العيد في السعودية... فرائحية سنوية من حبات «القمح المشوية» إلى أفخر «الأطباق العالمية»

الفرح والحزن يدخلان الذاكرة الشعرية العربية من زمن تأبط شراً إلى حمد الحجي

هيئة الترفيه السعودية دليل فعاليات للأعياد (واس)
هيئة الترفيه السعودية دليل فعاليات للأعياد (واس)
TT

العيد في السعودية... فرائحية سنوية من حبات «القمح المشوية» إلى أفخر «الأطباق العالمية»

هيئة الترفيه السعودية دليل فعاليات للأعياد (واس)
هيئة الترفيه السعودية دليل فعاليات للأعياد (واس)

حافظ السعوديون في مختلف مناطق بلادهم على مظاهر العيد القديمة، مستذكرين عيد أيام زمان ومحاولين إبقاء مظاهر هذه الفرائحية التي تتكرر مرتين في العام في ذاكرتهم من خلال عيدي الفطر والأضحى، كما احتفظت ذاكرة السعوديين بمعاناة الشعراء في العيد. وتختزن الذاكرة الشعبية السعودية مظاهر جميلة عن العيد في بلادهم ظلت على مدى عقود ديدن المجتمع من منطلقات دينية وأخرى اجتماعية، بعضها اتسمت بالنمطية في ظروف وإمكانيات بالغة الصعوبة، متجاوزين التقليدية المملة، ومع التغييرات المتسارعة التي شهدتها البلاد خلال العقود العشرة الماضية بقي العيد مناسبة مهمة تتعدى أنه مناسبة دينية صرفية إلى فرائحية اجتماعية.

السعوديون يحرصون على الإفطار الجماعي يوم العيد (أرشيفية - واس)

وحافظت المدن والمحافظات والقرى والهجر في السعودية على مظاهر العيد التي كانت سائدة في الماضي؛ إذ يحرص السكان على إبقاء هذه المظاهر القديمة ومحاولة توريثها للأبناء. ولوحظ خلال العقود الماضية حرص السكان على إحياء المظاهر الاحتفالية بعيد الفطر من خلال موائد العيد بمشاركة جميع سكان الحي، وتمثلت هذه المظاهر في تخصيص أماكن بالقرب من المساجد أو الأراضي الفضاء ونصب الخيام داخلها وفرشها بالسجاد، ليبدأ سكان الأحياء بعيد الصلاة، بالتجمع في هذه الأماكن وتبادل التهنئة بالعيد، ومن ثم تناول القهوة والتمر وحلاوة العيد، التي تم استبدالها بأجود الحلويات العالمية الشهيرة، بعدها تحضر موائد العيد من المنازل أو المطابخ، التي لا تتعدى الكبسة السعودية والأكلات الشعبية الأخرى التي تشتهر بها كل منطقة من مناطق السعودية، علماً بأن ربات البيوت يحرصن على التنسيق فيما يتعلق بهذه الأطباق لتحقيق التنوع في مائدة العيد وعدم طغيان طبق على آخر.

وتتمثل احتفالية العيد بتناول إفطار العيد في ساعة مبكرة، لا تستغرق أكثر من ساعتين بدءاً من الساعة السابعة صباحاً، حيث يؤدي سكان الحي الصلاة في المسجد، ومن ثم يتوجهون إلى المكان المخصص، الذي يفرش عادة بالسجاد (الزوالي)، مع وضع بعض المقاعد لكبار السن ليتسنى لهم المشاركة في هذه الاحتفالات، وفي المكان يتم تبادل التهاني بالعيد، وبسبب تغير الساعة البيولوجية في شهر الفضيل، نهج البعض على تأخير إفطار العيد من الصباح إلى ما بعد الظهر، ليكون بمثابة وجبة غداء، وذلك في المنازل أو في الاستراحات أو قصور الأفراح، وبعد انتهاء هذه الاحتفالية يتوجه أرباب الأسر مع عائلاتهم إلى الأقارب للتهنئة بالعيد ضمن اعتبارات تتعلق بأعمار المزارين ودرجة القرابة، حيث الأولوية لعمداء الأسر وكبار السن منهم؛ ولأن الساعة البيولوجية للناس يصيبها الخلل خلال شهر الصوم، فإن البعض يحرص على أخذ قسط من الراحة قبيل صلاة الظهر أو بعدها، ويبدأ بعد العصر بزيارة الأقارب والأصدقاء حتى المساء، حيث يخيّم الهدوء على المنازل لتبدأ الأسر بمتابعة فعاليات العيد التي خصصتها الجهات المختصة وتميزت بالتنوع وإرضاء جميع الأذواق، وتراوحت ما بين الفنون الشعبية، والعروض المختلفة والسينما والمسرحيات، والألعاب بمشاركة فرق من الجاليات العربية الإسلامية والأجنبية تعرض فنونها ورقصاتها أمام الحضور، إضافة إلى عروض الألعاب النارية التي تطلق في أماكن محددة من المدينة بإشراف من الدفاع المدني.

وفي الوقت الذي اختفت بعض مظاهر العيد القديمة، عادت هذه الأجواء التي تسبق يوم عيد الفطر المبارك بيوم أو يومين للظهور مجدداً في بعض المدن والمحافظات السعودية وعدد من القرى، بعد أن اختفت منذ أكثر من 4 عقود، والمتمثلة في المناسبة الفرحية المعروفة باسم «العيدية»، التي تحمل مسميات مختلفة في مناطق السعودية، منها الحوامة أو الخبازة أو الحقاقة أو القرقيعان في المنطقة الشرقية، ودول الخليج، حيث أعادت أحياء راقية في الرياض إحياء الاحتفالية القديمة لعيدية الأطفال، حيث جاب عشرات الأطفال من أحياء الرياض أرجاء الأحياء بحثاً عن عيدية رمضان من الجيران، بعد أن نجحوا في أحد الأحياء، الأعوام الماضية في إحياء هذا التراث، الذي اندثر منذ سنوات الطفرة، وانتقال السكان من منازلهم الطينية إلى منازل حديثة، حيث جمعوا الحلوى والنقود والهدايا المتنوعة من منازل الحي، وحتى من السيارات العابرة، مرتدين الزي السعودي القديم، وذلك في احتفالية لافتة أبهجت الأطفال وأسرهم، وحققت الحملة هدفها أو مبتغاها؛ وهو ما دفع بالبعض إلى التفكير في إحياء هذه العادة القديمة بأساليب مختلفة عن السابق تبعاً لظروف الحياة الحديثة. بعد أن بقيت في ذاكرة السكان من كبار السن الذين ما زالوا يتذكرون تلك الأجواء التي تسبق يوم العيد، عندما كان أطفال القرى وأحياء المدن يستيقظون صباحاً في آخر يوم من أيام رمضان، ويجوبون الأحياء طلباً للعيدية من الجيران، يطرقون الأبواب لإيقاظ أصحاب المنازل الطينية الذين يغطون في سبات عميق، بسبب السهر والصيام، ويردد الأطفال بصوت واحد عندما يتساءل ساكنو المنزل من الطارق؟ «أبي عيدي عادت عليكم في حال زينة»، أو عبارة: «خبزوني لبزوني لو بعويد المغرفة»، ويكملون: «نوقف الحمير ولا نسوقه»، في إشارة إلى هل ينصرفون أم ينتظرون، فإذا جاء الجواب من البيت بالإيجاب وحصلوا على عيديتهم التي لا تتعدى النقود المعدنية أو الحلوى وبعض المكسرات، يصيح الأطفال بصوت واحد: «جعل الفقر ما يدخل عليكم ولا يكسر أيديكم»، أما إذا كان الجواب سلبياً، أي «لا عيدي»، فإن الأطفال يمطرون أصحاب المنزل بعبارات تنم عن تذمرهم من عدم تلبية طلبهم بالحصول على العيدية مهما كانت، وقد ساهمت الحضارة الحديثة وانتقال السكان من الأحياء والأزقة الطينية بالقرى والمدن في اختفاء هذا المظهر الفرحي للصغار في شهر رمضان ومع حلول العيد.

يشار إلى أن المظاهر الاحتفالية لعيدية رمضان قبل عقود عدة تتمثل في قيام الأطفال بطرق الأبواب صباح آخر يوم من أيام رمضان، وطلب العيدية التي كانت لا تتعدى البيض المسلوق أو القمح المشوي مع سنابله، والمعروف باسم «السهو»، وتطور بعد ذلك الأمر إلى تقديم المكسرات والحلوى، خصوصاً القريض (حبات الحمص)، والفصفص، وحب القر، وحب الشمام، والحبحب، وحب دوار الشمس، والذرة المشوية. وحالياً ومع التغيرات التي حدثت في السعودية مؤخراً أصبح للعيد مكانة عند السكان والدولة من خلال إقرار فعاليات متنوعة في مختلف المناطق من خلال الهيئة العامة للترفيه السعودية، حيث أطلقت الهيئة لعيد هذا العام دليل فعاليات عيد الفطر المبارك 2024، وتشمل عروض الألعاب النارية والحفلات الفنية، والعروض المسرحية التي ستغطي مناطق المملكة، بالإضافة إلى عدد من الفعاليات.

وستنطلق الألعاب النارية احتفالاً بالعيد في مناطق السعودية في تمام التاسعة مساءً، وتستمر عروض الألعاب النارية في مدينة جدة لمدة يومين، كما تتضمن فعاليات العيد عروضاً مسرحية، تضم عدداً من ممثلي الوطن العربي، حيث سيشهد مسرح محمد العلي في الرياض يوم 14 أبريل (نيسان) مسرحية «الجار»، كما تشهد مدينة جدة في مسرح كلية البترجي في تاريخ 13 أبريل، مسرحية «الصندوق الأحمر». وفي هذا السياق، يشهد مسرح الأصالة في مدينة الدمام في تاريخ 14 أبريل مسرحية «عرس الجن»، بينما تتضمن فعاليات العيد 8 حفلات فنية في مختلف مدن المملكة.

وفي هذا الإطار، تأتي احتفالات العيد، ضمن فعاليات عيد الفطر 2024، حيث يستقبل بوليفارد سيتي زواره خلال أيام العيد من الساعة الرابعة مساءً حتى الثانية صباحاً، في حين يستقبل بوليفارد وورلد زواره من الرابعة مساءً حتى الواحدة صباحاً، وتستقبل منطقة فيا رياض زوارها من الساعة الثامنة مساءً حتى الثالثة فجراً، في حين تشهد مدينة جدة فعالية «وجهة العيد» في جدة بروميناد لمدة 10 أيام، تحت شعار «أحلى الأعياد في جدة بروميناد»، حيث تشمل عروضاً شعبية مميزة، إضافة إلى الحفلات الغنائية، الفقرات الترفيهية، الأنشطة التفاعلية، وتشكيلة متنوعة من الأطعمة.

الأطفال أكثر فرحاً بالعيد

وقد أعلنت الهيئة عن هوية «عيد الفطر 2024»، التي تحمل شعار «عيدك بين أهلك وناسك»، وذلك في سياق سعيها لتعزيز التواصل وإدخال الفرح إلى قلوب سكان السعودية وزائريها وتأتي هوية العيد هذا العام متألقة بخطوط مرحة وألوان زاهية تعبّر عن جوهر الاحتفاء بالعيد وتحمل بين طياتها الفرحة، كما تبرز في تفاصيلها انعكاس فرحة العيد وتفاعل الأفراد والعائلات وأيضاً القطاعات التجارية المختلفة مع هذه المناسبة؛ ما يلائم مختلف الأذواق والفئات العمرية.

ذاكرة شعرية يفوح منها الحزن

ولمحبي الشعر ومتابعيه ومع مناسبة كل عيد تبوح الذاكرة الشعرية العربية بنماذج من الأشعار ورد فيها ذكر للعيد، كمناسبة للتنفيس عن مكنونات النفس، والتعبير عن المشاعر المتباينة معاً، كما وردت أشعار وقصص في ذات المناسبة ذاتها، وفي عصور مختلفة، أبطالها: حكام، وشعراء تحوّلت حياتهم من النقيض إلى النقيض، ووجدوا في العيد فرصة للتعبير عن مشاعرهم أفراحاً وأتراحاً، هنا نماذج منتقاة عبر عصور ومناسبات مختلفة، كان العيد هو الباعث والمحرك لها. ومن العصر الجاهلي، ومن طبقة الشعراء الصعاليك، وفي قصيدة أورد في مطلعها العيد، يقول أحد أشهر شعراء الصعاليك في العصر الجاهلي وهو الشاعر ثابت بن جابر الفهمي الذي اشتهر بلقب «تأبط شراً».

يا عيد مالك من شوق وإيراق

ومر طيف على الأهوال طراق

يسري على الأين والحيات مختفيا

نفسي فداؤك من سار على ساق!

تمثال المتنبي في العراق

ويعدّ شاعر العربية المتنبي الذي تربّع على عرش الشعر، أفضل من تحدث عن العيد وبثّ فيه الفرح والترح، بفضل قصيدته المعروفة، التي يهجو فيها كافور الإخشيدي، بعد أن تبخرت آماله وأحلامه بالحصول على ما يطمح إليه من إمارة أو ولاية يتربع على عرشها، يقول:

عيدٌ بأية حالٍ عُدتَ يا عيدُ

بمَا مَضَى أمْ لأمْرٍ فيكَ تجْديدُ

أمّا الأحِبّة فالبَيْداءُ دونَهُمُ

فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ

من قرطبة إلى سحن أغامات

واحتفظت الذاكرة الشعرية العربية بأبيات للمعتمد بن عباد، حاكم قرطبة، قالها يوم العيد وهو في سجن «أغامات» في المغرب بعد أن اكتوى بنار نزاعات حكام الطوائف والصراع بين حكامها، ليلقي زعيم الموحدين يوسف بن تاشفين القبض على ابن عباد ويودعه السجن، وفي أحد أعياد الفطر أوحى إليه (سجانه) بأن اليوم يوم عيد وعليه أن يفطر، وبشّروه بزيارة بناته له اللاتي حضرن إلى أبيهم في زنزانته حافيات الأقدام وبلباس ممزق بعد أن كُنّ ذات يوم يخضن في خليط من الكافور والزعفران والمسك على هيئة طين اقترحه والِدُهُنّ الملك، محققاً رغبتهن في أن يخضن في الطين بعد أن شاهدن بعض الجواري في القصر يخضن في طين طبيعي ويحملن القِرَب. يقول الحاكم الشاعر:

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا

وكان عيدك باللذات معمورا

وكنت تحسب أن العيد مسعدة

فساءك العيد في أغمات مأسورا

ترى بناتك في الأطمار جائعة

في لبسهن رأيت الفقر مسطورا

معاشهن بعيد العز ممتهن

يغزلن للناس لا يملكن قطميرا

معروف الرصافي

قصة شعرية في يتيم العيد

ومن العصر الحديث جاءت أبيات للشاعر العراقي الراحل معروف الرصافي من قصيدة طويلة عن «اليتيم في العيد»، تحكي قصة شعرية مليئة بصور تحكي معاناة ومآسي الأيتام، ووجد الشاعر العيد فرصة ليبثها، ومنها: خرجت وقرص الشمس قد ذر شارقا ترى النور سيالا به يتدفع وقفت أجيل الطرف فيهم فراعني هناك صبي بينهم مترعرع صبي صبيح الوجه أسمر شاحب نحيف المباني أدعج العين أنزع يزين حجاجيه اتساع جبينه وفي عينه برق الفطانة يلمع عليه دريس يعصر اليتم ردنه فيقطر فقر من حواشيه مدقع يليح بوجه للكآبة فوقه غبار به هبت من اليتم زعزع على كثر قرع الطبل تلقاه واجما كأن لم يكن للطبل ثمة مقرع كأن هدير الطبل يقرع سمعه فلم يلف رجعا للجواب فيرجع

الشاعر السعودي حمد الحجي

زفرات حنين من لبنان إلى السعودية

ومن العصر الحديث أيضاً يطل شاعر أصيل من السعودية، هو: حمد بن سعد الحجي، من «بلدة مرات السعودية» قبل 6 عقود، تميز بالصدق والعذوبة، وتجلت براعته في الغَزَل وفي حبه وشوقه إلى وطنه وتعلقه به. وقد أصيب الشاعر بمرض نفسي لم يحجب روائعه الشعرية. ومن أحد عنابر المصحات النفسية خارج بلاده؛ حيث كان يتلقى العلاج، حل العيد على الشاعر حمد بن سعد الحجي قبل ستة عقود، بعيداً عن الأهل والأحباب، فأطلق زفرات من قلبه المتعب بشوق اللقاء. يقول:

يا عيد وافيت والأشجان مرخية

سدولها ونعيم الروح مفقود

لا الأهل عندي ولا الأحباب جيرتهم

حولي فقلبي رهين الشوق مفؤود

تجري دموعي في محاجرها على

وسادي لها صبع وتسهيد

أمسي وأصبح والأحزان تحدق بي

لا الروض يجدي ولا القيثار والعود

يا ساكني نجد أنا بعد بينكم

كأنما قد شوى الأضلاع سفود


مقالات ذات صلة

لبنان يُغنّي في النسخة الـ23 لـ«عيد الموسيقى»

يوميات الشرق بيروت تحتفل بـ«عيد الموسيقى» طوال يومين (المركز الثقافي الفرنسي)

لبنان يُغنّي في النسخة الـ23 لـ«عيد الموسيقى»

لبنان بجميع مناطقه يُغنّي في النسخة الـ23 لـ«عيد الموسيقى» الذي يحلّ في 21 يونيو من كل عام. فاللبنانيون اعتادوا الاحتفال به منذ انطلاقته عام 2001.

فيفيان حداد (بيروت)
العالم العربي عدد من الأضاحي قبل ذبحها في المجازر المعتمدة (مجلس الوزراء)

«عجول نزقة» تجلب مشاهد مصارعة الثيران إلى مصر

حظيت مقاطع فيديو مصورة لمَشاهد «هروب» عجول الأضحية في مصر، بانتشار واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، محققة مشاهدات كبيرة، وتشبيه مدونين لها بـ«مصارعة الثيران»

أحمد عدلي (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز (الشرق الأوسط)

خادم الحرمين: نسأل الله أن يديم الأمن والاستقرار على وطننا والأمتين العربية والإسلامية

هنّأ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، المواطنين والمقيمين والأمتين العربية والإسلامية بعيد الأضحى المبارك.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق رسمت فرحة العيد البهجة والسرور على وجوه الكبار والصغار في مختلف مناطق السعودية (تصوير: سعد الدوسري)

العيد في السعودية... كرنفال للفرح والبهجة

رسمت فرحة العيد البهجة والسرور على وجوه الكبار والصغار في مختلف مناطق السعودية، الذين توافدوا مع ساعات الصباح الأولى على ساحات المساجد والمتنزهات.

إبراهيم أبو زايد (الرياض)
الخليج «طواف الإفاضة» الركن الثالث من أركان الحج (واس)

الحجاج يؤدون «طواف الإفاضة» وسط منظومة من الخدمات المتكاملة

بدأ الحجاج اليوم أداء «طواف الإفاضة» الركن الثالث من أركان الحج في المسجد الحرام مع فجر عيد الأضحى المبارك وسط منظومة من الخدمات والتنظيمات المكثفة

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

اختبار «اللهجة الفلاحي»... تندُّر افتراضي يتطوّر إلى «وصم اجتماعي»

لقطة من فيلم «الأرض» (أرشيفية)
لقطة من فيلم «الأرض» (أرشيفية)
TT

اختبار «اللهجة الفلاحي»... تندُّر افتراضي يتطوّر إلى «وصم اجتماعي»

لقطة من فيلم «الأرض» (أرشيفية)
لقطة من فيلم «الأرض» (أرشيفية)

مع انتشار اختبار «اللهجة الفلاحي» عبر مواقع التواصل في مصر بشكل لافت خلال الساعات الماضية، وتندُّر كثيرين على مفردات الاختبار التي عدَّها البعض «غير مألوفة» وتحمل معاني متعدّدة؛ تطوّر هذا الاختبار إلى «وصم اجتماعي» بتحوّل ناجحين فيه إلى مادة للسخرية، بينما تباهى خاسرون بالنتيجة، وعدّوا أنفسهم من أبناء «الطبقة الراقية».

وكتبت صاحبة حساب باسم بسمة هاني بعد نشر نتيجة اختبارها «اللهجة الفلاحي»، 5/ 20، عبر «فيسبوك»: «يعني أنا طلعت من EGYPT»، مع تعبير «زغرودة» للدلالة إلى الفرح.

ونشر حساب باسم المهندس رامي صورة لرجل يركب حماراً ويجري بسرعة وفرح، معلّقاً أنه هكذا يرى مَن نجحوا في اختبار «اللهجة الفلاحي».

وكتب حساب باسم سعيد عوض البرقوقي عبر «فيسبوك»: «هذا اختبار اللهجة الفلاحي... هيا لنرى الفلاحين الموجودين هنا وأقصد فلاحي المكان وليس الفكر».

ورداً على موجة السخرية والتندُّر من هذا الاختبار، كتب صاحب حساب باسم محمد في «إكس»: «هناك فلاحون يرتدون جلباباً ثمنه ألف جنيه (الدولار يساوي 48.62 جنيه مصري) ويمتلك بيتاً من هذا الطراز – نشر صورة لبيت بتصميم فاخر – ويعرف الصح من الخطأ، ويعلم بالأصول وهو أهل للكرم، تحية لأهالينا في الأرياف».

وأمام التحذير من تعرّض المتفاعلين مع الاختبار إلى حملات اختراق، كتب الإعلامي الدكتور محمد ثروت على صفحته في «فيسبوك»: «اختبار اللهجة الفلاحي مجرّد (ترند) كوميدي وليس هاكرز، ويعبّر عن جهل شديد في أصولنا وعاداتنا المصرية القديمة». فيما كتب حساب باسم إبراهيم عبر «إكس»: «أخاف المشاركة في الاختبار والحصول على 10/ 20. أهلي في البلد سيغضبون مني».

وتضمّ مصر عدداً من اللهجات المحلّية، وهو ما يردُّه بعض الباحثين إلى اللغة المصرية القديمة التي تفاعلت مع اللغة العربية؛ منها اللهجة القاهرية، واللهجة الصعيدية (جنوب مصر)، واللهجة الفلاحي (دلتا مصر)، واللهجة الإسكندراني (شمال مصر)، واللهجة الساحلية واللهجة البدوية. ولمعظم هذه اللهجات اختبارات أيضاً عبر «فيسبوك».

اختبار «اللهجة الفلاحي» يغزو وسائل التواصل (فيسبوك)

في هذا السياق، يرى أستاذ الأدب والتراث الشعبي في جامعة القاهرة الدكتور خالد أبو الليل أنّ «هذا (الترند) دليل أصالة وليس وصمة اجتماعية»، ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنّ «إقبال البعض في وسائل التواصل على هذا الاختبار محاولة للعودة إلى الجذور».

ويُضيف: «صوَّر بعض الأعمال الدرامية أو السينمائية الفلاح في صورة متدنّية، فترسَّخت اجتماعياً بشكل مغاير للحقيقة، حتى إنّ أي شخص يمتهن سلوكاً غير مناسب في المدينة، يجد، حتى اليوم، مَن يقول له (أنت فلاح) بوصفها وصمة تحمل معاني سلبية، على عكس طبيعة الفلاح التي تعني الأصالة والعمل والفَلاح. محاولة تحميل الكلمة معاني سلبية لعلَّها رغبةُ البعض في التقليل من قيمة المجتمعات الزراعية لأغراض طبقية».

ويتابع: «مَن يخوض الاختبار يشاء استعادة المعاني التي تعبّر عن أصالته وجذوره، أما من يتندّرون ويسخرون من الفلاحين فهُم قاصرو التفكير. ومن يخسرون ويرون أنّ خسارتهم تضعهم في مرتبة اجتماعية أعلى، فهذا تبرير للفشل».

ويشير أبو الليل إلى دور إيجابي تؤدّيه أحياناً وسائل التواصل رغم الانتقادات الموجَّهة إليها، موضحاً: «أرى ذلك في هذا الاختبار الذي لا يخلو من طرافة، لكنه يحمل دلالة عميقة تردُّ الحسبان للفلاح رمزاً للأصالة والانتماء».

لقطة من فيلم «المواطن مصري» الذي تدور أحداثه في الريف (يوتيوب)

ويعيش في الريف نحو 57.8 في المائة من سكان مصر بعدد 45 مليوناً و558 ألف نسمة، وفق آخر إحصائية نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2022، بينما يبلغ سكان المدن نحو 40 مليوناً و240 ألف نسمة.

من جهتها، ترى أستاذة علم الاجتماع في جامعة بنها، الدكتورة هالة منصور، أنّ «الثقافة الشعبية المصرية لا تعدُّ وصف (الفلاح) أمراً سلبياً، بل تشير إليه على أنه (ابن أصول) وجذوره راسخة»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «يُسأل الوافدون إلى القاهرة أو المدن الكبرى عن أصولهم، فمَن لا ينتمي إلى قرية يُعدُّ غير أصيل».

وتُرجِع الوصم الاجتماعي الخاص بالفلاحين إلى «الهجرة الريفية الحضرية التي اتّسع نطاقها بدرجة كبيرة نظراً إلى ثورة الإعلام ومواقع التواصل التي رسَّخت سلوكيات كانت بعيدة عن أهل الريف».

وتشير إلى أنّ «السينما والدراما والأغنيات ترسّخ لهذا المنظور»، لافتة إلى أنه «من سلبيات ثورة 1952 التقليل من قيمة المهن الزراعية، والاعتماد على الصناعة بوصفها قاطرة الاقتصاد. وقد أصبحت تلك المهن في مرتبة متدنّية ليُشاع أنَّ مَن يعمل في الزراعة هو الفاشل في التعليم، وهذا لغط يتطلّب درجة من الوعي والانتباه لتصحيحه، فتعود القرية إلى دورها المركزي في الإنتاج، ومكانها الطبيعي في قمة الهرم الاجتماعي».

وعمَّن فشلوا في اختبار «اللهجة الفلاحي» وتفاخرهم بذلك بوصفهم ينتمون إلى طبقة اجتماعية راقية، تختم أستاذة علم الاجتماع: «هذه وصمة عار عليهم، وليست وسيلة للتباهي».