مسيّرات «الدعم السريع» تهدد عمق الجيش السوداني في ولاية القضارف

قصفت مقرات الجيش والمخابرات... والأمم المتحدة: الآلاف ما زالوا يفرون يومياً بعد عام على الحرب

قوات الأمن السودانية تنتشر بأحد شوارع مدينة القضارف (شرق) في 3 أبريل الحالي (أ.ف.ب)
قوات الأمن السودانية تنتشر بأحد شوارع مدينة القضارف (شرق) في 3 أبريل الحالي (أ.ف.ب)
TT

مسيّرات «الدعم السريع» تهدد عمق الجيش السوداني في ولاية القضارف

قوات الأمن السودانية تنتشر بأحد شوارع مدينة القضارف (شرق) في 3 أبريل الحالي (أ.ف.ب)
قوات الأمن السودانية تنتشر بأحد شوارع مدينة القضارف (شرق) في 3 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في السودان التي تقترب من دخولها العام الثاني، دخلت ولاية القضارف (شرق)، في غمار الحرب، بعد أن شهدت الثلاثاء، قصفاً جوياً بمسيرات تابعة لقوات «الدعم السريع»، استهدف مقرات تابعة للجيش وجهاز الأمن والمخابرات السودانية، ما أدى إلى وقوع إصابات بين المواطنين.

وأشاعت الغارات حالة من الهلع والذعر الشديدين وسط المواطنين، مع استمرار المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على تخوم ولاية الجزيرة بوسط البلاد.

وتبعد القضارف نحو 650 كيلومتراً من بورتسودان (العاصمة المؤقتة للسودان)، وهو ما يهدد بدخول مناطق الشرق في أتون الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023 بين قوات الجيش و«الدعم السريع».

وسارعت السلطات الحكومية الولائية إلى رفع درجة الاستعداد القصوى بفرض إجراءات أمنية مشددة، بإغلاق السوق الرئيسية، ومنع الدخول أوالخروج من المدينة نهائياً، بينما انتشر رجال الأمن بكثافة في الشوارع والأحياء السكنية، وفق مصادر محلية.

وقال حاكم ولاية القضارف المكلف، محمد عبد الرحمن محجوب، إن «العدو استخدم طائرات مسيرة لضرب الأمن والاستقرار في عاصمة الولاية القضارف»، مضيفاً: «خابت مساعيهم»، حيث تم إسقاط واحدة، وانفجرت الثانية بالقرب من أحد المساجد، وأن الأوضاع الآن مستقرة في الولاية.

وأشار إلى أن «العدو يكثف من الحملات الإعلامية لضرب تماسك قواتنا ومواطنينا على مستوى الولايات»، مؤكداً في حديث موجه للقيادة العليا بالدولة والمواطنين، أن الوضع في ولاية القضارف آمن، وأن هنالك ترتيبات لمراجعة المداخل والارتكازات التي تقيمها الأجهزة الأمنية.

وطالب الحاكم من المقاومة الشعبية في كل محافظات الولاية، بتكوين خلايا أمنية في المناطق والأحياء السكنية. وقال إن هناك إجراءات مشددة أمنية اتخذت بمنع الخروج والدخول إلى مدينة القضارف عبر المداخل والمعابر البرية، عدا بعض الاستثناءات.

سودانيون ينتظرون ملء صهاريج ماء في بورتسودان اليوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وهددت «الدعم السريع» أكثر من مرة بأن ولاية القضارف ستكون هدفاً لقواتها بجانب سعيها للاستيلاء على ولاية سنار الوسطية.

من جهته، قال مسؤول أمني لوكالة الصحافة الفرنسية التي لم تذكر اسمه، إن «مسيّرة قصفت مقر جهاز الأمن والمخابرات وسط مدينة القضارف، لكنها لم تحدث أضراراً». كما «قصفت مسيرة أخرى المنطقة (الواقعة) أمام مقر الجهاز القضائي المجاور لمبنى جهاز الأمن». وفي الوقت نفسه، أفاد شهود عيان في الولاية عن قيام مسيرة ثالثة بقصف مقر الجيش في القضارف، من دون الإشارة إلى وقوع خسائر، فضلاً عن «أصوات كثيفة للمضادات الأرضية».

وأكد مصدر في المخابرات السودانية لوكالة «أنباء العالم العربي»، أن طائرات مسيرة مجهولة استهدفت مباني جهاز المخابرات العامة في ولاية القضارف. وأبلغ شهود عيان الوكالة أن دفاعات الجيش تصدت لمسيرة كانت تحلق في سماء مدينة القضارف. وأوضح الشهود أن المسيرة قصفت مسجداً في مباني جهاز المخابرات أصيب على أثرها مواطن واحد.

ويشير مصدر في المخابرات إلى أن الأجهزة الأمنية بالقضارف تفرض حصاراً على المناطق المحيطة بموقع سقوط المسيرات الثلاث. كما جرى التحفظ على عربة قتالية يشتبه في تعاونها مع منفذي الهجوم. وأشار المصدر إلى أن فريقاً أمنياً وهندسياً مختصاً بدأ فحص حطام المسيرات وتوسيع دائرة البحث. وأضاف أن الهجوم أسفر عن إصابة 7 مواطنين بإصابات خفيفة.

وكان مقر الفرقة الثانية للجيش السوداني، تعرض لهجوم بمنطقة «الفاو» بولاية القضارف للقصف الاثنين. وتبعد المنطقة نحو 25 كيلومتراً عن المنطقة التي تشهد اشتباكات عنيفة بين قوات الجيش والدعم السريع على الحدود بين ولايتي القضارف والجزيرة.

مواطن ينتظر ملء صهريج ماء في بورتسودان اليوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وفي سياق متصل، أكد مسؤول عسكري لوكالة «الصحافة الفرنسية»، أن قوات الجيش «أحرزت تقدماً في اتجاه غرب مدينة ود مدني (عاصمة ولاية الجزيرة) وصارت على بعد نحو 10 كيلومترات منها». كما تدور مواجهات عنيفة بين الجانبين، بحسب ما قال المسؤول، في الاتجاهين الشرقي والجنوبي لود مدني، التي أعلنت قوات «الدعم السريع» سيطرتها عليها نهاية العام الماضي.

والأحد، دانت لجنة أطباء السودان المؤيدة للديمقراطية في بيان «المجزرة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في قرية أم عضام» بولاية الجزيرة.

وأشارت إلى أن «هذا العمل البربري أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن 28 من أبناء القرية الأبرياء، وإصابة أكثر من 240 شخصاً بجروح متفاوتة الخطورة».

من جهتها، قالت الأمم المتحدة الثلاثاء، إن آلاف الأشخاص اليائسين لا يزالون يفرون يومياً من السودان بعد مرور عام على اندلاع النزاع، «كما لو أن حالة الطوارئ بدأت بالأمس».

وقالت أولغا سارادو مور، المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: «بعد مرور عام، ما زالت الحرب مشتعلة في السودان الذي يعاني وجيرانه واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية وأزمات النزوح وأصعبها في العالم».

وأضافت في مؤتمر صحافي بجنيف: «لقد حطم الصراع المستمر حياة الناس، وملأهم بمشاعر الخوف والخسارة. والهجمات على المدنيين، والعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي المرتبط بالنزاع، مستمرة بلا هوادة».

وقالت أيضاً: «لقد شهد السودان تدميراً شبه كامل للطبقة الوسطى الحضرية: فقدْ فقدَ المهندسون المعماريون والأطباء والمعلمون والممرضون والمهندسون والطلاب كل شيء».

وقالت سارادو مور: «الآلاف يعبرون الحدود يومياً كما لو أن حالة الطوارئ بدأت بالأمس». وأضافت أن الفارين من البلاد، وأغلبهم من النساء والأطفال، يصلون إلى مناطق نائية عبر الحدود «مع القليل أو بلا أي شيء، وبحاجة ماسة إلى الغذاء والماء والمأوى والرعاية الطبية».

وأضافت: «مع استمرار النزاع، وتفاقم النقص في المساعدات والفرص، سيضطر مزيد من الأشخاص إلى الفرار من السودان إلى البلدان المجاورة أو الانتقال إلى أماكن أبعد، معرضين حياتهم للخطر من خلال الشروع في رحلات طويلة وخطيرة بحثاً عن الأمان».

ولم يتم حتى الآن تمويل خطة الاستجابة الإنسانية، داخل السودان سوى بنسبة 6 بالمائة، في حين تم تمويل خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين لعام 2024 بنسبة 7 بالمائة.

وأدى القتال منذ 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، الرجل الثاني السابق في السلطة العسكرية، إلى مقتل آلاف الأشخاص. كما أسفر عن نزوح نحو 8 ملايين آخرين، لجأ أكثر من 1.5 مليون منهم إلى الدول المجاورة، بحسب الأمم المتحدة.

ووفقاً للأمم المتحدة، أصبح 70 في المائة من المرافق الصحية في السودان خارج الخدمة. وتسبب النزاع بكارثة إنسانية، إذ يحتاج نحو 25 مليون شخص، أي ما يعادل أكثر من نصف السكان، إلى المساعدات، بينهم نحو 18 مليوناً يواجهون انعداماً حاداً للأمن الغذائي، وفق بيانات الأمم المتحدة. ويُتهم طرفا النزاع بارتكاب جرائم حرب، بما فيها استهداف مدنيين وقصف عشوائي لمناطق سكنية ونهب المساعدات وعرقلة وصولها.


مقالات ذات صلة

«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

شمال افريقيا من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)

«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

يواصل آلاف السودانيين البحث عن أبنائهم وأقاربهم الذين فُقدوا منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع»...

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي» (رويترز)

حكم غيابي بإعدام قائد «الدعم السريع» في السودان

أصدرت محكمة سودانية، يوم الأحد، حكماً غيابياً بإعدام قائد «قوات الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي»، وآخرين لاتهامهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية .

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب) p-circle

وثيقة أميركية لهدنة سودانية من 90 يوماً تعقبها مفاوضات

أعاد تسريب وثائق متبادلة بين الإدارة الأميركية والحكومة السودانية إحياء آمال السودانيين بإمكانية التوصل إلى هدنة إنسانية توقف جانباً من معاناة المدنيين

أحمد يونس (كمبالا) محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

«وثائق»: الجيش السوداني اشترط انسحاب «الدعم السريع» من المدن لقبول مقترح سلام أميركي

اشترط الجيش السوداني الانسحاب الكامل لقوات الدعم السريع شبه العسكرية من المدن التي تسيطر عليها من أجل قبول ‌واسع لمقترح أميركي ‌يهدف ​إلى ‌إنهاء ⁠الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

مسؤولة بـ «الجنائية الدولية» تؤكد إحراز تقدم في تحقيقات دارفور

تحقق المحكمة الجنائية الدولية في الهجمات التي استهدفت مدينتي الجنينة في عام 2023 والفاشر العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (نجامينا )

مصر تُجدد رفض التدخلات الخارجية في شؤون سوريا

لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)
لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُجدد رفض التدخلات الخارجية في شؤون سوريا

لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)
لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)

جددت مصر رفضها التدخل في شؤون سوريا، وأكدت ضرورة «تمكين مؤسسات الدولة الوطنية السورية»، وذلك خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي وتوم برّاك، مبعوث الرئيس الأميركي الخاص لكل من سوريا والعراق، الأحد.

وأشار عبد العاطي إلى «أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وسلامتها»، وشدد على «رفض أي تدخلات خارجية في شؤونها الداخلية»، وجدد إدانة مصر العملية الإرهابية الأخيرة التي شهدتها العاصمة دمشق الأسبوع الماضي، مؤكداً «أهمية تضافر الجهود لمكافحة الإرهاب والتطرف بكل صوره وأشكاله».

ووقع صباح يوم الثلاثاء الماضي تفجيران أمام مبنى وزارة السياحة السورية في منطقة جسر فكتوريا وسط العاصمة دمشق، قرب الفندق الذي كان يُقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في أول زيارة لرئيس غربي إلى سوريا، ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة 31 آخرين، أغلب إصاباتهم طفيفة، وكان ذلك الحادث الإرهابي الثاني خلال أسبوع.

وفي ذلك الحين، أعربت مصر عن «إدانتها الشديدة للتفجيرين»، وأكدت رفضها لكل أشكال العنف والإرهاب، مشددة على «ضرورة التصدي لكل ما من شأنه زعزعة أمن واستقرار الجمهورية العربية السورية».

وجددت القاهرة تأكيد وقوفها إلى جانب سوريا «في مواجهة كل ما يستهدف أمنها واستقرارها، معربة عن دعمها الجهود الرامية إلى حفظ الأمن ومكافحة الإرهاب».

وفي سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، شدد وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقائه نظيره السوري أسعد الشيباني، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، على ضرورة «استعادة سوريا دورها الطبيعي داخل محيطها العربي والإقليمي، ما سيُعزز الأمن القومي العربي»، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية.

كما جدد عبد العاطي «رفض مصر القاطع للانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للسيادة السورية»، محذراً من «خطورة محاولات استغلال الأوضاع الراهنة لتبرير التدخلات الخارجية».

وشهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مسؤولون ومراقبون «دفعةً لمسار التقارب» في العلاقات بين البلدين. والشهر الماضي التقى عبد العاطي نظيره الشيباني على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في العاصمة الأردنية عمَّان. وأكد الوزيران «عمق الروابط التاريخية والشعبية التي تجمع مصر وسوريا... وأهمية البناء على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري إلى القاهرة مطلع شهر مايو (أيار) الماضي».

كما رحبا بعقد الاجتماع الحكومي المصري - السوري الثاني على مستوى كبار المسؤولين بمشاركة الوزارات والهيئات المعنية بالتجارة والاستثمار في البلدين، لبحث الخطوات التنفيذية لتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك.


«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)
من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)
TT

«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)
من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)

قال الناطق باسم «اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، فريد الحميد، إن عدد المفقودين في السودان يزيد على 11 ألف شخص منذ بدء الحرب في أبريل (نيسان) 2023. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الرقم يمثل فقط الحالات المسجلة لدى «اللجنة» والجمعيات الوطنية المحلية، مرجحاً أن يكون عدد الأشخاص المفقودين أعلى بكثير من هذا الرقم.

وأوضح الحميد أن استمرار النزاع فاقم حركة النزوح السكاني، وأدى إلى «ازدياد عدد الأشخاص الذين يلتمسون المساعدة لإعادة الروابط العائلية أو لمعرفة مصير أحبائهم الذين انقطع بهم الاتصال؛ مما يعكس الحجم الواسع والأبعاد العميقة للعواقب الإنسانية لهذه الحرب».

وذكر أن «اللجنة» تلقّت في العام الماضي أكثر من 1682 طلبَ بحثٍ من عائلات داخل السودان، و2200 طلب من الخارج؛ للحصول على معلومات بشأن مصير وأماكن وجود أقاربها المفقودين، «بما في ذلك التأكد من سلامتهم أو معرفة ما إذا كانوا محتجزين لدى أي جهة عسكرية أو أمنية». وأفاد المسؤول الدولي بأن «اللجنة الدولية» ساعدت العائلات في توفير معلومات عن 846 من الأشخاص المفقودين.

النساء المفقودات

من جانبها، قالت وزيرة الدولة للرعاية الاجتماعية، سليمى إسحاق، لـ«الشرق الأوسط»، إن عدد النساء المفقودات منذ اندلاع الحرب تجاوز 600. وأضافت أن الجهات المختصة تواجه «تحديات كبيرة في الحصول على المعلومات الدقيقة بشأن أعداد المفقودات؛ إذ إن غالبية الأسر تخشى الإبلاغ عن مفقوديها الفتيات لأسباب اجتماعية بحتة متعلقة بوصمة العار».

وذكرت إسحاق أن كثيراً من النساء المفقودات خلال الحرب «تركن خلفهن مئات الأطفال في أعمار مختلفة».

وفي وقت سابق، طالبت الحكومة السودانية الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بالتدخل العاجل للكشف عن مصير أكثر من 20 ألف سجين تحتجزهم «قوات الدعم السريع» في ظروف إنسانية بالغة السوء.

البحث عن الأقارب

عوضية مع بنت ابنها المفقود (الشرق الأوسط)

في الأثناء، يواصل آلاف السودانيين البحث عن أبنائهم وأقاربهم الذين فُقدوا في الحرب. عوضية عباس (60 عاماً) اعتُقل ابنها مبارك من قبل «قوات الدعم السريع» إبان سيطرتها على العاصمة الخرطوم، عندما كان في طريقه لشراء بعض الأغراض، وما زالت تبحث عنه بعد مرور نحو عامين على اختفائه قسراً.

قالت: «لا أعرف مصيره وما إذا كان حياً أم ميتاً. ما أتمناه في هذه الدنيا رؤيته قبل موتي»، مضيفة: «أترقب دخوله في أي لحظة... لكنه حتي الآن لم يرجع».

وأصيب والده مصطفى بمرض أقعده عن الحركة ثم توفى بعد 4 أشهر من غياب ابنه. ومبارك نفسه أب لـ4 أبناء، أكبرهم عمره 15 عاماً، وأصغرهم طفلة ذات 5 أعوام لا تكف عن سؤال جدتها متى يعود والدها إلى البيت.

ومنذ ذلك الوقت تتابع عائلته المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، أملاً أن يكون أحدهم قد تعرف عليه في المعتقلات.

سحر هارون مثالُ آخر... فقدت زوجها واثنين من إخوانها منذ منتصف مارس (آذار) 2024. قالت لـ«الشرق الأوسط»: «علمنا بأن (قوات الدعم السريع) تحتجزهم في سجن سوبا شرق العاصمة الخرطوم، وذهبنا مرات عدة، لكن لم يسمحوا لنا بزيارتهم».

وبعد استعادة الجيش السيطرة على الخرطوم وخروج «قوات الدعم السريع» منها، قالت سحر إن بعض المعتقلين الذين أُطلق سراحهم أبلغوها بترحيل أفراد أسرتها إلى غرب السودان، لكن حتى الآن لا تتوفر أي معلومات عن مكانهم.

ابتزاز الفدية

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي ظل هذه الظروف، وقع كثير من العائلات ضحايا للابتزاز المالي، حيث كانوا يتلقون مكالمات هاتفية من أشخاص يزعمون أنهم يحتجزون أقرباءهم، ويطلبون فدية للإفراج عنهم مقابل إطلاق سراحهم، مهددين بقتلهم إذا لم تستجب الأسر.

وتعرض آلاف المعتقلين، في مراكز احتجاز منتشرة بالخرطوم، لشتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، وفق شقيق فتاة مفقودة بعد اقتيادها من منزلها في الخرطوم. وقال إن الأسرة لا تزال تترقب عودتها في أي لحظة، رغم انقطاع الاتصال بها أكثر من 8 أشهر.

واعتقل المئات من المدنيين؛ غالبيتهم من الشباب، عند نقاط التفتيش التي كانت تقيمها «قوات الدعم السريع» في المناطق التي كانت تسيطر عليها داخل ولايتي الخرطوم والجزيرة في وسط البلاد، دون إخطار عائلاتهم، بينما تشير أنباء عن مقتل أعداد كبيرة منهم داخل معتقلات التعذيب والتجويع المتعمد.


وفد عسكري مصري يزور تركيا... تنسيق متزايد في مواجهة توترات إقليمية

جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)
جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)
TT

وفد عسكري مصري يزور تركيا... تنسيق متزايد في مواجهة توترات إقليمية

جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)
جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)

زيارة رسمية هي الأولى من نوعها لوزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر، لتركيا، تأتي وسط توترات تشهدها المنطقة مع عودة التصعيد الأميركي-الإيراني، وقلق إسرائيلي متصاعد من تقارب القاهرة وأنقرة.

تأتي هذه الزيارة الرسمية بعد توالي التدريبات العسكرية المشتركة، وتؤشر، حسب خبراء في مصر وتركيا تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التنسيق العسكري وصل لمرحلة متقدمة للغاية، وسيعزز فرص تعزيز الاستقرار بالمنطقة ومواجهة أي توترات إقليمية.

كما أكد الخبراء أيضاً «أن إسرائيل ستظل تنظر لهذا التقارب بريبة كبيرة دون أي تدخل مباشر، خصوصاً ونحن إزاء دولتين كبيرتين بالمنطقة عسكرياً وحسابات المواجهة معهما معقدة».

أول زيارة منذ 13 عاماً

وأعلن الجيش المصري، في بيان الأحد، أن الوزير زاهر، «غادر أرض الوطن متوجهاً إلى دولة تركيا على رأس وفد عسكري رفيع المستوى في زيارة رسمية بدعوة من وزير الدفاع التركي يشار غولر لإجراء عدد من المباحثات لدعم آفاق التعاون العسكري بين القوات المسلحة لكلا البلدين في العديد من المجالات».

وهذه أول زيارة من نوعها لوزير الدفاع المصري الحالي الذي تم تعيينه في منصبه في فبراير (شباط) الماضي، والأولى لوزير دفاع مصري يقوم بزيارة رسمية لتركيا منذ 2013، ففي 8 مايو (أيار) من ذلك العام، قام وزير الدفاع المصري وقتها عبد الفتاح السيسي بزيارة رسمية لتركيا، والتقى وقتها عصمت يلمظ وزير الدفاع الوطني التركي آنذاك.

وفي نهاية أبريل (نيسان) 2024، أعلن صالح موتلو شن، السفير التركي في القاهرة، أن رئيس أركان الجيش المصري وقتها الفريق أسامة عسكر، زار تركيا بدعوة من رئيس هيئة الأركان التركية الفريق أول متين غوراك، وأجرى محادثات هناك، في أول زيارة لمسؤول عسكري مصري رفيع المستوى لتركيا منذ توتر العلاقات بين البلدين عام 2013.

وفي مايو الماضي، أجرى رئيس أركان الجيش المصري، الفريق أحمد خليفة، زيارة رسمية إلى تركيا، التقى خلالها نظيره التركي الفريق أول متين غوراك، ضمن فعاليات الاجتماع الرابع للجنة العسكرية المشتركة بين البلدين، وتم بحث سبل تطوير التعاون العسكري، لا سيما في مجالات التدريب وتبادل الخبرات.

وزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)

ويرى المستشار في «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية» اللواء عادل العمدة، أن الزيارة غير المسبوقة «تأتي ضمن التقارب العسكري المصري-التركي وتطوره إلى تعاون عسكري مؤسسي شمل اتفاقات دفاعية واجتماعات دورية وتدريبات مشتركة للقوات المسلحة، بما يعكس انتقال العلاقات من مرحلة بناء الثقة إلى مرحلة التعاون العملي».

ويشير العمدة إلى أن الزيارة «تحقق أهدافاً على ثلاثة محاور، أولها استراتيجياً باعتبار أن مصر وتركيا تمتلكان أكبر قوتين عسكريتين في شرق المتوسط، وبالتالي فإن أي تقارب بينهما يغيّر ميزان القوى الإقليمي، وأمنياً مع وجود مصالح مشتركة في تأمين شرق المتوسط والبحر الأحمر وليبيا ومكافحة الإرهاب وتأمين خطوط الملاحة، وصناعياً مع التوجه للتعاون نحو الصناعات الدفاعية ونقل الخبرات، والتدريب وربما التصنيع المشترك لبعض المعدات العسكرية مستقبلاً».

تعاون يتنامى

ويرى الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو أن هذا التعاون المصري التركي «يتصاعد على كل المستويات وبدأ ينمو عسكرياً في الفترة الأخيرة، ما يشكل تحولاً مهماً في مسار العلاقات بعد سنوات من الفتور»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني وجود رغبة بين البلدين لخدمة مصالحهما المشتركة وسط تطورات وتعقيدات إقليمية ستدفعهما لمزيد من التنسيق».

وشهد التعاون العسكري بين مصر وتركيا تطوراً ملحوظاً منذ 2023 مع عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة، وتبادل الزيارات الرئاسية؛ ما انعكس على مجال الصناعات الدفاعية، حيث استأنف البلدان التدريبات المشتركة «بحر الصداقة»، واتفقا على التعاون في التصنيع المشترك للطائرات المسيّرة، كما انضمت القاهرة لبرنامج طائرات الجيل الخامس الشبحية التركية «KAAN».

وقد عُرضت نماذج لطائرات بيرقدار (Bayraktar) التركية المسيّرة خلال معرض الصناعات الدفاعية «إيديكس 2025» في القاهرة، وظهرت الطائرات والذخائر وهي تحمل العلم المصري.

وفي فبراير 2026، وقّعت مصر وتركيا «اتفاقية تعاون عسكري» في القاهرة، بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره رجب طيب إردوغان، الذي كان يزور العاصمة المصرية آنذاك.

ووقّعت مصر وتركيا، في أغسطس 2025، اتفاقاً للتصنيع المشترك للطائرات المسيّرة ذات الإقلاع والهبوط العمودي.

جانب من تدريب «نسر الأناضول» نهاية يونيو الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)

وفي ضوء ذلك، يرى طه عودة أوغلو، «أن الزخم الكبير في التعاون العسكري، يحمل إشارة واضحة على وجود تنسيق متزايد بين البلدين، تترجمه المناورات والاتفاقيات والزيارات بشكل لافت في العامين الماضيين».

وعن مستقبل التعاون العسكري، يتوقع اللواء عادل العمدة أنه «إذا استمرت العلاقات السياسية في مسارها الحالي فمن المتوقع زيادة المناورات البرية والبحرية والجوية المشتركة، وتوسيع التعاون في الصناعات العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية، وتنسيق أكبر بشأن أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط».

تخوف إسرائيلي

هذا التصاعد في التعاون المصري التركي تتخوف منه إسرائيل، وزعمت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية يونيو (حزيران) الماضي أن المخابرات الأميركية رصدت نشاطاً غير عادي، مفاده أن مصر وتركيا «تعملان بهدوء على تعزيز تعاون عسكري واسع النطاق قد يشمل صفقات أسلحة تغير موازين القوى».

ويعتقد العمدة «أن إسرائيل تتابع هذا التقارب باهتمام في ظل حديث مستمر منها عن قلق من تنامي العلاقات المصرية–التركية، وتضع في حساباتها أنهما قوتان عسكريتان وإقليميتان مؤثرتان وأي تنسيق بينهما قد يغيّر الحسابات الأمنية في شرق المتوسط»، مستدركاً «لكن لا توجد مؤشرات معلنة على وجود تحالف عسكري موجه ضد إسرائيل، خصوصاً أن السياسة المصرية تقوم على تنويع الشراكات العسكرية مع الحفاظ على استقلال القرار الاستراتيجي، ما يجعل التعاون بينهما قائماً على المصالح المشتركة أكثر من كونه تحالفاً شاملاً».

ويتفق معه الباحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو، قائلاً: «إسرائيل ترى أن التقارب المصري التركي عسكرياً يؤثر على موازين القوى في المنطقة، لكن ذلك لا يعني تشكيل حلف ضد إسرائيل كما تسوق تل أبيب عادة، بل محاولة من البلدين لتعزيز التنسيق في المنطقة ولعب أدوار مهمة في تهدئة التوترات».