من الشعر الأرسطي إلى بؤس البنيوية!

شكري عياد
شكري عياد
TT

من الشعر الأرسطي إلى بؤس البنيوية!

شكري عياد
شكري عياد

في بداية شهر مارس (آذار) 1993، كنت أسكن في فندق جورج الخامس بباريس، عندما فوجئت بقدوم المتفلسف العربي الضخم عبد الرحمن بدوي - رغم تحذيري المسبق من عدم استجابته - مستجيباً لدعوة عاجلة بإجراء حوار تلفازي معه، حيث لم تجرِ معه مقابلة تلفازية من قبل ومن بعد... لوهلة تصورته مستشرقاً ألمانياً! لمَ لا؟ وهو المعجب بالفلسفة الألمانية، ويعدّ هيغل أستاذه الأول. وعن وجوديتها كانت أطروحته للدكتوراه بإشراف الشيخ مصطفى عبد الرازق.

عبد الرحمان بدوي

بعد تطواف بين جامعات القاهرة وبيروت والكويت وبنغازي وطهران، قضى سنواته الأخيرة بباريس في غرفة صغيرة في فندق متواضع، ومنه كان يشق طريقه اليومي إلى المكتبة الوطنية، التي فتحت له خزائن مخطوطاتها دون سواه، فهو العاكف - خاصة - على إحياء التراث اليوناني حيث عمل على تحقيق ونشر مخطوطات أرسطو؛ العربية واليونانية، ومنها تحقيق كتاب «فن الشعر» لأرسطوطاليس مع الترجمة العربية القديمة وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد، سنة 1953.

بعد مقابلتي إياه بعامين، نقلت إلى د. شكري محمد عياد، في مقابلة تلفازية أخرى، ما قاله إنه كان أسبق منه في ترجمة الكتاب، وإن عياد قد أفاد منه دون ذكر لذلك.

فأجابني: «على ما أذكر، فإن كتاب عبد الرحمن بدوي قد صدر بعد أن انتهيت من رسالتي، حيث قدمتها لكلية الآداب للمناقشة في سبتمبر (أيلول) 1952، وكانت مناقشتها الفعلية في أكتوبر (تشرين الأول) 1953، 13 شهراً بين التاريخين، وخلال هذه المدة ظهر كتاب عبد الرحمن بدوي، الذي أحترمه جداً وأقدّره وأعدّه من أنشط الكتّاب، وقبل صدور كتابه قابلته عدة مرات، وكان يعرف أنني أبحث في كتاب الشعر، وكنت أعرف أنه يعدّ أيضاً كتاباً يجمع فيه هذه النصوص، ولا بأس أن أقول إنه أخفى عني معرفته بنصّ الفارابي، لأنني في كلامي عن الفارابي اعتمدت على نقولٍ عنه في كتبٍ متأخرة، إنما وجد هو له نصاً نشره أحد المستشرقين في تلخيص صغير لكتاب «الشعر».

وحين كررت على عياد: «لكن بدوي يقول إنك قد أخذت منه!»، أوضح: «الكتابان موجودان... لا أنا ولا هو بدأنا بنشر ترجمة (متى بن يونس)، لأن هذه الترجمة نشرها المستشرق البريطاني مارجليوث في القرن التاسع عشر، ونشرها بعد ذلك في الثلاثينات مستشرق ألماني اسمه ياروسلاف تكاتش، وكلانا كان يعرف هذين العملين، وأنا أشرت إليهما محللاً عمل مارجليوث وتكاتش في مقدمة رسالتي، ولا أظن أن عبد الرحمن بدوي قد صنع هذا، كما أنه كتب مقدمة عن قيمة كتاب الشعر الأرسطي، ونشر ترجمته الحديثة، وكتب تعليقات عليها، وهذا ليس من الصعب الحصول عليها من كتب النقد الأدبي القديم، وألحق بها النصوص العربية لـ(متى بن يونس)، ثم تلخيص الفارابي، ثم تلخيص ابن سينا، ثم تلخيص ابن رشد، أما أنا فقد وضعت ترجمة (متى بن يونس) بالتوازي مع ترجمة عربية حديثة حتى يظهر الفرق بين الاثنين، لكن إضافتي الحقيقية كانت دراسة تاريخ الكتاب في الثقافة العربية، بينما درس هو تاريخه في الثقافة الأوروبية في مقدمة الكتاب، ثم أورد النصوص العربية كما هي». وأضاف: «ذكرني هذا الأمر، عندما انتهيت من الدراسة، وعُرِفت في البيئة الجامعية، سمع عنها طه حسين، وطلب أن أذهب إليه، فذهبت إليه ومعي نسخة، فسألني هذا السؤال الصريح: هل عملك أفضل أم عمل عبد الرحمن بدوي؟ فسكتُّ قليلاً ثم استنجدت بكل شجاعتي، ثم قلت له: عملي أفضل، ثم عددت له الأسباب لقولي ذلك، وهذا ليس لأنني أفضل من عبد الرحمن بدوي، بل إنني أعتقد أنه أعلم وأفضل وأذكي مني، إنما أنا أشدّ إخلاصاً وتفانياً للعمل الذي أريد أن أقوم به».

طه حسين

تأثر العياد بأمين الخولي

انضم شكري عياد إلى قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة فؤاد (جامعة القاهرة) مفتوناً بسحر شخصية طه حسين، الذي أحدث دوياً هائلاً بين أروقتها إثر صدور كتابه «في الشعر الجاهلي» 1926 غير أن عياد تأثر بمن درّسه على مقاعد الدراسة الجامعية؛ الشيخ أمين الخولي في البلاغة والتفسير، فمشرفاً على رسالة تلميذه للماجستير في البلاغة العربية «يوم الدين والحساب» سنة 1948، ثم إشرافه على أطروحته للدكتوراه، تاركاً أثره على تلميذه النجيب، بمحاضرته في الجمعية الملكية الجغرافية سنة 1931 عن «البلاغة العربية وأثر الفلسفة فيها»، بالتزامن مع محاضرة طه حسين عن «البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر»، التي ألقاها في نفس العام في مؤتمر المستشرقين بلندن، وقد ذهب إلى أن الأثر الأرسطي يكاد يكون باهتاً أو معدوماً، حاصراً ذلك في تأثر قدامة بن جعفر في كتابه الثابت «نقد الشعر» وكتابه المشكوك فيه «نقد النثر» وتبين مؤخراً أنه لابن وهب... باعتبار ما قام به السريان العرب المسيحيون من ترجمة كتب أرسطو، خاصة كتابيه «فن الشعر» و«فن الخطابة»، بوصفهما كتابين في المنطق، حيث عكف السريان على نقلها لاستخدامها في مجادلاتهم الدينية، خاصة بعد مجيء الإسلام وانتشاره بين مسيحيّي الشرق.

من هنا، قام تراجمتهم، وفي طليعتهم متى بن يونس، بترجمة كتاب «فن الشعر» لأرسطوطاليس، الذي شكك ابن سعيد السيرافي في مناظرتهما أمام الخليفة المقتدر، بأنه لا يحسن الترجمة من اليونانية، رغم وجود روايات عن ترنم متى بأشعار هوميروس بأصلها اليوناني. وربما بسبب تسلل المنطق الأرسطي إلى بغداد العباسية في ذروة انفتاحها الفكري، وجدنا أبا نصر الفارابي يهتم بالفكر اليوناني ويؤلف عن «فلسفة أرسطوطاليس» و«الجمع بين الحكيمين» أي أفلاطون وأرسطو، وهما كتابان عُني بهما أستاذ كرسي الدراسات العربية بجامعة هارفارد العراقي د. محسن مهدي، الذي ألّف كتاباً عنه: «الفارابي وتأسيس الفلسفة الإسلامية السياسية»... وقد شهد ابن صاعد الأندلسي في كتابه «طبقات الأمم» للفارابي بالبراعة في صناعة الفلسفة، والتحقق بفنون الحكمة والاطلاع على أسرار العلوم، ليتقدم أبرع فلاسفة العرب (الكندي وابن سينا وابن رشد) في الاشتغال بكتاب «فن الشعر» وكتاب «الخطابة»، إذ استقاهما في بغداد من أستاذه المباشر متى بن يونس، ورغم ضياع نص ترجمة الفارابي المعنونة بـ«رسالة في قوانين صناعة الشعر» فإنه ترك أثره - ربما قبل ضياعه - على شرح ابن سينا في كتابه «البرهان من كتاب الشفاء»، الموسوم بوضوح نص أرسطو أكثر من التراجمة الأخيرِين، خمن ذلك بنقله المباشر عن الفارابي دون ذكر اسمه!

مترجمو العصر العباسي والباعث الديني

كان باعث المتكلمين العرب في العصر العباسي المتأثرين بفكر أرسطو، خاصة في كتابه «فن الخطابة»، باعثاً دينياً - كما هو الشأن مع السريان - لكن من جهة الإعجاز القرآني، بعدما ثار الجدل حوله مع نشأة الفكر المعتزلي، وهو ما جعل د. أمين الخولي في محاضرته المومأ إليها سنة 1931 يذهب إلى أن الإعجاز القرآني أثّر تأثيراً كبيراً في التأليف البلاغي لدى الرماني والخطابي، ليتجلى ذلك في مداولات المعتزلة حول مسألة الحسن والقبح العقليين، وقد أصبحت المقدمة المنطقية مدخلاً أساساً للبحث في علوم البلاغة للاستدلال على الإعجاز القرآني، وأصبحت الفلسفة لذلك متصلة بالبلاغة العربية.

فهل لذلك - يا ترى - يكمن توجه شكري عياد للاهتمام بكتاب «أرسطوطاليس في الشعر - نقل أبي بشر متى بن يونس القنائي من السرياني إلى العربي - حققه مع ترجمة حديثة ودراسة لتأثيره في البلاغة العربية»، الصادر سنة 1967، وقد أشاع أستاذاه طه حسين وأمين الخولي - كما بيّنا - أن البيان العربي منذ نشأته كان خاضعاً للتأثير الأرسطي، وأن الفلسفة اليونانية أثّرت في نشأة البلاغة العربية، حتى أصبحت مجرد أصداء لما أخذوه من كتابي أرسطو «فن الشعر» و«فن الخطابة»، في حين أن البيان العربي وقضاياه البلاغية قد تشكّلا قبل أن يعرف العرب كتابي أرسطو، إلا أن عياد لا ينفي قط تأثر البلاغيين العرب بالمنطق الأرسطي، كما وضح لدى عبد القاهر الجرجاني بنظرية النظم ووحدة الكلام في كتابيه «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة»، وحازم القرطاجني في كتابه «منهاج البلغاء» بوصف البلاغة علماً كلياً لعلوم الإنسان واللسان، والسكاكي في كتابه «مفتاح العلوم» الذي امتاز بتبويب البلاغة... لخّصه القزويني بعده في القرن الثامن الهجري في كتابه «الإيضاح في علوم البلاغة» الذي قرأناه على أستاذنا د. عياد في كلية الآداب جامعة الملك سعود، وقد تألقت تعريفات القزويني بالدقة المنطقية.

محاولة إنشاء علم جديد في الثقافة العربية

وقتذاك في منتصف السبعينات الميلادية، لاحظ عياد الفوضى البلاغية التي شاعت بين شباب الأدب والشعر، محاولين تحطيم كل بلاغة مأثورة بحثاً عن بلاغة جديدة، لذلك أقنع قسم اللغة العربية بتدريس مادة علم الأسلوب، محاولاً إنشاء علم جديد في الثقافة العربية، مستمداً من تراثها اللغوي والأدبي، على ضوء الدراسات اللغوية والنقدية في أوروبا وأميركا... ومؤلفاً في ذلك كتاباً رائداً، حين كان يرأس كرسي الأدب والبلاغة بجامعة الملك سعود لسنوات طوال.

غير أنه وجد نفسه محاصراً بالبنيوية في تحليل النصوص تحليلاً غامضاً مجرداً، لتعمل التفكيكية من بعدها على تحطيم كل الحدود التي تجعل للنص وجوداً متميزاً، مرجئة فهمه! وهو ما كشف عنه ليونارد جاكسون في كتابه «بؤس البنيوية» أن ما بدأته البنيوية بوصفها استراتيجية بحث عقلاني في أواخر العشرينات، انطوى على عيب أساسي، نشأ عما دعاه بـ«البؤس المنطقي» في نموذج اللغة الأساسي، وهو قصور في تفسير وقائع اللغة ذاتها، فما بالك بوقائع الأدب والمجتمع.

هكذا يتساءل جاكسون بوصف التأويل الأدبي والنقد التقويمي ممارستين اجتماعيتين، ويواصل: «إذا ما عرّفنا النقد بأنه تأويل عام ومترابط للأعمال الفنية المعقدة على نحو يجد قبولاً لدى كل من الفنان والجمهور، فإن من الطبيعي أن نتنبأ بأننا لن نعرف لوقت قادم أي نظريات مرضية تتناول هذا النشاط»، مؤكداً أن معظم الخطابات حول الأدب ليست نظرية أدبية أو بحثاً أدبياً، وإنما هو ضرب من التأويل والتقييم.

الموقف من البنيوية

هذا هو ما أصبح شغل د. شكري عياد الشاغل، كما بيّن ذلك في بحثه المتضمن كتابه «اتجاهات البحث الأسلوبي» المترجمة أبحاثه، حينما وصف مناهج البحث النقدي الجديدة بأشبه بطلاسم كهنوتية، من المحرم فهم قارئ الأدب لها! داعياً ألا يخدعه «ناقد ناقص الخبرة متعالٍ متعالم في استخدامه الأجوف لمصطلحات غامضة يزدردها دون فهم وإدراك ووعي، ما يخيف القارئ ويرهبه، فيبتعد كلياً عن النقد متهماً نفسه بالجهل، مفتقداً الاتصال بالنص الأدبي موضوع النقد».

وفي العدد الثاني من مجلة «فصول» سنة 1981، وضّح موقفه النقدي المخدوم بترسانة هائلة من القراءات المتعمقة في الإجراءات النقدية الجديدة، هذه التي سوّق لها «وكلاء» عرب على غير هدى، خاصة في دول المغرب العربي، ما قضى على تاريخ الذوق في النقد العربي... موضحاً في مقاله البحثي المعنون «موقف من البنيوية» أن البنيوية حاولت أن تقنن الأدب كنظام عقلي مجرد، ولكنها اصطدمت بالأدب كإنتاج يعبر عن حالة نفسية لإنسان العصر، وبينما نرى انتصارات الكمبيوتر تتوالى في ميدان العلوم الطبيعية، ودور الإنسان ينكمش في تشكيل الحياة، نرى الأدب الحديث والبنيوية ممثلين لهذا الأدب الحديث ومدافعين عنه، يقدمان للإنسان صورة جديدة من حلم العالم الآخر، ويفشلان كل الفشل في الوصول إلى أي قانون عام.


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.