياً على شكل أنجم. يجمع هذا العمل التشكيلي بين لوحتين مستطيلتين، تعلو إحداهما الأخرى، ويفصل بينهما شريطان أفقيان سطّرا باللون الأحمر، يتوسّطهما شريط أسود. تحضر في الأعلى لوحة تجمع بين عازف عود وعازف مزمار، وتقابلها اللوحة التي تصور فارساً يصطاد الغزلان. وتشير التقارير إلى لوحة ثالثة مهشّمة ضاع أثرها، تحتلّ القسم الأسفل من التأليف.

يظهر هذا الفارس في وضعية جانبية ممتطياً جواده، وسط مساحة مجرّدة تخلو من أي عنصر تصويري يشير إلى أبعاد الفضاء المنظور. الحركة حية في الظاهر، غير أنّها ثابتة، ويسودها الجمود والسكون. الحصان أسود، وقائمتاه الأماميتان مرفوعتان نحو الأمام، أما قائمتاه الخلفيتان فممتدتان إلى الخلف، ويعلو ظهره سرج أبيض، يربطه شريط رفيع يلتف حول العنق ومؤخرة الظهر، كما يحيط بأنفه لجام. مفاصل بدنه ورأسه محدّدة بدقة، وأنفه مطوّق بلجام عريض. يعتلي صهوة هذا الجواد فارس أمرد، يرفع بيده اليمنى سهماً، وبيده اليسرى قوس النشاب. الوجه نصف جانبي، وبنيته دائرية، وملامحه مرسومة بخط أسود. العينان شاخصتان إلى الأمام، وهما على شكل لوزتين عريضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف قصير ومختزل، والثغر منمنم، قوامه شق صغير يفصل بين شفتين ممحوتين. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يتكون من كتلتين متراصتين، يحيط بهما إكليل يزينه شريط عريض معقود، يتطاير طرفاه أفقياً من الخلف.

الحركة ثابتة، وخيط الرسم يسود على الصياغة اللونية المختزلة. أصابع اليدين ظاهرة ومجسّدة بدقة. السهم أحمر ورفيع، قوس النشاب عريض، وموشّح بلون يميل إلى الأخضر الفاتح. الصدر نصف جانبي كما الوجه، أما الساق فجانبية. اللباس قوامه ثوب طويل، يعلوه حزام معقود حول الخصر، يتدلّى منه وشاح عريض أخضر يتطاير في الأفق فوق ظهر الحصان. القسم الأسفل من هذا الرداء مفتوح، وشقّه يكشف عن سروال فضفاض، يتكوّن من قطعتين متصلتين.

صيغت القطعة العليا باللون الأحمر الأرجواني وصيغت القطعة السفلى باللون الأخضر اللازوردي، وبدا طرفها معقوداً حول عَقِب القدم. الحذاء ظاهر، وهو بسيط ويخلو من أي تفاصيل. يحيط بالخصر حزام ثان، يتدلّى منه نِجَاد مستطيل عريض. يصوّب الصياد سهمه في اتجاه غزال يركض إلى الأمام، مديراً برأسه إلى الخلف، وكأنّه يحدّق بالفارس المتربّص به. ويظهر في طرف اللوحة الأسفل غزال آخر، تهاوى أرضاً، وأغمض عينيه.

تتبع هذه اللوحة الطراز الساساني، كما يشهد لباس الفارس بتفاصيله المختلفة، والأسلوب الفني المتبع في صياغة الرسم والحلة اللونية. وهذا الطراز معروف في سوريا، وحاضر في ميراث دورا أوروبوس، المدينة الأثرية التي تقع في بادية الشام، نواحي دير الزور، وتُعرف اليوم باسم الصالحية. تعلو هذه اللوحة لوحة أخرى بدت مشوّهة عند اكتشاف هذا الأثر، وضاع أثرها لاحقاً. تمثّل هذه اللوحة كذلك مشهد صيد، كما يشهد رسم توثيقي أنجز عند اكتشافها، وفيه يظهر كلب من النوع السلوقي يقفز في اتجاه طريدة يصعب تحديد هويّتها، إلى جوار خادم يسير وهو يجرّ من خلفه أيلاً يعلو رأسه قرنان كبيران.

في كتابه «تاريخ التمدّن الإسلامي»، أشار جرجي زيدان إلى تطوّر فنون الصيد، وقال: «كان الصيد معروفاً في الجاهلية، ولكنه كان قاصراً على صيد غزال أو طائر بالنبل أو الفخ، فلما تمدّن العرب بعد الإسلام وخالطوا الفرس والروم، توسعوا في طرائق الصيد والقنص، فاتّخذوا الجوارح من الطير، وهي الباز والشاهين والعقاب والصقر يعلمونها صيد الطيور، وغالوا في اقتناء الكلاب والفهود ونحوها، يستعينون بها على صيد الخنازير والغزلان وحمر الوحش». تعكس لوحة قصر الحير الغربي هذا التطور، كما تعكس الأثر الساساني في هذا الميدان.

يظهر الصياد بهيئة فارس يمارس هذا النشاط الذي وُصف بأنه «لذة»، كما يشهد قول امرئ القيس: «كأني لم أركب جواداً للذة/ ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال». ويظهر الكلب السلوقي الذي ذاع صيته في الصيد والقنص، كما يشهد قول الشاعر الأموي القطامي: «ومعهم ضوار من سلوق كأنها/ حصن تجول تجرر الأرسان».