قمة أميركية - يابانية - فلبينية في البيت الأبيض الخميس

تبحث المخاوف الأمنية ببحر الصين وتمهد لتعاون عسكري أوسع

علما اليابان وأميركا جنباً إلى جنب خارج البيت الأبيض في 5 أبريل الحالي (رويترز)
علما اليابان وأميركا جنباً إلى جنب خارج البيت الأبيض في 5 أبريل الحالي (رويترز)
TT

قمة أميركية - يابانية - فلبينية في البيت الأبيض الخميس

علما اليابان وأميركا جنباً إلى جنب خارج البيت الأبيض في 5 أبريل الحالي (رويترز)
علما اليابان وأميركا جنباً إلى جنب خارج البيت الأبيض في 5 أبريل الحالي (رويترز)

يستضيف الرئيس الأميركي جو بايدن رئيس الوزراء الياباني، فوميو كيشيدا، ورئيس الفلبين، فرديناند ماركوس، بالبيت الأبيض، الخميس، في قمة ثلاثية تستهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية والدفاعية في مواجهة طموحات الصين وقوتها المتنامية في أعقاب التدريبات العسكرية الرباعية بين الولايات المتحدة واليابان والفلبين وأستراليا يوم الأحد في بحر الصين الجنوبي، التي أثارت غضب بكين.

وهذه أول قمة ثلاثية بين الولايات المتحدة والحليفتين الآسيويتين، وتأتي في إطار استراتيجية بايدن لدمج التحالفات الثنائية القائمة في تحالفات أوسع لزيادة نفوذ الولايات المتحدة في آسيا، وتستهدف تعزيز التعاون البحري الثلاثي في بحر الصين الجنوبي لمواجهة بكين. وقد استضاف بايدن قمة ثلاثية مشابهة مع اليابان وكوريا الجنوبية العام الماضي لمناقشة التهديدات المقبلة من كوريا الشمالية.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارين جان بيير، في بيان إن القادة «سيناقشون التعاون الثلاثي لتعزيز النمو الاقتصادي الشامل والتكنولوجيات الناشئة، وتعزيز سلاسل إمدادات الطاقة النظيفة والتعاون المناخي، وتعزيز السلام والأمن في المحيط الهادي وفي جميع أنحاء العالم». وأضافت أن الزعماء الثلاثة «سيؤكدون مجدداً أيضاً التحالفات القوية بين الولايات المتحدة والفلبين والولايات المتحدة واليابان».

الرئيس الأميركي جو بايدن في لقاء سابق لرئيس الوزراء الياباني كيشيدا بالبيت الأبيض (أرشيف)

وأوضحت جان بيير أن بايدن سيعقد اجتماعاً فردياً مع الرئيس ماركوس لمناقشة العلاقات الثنائية، والتأكيد على التحالف الصارم بين الولايات المتحدة والفلبين، وتجديد التزام الولايات المتحدة بدعم القانون الدولي، وتعزيز منطقة المحيطين الهندي والهادي الحرة والمفتوحة.

استقبال حافل لكيشيدا

وقبل انعقاد القمة الثلاثية، يستقبل بايدن رئيس الوزراء الياباني، يوم الأربعاء، في أجواء احتفالية واسعة، حيث بدأ البيت الأبيض في تعليق الأعلام اليابانية والأميركية على أعمدة الإنارة على طول طريق بنسلفانيا المؤدية إلى البيت الأبيض، إضافة إلى عقد حفل عشاء رسمي، مساء الأربعاء، على شرف رئيس الوزراء الياباني، دُعي إليه عدد كبير من كبار المسؤولين بالإدارة الأميركية والكونغرس ورجال الأعمال.

ويعقد الزعيمان مؤتمراً صحافياً بحديقة الزهور، كما يلقي كيشيدا خطاباً أمام الكونغرس بمجلسيه صباح الخميس قبل اجتماعه مع الرئيس الفلبيني والرئيس بايدن. وسيكون كيشيدا أول رئيس وزراء ياباني، منذ زيارة شينزو آبي عام 2015، يتم استقباله بكل هذا التكريم في واشنطن.

صورة تم التقاطها في 7 أبريل 2024 من وزارة الدفاع الأسترالية تظهر التدريبات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة والفلبين واليابان وأستراليا قبالة الساحل داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين (أ.ف.ب)

وقال كيشيدا، يوم الجمعة، في تصريحات لوسائل الإعلام إن التعاون الوثيق بين اليابان والولايات المتحدة والفلبين أمر بالغ الأهمية من أجل الحفاظ على نظام حر ومفتوح يقوم على سيادة القانون من أجل تحقيق الرخاء الاقتصادي للمنطقة. وأضاف: «إننا نشهد العدوان الروسي في أوكرانيا والحرب الإسرائيلية في غزة والوضع المتوتر في شرق آسيا، لذا فنحن نواجه نقطة تحول تاريخية تسعى فيها اليابان إلى تعزيز قدرتها الدفاعية، وإجراء تغييرات في سياسة اليابان الأمنية لمواجهة أي تهديدات».

ويسعى كيشيدا إلى استعراض عضلات طوكيو الدبلوماسية وعلاقتها القوية مع واشنطن، وتحسين شعبيته المتراجعة في اليابان، وسط منافسة ساخنة على زعامة الحزب «الليبرالي الديمقراطي» الحاكم في سبتمبر (أيلول) المقبل.

وتركز محادثات بايدن مع كيشيدا في جانبها السياسي على تقوية التحالفات الإقليمية، وفي جانبها الاقتصادي على صفقة الاستحواذ لشركة «نيبون ستيل» اليابانية على شركة «يو إس ستيل» لصناعة الصلب الأميركية بقيمة 15 مليار دولار، وهي الصفقة التي أثارت انتقادات من قبل الرئيس السابق دونالد ترمب ضد إدارة بايدن.

ويخشى كيشيدا من احتمالات فوز الرئيس السابق دونالد ترمب بالانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة، ومن احتمال سعيه، إذا عاد إلى البيت الأبيض، للتوصل إلى اتفاق مع الصين يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة، وأن يزيد من التدابير التجارية الحمائية، أو يطالب اليابان بدفع المزيد من الأموال مقابل التعاون مع القوات الأميركية.

وقد غيرت اليابان من عقيدتها العسكرية بصورة متزايدة في عهد كيشيدا، وتعهدت بمضاعفة الإنفاق الدفاعي إلى 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي مما جعلها أكبر الدول إنفاقاً عسكرياً في العالم، ولديها خطط للحصول على مئات من صواريخ كروز التي يمكنها ضرب أهداف على بُعد ألف كيلو متر، وشراء صواريخ توما هوك الأميركية، وإنشاء قيادة عمليات مشتركة.

وترى الولايات المتحدة أن اليابان يمكن أن تصبح قاعدة إنتاج محتملة للذخائر، بما في ذلك أنظمة باتريوت «PAC3» المضادة للصواريخ، والتي يمكن إعادة تصديرها إلى أوكرانيا. ويوجد حوالي 54 ألف جندي أميركي في اليابان تابعين لقيادة المحيطين الهندي والهادي في هاواي.

ومن المتوقع، وفقاً لمسؤولي البيت الأبيض، أن تتناول قمة بايدن - كيشيدا مشاركة اليابان في اتفاقية الدفاع الثلاثية «أكوس» (AUKUS) التي أبرمتها الولايات المتحدة مع أستراليا وبريطانيا، لكنّ المسؤولين يشيرون إلى وجود عقبات تتعلق بحاجة اليابان إلى تطوير دفاعات إلكترونية أفضل، وقواعد أكثر صرامة للأمن السيبراني. وأشار مسؤول بالإدارة إلى أن واشنطن وطوكيو تسعيان إلى عقد صفقات في مجال الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والطيران، وهو ما سيسهم في خلق المزيد من الوظائف الأميركية.

ومجال الفضاء هو مجال آخر للتعاون، حيث تأمل اليابان في إشراك أول رائد فضاء لها للهبوط على سطح القمر من خلال مشروع أرتميس الأميركي للفضاء.

الفلبين وتوترات بحر الصين

ويعقد بايدن، صباح الخميس، اجتماعاً ثنائياً مع الرئيس الفلبيني قبل أن ينضم إليهما رئيس الوزراء الياباني كيشيدا. وتزدحم أجندة لقاء القمة الثلاثية بمجموعة من القضايا على خلفية التوترات في بحر الصين الجنوبي، حيث تقوم الصين بعمليات توغل متكررة بشكل متزايد في المياه التي تطالب بها الفلبين. وقد أدى ذلك إلى سلسلة من المواجهات الخطيرة بين البلدين في الآونة الأخيرة، حيث اصطدام خفر السواحل الصيني بسفينة تابعة لخفر السواحل الفلبيني، وأصيب أربعة من أفراد البحرية الفلبينية.

وقع الحادث وغيره من الحوادث المشابهة بالقرب من منطقة سكند توماس شول، وهي منطقة تحتلها الفلبين في جزر سبراتلي، والتي أقامت الصين حولها حصاراً غير رسمي، مما أدى إلى مضايقة المحاولات الفلبينية لإعادة إمداد وحدة مشاة البحرية التابعة لها المتمركزة في المياه الضحلة. تحاول واشنطن تهدئة مخاوف الفلبين التي ترتبط مع الولايات المتحدة بمعاهدة الدفاع المشترك الموقعة عام 1951.

وقال الرئيس الفلبيني إن الهدف من الاجتماع مع بايدن وكيشيدا «هو مواصلة خطة تعزيز التعاون بين الدول الثلاث - الولايات المتحدة واليابان والفلبين». حيث تريد مانيلا تنفيذ خطط طموحة للقيام بدوريات بحرية مشتركة بين الدول الثلاث، لكن البيت الأبيض رفض تأكيد هذه الخطط التي قد تؤدي إلى رد فعل قوي من بكين.

علما اليابان وأميركا جنباً إلى جنب في واشنطن 5 أبريل الحالي (رويترز)

وقال منسق الاتصالات بمجلس الأمن القومي جون كيربي للصحافيين خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم الخميس الماضي: «من المؤكد أن التوترات في بحر الصين الجنوبي لن تختفي، وقد أثار الرئيس الصيني شي جينبينغ في مكالمته مع الرئيس بايدن هذه القضايا».

وقد عززت كل من واشنطن وطوكيو تعاونهما الأمني والبحري مع مانيلا على مدى الأشهر الثمانية عشر الماضية، وسلمت اليابان العام الماضي إلى الفلبين مجموعة من الرادارات الجوية. ويتفاوض البلدان حاليا على اتفاقية وصول متبادلة تسهل على القوات اليابانية القيام بعمليات تدريبية متبادلة. ويسعى الرئيس الفلبيني إلى مناقشة ملفات أخرى بجانب الملفات الدفاعية، منها التعاون الاقتصادي ومشاريع للبنية التحتية، وفي مجال الطاقة.

مخاوف مشتركة

وتسعى إدارة بايدن إلى تعزيز هذا التعاون الثلاثي، حيث تنظر إلى كل من الفلبين واليابان بوصفهما من الدول الأكثر موثوقية للولايات المتحدة في غرب المحيط الهادي، إضافة إلى أستراليا. وتشترك هذه الدول في مخاوفها بشأن النفوذ البحري المتنامي للصين، ومبدأ «منطقة المحيط الهادي الهندي الحرة والمفتوحة».

وتخشى إدارة بايدن من تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا الذي قد يشجع بكين على التحرك ضد تايوان، وهي الجزيرة الاستراتيجية التي تتمتع بالحكم الذاتي، وتنتج أشباه الموصلات الأكثر تقدماً في العالم، وتستورد منها الولايات المتحدة معظم احتياجاتها من أشباه الموصلات التي تدخل في صناعات السيارات، وأجهزة الكومبيوتر والكثير من الصناعات.

وقال كيرت كامبل مسؤول ملف الصين والمحيطين الهندي والهادي في مجلس الأمن القومي للصحافيين إن الرئيس بايدن يريد أن تخرج القمة بخطط لتطوير القيادة العسكرية الأميركية في اليابان لجعلها أكثر قدرة على التعامل مع الهجمات الإرهابية، وتعزيز التعاون بين الجانبين الأميركي والياباني لمواجهة الأزمات، إضافة إلى الاتفاق على خطط تسمح بإنتاج ثلاثي مشترك للمعدات العسكرية والدفاعية. وشدد على أن هذه القمة التي تعد الأولى من نوعها ستمهد الطريق لتعميق التعاون الثلاثي في الأشهر والسنوات المقبلة.


مقالات ذات صلة

ترمب يطالب قاضياً برفض طلب «بي بي سي» الحصول على إفادات من أفراد أسرته

الولايات المتحدة​ ترمب متوسطاً ابنته إيفانكا وابنه دونالد جونيور خلال اتجاههم إلى طائرة الرئاسة 4 يناير 2021 (أ.ف.ب)

ترمب يطالب قاضياً برفض طلب «بي بي سي» الحصول على إفادات من أفراد أسرته

حث الرئيس الأميركي دونالد ترمب قاضياً اتحادياً على رفض طلب «بي بي سي» مساعدة المحكمة في الحصول على إفادات ووثائق من ثلاثة من أفراد أسرته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي السابق جو بايدن ينظر إلى الحشد خلال حفل افتتاح مركز أوباما الرئاسي في شيكاغو (أ.ب) p-circle

تسجيلات تكشف اعتراف بايدن بالاحتفاظ بوثائق سرية في منزله

كشفت تسجيلات صوتية خاصة للرئيس الأميركي السابق جو بايدن، سُجلت خلال جلسات إعداد سيرته الذاتية، أنه تحدث صراحة عن احتفاظه بوثائق حكومية سرية داخل منزله.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب أمام الكونغرس يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

نتنياهو ورؤساء أميركا في 30 سنة: مَن رئيس الدولة العظمى هنا؟

منذ تولى نتنياهو رئاسة الحكومة للمرة الأولى قبل 30 سنة، شهدت علاقات تل أبيب وواشنطن منعطفات مختلفة، لكنها لم تعرف متطاوِلاً مثله، ثم جاء ترمب ورسَّخ طريقته.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي السابق جو بايدن مع زوجته جيل (إ.ب.أ) p-circle

زوجة بايدن تكشف تطورات مرضه: السرطان انتشر وسيلازمه مدى الحياة

كشفت السيدة الأميركية الأولى السابقة جيل بايدن تفاصيل جديدة بشأن الحالة الصحية لزوجها جو بايدن، مؤكدة أنه يعاني من سرطان البروستاتا في المرحلة الرابعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ جيل بايدن (أ.ب)

ترمب يسخر من اعترافات جيل بايدن: لم تكن تعلم مشكلة «جو النعسان»

سخر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الجمعة، من اعترافات جيل بايدن بشأن انهيار زوجها جو بايدن خلال المناظرة التلفزيونية الرئاسية في يونيو 2024.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الوجه الآخر لاتفاقيات ترمب لترحيل المهاجرين نحو أفريقيا

أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

الوجه الآخر لاتفاقيات ترمب لترحيل المهاجرين نحو أفريقيا

أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)

رحّلت الولايات المتحدة أكثر من 25 ألف شخص بموجب اتفاقيات سرية مع 35 دولة لاستقبال مهاجرين لا تربطهم أي صلات بتلك الدول، وفقاً لتحقيق نُشرته (الاثنين) مجموعة «فوربيدن ستوريز» الصحافية.

ولكن التقرير كشف عن ظروف صعبة يمر بها المرحّلون من الولايات المتحدة إلى عدد من الدول الأفريقية، إذ كشف التحقيق عن أن ثلث اتفاقيات الترحيل التي وقّعتها الولايات المتحدة كان مع دول أفريقية (12 اتفاقية على الأقل).

التوجه نحو أفريقيا

أشارت «فوربيدن ستوريز» إلى أن إدارة ترمب تواصلت مع 49 دولة أفريقية، من أصل 54، خلال بحثها عن دول لاستقبال مهاجرين مرحَّلين لا تربطهم بها أي صلة، وأشرف على هذه المفاوضات مكتب «إعادة الهجرة» في وزارة الخارجية الأميركية، برئاسة كريستيان إيرهاردت.

وقال التحقيق إن المفاوضات في الغالب تكون سرية، وتستخدم ضغوطاً مثل قيود التأشيرات أو ربطها بمساعدات، في حين ترفض كثير من الدول قبول أصحاب السجلات الجنائية العنيفة، لكن بعضها يقبل بذلك مثل دولة سواتيني، التي وقّعت اتفاقية بقيمة 5 ملايين دولار لاستقبال 160 شخصاً.

واعتمد التحقيق على أكثر من 100 مقابلة (منها 33 مع مرحّلين)، ووثائق داخلية، وتتبع رحلات، فيما يشير إلى أن المرحّلين غالباً هم أشخاص عاشوا سنوات طويلة في أميركا، لديهم عائلات أو عملوا هناك، ومنحهم قضاة أميركيون حماية من الترحيل إلى أوطانهم.

تعنيف ممرضة!

كشف التحقيق عن أن غانا استقبلت أكثر من 110 أشخاص، عبر 9 رحلات على الأقل منذ سبتمبر (أيلول) 2025، ولكن غانا وافقت فقط على استقبال مرحّلين من أصول غرب أفريقية، وفي بعض الحالات، أعادت ترحيلهم سريعاً إلى بلدانهم الأصلية مثل نيجيريا أو سيراليون، رغم وعود أولية بتوفير «ملاذ آمن».

طائرات تُستخدم لترحيل المهاجرين على مدرج مطار في ولاية تكساس الأميركية (أ.ب)

ومن أشهر قصص الترحيل، رابياتو كوياتيه (58 عاماً)، وهي ممرضة عاشت معظم حياتها في أميركا بعد فرارها من سيراليون، بسبب الحرب الأهلية التي ضربت البلد الصغير والفقير الواقع في أقصى غرب القارة الأفريقية.

رُحّلت كوياتيه إلى غانا، ثم أُجبرت على العودة إلى بلدها الأصلي سيراليون وسط مشاهد عنيفة، حيث انتشر مقطع فيديو منها وهي حافية القدمَيْن وتُسحب من شعرها بعنف، مما أثار غضباً شعبياً واسعاً.

مركز احتجاز

أما في غينيا الاستوائية فيبدو الوضع أكثر إثارة للقلق، حيث يشير التقرير إلى أنه بموجب اتفاق بقيمة 7.5 مليون دولار، استقبلت نحو 66 شخصاً عبر 6 إلى 7 رحلات منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، من جنسيات مختلفة مثل إريتريا، وإثيوبيا، ومصر، وأنغولا، والكاميرون، وكوبا، والبرازيل.

وأوضح التحقيق أن أغلب هؤلاء المرحّلين محتجزون في فندق «بامي» المتداعي على أطراف العاصمة مالابو، الذي تحول إلى سجن فعلي، وسط تقارير عن ظروف سيئة بسبب نقص الرعاية الطبية، والمنع من الاتصال، والضغط النفسي.

ويؤكد التحقيق أن السلطات الغينية اعتقلت في شهر سبتمبر (أيلول) الحالي مواطناً مصرياً وآخر إريترياً، بعد أن وثقا بالفيديو سوء الظروف التي يتم احتجاز المرحّلين فيها، ونقل التحقيق عن شهود ومحامين أن الشرطة غطت رأسيهما بأكياس، وقيدتهما، وضربتهما بأعقاب البنادق، ودفعتهما على الدرج.

نيكا الإيرانية

تناول التحقيق قصة نيكا الإيرانية (32 عاماً)، التي فرت من إيران قبل نحو 18 شهراً بعد مشاركتها في احتجاجات ضد النظام، وبعد وصولها إلى الولايات المتحدة، قضت أكثر من عام في مركز احتجاز للهجرة الأميركية، قبل أن يمنحها قاضٍ حماية قانونية بـ«منع الترحيل»، لأنها معرّضة لضرر جسيم أو خطر على حياتها إذا أُعيدت إلى إيران.

أُفرج عنها بموجب أمر قضائي في أواخر مايو (أيار) 2026، وأصبح بإمكانها العمل والبقاء في الولايات المتحدة مؤقتاً، ولكن بعد أقل من أسبوعين، أعادت سلطات الهجرة اعتقالها خلال موعد روتيني، ثم رحّلتها جواً إلى جمهورية أفريقيا الوسطى مع نحو 18 مهاجراً آخرين (من جنسيات مختلفة مثل أفغانستان والعراق وقيرغيزستان)، رغم الحماية القضائية.

لم يُخبروها بوجهتها مسبقاً، وظلّت مقيدة بالأصفاد طوال الرحلة، قبل أن تصل نيكا إلى عاصمة البلاد بانغي، وهي مدينة تصفها وزارة الخارجية الأميركية بأنها خطيرة جداً للسفر. حالياً تعيش في غرفة صغيرة شبه معزولة، وتخاف الخروج، وتنتظر مصيرها خشية أن تُرحّل مجدداً إلى إيران.


4 شبكات أميركية كبرى توقف التغطيات المشتركة لأخبار ترمب تضامناً مع «سي إن إن»

جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

4 شبكات أميركية كبرى توقف التغطيات المشتركة لأخبار ترمب تضامناً مع «سي إن إن»

جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

قرّرت أربع شبكات أميركية كبرى تشكّل مجموعة التغطية الصحافية المشتركة لأنشطة الرئيس دونالد ترمب، الاثنين، وقف هذه التغطية، وذلك تضامناً مع شبكة «سي إن إن» التي استبعدها الرئيس الأميركي من البيت الأبيض، وفقاً لبيان اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال براين بونتون، ممثل شبكة «فوكس» والمنسق لهذه المجموعة من القنوات المكلفة بتصوير الرئيس الأميركي على مدار اليوم وتوزيع اللقطات المصورة على وسائل الإعلام الأخرى: «اعتباراً من اليوم، لن تتولى مجموعة التغطية التلفزيونية المشتركة تغطية الفعاليات التي يشارك فيها الرئيس والتي تندرج عادة ضمن نطاق التغطية المشتركة».

والشبكات الأربع هي «سي بي إس» و«إيه بي سي» و«إن بي سي» و«فوكس».


زعماء العالم يترقبون خطاب ترمب... ومناسبة على غرار مؤتمر يالطا

شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
TT

زعماء العالم يترقبون خطاب ترمب... ومناسبة على غرار مؤتمر يالطا

شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)

​يجلس مئات من زعماء العالم، الثلاثاء، تحت قبَّة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حاملين إلى دورتها السنوية الحادية بعد الثمانين آمالهم وتطلعات شعوبهم إلى عالم أفضل، لا ينهشه الجوع والفقر، ولا تستبد فيه الحروب والنزاعات، ولا تهدده الكوارث الطبيعية والتكنولوجيا الجديدة، وأحدثها الذكاء الذي من صنع الإنسان.

ولكن هيهات! كأن الجمعية العامة للأمم المتحدة (التي يشيع اختصار اسمها بـ«أونغا») في وادٍ، وواقع حال أعضائها الـ193 في وادٍ آخر.

ومع ،ذلك يترقب هذا الحشد الدولي الأكبر عالمياً اللحظة التي يدخل فيها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى المبنى العريق على الجادة الأولى في وسط مانهاتن، والمشرف على نهر إيست ريفر، لمعرفة ما إذا كان خطابه المكتوب لهذا العام يتضمن غير ما يكتبه في منشوراته شبه اليومية على منصات التواصل الاجتماعي، وتصريحاته التلقائية أمام الصحافيين والعدسات، وغيرها من الوسائل، بغية توصيل رسائله ونداءاته بأن «أميركا أولاً»، وبهدف تعميم شعاره «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» («ماغا» اختصاراً) على من يسعى إلى كسب وده وتجنب غضبه، وعواقب العقوبات السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو المالية التي يمكن أن تفرضها الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى، على من يتجرأ على تحدي جبروتها.

أشخاص يحملون صوراً وقناديل أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك خلال مناسبة للأميركيين من أصول إيرانية ضد النظام الإيراني (رويترز)

ولترمب قصة طويلة وقديمة مع الأمم المتحدة. كان يطمح عندما كان مطوراً عقارياً في نيويورك إلى الفوز بعقد استثماري لتطوير مجمع المنظمة الدولية الواقع على بعد عشرات الأمتار فقط من «برج ترمب» الفاخر على الجادة الأولى أيضاً. غير أن مستثمراً آخر فاز بالعقد المجزي.

وعلى الرغم من أنه لم يتمكن من تحقيق غايته، لم تتلاشَ عزيمة ترمب لتحقيق هذا الهدف؛ بل صار أكثر تصميماً من ذي قبل، ولا سيما أنه ومنذ صار رئيساً يرى حالات الضعف والفشل والأعطاب التي أصابت الأمم المتحدة التي أنشئت على أنقاض «عصبة الأمم» في نهاية عام 1945، على أساس التوازنات التي أرساها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية.

عظيمة كأميركا

وفي عالم شهد -ولا يزال يشهد- تحولات هائلة منذ ذلك الحين، يشبِّه البعض الإخفاقات الراهنة للأمم المتحدة بسنوات الفشل التي سبقت انهيار «عصبة الأمم». وتندَّر بعض الدبلوماسيين بأن الرئيس ترمب يريد أن يطلق شعاراً جديداً «فلنجعل الجمعية العامة للأمم المتحدة عظمية مرة أخرى» («مونغا» اختصاراً).

وفي دليل على جدية هذه التوجهات، يوزع المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، قبعات «مونغا» على فريقه الدبلوماسي وحلفاء الولايات المتحدة في المنظمة الدولية.

ووصفت الناطقة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، السفير والتز لي بأنه «مبعوث رئيسي لجميع أولويات الرئيس» ترمب، الذي «يُقدِّر جهود السفير والتز في سبيل جعل الأمم المتحدة عظيمة مرة أخرى».

غير أن الدبلوماسيين الذين يتحدثون مع السفير والتز يعتقدون أن جعل الأمم المتحدة عظيمة حقاً، يستوجب عقد صفقة كبرى على غرار مؤتمر يالطا، الذي عُقد في مطلع عام 1945 بمشاركة الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، سعياً إلى استعادة هيبتها المفقودة في وقف حربين تنخرط فيهما دولتان من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة مع إيران، وروسيا مع أوكرانيا، بالإضافة إلى الحيلولة دون وقوع حرب جديدة يخشاها كثيرون بين الصين وتايوان.

واشنطن لا نيويورك

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ خلال اجتماع منظمة «بريكس» في نيودلهي بالهند (أ.ب)

ويعكس غياب كل من الرئيس الصيني شي جينبينغ، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، عن «أونغا» هذا العام، استمرار عدم الرضا من زعيمَي دولتين كبريين على التوازنات الراهنة في الأمم المتحدة، علماً بأن الرئيس الصيني سيقوم -وقت انعقاد الجمعية العامة- بزيارة دولة بدعوة من ترمب لواشنطن العاصمة، من دون أن يعرِّج على نيويورك القريبة.

وبينما يحاول ترمب وشي رسم معالم العلاقة التنافسية بين الولايات المتحدة والصين، يخشى دبلوماسيون من تحوُّل هذه المنافسة إلى مجرد بداية لحرب باردة جديدة، عوض أن تكون فرصة لصفقة جديدة على غرار مؤتمر يالطا، الذي كان مقدمة لنشوء الأمم المتحدة بصيغتها الراهنة.

ووفقاً لبرنامج الكلمات الذي أُعد لليوم الأول من أسبوع الاجتماعات الرفيعة المستوى للجمعية العامة، سيعتلي المنصة أولاً رئيس الدورة الحالية للجمعية، وزير الخارجية البنغلاديشي السابق خليل الرحمن، ثم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لإلقاء كلمتين افتتاحيتين، على أن تكون الكلمة الأولى للرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وفقاً لتقليد تعتمده الجمعية العامة منذ نحو 7 عقود. ويليه الرئيس ترمب، بوصفه رئيس الدولة المضيفة للمنظمة الدولية.

وقبل أيام من هذه المناسبة، قال لولا دا سيلفا إنه سيطلب من ترمب «عدم التدخل في انتخابات البرازيل».

وظهرت التوترات بين الرئيس لولا دا سيلفا وإدارة ترمب عام 2025، حين طبَّقت الأخيرة موجة أولى من الرسوم الجمركية ضد البرازيل، رداً على محاكمة الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، الذي يعد من حلفاء ترمب.

أصحاب الكلام

وسيتوالى على الكلام -الثلاثاء أيضاً- كل من: ملك الأردن عبد الله الثاني بن الحسين، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، فضلاً عن نحو 20 آخرين من رؤساء الدول والحكومات.

وعلى الرغم من الإخفاقات المتكررة للأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن الذي يعتبر القوة الرئيسية المحركة لها، في «صون السلم والأمن الدوليين» طبقاً لما جاء في ميثاقها، يُتوقع أن يعرض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (الذي تنتهي ولايته الثانية الأخيرة بعد مائة يوم فحسب) السنين العشر التي أمضاها في هذا المنصب، وكان خلالها شاهداً على تصدعات العالم ومصائبه.

لم يتمكن غوتيريش من فعل الكثير لوقف الحرب في سوريا، التي شهدت استخدام نظامها السابق الأسلحة الكيماوية ضد شعبه، بينما كانت الأمم المتحدة عاجزة عن اتخاذ إجراءات لمنع الإفلات من العقاب. وتواصلت الأزمة في ليبيا على الرغم من تغيُّر المبعوثين الأمميين. ووقعت حرب جديدة في السودان من دون أن تتمكن الأمم المتحدة من إيصال المساعدات إلى ملايين اللاجئين. وكذلك فشلت في وضع حد للأزمة اللبنانية، رغم وجود نحو 10 آلاف جندي ضمن القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل).

ورافق غوتيريش -على غرار جميع الأمناء العامِّين الذين سبقوه- الشلل المزمن لمجلس الأمن في إيجاد تسوية منصفة للشعب الفلسطيني، الواقع منذ نشأة المنظمة الدولية تحت الاحتلال الإسرائيلي؛ بل كان شاهداً على وقوع حرب غزة التي نفَّذتها إسرائيل ضد الفلسطينيين من دون أي محاسبة، وحرب أوكرانيا وروسيا منذ أكثر من 4 سنوات ونصف سنة، وشاهداً أيضاً على بدء الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران قبل نحو 7 أشهر.

ومع ذلك، لا يفقد غوتيريش الأمل في تعددية قطبية تبدو حتمية، إما على أساس التنافر، وإما على أساس التعايش تحت سقف القانون الدولي والأنظمة القائمة على القواعد.