خزانة التُّراث... كتبٌ تنقذ كتباً مِن الضّياع

المؤلفون الأقدمون كانوا أمناء في ذكر مصادرهم وليس كما يُشاع

رسم تخيلي للجاحظ
رسم تخيلي للجاحظ
TT

خزانة التُّراث... كتبٌ تنقذ كتباً مِن الضّياع

رسم تخيلي للجاحظ
رسم تخيلي للجاحظ

كان كتاب محمّد بن إسحاق النَّديم الوراق (تـ: 380هـ) «الفهرست» معجماً لأسماء الكُتب أكثر مِنه للرِّجال؛ وهو مِن الأعمال المبكرة في هذا الشّأن، ثم أتت مِن بعده الفهارس. تجد في هذا المعجم مئات الكتب المفقودة، التي لا أثر لها حتّى يومنا هذا، لكن العديد مِن هذه المفقودات، التي ذكرها النّديم، ثم ياقوت الحموي (تـ: 626هـ) في «إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب» (معجم الأدباء)، ظهرت نصوص في كتب اطلع مؤلفوها عليها واقتبسوا منها، ومَن جمع هذه الاقتباسات وأظهرها في كتاب مثل جهود مصطفى جواد (تـ: 1969) وجمعه للضائع مِن «معجم الأدباء»، جامعاً مادة كتابه ممن اعترفوا بالأخذ مِن الحموي، مطلعاً على معجمه قبل ضياع صفحات أو فصول منه. هذا يجعلنا نقرُّ للمؤلفين الأقدمين بأنهم أمناء في ذِكر مصادرهم، وليس مثلما يُشاع، ويؤخذ عذر للسرقة والاعتداء على جهود الآخرين.

مِن أسباب الضّياع، مِن غير عوادي الزّمن، أو حرق المكتبات، أو أفعال الغزاة، أو منعها مِن التداول فيقضي عليها الإهمال، التلخيصات التي يقوم بها بعضهم، فيهمل الأصل لطوله ويظل المختصر متداولاً، مثل كتاب «مختصر كتاب البلدان»، والكتاب الأصل عنوانه «أخبار البلدان» لابن الفقيه (القرن الثّالث الهجريّ)، الذي ضاع ثم عُثر عليه بعد الاختصار، فوجد أن المُختصر أهمل بلداناً عديدة مِن الأصل، فورد في خاتمة الكتاب «تم الاختصار» (طبعة ليدن 1302هـ)، ثم جاء مَن نشر النَّاقص (السّواد، والأهواز، والتُّرك) محققاً، بجهود المحققين: ضيف الله الزّهراني ومريزن عسري، وصدر عن جامعة أم القرى بمكة (1997).

غلاف «الضائع من معجم الأدباء»

حصل الإنقاذ مِن أعداء ومِن أصحاب، فلولا ردود المعتزلي أبي الحُسين الخياط (تـ: 290هـ) على أبي الحُسين أحمد بن يحيى الرّاونديّ (تـ: 245هـ)، ما وصلنا كتابه «فضيحة المعتزلة»، الذي ردَّ به على كتاب عمرو بن بحر الجاحظ (تـ: 255هـ) «فضيلة المعتزلة»، فكان كتاب «الانتصار والرّد على الملحد بن الرّاونديّ»، والأخير كان معتزلياً ثم عدل عن الاعتزال، فصار عدواً. لا وجود لأصل ولا منسوخ لـ«فضيحة المعتزلة» لكنه وصل كاملاً بفضل الرّد عليه، ولو عَلم الخياط شيخ المعتزلة في زمانه أنَّ رده سيحيي كتاب عدوه، ما ردّ عليه، وفي العصر الحديث قام الباحث عبد الأمير الأعسم (تـ: 2019) بجمع نصوص الرّاونديّ، التي رد عليها الخياط، وأصدرها بعنوانها: «فضيحة المعتزلة»، لكن جاءت بعض نصوص الفضيحة متداخلة مع نصوص الرَّدِّ، فظهر كأن الراوندي يرد على نفسه، ويرميها بأقذع النُّعوت.

كذلك لولا رد ابن الرّاوندي ما شمر شيخ المعتزلة الخياط عن ذراعه؛ وترك لنّا تاريخاً لأفكار ومقالات المعتزلة، وكان دفاعه عن الجاحظ، الذي يشير إليه بشيخنا، وبالفعل كان الجاحظ أحد شيوخ الاعتزال، مع كل مَن ردَّ عليهم الرَّاوندي. كذلك كتاب «فضيحة المعتزلة» أرخ لمقالات مَن عاصرهم مِن المعتزلة، وكان هو مِن داخلهم. إنها أسباب ومسببات، فكمْ مِن كتابٍ صار سبباً لتأليف ضده، وبذلك تنتعش الأفكار، فلا نعلم أن للجاحظ كتاباً في «حيل اللُّصوص» لولا مَن عيره به قائلاً: «وأما كتبه المزخرفة فأصناف منها حيل اللُّصوص، وقد عَلم بها الفسقة وجوه السَّرقة» (البغداديّ، الفرق بين الفِرقِ)، ولولا ما استشهد به الآخرون فيما كتبوا عن اللُّصُوص.

إذا كان الخياط أنقذ كتاب «فضيحة المعتزلة» لخصمه اللدود أبي الحسين الرّاونديّ، فإن محباً أنقذ كتاب «الأخبار» للجاحظ، الذي ما زال مِن المفقودات، ولم يجمعه أحد، كي يصدر مستقلاً؛ فنشوان الحميريّ (تـ: 573هـ)، وهو يُعد مِن معتزلة اليمن، وهم بالأصل الزّيدية، مِن معتزلة بغداد، أنقذ جزءاً مِن كتاب الجاحظ المفقود «الأخبار»، ذكره أبو الحُسين الخياط بعنوان «تصحيح مجيء الأخبار».

شغل كتاب «الأخبار» مِن كتاب نشوان الحميريّ «الحور العين» (دار أزال 1985) تسع عشرة صفحة (270 - 289)، نقدرها بنحو أربعة آلاف كلمة، ولا نظن أن الكتاب كامل، لكن أهميته لنشوان الحميريّ كمعتزلي هو ما يُعد بمثابة الجرح والتّعديل في الحديث؛ فيما قاله شيخ المعتزلة وفيلسوفهم إبراهيم بن سيار النَّظام (تـ: نحو 230هـ)، وهو أستاذ الجاحظ، فعنوان «الأخبار» المقصود به روايات الحديث، التي يراها النّظام متناقضة، ويتهم الرواة في هذا التّناقض.

بطبيعة الحال، لم يهتم أصحاب السنن والصّحاح، ولا أصحاب الجرح والتّعديل بمثل هذا الكتاب، لِما بين المعتزلة وأهل الحديث مِن خلاف كبير؛ يصعّب اعتراف بعضهم ببعض. بعد نشوان الحميريّ، وربّما عنه مباشرة، لا عن كتاب «الأخبار» نفسه، نقل النصّ إمام زيديّ ومعتزلي، متأخر عن الحميري بنحو ثلاثة قرون، مِن اليمن أيضاً، المهدي لدين الله أحمد بن يحيى بن المرتضى (تـ: 840هـ)، في كتابه «المُنية والأمل في شرح الملل والنِّحل» (ص 46- 59). كانت مجلة «لغة العرب» البغداديّة قد اهتمت بكتاب «الأخبار» (1931)، ونشرت النّص نقلاً عن «المُنية والأمل» (المجلة التاسع 1931).

ورد في مقدمة النّص: «قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب (الأخبار): بعد، فإن الناس يحضون الدين من فاحش الخطأ، وقبيح المقال، بما لا يحضون به سواه من جميع العلوم والآراء والآداب، والصناعات؛ ألا ترى أن الفلاح والصائغ والنَّجار، والمهندس، والمصور، والكاتب والحاسب، من كل أمة، لا تجد بينهم من التفاوت في الفهم والعقل والصناعة، ولا من فاحشة الخطأ وإفراط النقص، مثل الذي تجد في أديانهم، وفي عقولهم، عند اختيار الأديان؛ والدَّليل على ما وصفت لك: أنَّ الأمم التي عليها المعتمد، في العقل، والبيان، والرَّأي، والأدب، والاختلاف في الصِّناعات، من ولد سام خاصة: العرب والهند والرُّوم والفرس، ومتى نقلتهم من علم الدِّين، حسبت عقولهم مجتبلة وفطرهم مسترقة» (الحميريّ، الحور العين).

يميز الجاحظ في كتابه بين الأُمم، وكلُّ أمة بما تختص، أو ما تحسنه، وعدَّ العرب مخصوصة بالبيان واللُّغة «ليس مثلها في السِّعة لغةً، وقيافة الأثر مع قيافة البشر... وللعرب الشّعر الذي لم يشاركهم في أحد مِن العجم». ثم يميزها عن العجم قائلاً: «وقد سمعتُ للعجم كلاماً حسناً، وخطباً طوالاً، يسمونها أشعاراً، فأمَّا أن يكون لهم شعرٌ على أعاريض معلومة، وأوزان معروفة، إذا نقص منها حرفٌ أو زاد حرفٌ، أو ترك ساكن، أو سكن متحرك، كسره وغيره، فليس يوجد إلا للعرب» (نفسه). ثم يُعدد خصائص بقية الأُمم.

لا وجود لأصل ولا منسوخ لكتاب «فضيحة المعتزلة» لكنه وصل كاملاً بفضل الرّد عليه، ولو عَلم الخياط شيخ المعتزلة في زمانه أنَّ رده سيحيي كتاب عدوه ما ردّ عليه

غير أنّ الأهم في الكتاب هو توضح التقليد في العقائد، الدّينية والمذهبيّة، أنها لا تؤخذ بالنّظر إنما بالتقليد، قال: «وقد تجد الأخوين ينظران في الشَّيء الواحد فيختلفان في النَّظر، ولربما نظر النَّاظر فيصير له في كلِّ عامٍ قول، ولربما كان ذلك في كل شهر؛ فصح أنَّ دين النَّاس بالتقليد لا بالنَّظر، وليس التَّقليد إلى الحقِّ بأسرع منه إلى الباطل» (نفسه).

كذلك جاء في أهمية الكتاب نقد الأخبار في رواية الحديث؛ وهذا يفيد بالحث على مراجعة الرّواية، فعليها توضع قوانين العقوبات، والعبادات والمعاملات، وكلُّها تهم النّاس وسياسات القضاء، فتراه يقول: «كيف يجيز السَّامع صدق المخبر، إذا كان لا يضطره خبره، ولم يكن معه علم يدل على صدق غيبه؛ ولا شاهد قياس يصدقه، وكون الكذب غير مستحيل منه مع كثرة العلل؛ التي يكذب النَّاس لها، ودقة حيلهم فيها، ولو كان الصَّادق عند النَّاس لا يكذب، والأمين لا يخون، والثِّقة لا ينسى، والوفي لا يغدر، لطابت المعيشة، ولسلموا من سوء العاقبة» (نفسه).

ليس كتابا «فضيحة المعتزلة»، و«الأخبار»، الفريدين اللذين أنقذتهما مِن الضِّياع كُتب، للرد في الكتاب الأول، أو الاستشهاد في الكتاب الثّاني، بل كتبٌ كثيرةٌ، فُقدت أصولها وضاع ما نُسخ منها، لكن يمكن إحياؤها باستخراج نصوصها مِن بطون الكتب، بهدى ما قام به المحقق المعروف إحسان عباس (تـ: 1993) في كتابه «شذرات مِن كُتب مفقودة في التَّاريخ» (1988)، جمع فيه نصوصاً لثلاثين كتاباً مفقوداً، على شاكلة كتاب «الأخبار» للجاحظ، فالرَّجل كان محققاً، والتحقيق عادةً يحتاج إلى مطالعة وتصفح مئات الكتب المصادر، فوجد ما وجده من الاستشهادات مِن كتب مفقودة، وقال عما دونه يسيراً، قياساً بالعدد الهائل مِن الضَّائعات.


مقالات ذات صلة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

كتب «الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

حين كتبت عالمة الاجتماع اللبنانية دلال البزري سيرتها: «الغار والزيتون» (منتدى المعارف، بيروت، 2026) كانت تتأمل مرة أخرى في معنى الانتماء إلى اللغة.

شرف الدين ماجدولين
كتب حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

صدر عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» كتاب الباحث اللبناني وارف قميحة «حين يلتقي الفارابي بشي جينبينغ: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

أمضى الصحافي السوري محمد أمين أكثر من ثلاثة عقود في ملاحقة الوقائع ومحاولة الإمساك بها بلغة الخبر، لكن مع تراكم أحداث الثورة السورية والغربة والزلزال، بدت...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

يصادف اليوم مرور عشرين سنة على رحيل نجيب محفوظ في الثلاثين من أغسطس (آب) 2006، ومع ذلك، ما زال تأثيره طاغياً في المشهد الروائي المصري والعربي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

بعد عشرين عاماً على رحيل نجيب محفوظ، الذي غادر عالمنا في الثلاثين من أغسطس عام 2006، يمعن الناقد المصري الدكتور محمد بدوي النظر والتأمل في عالم أديب نوبل

عمر شهريار

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة
TT

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

حين كتبت عالمة الاجتماع اللبنانية دلال البزري سيرتها: «الغار والزيتون» (منتدى المعارف، بيروت، 2026) كانت تتأمل مرة أخرى في معنى الانتماء إلى اللغة، بالتوازي مع شرط الترحل الملازم لحياتها، ومسالك الجدل بين مدونتين متقابلتين من المفردات، باعتباره قدراً يحتمه محيط التواصل من جهة، وأيضاً بما هو اختيار واعٍ يعتمده المتكلم زمنياً عبر محطات مساره. فتُعْمِلُ الفكر في الوجود الأول حيث يدرك الفرد العالم عبر مفردات لا يختارها، وإنما توهب له مع المولد والنشأة والتدرج في سلم الإدراك، وحين يعي محدودية اللغة الواحدة، تتنامى تدريجياً مسيرة ترويض الوعي اللغوي، والتنازل عما كان قدراً بدئياً لصالح الاختيارات الطارئة.

تؤكد الساردة في مطلع السيرة أن الطفلة التي ولدت في «دكار» بالسنغال، لأبوين لبنانيين، كانت تتحدث في البدء بالفرنسية، كباقي السنغاليين، كما أن أمها كانت تتحدث بالإضافة إلى الفرنسية، العربية والإنجليزية، ولغة المحليين «الوُلف»، أما الأب الذي رغم هواه العروبي الناصري فكان يكلمها وأختها (ناريمان) وأخوها (سعيد)، في البيت والشارع بالفرنسية، كسلاً و«استعجالاً». فتجلَّت الفرنسية بوصفها بداهة لا فكاك منها، أما العربية التي تنبهق من أسطوانات محمد عبد الوهاب ونقاشات الأبوين، فكانت أقرب لأرشيف عائلي خاص، يستعمل باقتصاد شديد، ويٌتلقى لوقعه، مفعماً بالمشاعر الغامضة، ومبهماً. بدت الفرنسية أداة طيعة في امتلاك المعنى، وصوغه، وسرعان ما شكلت القاعدة في الإدراك والمرجع في المقارنة، والمنطلق الذهني لتكوين المفردات، حتى في اللغات الأخرى. قبل أن تطل العربية فجأة، على نحو أقرب للوقائع اليومية، حين انتقلت العائلة إلى الدار البيضاء للإقامة والعمل في التجارة.

صحيح أن الطفلة التقطت عبر رحلات عابرة إلى صيدا وبيروت بعضاً من فيض الرطانات اللبنانية، غير مساكنة العربية، على نحو مسترسل، لأزيد من أربع سنوات، فلم يتيسر إلا بعد الاستقرار في الدار البيضاء، إذ اختزنت فيها أصداء مفردات اللهجة المغربية المدببة، وتشربتها، وهي تنهمر من أعطاف الأزقة، بين المنزل والمدرسة «الليسيه ميرابو Mirabeau»، حيث تجلى الكون اللغوي، وكأنما في قطعة من فرنسا: «كل شيء فرنسي: المعلمون، المنهج، وباللهجة الباريسية الصافية. نسمع أحياناً اللهجة المغربية التي يتكلمها المغاربة فيما بينهم. وهم على كل حال أقلية، إذا ما قورنوا بالفرنسيين. وعدد قليل من اليهود» (ص 20).

تتدرج وقائع السيرة وفصولها، على إيقاع التعلُّم والنضال السياسي، ثم التخرج والتعليم الجامعي العابر، ثم التأليف والكتابة للصحافة بالعربية. وكان الخيط الناظم في تطور وقائع الحياة الغنية والطريفة، للوافدة من المهجر، إلى بيروت التنوع اللغوي والثقافي والطائفي، ثم مدينة الحرب الأهلية؛ هكذا تتدرج على سلم الرغبة في الخروج من الفرنسية، بأصول تعبيرها ومفرداتها، (دون مرجعياتها ونسقها الذهني)، إلى العربية التلقائية المستوعبة لما حولها. لم تكن البطلة، التي تحكي عن وجودها عبر المفردات، مسيحية، حتى تكون فرنسيتها جزءاً من أركان انتمائها اللبناني، بل منحدرة من بيت مسلم ضم المذهبين، أب سني وأم شيعية، أصل يكرس الاعتقاد في العربية، مرجعاً في التنشئة والتعليم، وسبيلاً إلى التكوين الفكري والوجداني.

وتدريجياً تجلَّى السعي اللغوي إلى الخروج من القدر إلى الاختيار، ومن سنن النخبة إلى اللسان الاجتماعي، بما هو جزء من أبجدية التزام سياسي، رسمت ملامحه رحلة الانغمار في التنظيم اليساري الجذري: «منظمة العمل الشيوعي اللبناني»، خلاياها ولجانها ومدارجها التنظيمية، وما اتصل بتلك المدارات الحياتية والذهنية من نقاش آيديولوجي يومي، واشتباك سياسي... والتطلع إلى أخذ الكلمة أمام الجمهور باللغة المشتركة المعجونة بالعرق والجهد والأحلام، جنباً إلى جنب مع السعي إلى إثبات الذات العربية في صفوف الرفاق وفي أتون الشغب النضالي. كانت المفردات تبدو أشبه ببلورات تنحت على مهل قادمة من قعر سحيق إلى سطح متقلب، سرعان ما تتبدد فيه تحت أمواج الكلام الهادر.

وبقدر ما كان الخروج من الفرنسية مواكباً للنمو والارتقاء في التعليم والتدرج في مستويات الدراسة، من «مدرسة الفرانسيسكان»، إلى «مدرسة الراهبات الأنطونيات» ومن «ثانوية مدام عون» إلى «المدرسة الحسينية» ومن «المركز التربوي» إلى «الجامعة اللبنانية»، وهو التدرج الذي واكب النضج الفكري والسياسي، غير أنه تجلَّى أيضاً بوصفه سمة لتبديل المراتع والأوطان، والتقلب بين البلدان، ليس في اليفاعة فقط، التي تنقلت فيها الطفلة بين المدينتين الفرونكوفونيتين «دكار» و«الدار البيضاء»، وإنما أيضاً في سنوات التنقُّل بين العواصم المشرقية: بيروت والقاهرة والكويت، التي رعت مسارات التأليف والبحث والتدريس الجامعي، والكتابة للصحافة العربية.

لقد مثل التأرجح اللغوي وجهاً آخر للتنقل بين البلدان التي كان فيها اكتساب الهوية الثابتة «اللبنانية»، أساساً لرغبة تطويع العربية والتعبير بها، دون أن يلغي ذلك «الكينونة» الفرنسية الأصيلة، تقول: «أحب الفرنسية، أستمتع بأدبها وحتى بخطابات زعمائها، أناقة لغتهم وثرائها. وأستفيد كثيراً من ترجماتها.... وأنا أتنقل بين اللغتين، العربية والفرنسية. أبحث عن الكلمة الأصح والأدق... والمقصود من هذا التجول بين اللغتين إغناء عربيتي وتهذيبها، وأحياناً تخصيبها، ومع الوقت انقلبت الآية وبدل أن أبحث عن تفسير أو معنى لهذه الكلمة أو تلك من الفرنسية إلى العربية، صرت أبحث عن معنى من العربية إلى الفرنسية» (ص 196).

تثبت الساردة في كل مرة أن الوجود هبة للمفردات التي تصوغه، وتكيف أحواله، بالتوصيف والسرد، قولا وكتابة... ففي السيرة إيحاء لاعج برغبة النهوض من عطب التوصيل بلغة الأصل، بالمواجهة والمثابرة والتحدي، بعيداً عن ذهنية الأصوليات اللغوية العربية، وقريباً من اليومي المعجون بالتولع والاشتباك. إنها اللحظة التي تكون فيها العربية، ولهجاتها المترامية الأعطاف، «توأماً للحياة». وعلى النقيض مما كانه واقع الكتابة الفكرية العربية في النصف الثاني من القرن الماضي، عندما مثَّلت الكتابة بالفرنسية والإنجليزية نموذجاً للتفوق، ومدعاة للاهتمام والتبجيل بين المثقفين العرب؛ فإن سعي المؤلفة إلى تحقيق الذات عبر لغة المنشأ، المحدودة التأثير، والمحصورة الانتشار، في الجغرافيا اللغوية والمعرفية، مثَّل مظهراً سلوكياً لا يمكن فصله عن الطبيعة الشخصية لصاحبة السيرة، التي وسمها واضع مقدمتها الطاهر لبيب بـ«المتمردة» التي «لا تتردد في إظهار عدم الرضا عن الذات».

كتبت دلال البزري سيرتها بعد أن غادرت بيروت، إثر تفجير المرفأ، إلى تورنتو الكندية، بهدف الاستقرار النهائي، إلى جوار ابنتها. أنجزته لتستعيد خرائط مسار بات في عقده السابع، دون أن يتوقف عن تبديل المواطن والترحل بين المدن. خطته بعربية مكتسبة، لم تكن تمتلكها في البداية، وباتت هي مسكن وجودها. فسكبت في مفرداتها كل شفافيتها في قول الوقائع، حول الوطن الذي مزقته الحروب والصراع الطائفي، وتناسل أسباب التراجع في المحيط العربي الواسع، الذي عبرت تضاريسه الفكرية والاجتماعية. فتجلى النص الموضوع برائحة «الغار والزيتون»، لاسعاً، صريحاً، وغير مهادن. مقتصداً، كثيفاً، لا تزيُّد في كلماته. كتاب يشبه صاحبته، التي سرعان ما أعلنت، بعد نشره بأشهر قليلة، على صفحتها في «فيسبوك»، عن إصابتها بالسرطان، فمَثُل ككشف حساب، تخفَّفت فيه من وطأة السنين على الجسد واللسان.

* كاتب مغربي


حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة
TT

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

صدر عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» كتاب الباحث اللبناني وارف قميحة «حين يلتقي الفارابي بشي جينبينغ: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد»، في تجربة فكرية تنتقل إلى مساحة مختلفة من مشروعه البحثي في الشأن الصيني، وتفتح حواراً حضارياً بين فلسفة المدينة الفاضلة لدى أبي نصر الفارابي ورؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ للحوكمة والتنمية وبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية.

يقوم الكتاب على لقاء فكري بين عالمين تفصل بينهما أكثر من ألف سنة، وينطلق من سؤال محوري: كيف يمكن لفلسفة صاغها الفارابي قبل أكثر من ألف عام أن تتحاور مع مشروع الحوكمة الحديث في الصين المعاصرة؟ ويحاول المؤلف الإجابة عن هذا السؤال من خلال قراءة تحليلية لمفاهيم الإنسان وغاية الدولة، والقيادة المسؤولة، والأخلاق في الحكم، والعدالة الاجتماعية، والتنمية، والتعاون والانسجام المجتمعي.

ولا يفترض الكتاب وجود تأثير مباشر أو اقتباس فكري بين الفارابي وشي جينبينغ، ولا يسعى إلى إقامة تطابق بين فلسفة نشأت في سياق تاريخي قديم وتجربة سياسية معاصرة، بل يقرأ المسافة الزمنية والحضارية بينهما بحثاً عن القيم والأسئلة الإنسانية التي يمكن أن تتقاطع رغم اختلاف الأزمنة والبيئات. فالفارابي رأى أن غاية السياسة تتجاوز إدارة الحكم إلى تحقيق سعادة الإنسان وبناء مجتمع تسوده الفضيلة والعدالة والتعاون، بينما يتناول الكتاب رؤية شي جينبينغ بوصفها مشروعاً معاصراً للحوكمة والسياسات العامة يضع خدمة الشعب والتنمية والنزاهة والانضباط في صميم بناء الدولة.

ويتوقف قميحة عند عدد من نقاط اللقاء والاختلاف، من مكانة الإنسان في الدولة وصفات القائد ودوره الأخلاقي والمعرفي، إلى العلاقة بين القانون والأخلاق والانسجام الاجتماعي والتنمية الموجهة نحو تحسين حياة الإنسان. كما ينتقل من حدود الدولة إلى المجال الدولي، مقارباً بين فكرة الاجتماع الإنساني الهادف إلى تحقيق السعادة عند الفارابي ورؤية بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية التي طرحها شي جينبينغ.

ويقول قميحة في كلمة المؤلف إن الكتاب لم يولد من رغبة في إجراء مقارنة سريعة بين اسمين تفصل بينهما قرون طويلة، ولا من محاولة للجمع بصورة مصطنعة بين الفلسفة والسياسة، وإنما من سؤال حول قدرة القيم الإنسانية التي صاغها الفكر الفلسفي في مراحل سابقة من التاريخ على المساهمة في قراءة قضايا الحاضر. ويشدد على أن العمل لا يسعى إلى تقديم تجربة سياسية بوصفها نموذجاً جاهزاً، بل إلى الفهم والتحليل وفتح مساحة للحوار بين التراث والواقع المعاصر.

كتب تقديم الكتاب الدكتور شوي تشينغ قوه، المعروف عربياً باسم بسّام، أستاذ كلية الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، ونائب رئيس جمعية دراسات الشرق الأوسط في الصين، وعضو اتحاد كتّاب الصين.

ووصف شوي الكتاب بأنه إنجاز فكري وإضافة جديدة إلى المكتبة العربية وإلى مسار الحوار الثقافي والفكري بين الصين والعالم العربي، مشيراً إلى أن التأمل في تصوّري الفارابي وشي جينبينغ للحوكمة والسياسة يكشف عن تقاطعات فكرية عميقة تتصل بالأخلاق والعدالة وخدمة الإنسان والقيادة والمسؤولية الاجتماعية.

وأوضح أن الفارابي ينطلق، في كتابه «آراء أهل المدينة الفاضلة»، من تصور يرى أن السياسة ليست مجرد تدبير لشؤون الحكم، بل علم غايته إسعاد الإنسان، وأن الدولة العادلة تقوم على الانسجام بين الفضيلة الفردية والنظام الجماعي. فالحاكم، وفق تصوره، لا يُقاس بقوة سلطته، بل بقدرته على توجيه المجتمع نحو الكمال الأخلاقي والعقلي.

وفي المقابل، يرى الدكتور شوي أن رؤية شي جينبينغ، التي تبلورت في مؤلفاته وخطاباته حول الحكم وإدارة الدولة، تؤكد أن الحوكمة الرشيدة لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية والنزاهة وخدمة الشعب، وأن مفهوم «الحوكمة من أجل الشعب» يشكل أساساً مهماً في ممارسة المسؤولية العامة.

ويتوقف التقديم عند صورة «الرئيس الفاضل» لدى الفارابي، الذي يجمع بين الحكمة والمعرفة والقدرة على القيادة ويكون قدوة أخلاقية قبل أن يكون صاحب سلطة، ويقارب ذلك مع نموذج القائد المسؤول في الدولة الصينية الحديثة، حيث يشدد شي جينبينغ على مسؤولية المسؤول تجاه الشعب، وعلى ضرورة مكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين باعتبار ذلك شرطاً لاستقرار الدولة واستمرارها.

ويرى الدكتور شوي عدم وجود أدلة على أن شي جينبينغ اطّلع على كتابات الفارابي أو تأثر بها، موضحاً أن التقاطعات التي يتناولها الكتاب لا تقوم على فرضية الاقتباس أو التأثير المباشر. فالرؤية السياسية والأخلاقية لدى شي جينبينغ تستند أساساً إلى التراث الحضاري الصيني، حيث يظهر الأثر الكونفوشيوسي في التركيز على الحكم بالأخلاق ونزاهة المسؤول، وتحضر فكرة مركزية الشعب المتجذرة في الفكر الكونفوشيوسي، ولا سيما لدى منشيوس، إلى جانب التشديد على سيادة القانون والانضباط المؤسسي والجمع بين القانون والأخلاق.

ويرى الدكتور شوي أن حوكمة شي جينبينغ تمثل نموذجاً معاصراً لدمج التراث الفلسفي الصيني في مشروع سياسي حديث يعكس استمرارية حضارية أكثر مما يمثل قطيعة مع الماضي. وإذا كان الفارابي من أبرز ممثلي التراث العربي الإسلامي في الفكر السياسي، فإن شي جينبينغ يمثل وريثاً للتراث الصيني المتعلق بالسياسة والحكم، مع اختلاف جوهري يتمثل في أن شي قائد لدولة كبرى، مما يتيح له تحويل التصورات إلى سياسات وممارسات ملموسة.


رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»
TT

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

أمضى الصحافي السوري محمد أمين أكثر من ثلاثة عقود في ملاحقة الوقائع ومحاولة الإمساك بها بلغة الخبر، لكن مع تراكم أحداث الثورة السورية والغربة والزلزال، بدت الصحافة أضيق من أن تتسع لما خلّفته التجربة في الداخل الإنساني؛ الأمر الذي دفعه إلى الانتقال إلى الرواية. وفي باكور إنتاجه «كأن الريح تحتي»، يكتب أمين ما لا تستطيع التقارير قوله عن الخوف والفقد والاقتلاع، وعن إنسان فقد ثبات الأرض كما فقد استقرار المكان.

صدرت الرواية عام 2026 عن «دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع» بدمشق، واتخذت من زلزال فبراير (شباط) 2023 الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا لحظة مفصلية، تتكشف عندها حيوات شخصيات مثقلة أصلاً بالخوف والغربة، وفي مقدمتها محمود الغريب وندى الشوّا.

عنوان الرواية ليس تسمية عابرة، فهو يستدعي قول المتنبي:

على قلق كأن الريح تحتي

أوجهها جنوباً أو شمالاً

لكن القلق ينتقل هنا من حركة الشاعر وترحاله إلى حالة وجودية يعيشها السوري الذي لم تعد الأرض تحته مستقرة، لا بالمعنى الجغرافي ولا النفسي، حيث يحيل العنوان إلى تيه السوري بعد أن خلخلت سنوات الحرب والانتماء معنى المكان، ثم جاء الزلزال ليضاعف فقدان اليقين. كما تكشف التجربة عن انتقال أمين من لغة الصحافة إلى فضاء أرحب، من دون أن يتخلص كلياً من أثر المهنة، فحضر الأسلوب الصحافي في تقديم بعض الشخصيات والتفاصيل، بما يمنح السرد ملمحاً توثيقياً وواقعية قريبة من الحياة.

قوة الرواية الأساسية تقوم على جدلية زلزالين: زلزال طبيعي يهدم الجدران في فبراير 2023، وزلزال سياسي واجتماعي سبق ذلك بسنوات وأعاد تشكيل حياة السوريين ومصائرهم، فالحدث الطبيعي انتقل من كونه مجرد خلفية درامية، إلى لحظة فارقة تكشف عما تراكم في الشخصيات من خوف واغتراب وخيبات، فالزلزال، كما تقدمه الرواية، يحرّك الأرض ويوقظ الذاكرة.

ومن خلال هذا التداخل بين الحاضر وذاكرة الثورة، يتحول المكان في جنوب تركيا من ملاذ بعد النزوح إلى فضاء مهدد بدوره؛ وكأن الشخصية السورية تكتشف أن النجاة من مكان لا تعني الوصول إلى مكان آمن، وهي مفارقة تضع الرواية ضمن سرديات الكارثة واللجوء، لكن خصوصيتها تأتي من جعل الكارثة الطبيعية مرآة لكارثة إنسانية سبقتها.

في تصريح لـ«وكالة الأنباء السورية» (سانا)، أوضح محمد أمين أن الرواية تمثل تجربته الأولى في عالم السرد بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل الصحافي، وأنه كتبها على مدى عام في أربيل عقب انتقاله إليها بعد أيام من الزلزال. وقال: «كان لدي الكثير مما ولّد الزلزال وسنوات الغربة وفقدان الأمل في نفسي، فلم أجد إلا الرواية مجالاً أدبياً يسمح لي بأن أعبّر عن مكنوناتي الداخلية». وأشار إلى أن عدداً من شخصيات العمل يستند إلى تجارب إنسانية حقيقية عاش أصحابها تفاصيل الثورة واللجوء والزلزال، موضحاً أن الرواية تقوم على فكرة «الزلزالين»: زلزال الثورة وما أحدثه من تحولات إيجابية في الوطن، وزلزال الأرض وما خلّفه من أثر مباشر في الفرد. ويرى أمين أن إنقاذ بطلة الرواية من تحت الركام يحمل دلالة رمزية تتجاوز الحدث المباشر، ليحيل إلى إمكانية إنقاذ وطن كامل من آثار سنوات طويلة من الألم، مؤكداً أن الرواية، على الرغم من ثقل موضوعاتها، تبحث عن نور في نهاية النفق وعن قدرة الإنسان على النهوض.

وفي قلب الرواية يقف محمود الغريب وندى الشوّا، شخصيتان تحملان الخوف والحب والتردد والخيبة، وتمنحهما هذه الهشاشة بعداً إنسانياً يتجاوز تقسيم الشخصيات إلى منتصرين ومنكسرين.

على الرغم من ثقل الموت والغربة والخسارة، لا تنتهي الرواية عند الخراب، فنجاة إحدى شخصياتها من تحت الركام تفتح باباً رمزياً على إمكان النهوض، وتجعل الأمل فعلاً مضاداً للفقد لا خاتمة له.

وهكذا، تتحرك «كأن الريح تحتي» بين توثيق ذاكرة السوري وتخييلها، وبين صرامة الصحافي وحساسية الروائي، لتطرح سؤالاً أبعد من الزلزال ذاته: ماذا يبقى للإنسان حين تهتز الأرض التي يقف عليها والوطن الذي ينتمي إليه معاً؟ وربما تكمن إجابة الرواية في أن النجاة لا تعني الخروج من تحت الركام فحسب، بل القدرة على استعادة معنى الحياة بعده.