ماذا يعني أن تكون مسلماً في القرن الحادي والعشرين؟

جون تولان يكتب عن تاريخ الإسلام منذ البداية وحتى اليوم

جون تولان
جون تولان
TT

ماذا يعني أن تكون مسلماً في القرن الحادي والعشرين؟

جون تولان
جون تولان

أحمد الله على أنني عندما غادرت فرنسا قبل سنوات عدة لم أذهب إلى بلد آخر غير المغرب. أولاً ليس لأنه أجمل بلد في العالم، وإنما لأنه يحتوي على كلتا الحضارتين الكبيرتين: الحضارة العربية الإسلامية من جهة، والحضارة الأوروبية الفرنسية من جهة أخرى. إنه ملتقى الحضارات. لقد كان فعلاً المكان الأنسب لمنفاي الجديد. ولكن هل أنا في منفى حقاً؟ لماذا أقول هذا الكلام؟ لماذا أمجد المغرب كل هذا التمجيد؟ لأنك تجد فيه الحرية الفكرية، ثم بالأخص لأنك تجد فيه كلتا المكتبتين: العربية والفرنسية. وهذا كل ما أريده في الواقع. أحيانًا عندما أتجول في رحاب مكتبة الألفية الثالثة (أي مكتبة القرن الحادي والعشرين) الواقعة في مركز العاصمة مقابل البرلمان والمحطة الكبرى أشعر كأنني أتجول في رحاب إحدى مكتبات الحي اللاتيني أو شارع السان ميشيل أو السان جيرمان في قلب العاصمة الفرنسية، بل يخيَّل لي أن مكتبة الألفية الثالثة أجمل وأرقى. وقل الأمر ذاته عن مكتبة «كليلة ودمنة»، هذا ناهيك عن مكتبات الدار البيضاء العملاقة... إلخ. عندما سألت بتلهف الأخ المشرف على بيع الكتب: هل عندكم كتاب «تاريخ جديد للإسلام» يا تُرى؟ أجابني على الفور: «انتظر لحظة حتى أرى». مجرد ثوانٍ وإذا بالكتاب بين يدي.

شعرت بسعادة حقيقية. هذه حداثة. هذه حضارة. أما الكتاب العربي فتجده في مكتبة «دار الأمان» الضخمة العملاقة الواقعة خلف وزارة العدل. كل شيء متوافر في هذا البلد الأمين: الكتاب العربي موجود، والكتاب الفرنسي موجود. ماذا تريد أكثر من ذلك أيها الإنسان؟ عم يتحدث كتاب «تاريخ جديد للإسلام» من القرن السابع إلى القرن الحادي والعشرين؟ عن تاريخ الإسلام كله من أوله إلى آخره. ولكن من الباحث الضليع القادر على تحقيق ذلك غير البروفيسور الأميركي - الفرنسي جون تولان المختص والمتبحر بالتراث الإسلامي؟ في أقل من 350 صفحة يستعرض هذا الباحث الكبير تاريخ الثقافة العربية الإسلامية منذ ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي وحتى يومنا هذا. الكتاب مؤلف من 3 أجزاء. الجزء الأول مخصص لدراسة مرحلة التأسيس. وهو ينقسم إلى 4 فصول. الفصل الأول يتحدث عن القرآن الكريم وولادة جماعة المؤمنين الأولى. والفصل الثاني يتحدث لنا عن مرحلة السلالة الأموية وولادة دين إمبراطوري كبير في دمشق على يدها. والفصل الثالث يتحدث عن بغداد العباسية حيث تَشَكَّلَ دينٌ إمبراطوري أكبر من السابق وأعظم حضارياً. إنها الإمبراطورية العربية الإسلامية الكبرى التي صهرت كل الأقوام والشعوب والحضارات في بوتقتها. والفصل الرابع يتحدث عن أنظمة الخلافة الثلاثة التي كانت مهيمنة على العالم الإسلامي نحو عام 1000 للميلاد: أي الخلافة الفاطمية في القاهرة، والخلافة الأموية في قرطبة، والخلافة العباسية في بغداد طبعاً.

وأما الجزء الثاني من الكتاب فيتحدث لنا عن مرحلة التوسع للحضارة العربية الإسلامية. وهنا نجد 3 فصول تتحدث عن الفتوحات والتوسعات والتشكلات الجديدة لعالم الإسلام بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر. ثم يجيء فصل كامل ممتع جداً بعنوان: عالم ابن بطوطة! ثم يختتم المؤلف هذا الجزء الثالث بفصل يحمل العنوان التالي: الإمبراطوريات الإسلامية للحداثة الأولى ما بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر.

وأما الجزء الثالث والأخير من هذا الكتاب الطموح جداً فمكرس لعصر الحداثة أو حتى الحداثات بصيغة الجمع. إنه يدرس حضارتنا العربية الإسلامية طيلة القرن التاسع عشر وحتى القرن الحادي والعشرين مروراً بالعشرين بطبيعة الحال. وهو مقسوم أيضاً إلى 3 فصول. الفصل الأول بعنوان: الاستعمار ومقاومته ما بين حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798 وحتى تاريخ سقوط الإمبراطورية العثمانية عام 1918. وأما الفصل الثاني فمكرس لدراسة مرحلة الاستقلال وظهور الإسلام السياسي في القرن العشرين. وأما الفصل الثالث والأخير من الكتاب فمكرس لدراسة الموضوع التالي: الإسلام ما بين الإصلاح والتطرف الراديكالي. ماذا يعني أن تكون مسلماً في القرن الحادي والعشرين؟ ثم ينهي المؤلف كتابه بخاتمة تحمل العنوان التالي: المسلمون والإسلام في الغرب.

هكذا تلاحظون أن الرجل يعرف عن أي شيء يتحدث بالضبط، بل أكاد أقول إنه يعرف أوضاعنا من الداخل والخارج أكثر من أي مثقف عربي. والسبب هو أنه باحث كبير كرَّس حياته كلها لدراسة تاريخ الإسلام. وهو بالمناسبة أستاذ في الجامعات الفرنسية والأميركية. إنه مختص بدراسة العلاقات الثقافية والدينية ما بين العالم العربي وأوروبا طيلة العصور الوسطى. وكان قد نشر سابقاً عدة كتب لفتت الأنظار. نذكر من بينها كتاباً بعنوان: «أوروبا والإسلام: قصة حياة خمسة عشر قرناً من الزمن». وذلك بالاشتراك مع باحثين آخرين. كما أنه نشر مؤخراً كتاباً هاماً وممتعاً جداً بعنوان: «محمد الأوروبي. سرد لتاريخ التصورات التي شكلت عن النبي الأعظم في الغرب». هذا بالإضافة إلى مراجع أخرى عديدة.

والآن دعونا ندخل في التفاصيل أكثر.

ماذا يريد المؤلف من تأليف هذا الكتاب؟ إنه يريد الإجابة عن التساؤل التالي: ماذا يعني أن تكون مسلماً في القرن الحادي والعشرين؟ وبالنسبة للبعض فإن جوهر الإسلام هو التزمت والتشدد وتكفير الآخرين، بل وحتى ذبحهم واستئصالهم على الطريقة الإخوانية الداعشية إذا أمكن. ولكن بالنسبة للمسلمين الآخرين (وهم الأغلبية لحسن الحظ) فإن الإسلام يعني ثقافة روحانية إيمانية منفتحة على العالم. إنها ثقافة روحانية أخلاقية تحتفل بالسلام والتسامح والمودة بين الشعوب والأقوام طبقاً للآية الكريمة: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم». هنا تكمن عظمة القرآن وحقيقة الإسلام. إنها ثقافة روحانية ربانية تعترف بتعددية الأديان في العالم ومشروعية هذه التعددية، بل ترحب أيضاً بها. ولكن هل يعترف الإخوان المسلمون وكل ما نتج عنهم من حركات تطرف وترويع بذلك؟ أبداً لا. وهنا تكمن مشكلة الإسلام مع العالم أو مشكلة العالم مع الإسلام حالياً. هنا يكمن الفرق الأساسي بين المسلم الحداثي التنويري والمسلم الإخواني المتزمت المكفهر. ولكن هذا الاختلاف ليس جديداً كما يقول المؤلف، وإنما هو يضرب بجذوره في أعماق التاريخ الإسلامي. على مدار التاريخ كان هناك صراع بين التيار العقلاني والإنساني المنفتح للإسلام، والتيار المتشدد الانغلاقي الكاره للآخرين. تارة ينتصر هذا التيار وتارة ذاك. تارة ينتصر العصر الذهبي، وتارة ينتصر عصر الانحطاط، ولكن ما كنا نتوقع أن ينتصر عصر الانحطاط والظلمات في عز القرن الحادي والعشرين! هذا شيء ما كان يخطر لنا على بال. ما كنا نتوقع أن نصبح في مؤخرة الأمم والشعوب بعد أن كنا في مقدمتها. يقول المؤلف في أواخر الكتاب ما معناه: في 19 سبتمبر (أيلول) من عام 2014 وجه 126 عالماً مسلماً كبيراً من شتى الأقطار رسالة شديدة اللهجة إلى الخليفة الداعشي وكل المتعاطفين مع الدولة الإسلامية المزعومة، وقالوا لهم ما معناه: إن أفعالكم وفظائعكم مضادة لجوهر الإسلام والقرآن، لقد شوهتم صورتنا في شتى أنحاء العالم. إن ممارسة العنف الأعمى والتفجيرات العشوائية ضد المدنيين المسالمين (مسلمين كانوا أم غير مسلمين) أمور مضادة لأحكام الشرع والدين. وكذلك ممارسة التعذيب الوحشين واستباحة النساء واستعبادهن وحرمان المسيحيين والإيزيديين من حقوقهم. وطالب هؤلاء العلماء الخليفة الداعشي وجماعته بالتراجع عن هذه الأفعال والتوبة عنها.

على مدار التاريخ كان هناك صراع بين التيار العقلاني والإنساني المنفتح للإسلام، والتيار المتشدد الانغلاقي الكاره للآخرين

جون تولان

ولكن هنا يلاحظ المؤلف ما يلي:

وهو أن علماء الدين الأفاضل هؤلاء لا تذهب بهم الإدانة لـ«داعش» إلى حد تكفيرها، بل حتى سلطات الأزهر رفضت أن تكفر «داعش» على الرغم من كل فظاعات أفعالها وأعمالها. وبالمقابل سرعان ما تكفر السلطات الدينية المسلمين الحداثيين أو المثقفين العرب الليبراليين على حرية الكتابة والإبداع. وهذا شيء صادم جداً ومدهش. هذا شيء غير مفهوم على الإطلاق، بل هذا شيء مرعب؛ إذ كيف يمكن أن نكفر مثقفاً عربياً على رواية نشرها ولا نتجرأ على تكفير «داعش»؟ كيف يمكن تكفير نجيب محفوظ الذي هو مجد الآداب العربية على رواية عبقرية مثل «أولاد حارتنا»، ولا نستطيع تكفير أولئك الوحوش الهمج الذين استباحوا إخواننا الإيزيديين الشرفاء في جبل سنجار بكل نسائهم وأرزاقهم وأعراضهم؟ هنا تكمن معضلة الثقافة الدينية عندنا حالياً. وهذا أكبر دليل على أن إسلام الظلمات لا يزال متغلباً على إسلام الأنوار. هذا أكبر دليل على أن لاهوت العصور الوسطى لا يزال يتحكم في رقابنا وليس لاهوت العصور الحديثة. الكلمة العليا لا تزال للاهوت التكفير لا للاهوت التحرير والتنوير. ولكن وراء الأكمة ما وراءها. والتاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد؛ فالعالم العربي مليء بالتيارات الفكرية الإبداعية التحديثية التي سوف تغير الخريطة، وتقلب الموازين لاحقاً.


مقالات ذات صلة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون «مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.