مسيّرات «الدعم السريع» تهدد عمق الجيش السوداني في ولاية القضارف

قصفت مقرات الجيش والمخابرات... والأمم المتحدة: الآلاف ما زالوا يفرون يومياً بعد عام على الحرب

قوات الأمن السودانية تنتشر بأحد شوارع مدينة القضارف (شرق) في 3 أبريل الحالي (أ.ف.ب)
قوات الأمن السودانية تنتشر بأحد شوارع مدينة القضارف (شرق) في 3 أبريل الحالي (أ.ف.ب)
TT

مسيّرات «الدعم السريع» تهدد عمق الجيش السوداني في ولاية القضارف

قوات الأمن السودانية تنتشر بأحد شوارع مدينة القضارف (شرق) في 3 أبريل الحالي (أ.ف.ب)
قوات الأمن السودانية تنتشر بأحد شوارع مدينة القضارف (شرق) في 3 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في السودان التي تقترب من دخولها العام الثاني، دخلت ولاية القضارف (شرق)، في غمار الحرب، بعد أن شهدت الثلاثاء، قصفاً جوياً بمسيرات تابعة لقوات «الدعم السريع»، استهدف مقرات تابعة للجيش وجهاز الأمن والمخابرات السودانية، ما أدى إلى وقوع إصابات بين المواطنين.

وأشاعت الغارات حالة من الهلع والذعر الشديدين وسط المواطنين، مع استمرار المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على تخوم ولاية الجزيرة بوسط البلاد.

وتبعد القضارف نحو 650 كيلومتراً من بورتسودان (العاصمة المؤقتة للسودان)، وهو ما يهدد بدخول مناطق الشرق في أتون الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023 بين قوات الجيش و«الدعم السريع».

وسارعت السلطات الحكومية الولائية إلى رفع درجة الاستعداد القصوى بفرض إجراءات أمنية مشددة، بإغلاق السوق الرئيسية، ومنع الدخول أوالخروج من المدينة نهائياً، بينما انتشر رجال الأمن بكثافة في الشوارع والأحياء السكنية، وفق مصادر محلية.

وقال حاكم ولاية القضارف المكلف، محمد عبد الرحمن محجوب، إن «العدو استخدم طائرات مسيرة لضرب الأمن والاستقرار في عاصمة الولاية القضارف»، مضيفاً: «خابت مساعيهم»، حيث تم إسقاط واحدة، وانفجرت الثانية بالقرب من أحد المساجد، وأن الأوضاع الآن مستقرة في الولاية.

وأشار إلى أن «العدو يكثف من الحملات الإعلامية لضرب تماسك قواتنا ومواطنينا على مستوى الولايات»، مؤكداً في حديث موجه للقيادة العليا بالدولة والمواطنين، أن الوضع في ولاية القضارف آمن، وأن هنالك ترتيبات لمراجعة المداخل والارتكازات التي تقيمها الأجهزة الأمنية.

وطالب الحاكم من المقاومة الشعبية في كل محافظات الولاية، بتكوين خلايا أمنية في المناطق والأحياء السكنية. وقال إن هناك إجراءات مشددة أمنية اتخذت بمنع الخروج والدخول إلى مدينة القضارف عبر المداخل والمعابر البرية، عدا بعض الاستثناءات.

سودانيون ينتظرون ملء صهاريج ماء في بورتسودان اليوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وهددت «الدعم السريع» أكثر من مرة بأن ولاية القضارف ستكون هدفاً لقواتها بجانب سعيها للاستيلاء على ولاية سنار الوسطية.

من جهته، قال مسؤول أمني لوكالة الصحافة الفرنسية التي لم تذكر اسمه، إن «مسيّرة قصفت مقر جهاز الأمن والمخابرات وسط مدينة القضارف، لكنها لم تحدث أضراراً». كما «قصفت مسيرة أخرى المنطقة (الواقعة) أمام مقر الجهاز القضائي المجاور لمبنى جهاز الأمن». وفي الوقت نفسه، أفاد شهود عيان في الولاية عن قيام مسيرة ثالثة بقصف مقر الجيش في القضارف، من دون الإشارة إلى وقوع خسائر، فضلاً عن «أصوات كثيفة للمضادات الأرضية».

وأكد مصدر في المخابرات السودانية لوكالة «أنباء العالم العربي»، أن طائرات مسيرة مجهولة استهدفت مباني جهاز المخابرات العامة في ولاية القضارف. وأبلغ شهود عيان الوكالة أن دفاعات الجيش تصدت لمسيرة كانت تحلق في سماء مدينة القضارف. وأوضح الشهود أن المسيرة قصفت مسجداً في مباني جهاز المخابرات أصيب على أثرها مواطن واحد.

ويشير مصدر في المخابرات إلى أن الأجهزة الأمنية بالقضارف تفرض حصاراً على المناطق المحيطة بموقع سقوط المسيرات الثلاث. كما جرى التحفظ على عربة قتالية يشتبه في تعاونها مع منفذي الهجوم. وأشار المصدر إلى أن فريقاً أمنياً وهندسياً مختصاً بدأ فحص حطام المسيرات وتوسيع دائرة البحث. وأضاف أن الهجوم أسفر عن إصابة 7 مواطنين بإصابات خفيفة.

وكان مقر الفرقة الثانية للجيش السوداني، تعرض لهجوم بمنطقة «الفاو» بولاية القضارف للقصف الاثنين. وتبعد المنطقة نحو 25 كيلومتراً عن المنطقة التي تشهد اشتباكات عنيفة بين قوات الجيش والدعم السريع على الحدود بين ولايتي القضارف والجزيرة.

مواطن ينتظر ملء صهريج ماء في بورتسودان اليوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وفي سياق متصل، أكد مسؤول عسكري لوكالة «الصحافة الفرنسية»، أن قوات الجيش «أحرزت تقدماً في اتجاه غرب مدينة ود مدني (عاصمة ولاية الجزيرة) وصارت على بعد نحو 10 كيلومترات منها». كما تدور مواجهات عنيفة بين الجانبين، بحسب ما قال المسؤول، في الاتجاهين الشرقي والجنوبي لود مدني، التي أعلنت قوات «الدعم السريع» سيطرتها عليها نهاية العام الماضي.

والأحد، دانت لجنة أطباء السودان المؤيدة للديمقراطية في بيان «المجزرة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في قرية أم عضام» بولاية الجزيرة.

وأشارت إلى أن «هذا العمل البربري أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن 28 من أبناء القرية الأبرياء، وإصابة أكثر من 240 شخصاً بجروح متفاوتة الخطورة».

من جهتها، قالت الأمم المتحدة الثلاثاء، إن آلاف الأشخاص اليائسين لا يزالون يفرون يومياً من السودان بعد مرور عام على اندلاع النزاع، «كما لو أن حالة الطوارئ بدأت بالأمس».

وقالت أولغا سارادو مور، المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: «بعد مرور عام، ما زالت الحرب مشتعلة في السودان الذي يعاني وجيرانه واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية وأزمات النزوح وأصعبها في العالم».

وأضافت في مؤتمر صحافي بجنيف: «لقد حطم الصراع المستمر حياة الناس، وملأهم بمشاعر الخوف والخسارة. والهجمات على المدنيين، والعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي المرتبط بالنزاع، مستمرة بلا هوادة».

وقالت أيضاً: «لقد شهد السودان تدميراً شبه كامل للطبقة الوسطى الحضرية: فقدْ فقدَ المهندسون المعماريون والأطباء والمعلمون والممرضون والمهندسون والطلاب كل شيء».

وقالت سارادو مور: «الآلاف يعبرون الحدود يومياً كما لو أن حالة الطوارئ بدأت بالأمس». وأضافت أن الفارين من البلاد، وأغلبهم من النساء والأطفال، يصلون إلى مناطق نائية عبر الحدود «مع القليل أو بلا أي شيء، وبحاجة ماسة إلى الغذاء والماء والمأوى والرعاية الطبية».

وأضافت: «مع استمرار النزاع، وتفاقم النقص في المساعدات والفرص، سيضطر مزيد من الأشخاص إلى الفرار من السودان إلى البلدان المجاورة أو الانتقال إلى أماكن أبعد، معرضين حياتهم للخطر من خلال الشروع في رحلات طويلة وخطيرة بحثاً عن الأمان».

ولم يتم حتى الآن تمويل خطة الاستجابة الإنسانية، داخل السودان سوى بنسبة 6 بالمائة، في حين تم تمويل خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين لعام 2024 بنسبة 7 بالمائة.

وأدى القتال منذ 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، الرجل الثاني السابق في السلطة العسكرية، إلى مقتل آلاف الأشخاص. كما أسفر عن نزوح نحو 8 ملايين آخرين، لجأ أكثر من 1.5 مليون منهم إلى الدول المجاورة، بحسب الأمم المتحدة.

ووفقاً للأمم المتحدة، أصبح 70 في المائة من المرافق الصحية في السودان خارج الخدمة. وتسبب النزاع بكارثة إنسانية، إذ يحتاج نحو 25 مليون شخص، أي ما يعادل أكثر من نصف السكان، إلى المساعدات، بينهم نحو 18 مليوناً يواجهون انعداماً حاداً للأمن الغذائي، وفق بيانات الأمم المتحدة. ويُتهم طرفا النزاع بارتكاب جرائم حرب، بما فيها استهداف مدنيين وقصف عشوائي لمناطق سكنية ونهب المساعدات وعرقلة وصولها.


مقالات ذات صلة

السودان... احتجاجات وإغلاق طرق بسبب جريمة قتل في بورتسودان

شمال افريقيا جنود سودانيون في مطار الخرطوم الدولي (أ.ف.ب)

السودان... احتجاجات وإغلاق طرق بسبب جريمة قتل في بورتسودان

شهدت مدينة بورتسودان السودانية حالة من التوتر إثر وقوع جريمة قتل مروعة، راح ضحيتها أحد المواطنين في ظروف غامضة.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا عناصر من «قوات الدعم السريع» إثر تقدمهم أخيراً في ولاية النيل الأزرق (أ.ب)

«الدعم السريع» تستهدف منزل حاكم النيل الأزرق

قصفت «قوات الدعم السريع» في ساعة مبكرة من صباح السبت، منزل حاكم إقليم النيل الأزرق، اللواء أحمد العمدة.

محمد أمين ياسين (نيروبي) وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يوسع انتشاره في شمال كردفان

عزز الجيش السوداني، الجمعة، انتشاره في شمال كردفان بإعلانه استعادة بلدة «المزروب» الاستراتيجية، بعد أسبوع من دخوله مدينة سودري.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا من مشاهد الحرب السودانية في مدينة أم درمان أغسطس 2024 (د.ب.أ)

دعوة دولية لوقف فوري لإطلاق النار في السودان

حضّت جهات دولية عدة الأطراف المتحاربة في السودان على الانخراط فوراً في مفاوضات للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، يستند إلى خريطة طريق «الآلية الرباعية».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا 
أسرة رحمة عبد الرحمن تقيم في منزل متواضع (الشرق الأوسط)

يوميات أسرة نازحة من الفاشر

وصلت أسرة رحمة آدم إلى أم درمان نازحةً من الفاشر، بعد رحلة شاقة، تركت خلالها بيتها ومصدر رزقها، فيما لا تزال تجهل مصير الأب عبد الرحمن إدريس وابنه إدريس.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

موريتانيا تحسم تشكيل لجنة الإشراف على الحوار الوطني

اجتماع للأحزاب السياسية الداعمة للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني لنقاش التحضير للحوار (حزب الإنصاف)
اجتماع للأحزاب السياسية الداعمة للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني لنقاش التحضير للحوار (حزب الإنصاف)
TT

موريتانيا تحسم تشكيل لجنة الإشراف على الحوار الوطني

اجتماع للأحزاب السياسية الداعمة للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني لنقاش التحضير للحوار (حزب الإنصاف)
اجتماع للأحزاب السياسية الداعمة للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني لنقاش التحضير للحوار (حزب الإنصاف)

اقتربت موريتانيا خطوة إضافية من إطلاق الحوار الوطني الذي طال انتظاره، بعد أن اتفقت الأطراف السياسية في الموالاة والمعارضة على تذليل آخر العقبات أمام تشكيل لجنة الإشراف على هذا المسار.وكان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قد دعا للحوار الوطني بعد إعادة انتخابه للمنصب في أغسطس (آب) 2024، ومنذ ذلك الوقت يجري التحضير للحوار، ومر بفترات من التوقف بسبب خلافات بين الأحزاب، ولكنه وصل مؤخراً إلى مراحل حاسمة تتعلق بتشكيل لجنة الإشراف عليه.

اللمسات الأخيرة

في نهاية الأسبوع الماضي، عقد منسق الحوار موسى فال اجتماعاً مع مختلف الأطراف السياسية، قال مصدر معارض إن الهدف منه كان «وضع اللمسات الأخيرة على تشكيل لجنة للإشراف على الحوار، وإزالة كل العقبات».

وأضاف المصدر في حديث مع «الشرق الأوسط» أن الأطراف اتفقت خلال الاجتماع على «زيادة عدد أعضاء لجنة الإشراف من 21 إلى 23 عضواً، على أن يكون لرئيسها نائبان، أحدهما من المعارضة والآخر من الموالاة»، وأكد أن هذه كانت واحدة من أكبر النقاط الخلافية.

وقال: «حُسمت أيضاً نقطة خلافية ثانية تتعلق بآلية اقتراح الشخصيات المستقلة وممثلي المجتمع المدني، البالغ عددهم ستة أعضاء مناصفة بين ثلاثة مستقلين وثلاثة من المجتمع المدني»، مشيراً إلى أنه «طُلب من كل قطب سياسي إرسال أسماء ممثليه في اللجنة بحلول 15 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري».

وأوضح المصدر أن لجنة الإشراف ستتولى بعد تشكيلها مهمة إنشاء ست لجان فرعية أخرى، أربع منها مخصصة لمواضيع الحوار (الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، النموذج الديمقراطي، نموذج الحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات)، أما اللجنة الخامسة فهي تنظيمية، والسادسة مكلفة بمتابعة تنفيذ نتائج الحوار.

وختم المصدر بالقول: «تمت إزالة وتجاوز كل العقبات التي كانت مطروحة أمام الحوار».

حراك الأقطاب

بالتوازي مع ذلك انتخبت الجمعية العامة لقطب «ائتلاف المعارضة الديمقراطية»، مساء السبت، أخيارهم ولد حمادي رئيساً دورياً جديداً للقطب، في اجتماع ناقش آخر مستجدات الحوار الوطني وجدّد مكتبه التنفيذي.

ويخلف ولد حمادي في هذا المنصب نور الدين ولد محمدو، الذي أعلن حزبه «موريتانيا إلى الأمام» في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي انسحابه من رئاسة القطب ومقاطعة الحوار الوطني المرتقب، احتجاجاً على استمرار توقيف أحد قياداته، وهو ما يعكس هشاشة التوافق داخل صفوف المعارضة نفسها إزاء هذا الملف.

من جهتها، عقدت منسقية أحزاب الأغلبية الرئاسية، مساء الجمعة، اجتماعاً بمقر حزب «الإنصاف» الحاكم لاستكمال التحضير لمشاركتها في لجان الحوار وورشاته. وناقش المجتمعون تسمية ممثليهم في لجنة الإشراف، ولكنهم قرروا منح وقت إضافي لحسم هذا التمثيل.

كما استعرضوا معايير اختيار الشخصيات المستقلة وممثلي المجتمع المدني، وكلّفوا لجنة فنية بإعداد مواقف موحدة للأغلبية إزاء مواضيع الحوار المختلفة، بما «ينسجم مع الرؤية الإصلاحية والتنموية» للرئيس ولد الغزواني.

«المأمورية الثالثة»

يأتي هذا التقدم بعد أكثر من عام من التحضيرات المتعثرة لحوار وعد به ولد الغزواني عقب إعادة انتخابه عام 2024، إذ تسلّم في يوليو (تموز) الماضي وثيقة مرجعية وخريطة طريق من منسق الحوار ورؤساء الأقطاب السياسية، حددت محاور الحوار المرتقب، وقد دعا حينها إلى تسريع انطلاق الحوار واستكمال مخرجاته قبل نهاية العام الجاري.

غير أن المسار اصطدم، في الأسابيع الأخيرة، بأزمة سياسية متصاعدة حول ما يُعرف بـ«المأمورية الثالثة»، بعدما تصاعدت دعوات علنية من داخل أحزاب الموالاة والسلطات المحلية لتمكين ولد الغزواني من الترشح لولاية رئاسية ثالثة، رغم أن الدستور يحصر المأمورية الرئاسية في ولايتين فقط.

وحذّرت خمسة أطراف معارضة رئيسية، في بيان مشترك صدر أواخر سبتمبر، من أن الجمع بين التحضير للحوار والترويج لهذه الدعوات يبعث «رسائل سياسية متناقضة»، مطالبة الرئيس بموقف صريح يؤكد التزامه بأحكام الدستور.

كما ربطت المعارضة هذا الملف بما وصفته بتصاعد الملاحقات القضائية بحق شخصيات معارضة، في مقدمتها قضية النائبتين مريم الشيخ جنك وقامو عاشور سالم، اللتين أسقط المجلس الدستوري عضويتهما البرلمانية نهائياً في الأيام الماضية.

ورغم هذا التوتر السياسي الموازي، يبدو أن التقدم التقني المحرز في تشكيل لجنة الإشراف يمنح مسار الحوار زخماً جديداً، في وقت يبقى فيه اختبار الثقة الحقيقي معلقاً على ما إذا كانت السلطة ستبدد مخاوف المعارضة بشأن مصير الاستحقاق الرئاسي القادم قبل أن تنطلق الورشات الفعلية للحوار.


قتيل بهجوم جوي على قافلة لبرنامج الأغذية العالمي جنوب كردفان

سور منهار حول مسجد بعد هجوم بمُسيَّرة في مدينة بحري بالسودان يوم 12 أغسطس الماضي (رويترز)
سور منهار حول مسجد بعد هجوم بمُسيَّرة في مدينة بحري بالسودان يوم 12 أغسطس الماضي (رويترز)
TT

قتيل بهجوم جوي على قافلة لبرنامج الأغذية العالمي جنوب كردفان

سور منهار حول مسجد بعد هجوم بمُسيَّرة في مدينة بحري بالسودان يوم 12 أغسطس الماضي (رويترز)
سور منهار حول مسجد بعد هجوم بمُسيَّرة في مدينة بحري بالسودان يوم 12 أغسطس الماضي (رويترز)

قال برنامج الأغذية العالمي، الأحد، إن شخصاً لقي حتفه في هجوم جوي استهدف قافلة مساعدات تابعة للبرنامج في جنوب كردفان بالسودان يوم السبت؛ في حين شهدت بورتسودان توتراً في أعقاب جريمة قتل مروعة هزت المدينة.

وأدان البرنامج التابع للأمم المتحدة في بيان «هجوماً جوياً استهدف شاحنتين متعاقدتين، كانتا تنقلان مواد غذائية تابعة للبرنامج» بين مدينتَي الدلنج وكادوقلي في جنوب كردفان، حسبما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف البرنامج: «أسفرت الغارة الجوية عن مقتل أحد السائقين»، دون توضيح الجهة المسؤولة عنها.

وتعاني مدن في جنوب كردفان من المجاعة، حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة، بينما يتنازع الجيش و«قوات الدعم السريع» السيطرة على المنطقة الغنية بالموارد.

والجمعة، اصطدمت شاحنة تابعة للبرنامج بجسم متفجر، بعد تسليمها مواد إغاثية منقذة للحياة في مدينة الدلنج. وأوضح البرنامج في بيانه أنه لا يزال يجمع المعلومات بشأن الواقعة، مطالباً بفتح تحقيق فوري.

وتصعب الحركة في معظم مناطق غرب وجنوب السودان، بسبب تدمير البنية التحتية وقطع الطرق والاتصالات، وتصاعد أعمال العنف.

وتسيطر الهجمات الجوية بالطائرات المُسيَّرة على مجريات المعارك في السودان من قبل طرفَي الحرب، وراح ضحيتها أكثر من 1100 شخص خلال النصف الأول من العام الجاري، حسب الأمم المتحدة.

وأودت الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، المستمرة منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023، بحياة عشرات الآلاف، وشردت الملايين، بينما يعاني نحو 20 مليون شخص من انعدامٍ حادٍّ في الأمن الغذائي.

جنود بمطار الخرطوم الدولي يوم السبت خلال استقبال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي بعد مشاركته في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ف.ب)

من جهة أخرى، شهدت مدينة بورتسودان، الأحد، حالة من التوتر؛ إثر جريمة قتل راح ضحيتها أحد المواطنين في ظروف غامضة.

ونقلت صحيفة «صوت الأمة» السودانية عن مصدر محلي قوله إن ذوي القتيل خرجوا في مظاهرة غاضبة، وأغلقوا بعض الطرق بالحجارة، وحرقوا الإطارات وسط الشوارع الرئيسية لمنع حركة المركبات.

وعبَّر المحتجون عن استنكارهم الشديد للجريمة، مطالبين السلطات الأمنية بولاية البحر الأحمر بالإسراع في القبض على الجناة، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتواجه ولايات سودانية عدة، منها الخرطوم، تحديات أمنية متزايدة تمثلت في انتشار الانفلات الأمني والأسلحة ونشاط العصابات، وازدياد معدلات الجريمة، وسط محاولات لإعادة تطبيع الحياة المدنية وإعادة الخدمات الأساسية.

ويقول مراقبون إن تصاعد معدلات الجريمة هو انعكاس لضغوط وتحديات ماثلة بسبب الحرب، في ظل بيئة أمنية معقدة أثرت سلبياً على المجتمعات السودانية، وأعادت إنتاج وتشكيل الجريمة.


ثلث سكان ليبيا في الجهاز الحكومي... وفاتورة المرتبات تحت الضغط

جانب من إضراب المعلمين في طرابلس الأحد (نقابة معلمي طرابلس المركز)
جانب من إضراب المعلمين في طرابلس الأحد (نقابة معلمي طرابلس المركز)
TT

ثلث سكان ليبيا في الجهاز الحكومي... وفاتورة المرتبات تحت الضغط

جانب من إضراب المعلمين في طرابلس الأحد (نقابة معلمي طرابلس المركز)
جانب من إضراب المعلمين في طرابلس الأحد (نقابة معلمي طرابلس المركز)

دقّ ديوان المحاسبة الليبي ناقوس الخطر بشأن الارتفاع المتسارع في نفقات القطاع العام، داعياً رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، إلى التدخل العاجل لضبط الكادر الوظيفي وإعداد جدول مرتبات موحّد وشامل «يضمن العدالة الاجتماعية، ويمنع التوسع العشوائي الذي يهدد الاستقرار المالي للدولة».

ويأتي تحذير ديوان المحاسبة في وقت تشهد ليبيا فيه اعتصامات وإضرابات فئوية في صفوف المعلمين والعاملين في القطاع الصحي للمطالبة بـ«مستحقاتهم المالية وتحسين أوضاعهم المعيشية».

رئيس حكومة «الوحدة» الليبية عبد الحميد الدبيبة ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في يونيو الماضي (مكتب الدبيبة)

وفي خطاب رسمي بعث به رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك، السبت، إلى الدبيبة، حذر من استمرار ارتفاع الإنفاق على الباب الأول المتعلق بالمرتبات، وقال إن نتائج التحليل المالي كشفت عن ارتفاع ملحوظ في المرتبات السنوية خلال السنوات الخمس الأخيرة بقيمة تتجاوز 39.9 مليار دينار ليبي (6.2 مليار دولار بسعر السوق الرسمية، و4.2 مليار دولار في السوق الموازية)، وبنسبة نمو بلغت 193.3في المائة.

ونوه رئيس ديوان المحاسبة إلى أن هذا الارتفاع المالي «اقترن بزيادة مستمرة في الكادر الوظيفي بنسبة 22.7 في المائة، ليصل إجمالي العاملين بالجهات التابعة للخزانة العامة إلى نحو مليونين و256419 موظفاً حتى نهاية أغسطس (آب) الماضي».

وأوضح في التقرير الرقابي أن هذه الأرقام «جعلت القوة العمومية للوظيفة العامة تتجاوز حاجز 30 في المائة من إجمالي عدد السكان في ليبيا»، عاداً الأمر «انحرافاً حاداً عن المعدلات العالمية التي تتراوح عادة بين 2 في المائة و5 في المائة».

وكشف أن «الموظفين الحكوميين في ليبيا باتوا يمثلون أكثر من 85 في المائة من إجمالي القوى العاملة في البلاد، مقارنة بالمعدل العالمي المعتمد بـ11 في المائة فقط». وينظر إلى هذا العدد بأنه يضع فاتورة الرواتب تحت ضغط كبير.

جانب من إضراب المعلمين في طرابلس الأحد (نقابة معلمي طرابلس المركز)

ولا توجد إحصاءات رسمية في ليبيا بشأن عدد السكان، لكن موقع «وورلدوميتر» أشار إلى أن العدد بلغ نحو 7.54 مليون نسمة في 2026، مستنداً إلى تقديرات للأمم المتحدة.

توصيات ديوان المحاسبة

قال شكشك إنه «حرصاً على الاستقرار المالي للدولة، فإن ديوان المحاسبة يوصي بضرورة العمل على إعداد جدول مرتبات موحد وشامل لموظفي القطاع العام في الدولة يضمن الاستجابة لمتطلبات العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والحد من الفروقات المالية بين القطاعات».

وشدد على «مراعاة تمييز بعض الجهات التي تتطلب طبيعة عملها وحجم المخاطر فيها تمييزاً مالياً خاصاً، بما يكفل حسن سير المرافق العامة والاحتفاظ بالكفاءات الوطنية وفق ضوابط مهنية وقانونية ومعايير موضوعية تمنع أي توسع عشوائي مستقبلي قد يهدد الاستدامة المالية للدولة».

طفلان يشاركان في احتجاج للعاملين بالقطاع الطبي غرب ليبيا الاثنين الماضي (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

وبجانب اعتصام المعلمين في ليبيا عن العمل، الذي يستمر منذ انطلاق العام الدراسي في 13 سبتمبر (أيلول)، يواصل حراك الكوادر الصحية إضراباً متقطعاً هو الآخر لتنفيذ تسعة مطالب، من بينها زيادة الرواتب.

وانتهت النقابات المهنية العامة على مستوى ليبيا، خلال اجتماعها الأحد، إلى إمهال الحكومة 48 ساعة لفتح حوار مباشر معها، ملوّحةً بـ«إضراب عام وشامل وتصعيد نقابي مفتوح في حال عدم الاستجابة لمطالبها»، كما طالبت النائب العام بالتدخل لمكافحة الفساد في الإنفاق العام.

ونوهت النقابات إلى أن «تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع والخدمات يتطلبان معالجة اقتصادية تسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين»، مطالبة بإقرار وتنفيذ منظومة عادلة وموحدة للمرتبات والأجور تتناسب مع تكاليف المعيشة وسعر صرف الدولار، إلى جانب تسوية معاشات المتقاعدين وفق القوانين النافذة وضمان حقوقهم عند إقرار جدول المرتبات الموحد.

وشدد البيان على أهمية دعم القطاعات الخدمية، في مقدمتها الصحة والتعليم، وتوفير الإمكانات اللازمة لتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطن، إلى جانب حماية العمل النقابي وحقوق العاملين والمتقاعدين وفق التشريعات والاتفاقيات المنظمة.

الصحة والتعليم

في الأثناء، يواصل قطاعات من المعلمين إضرابهم عن العمل، وسط شكاوى أولياء أمور من تضرر أبنائهم بسبب إغلاق بعض المدارس.

وقال المكتب الإعلامي للنقابة العامة للمعلمين طرابلس الكبرى، الأحد، إن معلمي ومعلمات طرابلس يواصلون اعتصامهم من داخل مراقبة التربية والتعليم، رفضاً لـ«التهميش والمماطلة، وتمسكاً بحقوقهم المشروعة».

وأشاروا إلى أن «مطالبهم واضحة، وحقوقهم ليست محل تفاوض أو تسويف»، متوعدين بأن «اعتصامهم لن يتوقف إلا بتنفيذ المطالب وتحقيق العدالة الاجتماعية للمعلمين».

ويشكو المعلمون من تدني مرتباتهم التي لا تتجاوز في كثير من الحالات ألفَي دينار شهرياً، في وقت لم تعد تتناسب فيه مع ارتفاع تكاليف المعيشة بحسب شكاواهم، فضلاً عن تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال.

قوات أمنية تفض وقفة سلمية للأطباء أمام مقر حكومة «الوحدة» في طرابلس الأحد الماضي (حسابات نواب وأعضاء في المجلس الأعلى للدولة)

أما مطالب القطاع الصحي فتشمل تفعيل العلاوات والمزايا، وتوفير التأمين الصحي، وتوسيع وتنظيم الهيكل الوظيفي ومعالجة العجز في الكوادر، بالإضافة إلى توفير الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية، وتوفير الحماية للعاملين في أثناء أداء واجبهم، بجانب حماية الكفاءات الوطنية ومعالجة أسباب هجرتها إلى القطاع الخاص أو خارج البلاد.

وبحسب بيانات «المصرف المركزي»، فإن النفقات الليبية خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى أغسطس (آب) الماضيين بلغت 68.6 مليار دينار، استحوذ منها بند الرواتب على 46.9 مليار منها بنسبة 68 في المائة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended