اكتشاف مشاركة عشرات الطالبات من جامعة بكمبردج في فك الشيفرات النازية

لقطة بعيدة تُظهر جامعة كمبردج (رويترز)
لقطة بعيدة تُظهر جامعة كمبردج (رويترز)
TT

اكتشاف مشاركة عشرات الطالبات من جامعة بكمبردج في فك الشيفرات النازية

لقطة بعيدة تُظهر جامعة كمبردج (رويترز)
لقطة بعيدة تُظهر جامعة كمبردج (رويترز)

خلال الحرب العالمية الثانية، شاركت العشرات من طالبات جامعة نيونهام كمبردج ليل نهار، في سرية تامة، في الجهود لفك رموز نازية، وتولّت نحو 50 منهنّ العمل تحديداً على إنزال النورماندي، لكنّ قصتهنّ لم تكشف إلا أخيراً.

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، كانت جميعهن من طالبات جامعة نيونهام المخصصة حصراً للإناث والتي تأسست عام 1871 في مدينة كمبردج الإنجليزية.

وخلال الحرب، كانت 77 طالبة على الأقل من هذه الجامعة يعملن في بلتشلي بارك في شمال لندن، حيث كان المقر الرئيسي الشهير لعمليات فكّ الشيفرات السرية الألمانية.

وفي هذا المبنى، تمكّن عالم الرياضيات آلن تورينغ من فك رموز آلة «إنيغما» التي استخدمها النازيون لتشفير رسائلهم، ولا سيما رسائل الغواصات الألمانية التي تبحر في شمال المحيط الأطلسي. ويؤكد المؤرخون أن جهوده وجهود العاملين في بلتشلي عموماً، ساعدت في التعجيل بسقوط ألمانيا النازية وزعيمها أدولف هتلر.

واكتُشفت قصة الدور الذي أدته هؤلاء الشابات بفضل البحث الذي بدأته قبل خمس سنوات الطالبة والأستاذة السابقة في جامعتهنّ سالي وو البالغة اليوم 69 عاماً.

وأوضحت وو لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها أرادت تسليط الضوء على دور المرأة في هذه الحقبة، إذ غالبا ما تتجاهله كتب التاريخ. ولاحظت أن «أحداً لم يشكرهنّ يوماً».

وروَت أنها لم تكن تملك «أدنى فكرة عن أن أشخاصاً من نيونهام عملوا في بلتشلي». لكنها عثرت ذات يوم على مقال ورد فيه اسم صديقتها القديمة جين مونرو التي توفيت عام 2005.

وعندما سُئلت جين التي درست الرياضيات في نيونهام عما فعلته أثناء الحرب، لم يخرج جوابها في المقال عن تحفظها، فاكتفت بالقول: «أوه، لقد كنت أعدّ الشاي»، بحسب سالي.

وأشارت الباحثة إلى أن جين «كانت في الواقع مفككة شيفرات». وأضافت: «كانت صديقتي، لكنها لم تخبرني بذلك يوماً».

وكان امتناع جين مونرو عن الإفصاح عن هذه المرحلة من حياتها نابعاً من وعد قطعته بإبقاء هذه العمليات سرية التزاماً بـ«قانون الأسرار الرسمية».

إعادة تكوين الرسائل

أورد المقال أسماء ثلاث نساء أخريات وجدتها سالي في محفوظات الجامعة.

وأشارت إلى أنها فكرت بعد ذلك في أن «وجود أربع يعني ربما أن ثمة المزيد». وفي الواقع، وجدت نحو عشرين ثم قارنت معلوماتها مع «بلتشلي بارك»، فتبيّن أن العدد هو نحو ثمانين.

والوحيدة التي دخل اسمها التاريخ من هؤلاء هي عالمة الرياضيات جوان كلارك التي جُنِّدَت عام 1940 وعملت مع آلن تورينغ الذي كانت مخطوبة له لمدة وجيزة. وقد أصبحت نائبة رئيس وحدتها وبعد الحرب واصلت العمل في الاستخبارات.

وفي القائمة عالمة رياضيات أخرى هي فايوليت كين التي كانت بارعة في علم الإحصاء. وقد عملت في قسم بلتشلي البحري بين عامي 1942 و1945.

أما إليزابيث لانغستاف التي كانت تجيد الألمانية بطلاقة، فكانت مهمتها تتمثل في إعادة تكوين الرسائل الألمانية من عمليات فك التشفير الأولية، وتفسير الاختصارات وتحليل النتائج على مدار أشهر.

وعثر المسؤول عن محفوظات نيونهام في نهاية عام 2023 على رسالة تحمل تاريخ 28 يناير (كانون الثاني) 1939 أكدت فيها رئيسة الجامعة لـ«بلتشلي بارك» أن «الكلية ستكون قادرة على توفير ستّ طالبات على الأقل يُجدن اللغات الحديثة للعمل في وزارة الخارجية في حال الطوارئ».

وأرسلت نيونهام في النهاية عالمات رياضيات واختصاصيات في اللغات ومؤرخات وحتى عالمات آثار إلى «بلتشلي» لتحليل الصور الجوية.

وشرح مدير «بلتشلي بارك تراست» جوناثان بيرن أن طالبات نيونهام «كنّ ممثلات في معظم المجالات الرئيسية لعمل بلتشلي بارك»، ومنها على سبيل المثال لا الحصر فك رموز الإشارات الألمانية المشفرة بواسطة «إنيغما»، وإنتاج تقارير استخباراتية، وتحليل حركة المرور لفهم موقع أنشطة العدو النازي، وتحليل الإشارات الدبلوماسية.

وأفاد بأن «عدداً كبيراً من هؤلاء النساء كنّ في الخدمة في 6 يونيو (حزيران) 1944» خلال إنزال النورماندي، مؤكداً أن «عملهنّ ساهم في التخطيط لعملية التحرير» التي نفذتها قوات الحلفاء.

فصباح ذلك اليوم، وبفعل إنزال جنود الحلفاء، شهدت حركة الإشارات الألمانية في فرنسا زيادة كبيرة.

وقال جوناثان بيرن إن النساء في «بلتشلي بارك» لم يعرفن يومها «أن عملية الهبوط كانت تحدث، وواصلنَ فك الشيفرات».

وأضاف: «من خلال الاستماع إلى الراديو فهمن معنى كل هذه الرسائل التي كنّ يفككن رموزها».


مقالات ذات صلة

أوروبا علم اليونان (رويترز)

اليونان تسعى للحصول على صور إعدام النازيين لعدد من مواطنيها

قالت اليونان إنها ستحاول الحصول على صور تظهر على ما يبدو اللحظات الأخيرة لـ200 مواطن يوناني أعدمتهم فرقة إعدام نازية في أثينا خلال الحرب العالمية الثانية.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
تحليل إخباري تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

تحليل إخباري الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة

المحلل العسكري (لندن)
أوروبا قنبلة من الحرب العالمية الثانية (أ.ف.ب)

إزالة قنبلة من الحرب العالمية الثانية زنتها نصف طن من ورشة في بلغراد

أعلنت الشرطة الصربية عن إزالة قنبلة جوية تبلغ زنتها 470 كيلوغراماً تعود إلى الحرب العالمية الثانية من ورشة بناء في وسط العاصمة بلغراد.

«الشرق الأوسط» (بلغراد)
أوروبا المكان المخصص في مقبرة كتابوي لعائلة فرنكو بمدينة فيرول مسقط رأس الديكتاتور (رويترز)

خمسون عاماً على رحيل فرنكو

منذ خمسين عاماً، طوت إسبانيا صفحة الجنرال فرنسيسكو فرنكو الذي قاد أطول نظام ديكتاتوري في تاريخ أوروبا الغربية الحديث

شوقي الريّس (مدريد)

عادات يجب التخلي عنها لاستعادة النشاط في الربيع

التعرض للهواء الطلق يعزز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التعرض للهواء الطلق يعزز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
TT

عادات يجب التخلي عنها لاستعادة النشاط في الربيع

التعرض للهواء الطلق يعزز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التعرض للهواء الطلق يعزز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)

مع انتهاء فصل الشتاء وحلول الربيع، يجد كثيرون أنفسهم مرتبطين بعادات يومية اكتسبوها خلال الأشهر الباردة، مثل قضاء وقت أطول داخل المنزل أو الإفراط في شرب القهوة. ورغم أن هذه العادات قد تبدو مريحة، فإنها غالباً ما تؤثر سلباً على مستويات الطاقة والحالة المزاجية، وتحرم الإنسان من الاستمتاع بأجواء الربيع المنعشة.

ويقدم خبراء الصحة النفسية مجموعة من العادات التي يُنصح بالتخلي عنها مع تغير الفصول، إلى جانب بدائل بسيطة تساعد على تحسين جودة الحياة وتعزيز النشاط. وحسب مجلة «Real Simple» الأميركية، تقول الدكتورة هيلاري بيلوتو، المُعالجة النفسية بالولايات المتحدة، إنه خلال الشتاء يميل الجسم بشكل طبيعي إلى النوم لفترات أطول بسبب قلة ضوء النهار، وهو أمر بيولوجي طبيعي، لكن استمرار هذه العادة مع حلول الربيع قد يحرم الجسم من فوائد ضوء الصباح، الذي يعزز إفراز السيروتونين المسؤول عن تحسين المزاج والطاقة. وتوصي بيلوتو بالالتزام بمواعيد نوم واستيقاظ منتظمة، والتعرض لضوء الشمس صباحاً لتعزيز النشاط وتحسين جودة النوم ليلاً.

شعور بالعزلة

ومع تحسن الطقس، قد يظل البعض معتادين على البقاء في الأماكن المغلقة، ما قد يؤدي إلى شعور بالعزلة والانفصال عن الحياة المحيطة. وتنصح الدكتورة كلوي بين، المُعالجة النفسية في الولايات المتحدة، بالبدء بخطوات بسيطة، مثل فتح النوافذ أو أخذ استراحة قصيرة في الخارج، أو المشي حول المنزل، فحتى التعرض القصير للهواء الطلق يعزز المزاج ويزيد الطاقة والشعور بالحيوية.

كما يزداد اللجوء إلى المشروبات الساخنة خلال الشتاء، وخصوصاً القهوة، لكن الإفراط في تناول الكافيين قد يخلق دورة من النشاط المؤقت يعقبها شعور بالتعب، ما يعيق النوم الجيد ويزيد الحاجة لمزيد من الكافيين في اليوم التالي. وينصح الخبراء بتقليل الكمية تدريجياً واستبدال القهوة بعد الظهر بمشروبات منزوعة الكافيين أو الشاي، للحفاظ على روتين نوم صحي وطاقة مستمرة طوال اليوم.

ومع قصر النهار وبرودة الطقس، يصبح البقاء في المنزل خياراً مغرياً، لكن تكرار إلغاء الخطط قد يؤدي تدريجياً إلى العزلة. ويؤكد الخبراء أن التواصل الاجتماعي ضروري لتخفيف التوتر وتعزيز الدعم النفسي، وينصحون خلال فصل الربيع بالالتزام بخطط بسيطة أو تقليل مدة اللقاءات بدلاً من إلغائها بالكامل، مع التفكير في السبب الحقيقي وراء الرغبة في البقاء في المنزل، سواء كانت حاجة للراحة أو الرغبة في تجنب التوتر.

وتعد قلة الحركة خلال الشتاء أمراً شائعاً، لكنها قد تؤثر سلباً على المزاج وتزيد مستويات التوتر. وينصح الخبراء بالبدء بخطوات صغيرة، مثل المشي لمدة قصيرة أو أداء تمارين خفيفة في المنزل، أو تخصيص دقائق قليلة للتمدد، فهذه الخطوات تساعد على بناء روتين تدريجي ومستدام وتخلق شعوراً بالإنجاز والحيوية.

كما أن تراكم الأشياء غير المرتبة في المنزل قد يزيد الضغط النفسي؛ إذ يرسل إشارات مستمرة للدماغ بوجود مهام غير مكتملة. ومع حلول الربيع، يُنصح بالتعامل مع الفوضى تدريجياً، مثل ترتيب درج واحد أو رف واحد في كل مرة، ما يعزز شعور النظام والراحة النفسية.

ورغم سهولة طلب الطعام الجاهز، فإن الاعتماد المستمر عليه قد يقلل من الوعي بنوعية الطعام الذي نتناوله ويزيد النفقات اليومية؛ لذلك يوصي الخبراء بتجهيز مكونات بسيطة في المطبخ لإعداد وجبات سريعة، مع أخذ لحظة للتفكير فيما يحتاجه الجسم فعلياً قبل طلب الطعام، سواء كانت الراحة أو التوفير في الوقت.

ويشدد الخبراء على أن الهدف ليس التخلي عن هذه العادات فجأة، بل إدخال تغييرات صغيرة ومستدامة تدريجياً. فهذه الخطوات البسيطة والمتواصلة يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً في تحسين المزاج وزيادة النشاط، والاستمتاع بأجواء الربيع بأفضل شكل ممكن.


خامات من البيئة السعودية تزين منتجات الحرفيين بتصاميم معاصرة

بعض منتوجات الحرفية ندى سمان جامعةً الجلد والتطريز (ندى سمان)
بعض منتوجات الحرفية ندى سمان جامعةً الجلد والتطريز (ندى سمان)
TT

خامات من البيئة السعودية تزين منتجات الحرفيين بتصاميم معاصرة

بعض منتوجات الحرفية ندى سمان جامعةً الجلد والتطريز (ندى سمان)
بعض منتوجات الحرفية ندى سمان جامعةً الجلد والتطريز (ندى سمان)

رغم تسارع الصناعات الحديثة وتقارب ملامح المنتجات، تمكنت جلود الإبل من حجز مكانتها في مشهد الحرف السعودية، لا بوصفها خامة تقليدية وحسب، بل بوصفها منتجاً معاصراً يجمع بين المتانة والجمال والهوية الذي يتشكل في الحقائب والمحافظ الشخصية، والقطع الفنية المزخرفة، وتبرز بوصفها خياراً يعكس روح المكان ويواكب ذائقة اليوم.

ويعرف جلد الجمل بين الحرفيين لكونه وثيق الصلة بالبيئة الصحراوية، فهو يتميز بصلابته وقدرته على التحمل، إلى جانب نسيجه الطبيعي الواضح، هذه الخصائص جعلته مادة مثالية لصناعة منتجات تعيش طويلاً، وتزداد قيمتها مع مرور الزمن.

وسط هذا الحراك تمثل الحرفية السعودية ندى سمان نموذجاً لجيلٍ أعاد اكتشاف الحرف اليدوية بوصفها مساحة للتعبير، وقالت لصحيفة «الشرق الأوسط»: «حرفة الجلود والتطريز شغف وهواية من الطفولة، كانت الألوان والخيوط هي لغتي الأولى ولعبتي المفضلة»، مشيرةً إلى أن رحلتها الفعلية بدأت بعد المرحلة الثانوية حين التحقت بالمعهد المهني، وأن ما جذبها للحرف اليدوية هو قدرتها على «تحويل لا شيء إلى شيء ذي قيمة وروح»، موضحةً أن التطريز بالنسبة لها «يمثل الصبر والدقة، فكل غرزة هي حكاية وقت وجهد».

الحرفية ندى سمان خلال إحدى ورشات العمل على الجلد (تصوير: تركي العقيلي)

وكشفت عن رحلتها مع الجلد حيث إن العمل عليه في بداياتها جاء خلال تجربة مهنية: وأضافت: «قبل سنوات قدمت ورشة تطريز لإحدى الشركات، وكان محتواها التدريبي هو التطريز على الجلد الطبيعي، فكان بالنسبة لي تحدياً، والحمد لله كانت من أجمل المخرجات، وشكلت تلك التجربة نقطة تحول، إذ فتحت أمامي باباً لاستكشاف إمكانات الجلد»، ولم تتوقف بعدها عن تطوير مهاراتها في هذا المجال.

الحرفية ندى سمان خلال العمل على الجلد (تصوير: تركي العقيلي)

وبات التوجه نحو استخدام الموارد المحلية جزءاً من وعي الحرفيين، في ظل دعم متزايد للصناعات الثقافية، ما أسهم في إعادة تقديم الخامات التقليدية بأساليب حديثة. ووفق ندى، اختيار جلد الجمل ليس عشوائياً، مؤكدةً أن هذه الخامة تمتاز بمتانة استثنائية ووضوح طبيعي للمسامات يعطي القطعة فخامة تدوم للأجيال، إلى جانب رغبتها في إحياء استخدام الموارد السعودية. وانعكس هذا التوجه في أعمالها، خصوصاً في القطع التي تمزج بين الجلد والتطريز التقليدي، وفيما يتعلق بأبرز تجاربها تقول «أكبر حقيبة نفذتها كانت حقيبة رحلات أو حقيبة رياضية، دمجت فيها بين جلد الجمل والتطريز اليدوي العسيري، وتكمن قيمتها في الجمع بين خشونة الجلد ورقة الخيوط»، وهي رسالة مفادها أن التراث يمكن أن يكون معاصراً.

جانب من الأدوات المستخدمة في إحدى ورشات العمل على الجلد (تصوير: فاطمة القحطاني)

وتمر صناعة المنتجات الجلدية بسلسلة من المراحل الدقيقة التي تتطلب مهارة وصبراً، تبدأ من اختيار جلد عالي الجودة وتنتهي بقطعة تحمل هوية متكاملة، أُخضعت لعمليات دباغة منحتها مرونة ومتانة، بعد ذلك، يصمم شكل القطعة سواء كانت حقيبة أو محفظة أو سوار أو غيرها، قبل أن تُقص باستخدام مشارط حادة لضمان نظافة الحواف. وتأتي مرحلة التثقيب باستخدام المخارز، حيث تصنع ثقوب متساوية تمهيداً للخياطة اليدوية بخيوط شمعية قوية، وهي تقنية تمنح القطعة متانة وطابعاً حرفياً، وفي بعض الأعمال، تُضاف لمسات التطريز أو الزخرفة بالحرق، لتتحول القطعة إلى عمل فني، وتختتم العملية بمرحلة التشطيب التي تشمل تنعيم الحواف وصقل الجلد وإضافة مواد تحافظ على لمعانه، قبل تركيب الإكسسوارات النهائية.

تمتد تجربة سمان من الإنتاج إلى التدريب، وتبدي فرقاً جوهرياً بين الدورين تتابع: «بصفتي حرفية أنا أتعامل مع المادة، بينما بصفتي مدربة فأنا أتعامل مع الإنسان وهدفي يتجاوز نقل المهارة إلى نقل الشغف والإلهام» معتبرةً أن متعة التدريب تكمن في رؤية أثر التعلم في عيون المتدربين.

وعن واقع الحرف التقليدية، ترى سمان أن المخاوف من اندثارها بدأت تتراجع، كاشفةً: «كنا نواجه هذا الخطر، لكن اليوم نعيش نهضة حرفية». وتعزو ذلك إلى الدعم الذي يحظى به القطاع الثقافي، ما أسهم في تحويل الحرفة إلى مساحة مفتوحة للابتكار، وبين الماضي والحاضر يبدو جلد الجمل اليوم أكثر من مجرد مادة، إنه حكاية الحرفيين، يعاد تقديمها في منتجات تحمل روح الصحراء وتخاطب العالم بلغة معاصرة.


السعودية تطلق «شمس»... أول قمر اصطناعي عربي يرصد طقس الفضاء من مدارات بعيدة

عودة الإنسان إلى القمر... وبصمة سعودية تلامس الفضاء مع القمر الاصطناعي «شمس» (وكالة الفضاء السعودية)
عودة الإنسان إلى القمر... وبصمة سعودية تلامس الفضاء مع القمر الاصطناعي «شمس» (وكالة الفضاء السعودية)
TT

السعودية تطلق «شمس»... أول قمر اصطناعي عربي يرصد طقس الفضاء من مدارات بعيدة

عودة الإنسان إلى القمر... وبصمة سعودية تلامس الفضاء مع القمر الاصطناعي «شمس» (وكالة الفضاء السعودية)
عودة الإنسان إلى القمر... وبصمة سعودية تلامس الفضاء مع القمر الاصطناعي «شمس» (وكالة الفضاء السعودية)

أعلنت وكالة الفضاء السعودية نجاح الإطلاق والتواصل مع قمرها الجديد ضمن مهمة «آرتميس 2»، وبذلك لم تعد السعودية الشريك العربي الأول في هذا البرنامج الطموح وحسب، بل قدمت للعالم أول مهمة وطنية متخصصة في سبر أغوار «طقس الفضاء».

ويمثل «شمس» محطة فارقة في مسيرة الابتكار السعودي؛ فهو إنجاز متعدد الأوائل، حيث وُلد في المختبرات السعودية بكفاءات محلية، ليتحول من طموح وطني إلى عين علمية ترصد تقلبات النشاط الشمسي وتأثيراته الإشعاعية، وحماية لمستقبل الاتصالات والملاحة العالمية. وتعد مهمة «آرتميس 2» المرحلة الثانية من برنامج «آرتميس» الذي تقوده الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) بمشاركة دولية واسعة، وتهدف إلى إعادة الإنسان إلى محيط القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 5 عقود، تمهيداً لمهمات مستقبلية نحو المريخ.

‏انطلاقة تاريخية لمهمة «آرتميس 2» بمشاركة السعودية (وكالة الفضاء السعودية)

وفي عام 2022، انضمت السعودية إلى اتفاقيات «آرتميس» التي أطلقتها الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) NASA مع أكثر من 60 دولة حول العالم، لوضع إطار ينظم أنشطة استكشاف الفضاء، ولتكون السعودية جزءاً من منظومة دولية تقود مستقبل استكشاف الفضاء، وتعزز دورها بوصفها شريكاً فاعلاً في هذا القطاع.

وتحمل المهمة طاقماً مكوناً من 4 رواد فضاء في أول رحلة مأهولة تدور حول القمر، على متن مركبة «أوريون» التي تدفعها مركبة نظام الإطلاق الفضائي (SLS) أقوى مركبة يتم تشغيلها في تاريخ مهمات الفضاء حتى الآن، وتحمل على متنها القمر الاصطناعي السعودي «شمس» بوصفه إحدى الحمولات العلمية المصاحبة.

وسينتقل القمر الاصطناعي «شمس» إلى مدار بيضاوي عالٍ (HEO)، يبعد عن الأرض مسافة تتراوح ما بين 500 كيلومتر إلى 70,000 كيلومتر تقريباً، ويتيح تغطية واسعة لرصد تأثيرات النشاط الشمسي والإشعاعي، ما يعزز دراسات طقس الفضاء، وتوفير بيئة علمية متقدمة، تدعم التطبيقات الحيوية المرتبطة به.

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)

مختبر فضائي لمواجهة تحديات الإشعاع والنشاط الشمسي

يهدف القمر الاصطناعي «شمس» إلى دراسة طقس الفضاء ورصد تأثيرات النشاط الشمسي والإشعاعي على الأرض عبر 4 محاور علمية متنوعة، تشمل الإشعاعات الفضائية، والأشعة السينية الشمسية، والمجال المغناطيسي للأرض، والجسيمات الشمسية عالية الطاقة، إضافة إلى جمع بيانات علمية تساعد في تطوير تقنيات حماية الرحلات الفضائية المأهولة المستقبلية، ورصد الجسيمات النشطة الشمسية والحقول المغناطيسية لفهم طقس الفضاء.

وتسهم هذه المهمة العلمية في تعزيز موثوقية واستدامة القطاعات الحيوية المرتبطة بالفضاء، مثل الاتصالات والطيران والملاحة، من خلال توفير بيانات علمية تمكّن الجهات المعنية من رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز أمن البنية التحتية التقنية التي يعتمد عليها العالم في حياته اليومية.

وكشفت وكالة الفضاء السعودية أنها تستهدف من خلال هذه المهمة دعم البحث العلمي، وتطوير الحلول المستقبلية بما يعزز استدامة الخدمات المرتبطة بالفضاء، والإسهام في بناء اقتصاد معرفي مستدام عبر توطين التقنيات المتقدمة، وتحقيق مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، إضافة إلى تعزيز مكانة السعودية عالمياً في قطاع الفضاء، وترسيخ حضورها بوصفها شريكاً فاعلاً في استكشاف الفضاء، وتطوير القدرات الوطنية، وتمكين الكفاءات السعودية في علوم وتقنيات الفضاء.

ومن المخطط أن تثمر رحلة القمر السعودي عن المساعدة في جعل الرحلات أكثر أماناً، حيث يساعد فهم طقس الفضاء في حماية الطائرات وتعزيز السلامة، ويمهد الطريق لرحلات فضائية مأهولة آمنة إلى القمر والمريخ، مما يفتح أبواب تقنيات جديدة في الطب والطاقة والعلوم تعود بالفائدة على حياتنا على الأرض.

وستنعكس بيانات SHMS (شمس) في المساعدة على التنبؤ المبكر من العواصف، التي تتسبب عادة في تعطل الإنترنت، والاتصالات الهاتفية، وإشارات الملاحة، فيما ستسهم نتائج رحلة القمر السعودي في حماية شبكات الاتصال والتطبيقات التي تستخدم يومياً، إضافة إلى استقرار الكهرباء والطاقة وحمايتها من العواصف الشمسية القوية التي تسبب انقطاع التيار الكهربائي أو تلف محطات الطاقة، بينما ستعطي مراقبة الإشعاع والرياح الشمسية تحذيرات مسبقة، مما يقلل من انقطاع الكهرباء في المنازل والمصانع.

إنجاز علمي يرسخ حضور السعودية في مسيرة استكشاف الفضاء العالمي (وكالة الفضاء السعودية)

تطوير محلي يجسد نجاح توطين التقنيات المتقدمة

طُور القمر «شمس» داخل السعودية بكفاءات وطنية، وبدعم من مبادرات برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجيستية، أحد برامج تحقيق «رؤية المملكة 2030». ونوّه الدكتور محمد التميمي الرئيس التنفيذي المكلف لوكالة الفضاء السعودية ‏بجهود فريق وكالة الفضاء السعودية، وقال في منشور على حسابه الرسمي في «إكس»: «أشكر المبدعين والمبدعات في فريق الوكالة الذي صنع هذا الإنجاز الدولي بعزيمة لا تعرف المستحيل، وجهود دؤوبة أثمرت في نجاح مهمة القمر الاصطناعي «شمس» بالشراكة مع وكالة ناسا». وأضاف: «نفخر بكفاءاتنا الوطنية التي تثبت كل يوم قدرتها على تحقيق الريادة، وتمضي بالسعودية بثقة نحو آفاق أوسع في الفضاء، ‏كما نثمن جهود فريق برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجيستية (ندلب) على دعمهم المستمر».

من جانبه، قال المهندس جميل الغامدي الرئيس التنفيذي لبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجيستية، إن تطوير القمر الاصطناعي «شمس» داخل السعودية يجسد أثر مبادرات البرنامج في توطين التقنيات المتقدمة وبناء قدرات صناعية وطنية تنافسية، مؤكداً أن هذا الإنجاز يعكس تكامل الجهود الوطنية في تمكين الكفاءات وتعزيز المحتوى المحلي، بما يدعم مستهدفات «رؤية المملكة 2030».