بناء قدرات سعودية لمواجهة التهديدات النووية والإشعاعية والكيماوية والبيولوجية بمشاركة دولية

الأمير تركي: أسلحة الدمار الشامل والإرهابيون أكبر خطر يحدق بالأمن والسلام الدوليين

جانب من ورشة «أمن المعلومات للحماية من مخاطر المواد الكيماوية والبيولوجية والنووية والمشعة على المستوى الوطني» (تصوير: سعد العنزي)
جانب من ورشة «أمن المعلومات للحماية من مخاطر المواد الكيماوية والبيولوجية والنووية والمشعة على المستوى الوطني» (تصوير: سعد العنزي)
TT

بناء قدرات سعودية لمواجهة التهديدات النووية والإشعاعية والكيماوية والبيولوجية بمشاركة دولية

جانب من ورشة «أمن المعلومات للحماية من مخاطر المواد الكيماوية والبيولوجية والنووية والمشعة على المستوى الوطني» (تصوير: سعد العنزي)
جانب من ورشة «أمن المعلومات للحماية من مخاطر المواد الكيماوية والبيولوجية والنووية والمشعة على المستوى الوطني» (تصوير: سعد العنزي)

قال الأمير تركي بن محمد وكيل وزارة الخارجية السعودي وكيل وزارة الخارجية للعلاقات متعددة الأطراف، إن بلاده تعزز سعيها -حاليا- نحو بناء قدرات سعودية لحماية البلاد من التهديدات النووية والإشعاعية والكيماوية والبيولوجية بمشاركة دولية.
وأوضح الأمير تركي، أن السعودية حريصة على تعزيز الجهود الدولية لمنع انتشار السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط، كعامل من عوامل عدم الاستقرار السياسي ومهدد للأمن والسلام الدوليين، في ظل تنامي ظاهرة الإرهاب ومحاولة الضالعين فيه الحصول على أسلحة بيولوجية وكمياوية فتاكة.
وفيما يتعلق بالاتفاقية النووية الإيرانية وما وصلت إليه من مباركة أميركية، قال الأمير تركي "نحن نبارك هذه الاتفاقية لأن أي جهد يؤدي لمنع انتشار السلاح النووي في المنطقة نباركه وندعمه"، مشددا على ضرورة توجيه ما يستثمر في الأسلحة الفتاكة للاستثمار لصالح الدول والشعوب وتنميتها وتحقيق أمنها واستقرارها. وأضاف "هذه الاتفاقية التي تمت لا بد لها أن تكون، قاعدة لتحقيق الأمن والاستقرار مستقبلا ولكن في نفس الوقت لا بد لنا أن نكون واعين ومدركين بمخاطر أو تهديدات قد تحصل من ذلك"، مؤكدا أن أسلحة الدمار الشامل والإرهابيين، أكبر خطر يواجه الأمن والسلام الدوليين. وزاد "نأمل أن تكون هذه البداية لحظر السلاح النووي وألا تكون محدودة التوقيت في ذلك، مع أملنا أن يكون ذلك امتدادا لتحقيق الامن والاستقرار، حيث إنه لا حاجة لنا لإنتاج إسلحة فتاكة، بل إن الواقع يستدعي، تكريس جهود الجميع في المنطقة إلى تحقيق التنمية والاستقرار بالمنطقة".
جاء ذلك في تصرحيات صحافية على هامش فعالية ورشة عمل نظمتها الهيئة الوطنية لتنفيذ اتفاقيات حظر الأسلحة الكيماوية والبيولوجية بالتعاون مع معهد الأمم المتحدة بعنوان "أمن المعلومات للحماية من مخاطر المواد الكيماوية والبيولوجية والنووية والمشعة على المستوى الوطني"، وذلك بحضور وكيل وزارة الخارجية للعلاقات متعددة الأطراف، أمس الأحد بالرياض.
وقال الأمير تركي "إن هذه الورشة، تمثل امتدادا لورش سابقة، وتأتي في إطار مهام الهيئة الوطنية، واختصاصاتها فيما يتعلق بالحماية من أسلحة الدمار الشامل، خصوصا الكيماوية والبيولوجية والإشعاعية والنووية"، منوها بأنها ثمرة تعاون بين الهيئة، وبين الهيئات الدولية والإقليمية، بما فيها الأمم المتحدة والمركز الأوروبي للتميز.
وأضاف الأمير تركي "موقفنا يتمحور حول جعل منطقة الشرق الاوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل وهذه من أولوياتنا ما يؤكد تعاوننا مع الجهات الدولية المعنية، هو حرصنا على عقد هذه الورشة وفق توجيهات وسياسات السعودية الداعية والداعمة لتحقيق الأمن والاستقرار من خلال التوعية والمشاركة في مثل هذه الاجتماعات الدولية والإقليمية".
وفي حديث ذي صلة، أكد وكيل وزارة الخارجية السعودية للعلاقات متعددة الأطراف، أن السعودية تدين بشدة العمل الإرهابي الذي تعرضت له باريس يوم الجمعة الماضي، مبينا أن هذه الاعمال بعيدة كل البعد عن أي مبدأ أخلاقي أو ديني، مشيرا إلى البيان الذي صدر بهذا الشأن، ومنوها بإدانة من قبل هيئة كبار العلماء. وقال "إن ما حدث في باريس يجب ان يكون داعيا وداعما لتأسيس كيان دولي لمكافحة هذه الظاهرة الخطيرة التي بدأت تغزو بلداننا، حيث ان السعودية أيضا عانت من هذه الظاهرة أخيرا حتى وصلت أماكن العبادة التي هي محرمة، وأصبحت تستهدف من قبل هؤلاء المجرمين".
وأوضح الأمير تركي، أن هناك حاجة ملحة لتضافر الجهود الدولية والتنسيق في ذلك، مبينا أن السعودية لها دور فاعل حيث انها استضافت أول مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب عقد في الرياض في عام 2005، بجانب مساهمتها في انشاء المركز الدولي لمكافحة الإرهاب، تحت مظلة الأمم المتحدة الذي قدمت بشأنه 110 ملايين دولار، للاستفادة من خبراته وتجاربه والتعاون مع الدول الأخرى في سبيل مكافحة هذه الظاهرة الخطيرة، على حد تعبيره. وقال "بطبيعة الحال لا بد من أخذ الحذر من هؤلاء الإرهابيين، على الصعد كافة، وهم لا يترددون في إلحاق الضرر، بنا جميعا، وليس لهم مكان معين يمكن حصرهم فيه فهم منتشرون في كل مكان، ما يستوجب الجهد الدولي أن يكون معززا وداعما لنا في التصدي لهذه الظاهرة".
وعن مدى مأمونية مفاعل بوشهر النووي في إيران من إلحاق الضرر البيئي بدول الخليج ومدى خطورة مفاعل ديمونة بإسرائيل، خاصة أنهما في منطقة زلزال، خاصة بوشهر، أكد الأمير تركي أن السعودية من أوائل الدول التي دعت إلى جعل منطقة الشرق الاوسط منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل، وساهمت بجهد كبير في اتخاذ الجامعة العربية قرارا بإنشاء لجنة فنية، مشيرا إلى أن الأمر لم يجد الاستجابة المطلوبة.
ولفت الأمير تركي إلى أن دولا مثل إسرائيل امتلكت السلاح النووي وإيران تسعى حاليا لامتلاك السلاح النووي، تحتاج لجهود لإقناعهما بأن الاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط لا يأتي عن طريق امتلاك الاسلحة الفتاكة، وإنما يأتي عن طريق التعاون الصادق وعدم التدخل في شؤون الآخر واحترام سيادة الدول والحرص على المصالح المشتركة والحيوية لكل الأطراف كمبدأ يستحق الانطلاق منه.
وفي هذا السياق، قال آدم كولاخ سفير الاتحاد الأوروبي لدى السعودية لـ"الشرق الأوسط": "إن الأحداث في باريس تؤكد حقيقة الخطر الإرهابي الذي يتهدد الأمن والسلام الدولين، ما يدعو إلى مزيد من التعاون والتنسيق لتضافر الجهود لمنع انتشار الإرهاب ومنعهم من امتلاح السلاح النووي". وقال "نجتمع للمرة الأولى في السعودية لتكريس الجهود المرتبطة بمواجهة المهددات وسبل الحماية من مخاطر المواد الكيماوية والبيولوجية والإشعاعية والنووية الخطرة"، مشيرا إلى أن الاتحاد الاوروبي أطلق في عام 2010 مبادرة تهدف إلى تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في هذا المجال.
ووفق كولاخ، اتبع ذلك تأسيس شبكة من التعاون ضمن الاتحاد الأوروبي تضم 20 دولة عضوا، كما ظهرت فكرة تأسيس مراكز التميز والتشغيل مع الدول المشاركة، حيث أصبحت هناك 8 مراكز إقليمية منتشرة في مختلف أنحاء العالم، أحدها موجود في المغرب لجنوب أفريقيا وفي شرق الجزائر لشمال أفريقيا وأحدها في نيروبي، وواحد في القوقاز، وواحد في عمان للشرق الاوسط، وواحد في مانيلا لجنوب شرقي آسيا، وواحد في أبوظبي لدول مجلس التعاون الخليجي. وأوضح أن هناك 52 دولة شريكة لهذ المبادرة، بهدف تعزيز التعاون الدولي، مشددا على ضرورة اتباع مناهج جماعية، لتكثيف عمل الشبكات العلمية والخبرات، مشيرا إلى أن هذه المبادرة تنفذ حاليا، بالتعاون مع معهد الأمم المتحدة لحماية الجريمة والعدالة مع إمكانية النفاذ الى شبكة مع عدد من المعاهد البحثية والعلمية بين 28 دولة عضو، مشيرا إلى أهمية مناقشة الخطوات الضرورية لاتباعها نحو تنفيذ ووضع خطة وطنية سعودية.
من ناحيته، قال الدكتور عادل رضواني المنسق الإقليمي لمبادرة الاتحاد الأوروبي لمراكز التميز في منطقة الشرق الوسط ومجلس التعاون الخليجي لـ"الشرق الأوسط": "نعمل مع منظمة أمم المتحدة، بهدف بناء القدرات للسعودية لحمايتها من أي تهديد متعلق باستعمال المواد الكيماوية والبيولوجية والإشعاعية والنووية". وأضاف "سنعمل على مدى ثلاثة أيام، للتعرف على احتياجات السعودية، ومن ثم وضع مشروعات لبناء قدرات تتمتع بإمكانية مواجهة أي خطر يهدد البلاد باستعمال تلك المواد الخطرة، أو حال وقوع كارثة طبيعة أو إرهابية، وبالتالي زيادة جاهزيتها لمواجهة أي حدث من هذه الكوارث"، مشيرا إلى انضمام السعودية لمبادرة الاتحاد الأوروبي في شهر مارس (آذار) من هذا العام.
ووفق رضواني، الهدف من هذه الورشة بناء خطة وطنية سعودية في هذا الاتجاه، والعمل على تدريب وتأهيل بمشاركة الخبراء المحليين والدوليين، مبينا أن هذه المبادرة، مبادرة إقليمية، مؤكدا أنه لا يمكن تحقيق أهدافها من خلال بلد واحد بمعزل عن البلاد الأخرى المجاورة، وتعاون مع المنظمة الدولية مثل الهيئة الدولية للطاقة النووية والمنظمة الدولية للطاقة الكيماوية وغيرها.

كلام الصورة: جانب من ورشة "أمن المعلومات للحماية من مخاطر المواد الكيميائية والبيولوجية والنووية والمشعة على المستوى الوطني"- تصوير: سعد العنزي



السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.