بولتون لـ«الشرق الأوسط»: ضربة أصفهان أظهرت أداءً إسرائيلياً محدوداً للغاية

مستشار الأمن القومي الأميركي السابق رجّح المزيد من الضربات الإسرائيلية... وانتقد ضغوط إدارة بايدن

TT

بولتون لـ«الشرق الأوسط»: ضربة أصفهان أظهرت أداءً إسرائيلياً محدوداً للغاية

مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون (أرشيفية - أ.ف.ب)
مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون (أرشيفية - أ.ف.ب)

رأى مستشار الأمن القومي السابق، جون بولتون، أن ضربة أصفهان أظهرت «أداء إسرائيلياً محدوداً للغاية». وعدّ بولتون، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن سبب هذا الرد المحدود هو «الضغط الهائل من قبل إدارة بايدن». ولم يستبعد المسؤول الأميركي السابق أن تشن إسرائيل المزيد من الضربات، مشيراً إلى أن «الرد المخفف قد يُعرّض إسرائيل لخطر أكبر؛ لأن النظام الإيراني قد يستنتج أن الإسرائيليين غير جديين فيما يتعلق بالتصدي له».

وانتقد بولتون غياب أي استراتيجية أميركية في الشرق الأوسط، مشدّداً على ضرورة التصدي لطهران و«حلقة النار» التي أسّستها مع وكلائها في المنطقة. كما انتقد بولتن تصريحات الرئيس السابق دونالد ترمب، بأن هذه الهجمات الإيرانية ما كانت لتحصل في عهده، وقال إن الإيرانيين يعدّونه «صاحب أقوال دون أفعال».

وفيما يلي نص الحوار.

* ما تقييمك المبدئي لضربة أصفهان؟

- أظن أنها أظهرت أداءً محدوداً للغاية. وهذا يمكن أن يُعد خطأ من قبل إسرائيل. وأعتقد أن إسرائيل تعرضت لضغط هائل من إدارة بايدن للتخفيف من حدة الرد، ولست متأكداً من أنهم عبر فعل ذلك لم يقللوا من أهمية ما كانوا يحاولون القيام به. لكن لنرَ، ربما هذه ليست نهاية الأمر، لكن إذا كانت النية هي إظهار قوة إسرائيل لردع الهجمات الإيرانية المستقبلية، فأنا لست متأكداً من أنهم أنجزوا هذه المهمة.

* قلتَ إن على إسرائيل أن تعطل قدرات إيران الدفاعية، هل ترى أن ما جرى هو الخطوة الأولى لتحقيق ذلك؟

ـ بالطبع، لم تعترف إسرائيل بأنها كانت وراء الهجوم. لذا، من الصعب معرفة ما يدور في أذهانهم. هذا جزء مما يثير الحيرة حول هذا الموضوع أيضاً. لكن يمكن تفسير الصمت كذلك على أن المزيد قد يكون قادماً. أعتقد أن الضغط من البيت الأبيض كان عاملاً مهماً، بل ربما العامل الأساسي في قرار إسرائيل وتأخرها في الرد بعد الهجمات الإيرانية خلال عطلة نهاية الأسبوع. ومن الواضح أنهم يأخذون بعين الاعتبار الوضع في غزة، ومع «حزب الله»، لكنني قلق من واقع أن الهجوم يبدو أنه تم تنفيذه بالطائرات المسيرة فقط. فقد استخدمت إسرائيل الطائرات المسيرة ضد إيران من قبل أيضاً من دون أن تنسب الأمر إليها. لكن هذا لا يظهر لنظام الملالي في طهران أن أي شيء تغيّر نتيجةً لهجومه بأكثر من 320 صاروخاً باليستياً وصواريخ كروز وطائرات مسيرة خلال عطلة نهاية الأسبوع. لذا، أعتقد أن هذا الرد المخفف قد يُعرّض إسرائيل لخطر أكبر، لأن الملالي قد يستنتجون أن الإسرائيليين غير جديين فيما يتعلق بإيران.

* وصفتَ دعوة الرئيس الأميركي جو بايدن لإسرائيل بعدم الرد بأنها «إحراج»، ألا تخشى مزيداً من التصعيد في المنطقة؟

- تصريح بايدن بأن ما جرى (بعد هجمات إيران) يُعدّ «انتصاراً» (لإسرائيل) فقط لأنها ما زالت على قيد الحياة، هو مخزٍ. إن البقاء على قيد الحياة هو الحالة الطبيعية، وليس مواجهة 320 سلاحاً موجهاً ضدها. وحقيقة أن هذا الهجوم لم ينجح لا ينبغي أن تريح إسرائيل، أو البيت الأبيض بقيادة بايدن.

أفادت كل من صحيفة «وول ستريت جورنال» و«سي بي إس»، نقلاً عن مصادر أميركية، بأن من بين 120 صاروخاً باليستياً أطلقتها إيران فإن النصف تقريباً؛ أي 60 صاروخاً، فشل إما على منصة الإطلاق وإما تحطم قبل أن يقترب بما فيه الكفاية من إسرائيل ليتم إسقاطه. ما يعني أن عدم كفاءة إيران وفشل أنظمة صواريخها هو الذي لم يؤدِّ إلى إرسال 60 صاروخاً باليستياً نحو إسرائيل، ما كان من الممكن أن يسبب الكثير من الضرر. فمهما كانت جودة تكنولوجيا الدفاع الصاروخي التي تمتلكها الولايات المتحدة وإسرائيل وغيرهما، فإنها استفادت أيضاً من فشل الجانب الإيراني، وهذا ليس بالأمر الجيد.

* كيف برأيك يجب أن يكون الرد الإسرائيلي على الهجمات الإيرانية؟

- كان يجب أن يكون الهجوم أوسع نطاقاً. وكما قلت، لا أعلم إذا كان الأمر قد انتهى أم لا، لكن من شبه المؤكد أن الصواريخ والطائرات دون طيار الإيرانية التي أُطلقت من الأراضي الإيرانية لم تأت جميعها من هذه القاعدة الجوية بالقرب من أصفهان، التي هاجمها الإسرائيليون. لذا أعتقد أنه كان يجب شن هجوم على جميع مواقع الإطلاق وجميع رادارات الدفاع الجوي المحيطة. هذا كان سيشكل حداً أدنى من الرد، وهو ما لم تفعله إسرائيل. وأعتقد أنه كان يتوجب الذهاب إلى أبعد من ذلك؛ ليظهر لصانعي القرار في إيران أنه يجب عليهم أن يفهموا أنهم إذا هاجموا إسرائيل مرة أخرى فسيواجهون برد فعل يكلفهم أكثر بكثير مما يأملون بالتسبب فيه من ضرر لإسرائيل. هكذا يتم تثبيت سياسة الردع.

* ذكرت إن إدارة بايدن ترفض النظر إلى الصراع في الشرق الأوسط من زاوية استراتيجية، ماذا تعني بذلك؟

- البيت الأبيض والكثيرون في أوروبا يرون الوضع على أنه نزاعات منفصلة، غير مرتبطة ببعضها. بدايةً من هجوم «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، ولكن «حماس» و«حزب الله» و«الحوثيين» والميليشيات الشيعية في العراق وسوريا تعمل وكلاءَ لإيران وحملتها الشاملة لـ«حلقة النار» ضد إسرائيل، وضد بعض دول الخليج كذلك التي أعتقد أنها تقع ضمن «حلقة النار».

لذا، فقد تم تسليح هذه الجماعات الإرهابية، وتجهيزها، وتدريبها، وتمويلها من قبل إيران لتنفيذ أوامرها، لكن ليس هناك علاقة واضحة بين القيادة والتنفيذ. ليس هناك مثل العلاقة (الموجودة) في «الناتو» مثلاً.

كل هذا تم تدبيره من قبل إيران، واعتبار أن الهجوم الإيراني خلال عطلة نهاية الأسبوع أمر منفصل عن «حماس» أو منفصل عن «حزب الله»، هو برأيي، سوء فهم جوهري لما هو عليه الواقع الاستراتيجي. وإذا كنت لا تفهم طبيعة التهديد الذي تواجهه، فمن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، التعامل معه بفاعلية.

* يقول بعض المسؤولين السابقين في عهد ترمب إن ما يجري اليوم في الشرق الأوسط هو بسبب غياب استراتيجية واضحة للإدارة الأميركية، هل توافق على هذا الطرح؟

- إن غياب استراتيجية يعيق الجهود الأميركية لمحاولة مساعدة إسرائيل، وكذلك لتوفير الاستقرار لدول الخليج، والأردن، ومصر المهددة كذلك من الأنشطة الإرهابية لهذه المجموعات التي ترعاها إيران.

وفي حالة «حماس» مثلاً، إنها مجموعة تُعدّ فعلياً فرعاً من جماعة الإخوان المسلمين التي واجهت مصر مشاكلها الخاصة معها. إنها حالة تدُلّ على وجود عامل مشترك بين إسرائيل والعديد من الدول العربية. والولايات المتحدة في الواقع تُقوّض جهود الدول في المنطقة للعمل معاً بشكل أوثق من خلال التملق لإيران؛ إذ إنها ما زالت تحاول العودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015، والتصرف كما لو أن إيران لا تشكل تهديداً للسلام والأمن في المنطقة، كما هي الحال الآن.

* قال الرئيس السابق دونالد ترمب إن هذه الهجمات ما كانت لتحصل في عهده، هل تتفق مع هذا التقييم؟

- هذا النوع من التصريحات لا يحمل أي إثباتات. إنه تصريح متعلق بالحملات الانتخابية، ولا أعتقد أنه دقيق، فالإيرانيون يعتقدون أن ترمب صاحب أقوال لا أفعال، وأن أداءه الفعلي ربما لم يكن مختلفاً كثيراً عن إدارة بايدن. قد نكتشف ذلك بناءً على كيفية سير الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني). الأمر قريب جداً، فلا أحد يعرف حقاً ما ستكون عليه النتيجة في الوقت الحالي.

* يبدو أن إدارة بايدن عادت إلى اعتماد سياسة العقوبات ضد إيران، هل هذه العقوبات التي فرضتها كافية للضغط على طهران؟

- لا، ويعود ذلك لأن إدارة بايدن لم تطبق العقوبات التي أعيد فرضها بعد انسحاب إدارة ترمب من الاتفاق النووي بفاعلية.

نشرت «فايننشال تايمز» مقالاً تقول فيه إن مبيعات النفط الإيراني في العام الماضي عادت اليوم إلى المستوى الذي كانت عليه قبل ست سنوات بعائدات 35 مليار دولار، وذلك بشكل أساسي من الصين. لكن هذا يُظهر أنه إذا لم تفرض العقوبات، فإن إيران تحصل على عائدات يمكن أن تستخدمها للأنشطة الإرهابية أو برنامج الأسلحة النووية.

لذا، الإعلان عن عقوبات جديدة اليوم من دون الحرص على فرضها، على غرار العقوبات الموجودة حالياً، لن يزيد الضغط على إيران، ولن يُقيّد أفعالها بأي شكل من الأشكال.


مقالات ذات صلة

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

المشرق العربي مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

خاص إسرائيل تواصل تصفية نشطاء بارزين بـ«حماس» و«الجهاد»

تواصل إسرائيل استهداف نشطاء بارزين في «حماس» و«الجهاد الإسلامي» بقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون قادمون من رفح يصلون إلى مستشفى «ناصر» في خان يونس (رويترز) p-circle

غزة: 225 مسافراً عبر معبر رفح خلال أسبوع وسط قيود مستمرة

شهدت حركة السفر عبر معبر رفح البري عبور 225 مسافراً، خلال الفترة من الثاني إلى التاسع من الشهر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي جانب من الدمار جرَّاء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ب) p-circle

إندونيسيا تستعد لإرسال 8 آلاف جندي إلى غزة دعماً لخطة ترمب

تستعد إندونيسيا لإرسال ما يصل إلى 8 آلاف جندي إلى غزة، دعماً لخطة السلام التي يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

5 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة

كشف مسؤولون بقطاع الصحة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، جراء غارات جوية وإطلاق نار من جانب القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».


«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتصاعد المطالب بسرعة نشر قوات الاستقرار في قطاع غزة التزاماً باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، بالتزامن مع إعلان إندونيسيا بدء تدريب عناصر من جيشها في هذا الصدد.

تلك التحركات والمطالب، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها ستكون دافعاً للتعجيل بالمرحلة الثانية التي لا تزال تراوح مكانها منذ إعلان بدئها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، متوقعين حدوث ضغوط أميركية لإنجاز هذا الأمر، خاصة مع الاجتماع المقبل لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه، الثلاثاء، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية بدولة روسيا الاتحادية، سيرغي ناريشكين، على «محورية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية منه، لا سيما إدخال المساعدات، وسرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الثلاثاء، أهمية سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وذلك خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا.

جاء ذلك غداة إعلان الجيش الإندونيسي بدء الاستعدادات لنشر محتمل لقواته في قطاع غزة، ضمن مهمة «مجلس السلام» الذي أعلن عنه في وقت سابق الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله رئيس الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين محورية تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة (الرئاسة المصرية)

وقال رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، الاثنين، إن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، الواحد يتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

وأضاف أن الجيش يركز حالياً على تجهيز الأفراد، بانتظار مزيد من التنسيق بشأن الوضع في القطاع المدمر.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، أن بدء تدريبات إندونيسيا يزيد الزخم لبدء عمل قوات الاستقرار الدولية قريباً، ويدفع بالمرحلة الثانية التي تقف في مرحلة جمود، مشيراً إلى أن هناك ترتيبات لم تتم حتى الآن لبدء نشر قوات الاستقرار الدولية، وهو ما يؤخر وصولها حتى الآن، والعقبة حتى الآن في عدم حسم انسحاب إسرائيل من قطاع أو نزع سلاح «حماس».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن هناك تحركات تضغط من أجل الدفع بهذه القوات الدولية للوجود على الأرض، لا سيما من مصر ودول عدة، لكن غير واضح أن هناك حسماً للأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك تخوفاً من الدول، لا سيما إندونيسيا، من الصدام مع الجانب الفلسطيني، وحذراً كبيراً وتردداً متكرراً، في ظل عدم حسم صلاحيات القوات بعد، مستدركاً: «لكن هي خطوة يعول عليها في الدفع بها خلال اجتماع مجلس السلام المقبل لبدء فعلي للمرحلة الثانية».

وقوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان، قبل أيام، إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن، الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران.

ويعتقد فرج أن ترمب سيضغط خلال الاجتماع الوشيك للمجلس أو مع نتنياهو لتنفيذ خطته بشأن غزة، سواء على إسرائيل أو «حماس»، حتى لا يبدو أن مجلسه فشل أو تعثر، وربما تكون قوات الاستقرار أحد البنود الرابحة من هذا الاجتماع.

ولا يراهن نزار نزال كثيراً على الاجتماع الوشيك أو لقاء نتنياهو بترمب، الأربعاء، موضحاً «أن هناك قضايا ذات أولوية لإسرائيل هي إيران الآن، وربما الرئيس الأميركي يضغط لحسم موقف القوات الدولية التي ترفض حكومة نتنياهو مشاركة تركيا فيها، وقد نرى انفراجة في ضوء تحركات واتصالات القاهرة ومواقف أخرى كاستعدادات إندونيسيا».