«العروج إلى شيراز» تستعيد حافظ الشيرازي سردياً

عباس لطيف يبني شخصية الشاعر الصوفي مستنداً إلى مرويات ومخطوطات

«العروج إلى شيراز» تستعيد حافظ الشيرازي سردياً
TT

«العروج إلى شيراز» تستعيد حافظ الشيرازي سردياً

«العروج إلى شيراز» تستعيد حافظ الشيرازي سردياً

رواية «العروج إلى شيراز» للروائي عباس لطيف، الصادرة عام 2024، رواية مركّبة، تتحرك على مستويين؛ تاريخي ومعاصر. فعلى المستوى التاريخي تعود إلى القرن الثامن الهجري (الثالث عشر الميلادي) لتدّون لنا سيرة حياة ونضال الشاعر الإيراني حافظ الشيرازي، وعلى المستوى المعاصر تنقل لنا الرواية معاناة جنديين من ويلات حرب السنوات الثماني بين العراق وإيران التي أحرقت الأخضر واليابس. ولذا فالرواية ليست عن الحرب بالمفهوم التطبيلي لها، بل هي رواية ضد الحرب لأنها ترفض الحرب وتتعاطف مع محنة هذين الجنديين اللذين يقفان ليتقاتلا في خندقين متعاديين على الرغم من رفضهما الحرب ومآسيها. وهذه التجربة تُذكّرنا برواية سابقة للروائي طه حامد الشبيب، حيث وجدنا جنديين متعاديين يرفضان الحرب وينشران رسالة السلام.

تكشف الرواية منذ استهلالها عن نزعة ميتاسردية واضحة لأسباب كثيرة منها انطواؤها على مخطوطة عن حياة الشيرازي كتبها الجندي الإيراني (مير قرباني)، وتحمل اسم «ترجمان الأسرار» وتتوزع فصول المخطوطة التسعة على الرواية بشكل متناوب مع فصول السرد المعاصر الذي يشغل اثني عشر فصلاً.

يستهل الروائي روايته بالفصل الأول من فصول مخطوطة «ترجمان الأسرار» التي كتبها (مير قرباني) ويقدم فيها حافظ الشيرازي نفسه بطريقة السيرة الذاتية، ويروي جانباً من حياته مع أمه التي ثُكلت بوفاة الزوج، وغياب اثنين من أبنائها بطريقة غامضة، ولم يبقَ لديها سوى ولدها الأصغر حافظ الشيرازي.

يقدم الروائي السرد من خلال منولوغين، هما منولوغ الابن حافظ، ومنولوغ الأم:

- «استبدّت به مشاعر جامحة...». (ص 7)

- «كانت تبتهل تارة وتبكي تارة أخرى وهي تتطلع من خلال النافذة... وشعرت بشعور غريب؛ بأنها تشبه هذه المدينة». (ص 7)

وعندما قرر حافظ الشيرازي أن يعمل خبازاً، فضلاً عن عمله معلماً للتلاميذ في المسجد والمدرسة، وحلقات الدرس، خشيت عليه أمه من وشاية جواسيس «السالوس» وكتّاب التقارير فقالت له معبّرةً عن مخاوفها:

«وأنت تكتب شعراً فيه الكثير من الهرطقة، وقد يجعل بعض العمال ومن يشترون الخبز يبتعدون عن المخبز». (ص 11)

ونكتشف منذ البداية بعض مظاهر رؤية الشيرازي الفلسفية والصوفية التي هي ترجمة لأفكاره في فهم الحياة والجمال ووحدة الوجود (ص 12). وكان الشيرازي يدرك أنه يسعى في معراجه نحو النور الذي يسطع داخل المرء وصولاً إلى سرمدية المعنى والوجود الأبهى (ص 13). وكان عشقه لحبيبته (شاخ نبات) روحياً، رافضاً أن يدنسه بالمحسوسات مثل الزواج، فهو يرى أنه سكران بالحق والحرية، ومن يسكر بهما لا صحو له (ص 20).

وينتقل السرد في الفصل الثاني الموسوم بـ«المخطوطة» إلى الجندي العراقي جلال شاكر، ليروي لنا، عبر ضمير المتكلم، جانباً من معاناته في هذه الحرب وكيفية عثوره على المخطوطة التي كتبها مير قرباني في أحد الخنادق العسكرية الإيرانية:

«أنا الجندي المكلّف جلال شاكر، أحد شهود وقرابين الحرب التي اندلعت واستمرت طوال سنوات من الجمر والوجع والخسارات». (ص 22)

ويسرد علينا راوي الفصل (جلال) محنته الموجعة من الحرب، بعد تخرجه في كلية الآداب، وزجّه مع زملائه إلى الجبهات المستعرة، كما يتحدث عن علاقته بزميلته (ليلى) واتفاقه معها على الزواج، لكنّ سوْقه إلى الحرب أوقف هذا المشروع. ويكشف الراوي عن عشقه للقراءة والكتابة:

«أنا أعشق القراءة، وأكتب بعض القصص القصيرة. وبعض المقالات الأدبية، وغير الأدبية».

وهذه الإشارة تضيء جانباً من الطبيعة الميتاسردية للرواية، لأن الراوي هو طرف فاعل في كتابة يوميات الحرب وتجاربه الشخصية، ومنها نقله إلى إحدى جبهات القتال الساخنة في (نهر جاسم)، حيث عثر في أحد المواقع في الجانب الإيراني على مخطوطة الجندي (مير قرباني) التي تحمل عنوان «ترجمان الأسرار» عن سيرة حياة الشاعر حافظ الشيرازي (ص 29)، وتشكل هذه اللحظة نقطة حاسمة في السرد الروائي بدخول المخطوطة في فضاء الرواية.

وقد أشار بطل الرواية وراويها الرئيسيّ إلى أنه دوَّن في مذكراته اليومية الكثير عن هذه المعارك.

وينمو خلال السرد اهتمام (جلال) بسيرة حافظ الشيرازي، وقصة عشقه لفتاة جميلة اسمها (شاخ نبات)، (ص 33). وهو يكتشف شبهاً بين ليلى، حبيبته، وبهار وقرباني، وحافظ وشاخ نبات (ص 34). وهكذا نلاحظ وجود توازٍ بين ثلاث حيوات في آن واحد: حياة حافظ الشيرازي، وحياة مير قرباني، وحياة جلال شاكر.

وعلى الرغم من سخونة الأوضاع السياسية واحتمالات نشوب الحرب فإن (مير قرباني) كان منشغلاً بكتابة رواية تتناول حياة الشيرازي (ص 51). وهذه إشارة ميتاسردية مهمة تعزز الجوهر الميتاسردي، وقصدية الكتابة والتدوين في الرواية.

يكشف كاتب المخطوطة (مير قرباني) عن مراحل كتابة الرواية، إذ أمضى شهوراً في البحث عن المصادر والمراجع التي تؤرخ حياة الشيرازي وأزمانه ومحنته (ص 51). ويشير إلى أنه مزج في روايته بين ما هو حقيقي وتاريخي وبين ما يتطلبه الخيال من إضافات، فضلاً عن الاستنارة بقراءة ديوانه الذي تضمن الكثير من الإشارات والمعلومات عن الأحداث التي كابدها (ص 52). وهذا الجهد الميتاسردي الذي بذله (مير قرباني) في كتابة رواية، هو في حقيقة الأمر الجهد المضني الكبير الذي بذله الروائي (عباس لطيف) في إنجاز هذه المخطوطة، وهي إشارة واضحة إلى أن كتابة الرواية لم تعد عملاً سهلاً أو سريعاً، بل تتطلب استقصاءً ودراسات تاريخية ونفسية وثقافية قبل الشروع بالكتابة، وهو ما يؤكد أن الرواية قد أصبحت «حرفة «أو «صنعة»، كما ذهب إلى ذلك الناقد (برسي لبوك) في كتابه «صنعة الرواية Craft of Fiction» المترجَم إلى العربية.

ونجد أن كاتب المخطوطة (مير قرباني) يُجري مقارنةً بين عصر الشيرازي (القرن الثامن الهجري – الثالث عشر الميلادي) وبين العصر الذي يعيش فيه، حيث «التعقيدات والاضطرابات والتناقضات نفسها»، (ص 53). وعبّر جلال شاكر في الفصل الموسوم «الهروب القاتل» عن مثل هذا الإحساس بالتناظر، عندما فكر بطبيعة شخصية الشيرازي:

«وشعرت بأن الشيرازي يواجه ظروفاً وعصراً ومرحلة معقّدة ومستعرة تشبه إلى حد ما، ما نمرّ به أنا وليلى، ومير قرباني وبهار». (ص 76)

وهذا ما يدفعنا إلى القول: إن البنية السردية للرواية تنهض على وجود مثلث سردي، رأسه الأعلى يمثل سرديات حافظ الشيرازي، والرأسان السفليان يضمّان سرديات الجندي العراقي جلال شاكر، عن الحرب وحبيبته ليلى. وسرديات الجندي الإيراني عن حافظ الشيرازي وحبيبته بهار. ويمكن أن نلاحظ أن رأس المثلث العلوي الذي يمثله حافظ الشيرازي يشعَّ على الرأسين السفليين، ويلهمها الصبر والشجاعة والأمل لمواجهة مآسي الحرب المفروضة عليهما.

من جهة أخرى، الرواية تنطوي على أكثر من نص سردي لبناء شخصية حافظ الشيرازي عبر مرويات وكتابات ومخطوطات مختلفة، فهناك نص سيَرَي (بيوغرافي) يكتبه الإيراني (مير قرباني) في «المخطوطة»، ونص آخر يكتبه العراقي (جلال شاكر) من قراءته للمخطوطة ولحياة حافظ الشيرازي، فضلاً عن مرويات شخصيات مشاركة أو مراقبة منها شخصية الأم، وتلامذة حافظ الشيرازي، ورجال الدين، والملك، والحكام، ورجال السالوس، من البصاصين وكتبة التقارير. لكنّ الجوهر يكمن في نص السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافي) الذي يكتبه حافظ الشيرازي عن نفسه وأفكاره ورؤيته الصوفية في الحلول والعشق الجمالي. وبهذا فسيرة حافظ لا تُرسَم بطريقة خطّية مباشرة، بل تمر بتعرجات ومنعطفات، ولذا أطلق عليها المؤلف مصطلح «العروج»، وهو مصطلح قرآني يعني الوصول، بطريقة متعرجة إلى السماء، وهو ما يشير إليه العنوان «العروج إلى شيراز» ودلالته السيميائية العميقة. والعروج هنا يذهب، في الجوهر، إلى عملية ملاحقة تشكل شخصية حافظ الشيرازي أيضاً.

تثير رواية «العروج إلى شيراز» في ذهني، بوصفي قارئاً، مجموعة من الإحالات والتناصات والتماثلات. فعنوان الرواية «العروج إلى شيراز» يلتقي مع عنوان رواية الروائي الفرنسي (سينويه)، وهي عن الفيلسوف الإيراني ابن سينا، كما أن الرواية تُذكّرنا بمجموعة من الروايات التي تناولت تجارب مستمَدّة من الثقافة الإيرانية، منها رواية «سمرقند» للروائي اللبناني أمين معلوف، ورواية «منازل ح 17» للروائية العراقية رغد السهيل، وأهم من كل هذا وذاك، هناك التناظر الواضح بين رواية «العروج إلى شيراز» ورواية أليف شافاك الموسومة بـ«قواعد العشق الأربعون»، حتى يمكن القول إن رواية شافاك هي النص الغائب لرواية عباس لطيف. والروايتان تتحركان عبر مستوىين تاريخيين: مستوى تاريخي يغوص في التراث الإيراني، ومستوى معاصر ينغمس بالحياة اليومية المعاصرة. ففي رواية أليف شافاك نجد (إيلا رونشتاين)، وهي ناقدة تعمل في وكالة أدبية، تنهمك بالبحث عن حياة الدرويش شمس التبريزي، الذي حوّل حياة رجل الدين (جلال الدين الرومي) من سجن الصوفية إلى فضاء الحب والحرية والإيمان بإمكانية توحيد الناس والأديان. وتجد (إيلا) نفسها واقعة تحت هذا التأثير السحري لتلك الشخصية التاريخية، فتبدأ حياتها بالتغير تحت هذا التأثير، وهو ما نجده أيضاً من تأثر كلٍّ من (مير قرباني) و(جلال شاكر) بشخصية الشاعر حافظ الشيرازي.

رواية «العروج إلى شيراز»، هي في الجوهر رواية شخصية (Personality Novel)، وهذه الشخصية، بالمفهوم السيميولوجي، شخصية مرجعية تاريخية، بمفهوم الناقد الفرنسي فيليب هامون في كتابه «سيميولوجية الشخصية الروائية» المترجَم إلى العربية. ويرى هامون أن الشخصية «مورفيم» فارغة في الأصل، وتمتلئ تدريجياً كلما تقدمنا في قراءة النص. لكننا في حالة شخصية حافظ الشيرازي، نجد أنفسنا إزاء شخصية تاريخية ومرجعية معروفة، ولذا فهي تحيل عادةً على عوالم مألوفة ضمن نصوص الثقافة والتاريخ. وبذا فليست شخصية (حافظ الشيرازي)، هنا، مجرد (مورفيم فارغ) لأنها تشعّ، في ذاكرة القارئ، كمّاً معرفياً من البيانات والحقائق التاريخية التي تجعل هذه الشخصية مألوفة للقارئ، وليست مجرد (مورفيم فارغ) كما هو الحال في الشخصيات التي لا تمتلك رصيداً تاريخياً وامتداداً قبْلياً في ثقافة القارئ وذاكرته.

رواية «العروج إلى شيراز» كما أشرت سابقاً رواية مركبة، وهي ثمرة بحث واستقصاء وتبصُّر عميق في إشكاليات الماضي والحاضر، وهي أيضاً صرخة مدوّية في وجه مشعلي الحروب، ودعوة إلى إشاعة السلام والمحبة بين البشر.

والرواية، من جهة أخرى، محاولة موفقة لاستعادة شخصية الشاعر حافظ الشيرازي من سجلات التاريخ وتقديمه بوصفه شخصية حية معاصرة ومؤثرة في الواقع الافتراضي للسرد.


مقالات ذات صلة

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

ثقافة وفنون باومان

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

ألغى منظمون أحد أهم مهرجانات الكتَاب في أستراليا اليوم (الثلاثاء) بعدما قاطع 180 مؤلفاً الحدث، واستقالت مديرته قائلة ​إنها لن تكون شريكة في إسكات مؤلفة فلسطينية

«الشرق الأوسط» (سيدني )
ثقافة وفنون الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)

«لكنه ينفجر شعراً»... محمد الثبيتي أو حمزة شحاتة

هناك تماثلٌ عجيب بين محمد الثبيتي وحمزة شحاتة، وكلاهما دخل في اشتباك عميق مع القصيدة، فالقصيدة عند شحاتة لم تكن مجرد شعر، ولكنها نظامٌ ذهني وجودي.

عبد الله الغذامي

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.