سعوديات في النشاطات الدينية.. ثلث قرن من التحولات

من الانكفاء على مدارس تحفيظ القرآن.. إلى المشاركات الإعلامية وحضور المحافل الدولية

سعوديات في النشاطات الدينية.. ثلث قرن من التحولات
TT

سعوديات في النشاطات الدينية.. ثلث قرن من التحولات

سعوديات في النشاطات الدينية.. ثلث قرن من التحولات

عبرت طلائع النخب النسائية، النشطة ضمن الجماعات الدينية في السعودية منذ أن تشكلت قبل ثلث قرون بتحولات مختلفة كانت ترجمة لما هو موجود لدى النخب الدعوية الذكورية باعتبارهم بوصلة القيادة للدعوة النسوية.
كانت البداية لهذا النشاط النسوي الدعوي الاجتماعي والممنهج مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، بحسب رصد بعض المؤرخين السعوديين، عبر التواصل بخطبها ورسائلها مع العلماء المعتبرين وشرح مشكلات النساء ومظاهر «الانحراف».
في هذا النوع من النشاط، اشتهرت أسماء عدد من الداعيات، تلاه ظهور المحاضرات الموجهة للمرأة من دعاة «الصحوة» وتوجيه فتيات الصحوة ومناقشة همومهن الدعوية، وتقديم بعض الأفكار لهن. بالتوازي مع ذلك، برز الخطاب الدعوي النسائي في السعودية أكثر فأكثر في مختلف المحافل النسائية، غير غافل عن اتباع الأساليب الحديثة وتوظيفها في المجال الدعوي، شمل ذلك شكل وبعض موضوعات الخطاب ذاته طالما حقق رضا الجماهير النسوية «العاطفية».
اليوم، نجد حصاد الماضي مترجما بتحقيق «عمل نسائي حركي منظم» بانضمام 77 جمعية نسوية تحت راية واحدة. قبل ذلك، نشير إلى أنه ورغم طبيعة التحفظ في العمل الدعوي النسوي ومحركاته وعدم شفافيته باعتماد مذهب «الاعتزال» الإعلامي باستثناء المنابر الخاصة، فإن نجاح الإخوان المسلمين، في العامين الأخيرين، في الوصول إلى الحكم في مصر وتونس ونفوذهم في ليبيا، وما تلاه من انتكاسة انتهت بعزل الدكتور محمد مرسي في مصر عن كرسي الرئاسة وتهديد حكومتهم في تونس - كانت كفيلة بكشف الأوراق لدى الكوادر الصحوية النسائية في السعودية؛ أكان ذلك بسبب التفاؤل المفرط بمستقبل «الإخوان» فيما يسمى «الربيع العربي» أو دعما لـ«رابعة العدوية» في اعتصامها، بعد سقوط السلطة الإخوانية. إطار عام، بدأ الحديث عن تشكيل «تنظيم نسائي دولي للإخوان المسلمين» في الظهور الإعلامي منذ 2009 عقب توجيه تهم للنائب الأول لمرشد «الإخوان» حينها محمود عزت بالسعي إلى تشكيل «تنظيم سري» للأخوات المسلمات.
في الأثناء، ظهرت أسماء داعيات سعوديات متهمات ضمن التنظيم الدولي السري للأخوات، بحسب ما نشرت صحيفة «الدستور» المصرية في 23-11-1431 هـ عن مشاركة 8 داعيات سعوديات ضمن التنظيم الدولي، إضافة إلى ما نشرته مجلة «روزاليوسف» 2012م في تقرير عنونته بـ«قائمة أسماء القيادات: التنظيم العالمي للأخوات المسلمات من الإسماعيلية إلى واشنطن».
داعيات سعوديات قياديات في تجمع غير سعودي
نشر مركز «التمكين للمستقبل للاستشارات والدراسات»، الذي يعنى بشؤون المرأة الاجتماعية والذي ترأسه الداعية الدكتورة نورة السعد، خبرا عن رعاية مركز «باحثات» في العاصمة السعودية الرياض إنشاء «رابطة المنظمات النسائية الإسلامية العالمية» واحتفاء مركز «آسيا» للدكتورة «الداعية» أسماء الرويشد عبر موقعه الإلكتروني بالخبر.
كان هذا الخبر كفيلا بإعادة الحديث عن «التنظيم الدولي للأخوات المسلمات» من جديد، ورصد إيقاعاته بين أوساط النخب الدعوية النسائية بالسعودية.
تعد «رابطة المنظمات النسائية الإسلامية العالمية»، بحسب ما نشره الراعي الرسمي لها، مركز «باحثات»، تجمعا للمنظمات الإسلامية النسائية في العالم بأسره، وتتحد هذه المنظمات لتحقيق مجموعة من الأهداف والبرامج والأنشطة تحت مظلة ترسيخ الاهتمام بقضايا المرأة المسلمة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي وصناعة المعايير المتعلقة بقضايا المرأة.
وتلخصت ضوابط هذه المؤسسة بالالتزام بالعمل المؤسساتي وقرارات الرابطة مع عدم إلغاء خصوصية كل منظمة أو مؤسسة تنتمي إلى عقيدة أهل السنة والجماعة والاهتمام بالعمل النسائي.
تركزت أهدافها في تحقيق التنسيق وتعزيز التعاون بين المنظمات النسائية الإسلامية في العالم وإيجاد قنوات اتصال وبناء شراكات بين المؤسسات الأعضاء في الرابطة والمنظمات الإقليمية والدولية العاملة التي تتقاطع معها في ذات المجال والاهتمام، وأخيرا بنشر التجارب الناجحة للمنظمات النسائية الإسلامية وتعميمها.
يتكون مجلس إدارة الرابطة من رئيس ونائب والأمين العام، وجرى الإعلان عن تشكيلته خلال استضافة مدينة إسطنبول التركية ملتقاه الأول بحضور 77 منظمة نسائية من أكثر من 26 دولة عربية وإسلامية.
وقع الاختيار لمنصب الأمين العام للرابطة والمتحدث الرسمي باسمها على المهندسة كاميليا حلمي، رئيس «اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل» ومسؤولة المرأة في حزب «الحرية والعدالة»، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمون في مصر، أما رئيس مجلس إدارة الرابطة فحازته الدكتورة نورة العمر مديرة الإدارة النسائية في مركز «باحثات» بالرياض، وفازت الدكتورة والداعية نورة السعد رئيسة مركز التمكين للمستقبل للدراسات والاستشارات في جدة بمنصب نائب الرئيس.
وضم مجلس إدارة الرابطة 8 عضوات هن: عائشة بلحجار رئيس «المنتدى الإسلامي العالمي للأسرة والمرأة» في بلجيكا، وبثينة عبد الله المدير التنفيذي لـ«الجنة العالمية لشؤون الأسرة» في قطر، وعزيزة البقالي من «منظمة تجديد الوعي النسائي» في المغرب المقربة من جماعة الإخوان المسلمين، والدكتورة أميرة الصاعدي من «مركز إسعاد النسائي» بمكة المكرمة، والدكتورة بثينة قروي المشرفة العامة على «منتدى الزهراء للمرأة المغربية»، وسيدة محمود رئيس قسم البحوث في «اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل» وعضو لجنة الداعيات في «الجمعية الشرعية» بمصر، وحليمة شيث رئيسة «جمعية النساء المسلمات» الأفريقية، وأسماء القرشي من «الاتحاد النسائي العالمي» في اليمن.
الراعي الرسمي مركز «باحثات»
نشأ مركز «باحثات» لدراسات المرأة في الرياض منذ 2006م بتصنيفه مؤسسة خاصة غير ربحية بترخيص من وزارة التجارة ليعنى بقضايا المرأة، يرأسه الدكتور فؤاد العبد الكريم، وتلاه تأسيس القسم النسائي في 2008م، الذي من أبرز أنشطته إعداد البحوث والدراسات والاستشارات في قضايا المرأة الفكرية والثقافية والعلمية.
وتتلخص أبرز مشاريعه منذ تأسيسه في إقامة «ملتقى المرأة السعودية ما لها وما عليها»، ومشروع حياة «البناء الفكري». بحسب ما روج له المركز، يعد المشروع تعليميا وتدريبيا وتأهيليا، ويسعى، حسب شرحه، إلى «تزويد الفتاة بالوعي والفهم اللازمين لإدراك متغيرات وصراعات الساحة الفكرية المتعلقة بقضايا المرأة، عبر إعداد أكاديمي عالي المستوى، يقوم على البرنامج نخبة من الأكاديميين، ومن المتخصصين، من كلا الجنسين، الذين تم انتقاؤهم بعناية تتناسب مع حجم وأهداف المشروع.
تبرز أهمية المركز في إعلانه من إسطنبول رعاية إنشاء «رابطة المنظمات النسائية الإسلامية العالمية»، خاصة بما ضم في عضويته من أسماء بارزة على الساحة الدعوية النسوية، متغلغلا أيضا في الساحة التعليمية الجامعية عبر كوكبة من الأكاديميات في الجامعات السعودية من مختلف المناطق.
لتبدأ المراكز الدعوية النسوية السعودية بالاتجاه أكثر نحو خطاب أقرب للنهج الإخواني الدولي، بانضواء هذه المراكز تحت مظلة واحدة تعرف بمركز «باحثات»، كل ذلك بذريعة قضايا المرأة المسلمة، مع الاتجاه خطوة نحو ضم أسماء نسوية عربية قيادية من جماعة الإخوان المسلمين العالمية، أو قريبة النهج منها.
ظهر ذلك جليا بعد استقبال كل من مركز «تمكين» للداعية نورة السعد ومركز «آسيا» للداعية أسماء الرويشد المهندسة كاميليا حلمي عضو حزب «الحرية والعدالة» المصري في الرياض على مدار 3 أيام لإلقاء المحاضرات بعد أن استضافها أولا المركز الأم «باحثات» في يوليو (تموز) للعام الحالي.
وفي محاولة من «الشرق الأوسط» الحصول على رأي مركز «باحثات»، اعتذرت الدكتورة نورة العمر، رئيسة مركز «باحثات» ورابطة المنظمات النسائية، عن المشاركة «بسبب انشغالها»، لنتوجه إلى السيدة علا، مسؤولة العلاقات العامة في المركز، التي أكدت أن «الرابطة انفصلت عن المركز بمجرد الإعلان عنها وهي كيان مستقل بذاته عن المركز، رغم أن كلا من رئيسة المركز والرابطة هي سيدة واحدة»، لتخاطب «الشرق الأوسط» بعد ذلك الرابطة على الإيميل الخاص بها من دون الحصول على أي إجابة.
نفق التمويل النسائي
تعد المرأة السعودية تحديدا، والخليجية بشكل عام، صيدا ثمينا لدى مختلف التنظيمات والجماعات، سواء أكان على صعيد التجييش العاطفي أو التمويل المالي، وهو الأمر الذي وظف من قبل تنظيم القاعدة بتجنيد النساء، مستغلا ما سماه «الحرائر» للتعبئة.
العنصر الخليجي النسوي بدأ يشكل أهمية لدى جماعة الإخوان والتيارات القريبة منها في الداخل والخارج في صورة «نفق تمويلي» جديد يمكن المراهنة عليه في عملية جباية الأموال، واستغلت هذه الجماعات ما تدره عضوية المراكز النسوية وما تتضمنه من دورات وأنشطة، إلى جانب أرباح المجلات والمواقع الإلكترونية وما تقدمه من خدمات الرسائل النصية.
يتضمن مركز «باحثات»، كنموذج، أنواعا مختلفة من العضويات، منها الشرفية والرائدة (مجانية) والماسية، تبلغ قيمة رسومها السنوية (1500 ريال)، بالإضافة إلى عضوية عاملة (500 ريال) تتحصل على خصم 50% على إصدارات المركز وأنشطته، وعضوية منتسبة (300 ريال) بنسبة خصم 30%.
تحولات الخطاب النسوي
عصفت رياح التغيير بخطاب النخب النسوية المتدينة، منذ بدايتها وحتى سنوات الربيع العربي، إثر مصادرتها منذ نشأتها من قبل طلائع النخب الذكورية على الساحة الدينية، وذلك في محاولة لاغتنام مواقف نسوية أكثر تشددا تجاه قضاياها الاجتماعية التي طالما ظلت في مقدمة قضايا خطاب الصحوة.
فبعد انكفاء «المتدينات» عن الظهور الإعلامي، واقتصار أنشطتهن على مدارس تحفيظ القرآن وما يقام فيها من دروس شرعية وفقهية تحت إشراف وزارة الشؤون الإسلامية بالإضافة إلى مدارس الفتيات، كانت البداية بتشجيع «فتيات الصحوة» في منتصف الثمانينات من قبل رموزهن الذكورية في الساحة الصحوية الحركية لمناقشة همومهن الدعوية وحثهن على دخول المجال الإعلامي من خلال المشاركة في الكتابة عبر الصحف والمجلات أو من خلال حضور المؤتمرات.
الدكتور سلمان العودة له دور ريادي في «التفاعل» مع «هموم» الفتاة المتدينة ومناقشتها، بحسب الباحث السعودي عبد العزيز الخضر في كتابه «السعودية سيرة دولة ومجتمع: قراءة في تجربة ثلث قرن من التحولات الفكرية والسياسية والتنموية». لذا، تواصل معه قطاع واسع من الناشطات، حيث كان العودة يبدو أكثر تسامحا مع المرأة المتدينة لتبدو بصورة عصرية لمصلحة الدعوة في مرحلة نجوميته الصحوية. وفي هذا السياق، انتقد العودة مبالغات المتدينات حول اللباس وتفاصيل الألوان.
واستثمرت بعد ذلك الداعيات شهرة أسمائهن في سماء الدعوة بإنشاء المجلات الإلكترونية والمراكز النسوية تحت اسم «مراكز للاستشارات التربوية والنفسية»، في خطوة لتوظيف اهتمام الشابات بمسائل التنمية الشخصية، وتطوير الذات ودورات الزواج الناجح كعوامل جذب يوظف من خلالها البعد الدعوي الحركي بالتنديد بـ«المؤامرة النسوية الغربية» و«تفكيك الأسرة»، والعزف بمقامات مختلفة على قضية القرن «اتفاقية سيداو» وعولمة «قضايا المرأة المسلمة» واعتبارها قضية «أممية».
كان الأبرز مركز «آسيا للاستشارات التربوية والنفسية» للداعية أسماء الرويشد، ومركز «التمكين للمستقبل» للاستشارات والدراسات للداعية نورة السعد، وموقع «لها أون لاين» الإلكتروني ومركز «النجاح للاستشارات» للداعية رقية المحارب. وجميع هذه المنابر تروج لمناشط ومحاضرات ودورات مختلفة، بالإضافة إلى اعتبارها صوتا إعلاميا خاصا بمالكاته.
أهداف تأسيس مراكز الدراسات والاستشارات النسائية والخطاب المروج له في أروقتها، لم تتضح معالمه لدى بعض الدارسين الغربيين، كما ظهر في أطروحة إميلي لورونار ودراستها الاستقصائية حول مجتمع النساء في السعودية الصادر بعنوان «النساء والفضاءات العامة في المملكة العربية السعودية» عن «الشبكة العربية للأبحاث والنشر». وبحسب رصد لورونار لخطاب الداعيات في المراكز النسائية، فهو لا يعد سوى خلط بين تحقيق الذات وتنمية الشخصية الإسلامية وعلم النفس والتدريب المهني، قائلة: «تجذب المحاضرات حول تنمية الشخصية كثيرات من طالبات علم النفس، لأنهن يعتقدن أن الشهادة التي سيحصلن عليها في نهاية المحاضرة ستكون صالحة في توظيفهن مستقبلا».. وتابعت قولها: «تقترح مراكز التدريب النسائي وهي في طور التكاثر دورات تدريبية حول مواضيع نمطية في هذه الآيديولوجيا ومشابهة لتلك التي يتم التطرق إليها في الفضاءات الدينية مثل (كيف نطور قدراتنا على التواصل وعلى المحاورة)، و(تحديد الأهداف)، و(إدارة الوقت)».
عبد العزيز البداح، وهو داعية سعودي، كان جليا بإيضاح أهمية اللجوء إلى البعد التنظيمي والحركي للعمل الدعوي النسائي من خلال مطالباته بإنشاء مراكز الدراسات الأسرية والاجتماعية في كتابه الذي نشرت ورقات منه في مكتبة مركز «باحثات» بعنوان «حركة التغريب بالسعودية.. تغريب المرأة أنموذجا». وهذا الكتاب في الأساس هو أطروحة دكتوراه قدمت لجامعة الأزهر، ومما قاله البداح في كتابه هذا: «من أساليب مواجهة حركة التغريب وبرامجها إنشاء مراكز الدراسات الأسرية والاجتماعية». وأبرز أهداف هذه المراكز، بحسبه، أن تستهدف ببرامجها ومشاريعها الحياة الاجتماعية بعامة والأسرة على وجه الخصوص وضرورة أن يكون العمل الموجه ضد حركة التغريب عملا منظما ومؤسسيا، خاصة أن الساحة الدعوية في السعودية ما زالت تفتقد العمل المنظم والمؤسسي.
وطالب البداح بتشجيع محاضن التربية والتوجيه النسائية، حيث لا يوجد من هذه المحاضن سوى مدارس تحفيظ القران، مؤكدا ضرورة زيادة أعدادها ودعمها ماديا ومعنويا وتنويع نشاطاتها وبرامجها، التي من أهدافها أيضا احتضان العاملات في الحقل الدعوي ورعاية العمل النسائي وتأهيل الداعيات. ومن ثم، أصبحت مراكز الاستشارات والدراسات، حسب الشرح السابق، بمثابة نقطة انطلاق جديدة ساهمت في تكثيف نشاط الداعيات، وعلى حجم تأثيرهن في الأوساط النسوية حتى بات لكل داعية جمهورها الخاص الذي سرعان ما يتم حشده فور الإعلان عن موعد محاضرة في حلقات الجوامع والمساجد، التي غالبا ما تنشط في شهر رمضان عقب صلاة التراويح وخلال حملات الحج التي لطالما كان التنافس على أشده في حجز شهيرات الدعوة النسوية كوسيلة لجذب وفود الحجيج.
وتبدأ بعد ذلك عملية تنقل الداعيات من بلد خليجي إلى قطر عربي آخر باسم مراكزهن النسوية الخاصة بالاستشارات النفسية والتربوية، وبالأخص، عقب ظهور فتاوى تساهلت في قضية مرافقة المحرم للمرأة خلال السفر، مجيزة ذلك «في حال أمنت الوجهة والمخاطر».
بحسب سهاد عكيلة، مديرة تحرير مجلة «منبر الداعيات» وعضو إدارة القسم النسائي في جمعية الاتحاد الإسلامي في لبنان، التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط» عن طبيعة العمل الدعوي النسوي في لبنان الذي وصفته بالمنظم، مشتملا الدعوة والتعليم الشرعي، بالإضافة إلى ما تنبثق عنه من مؤسسات خيرية اجتماعية وتربوية وتحفيظ قرآن، حيث لكل قسم لجنة تقوم عليها مسؤولة وعضوات ومتطوعات وإداريات معنيات بوضع البرامج والخطط وأخوات تنفيذيات يجتمعن أسبوعيا.
وأوضحت عكيلة أنه في إطار العمل الدعوي النسوي في جمعية الاتحاد الإسلامية استضاف القسم النسوي عددا من الداعيات الشهيرات على الساحة العربية والخليجية، من بينهن الدكتورة سناء العابد والدكتورة فاطمة ناصيف والدكتورة سميرة جمجوم، وجميعهن سعوديات، مشيرة إلى أن طبيعة العلاقة مقتصرة فقط على الاستضافة للاستفادة من الطرح الشرعي، قائلة: «لدينا مؤتمر سنوي في فصل الربيع، نسعى خلاله للاستفادة بشخصيات من الخارج».
إحدى المسؤولات في جمعية الإرشاد والإصلاح الخيرية في لبنان، التي تركز أعمالها الدعوية في الاهتمام بالمرأة دينيا وثقافيا واجتماعيا، بالإضافة إلى الدورات الفكرية وأخرى لإعداد الداعيات حيث برنامج «موارد» وبرنامج «كن خير داع» - أبلغت «الشرق الأوسط» عن وجود شريحة واسعة لإدارة العمل النسوي في الجمعية من حيث الدروس الدينية والمحاضرات الفكرية والثقافية، إلى جانب المواضيع الشرعية والفقهية والعقائدية والشبهات ضد المرأة وواجبات المرأة ودخولها معترك العمل.
وفيما يتعلق بالتواصل مع الداعيات من خارج لبنان، وتحديدا السعودية، أكدت هذه المسؤولة أن التواصل يجري عبر حضور المؤتمرات والملتقيات الخارجية، مستشهدة بمؤتمر القيادة الاجتماعية في تركيا، فقالت: «بدأنا نجرب تطوير العمل الدعوي خارج لبنان بتركيا ومصر، وبعد أن كان هناك إشكال حول سفر المرأة وحدها دون محرم حيث كنا متشددين في هذا الأمر، لكن الأمر تغير بعد أن ظهرت فتاوى تسامحت في هذا الشأن». وقالت: «لقد استضفنا الدكتورة سميرة جمجموم لإلقاء محاضرات حال وجودها في لبنان»، مضيفة أنه بحكم حضورها المكثف إلى لبنان، فإن لها «علاقات قوية بالجمعيات الخيرية اللبنانية»، بالإضافة إلى إعداد الدكتورة بدرية المطوع، وهي داعية كويتية، مؤتمرا في تركيا وحضور مؤتمر بمصر أعدت له كاميليا حلمي عضو حزب «الحرية والعدالة»، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في مصر.
في هذا السياق، حاولنا التواصل هاتفيا مع الدكتورة فاطمة ناصيف، فأتى ردها على لسان سكرتيرتها: «الدكتورة فاطمة تقول إنها اعتزلت المشاركات والظهور الإعلامي عبر كافة وسائل الإعلام».
نورة السعد نموذجا
نورة السعد، الأكاديمية والناشطة في مجال التثقيف الدعوي ونائبة رئيس رابطة المنظمات النسائية الإسلامية، قد تصلح مثالا كاشفا لاستعراض التحولات التي طرأت على الخطاب الدعوي النسائي في السعودية. وهي كانت - كما يذكر عبد العزيز الخضر في كتابه «السعودية سيرة دولة ومجتمع» - اسما تنويريا «معتدلا» في الكتابة النسائية خلال الثمانينات والتسعينات، وكانت كتاباتها في تلك المرحلة عن مشاكل المرأة أكثر واقعية من دون روح تمرد عبثية - كما وصفها الخضر - ومن دون رؤية محافظة تقليدية، مقدمة الكثير من المقالات العقلانية المتوازنة بشأن المرأة بطرح غير متصنع أو متكلف.
ويستدرك الخضر عن نورة السعد: «مع مرور الوقت، أخذت رؤيتها المستقلة تتغير وتتأثر بالرؤية الدينية السائدة بعد أن تغير خطاب الصحوة هو الآخر، وكان هذا التحول في بدايته مقبولا ويناسب كونها كاتبة محافظة متعقلة في مرحلة مبكرة، لكن فيما يبدو أن تزايد الفاكسات والإيميلات التي تميز بها جمهور الصحوة في دعم أي كاتب ينتصر للآراء المحافظة - أدى إلى دخولها أجواء جديدة أكثر نشاطا وجماهيرية وحماسة، فأخذ خطابها يتغير نحو آراء أكثر محافظة وصنفها البعض أنها متشددة». هذا الوقت الذي ذكره الخضر كان سابقا للربيع العربي الذي سرعان ما كان شاهدا على تحولات جديدة لدى الأكاديمية والداعية السعد، التي نشطت من خلال تغريداتها على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، وحسابها يحمل 30 ألف تغريدة، مزينا بشعار اعتصام «ميدان رابعة» بلونه الأصفر وأصابعه الأربعة. وإضافة إلى تغريداتها التي تعيدها استحسانا لكلمات سيد قطب، كانت هناك تغريدات أخرى حول الأحداث المصرية ودعم جماعة الإخوان هناك، ومن بينها هذه التغريدات: «ليت من يهاجم (الإخوان) يعظ نفسه ويتقي الله فيها ويراقب عبادته لله، فالحياة قصيرة والقبر أقرب إليهم».. وأخرى: «الله وحده العالم بحقيقة إخلاص الإخوان المسلمين..». وثالثة: «ما يحدث في مصر كارثة دينية تاريخية ستغير النسيج الاجتماعي لـ92 مليون، إن استمر هؤلاء في الحكم». وهناك تغريدة تشير فيها إلى : «قصيدة رائعة تجسد ملحمة العزة والثبات في أرض الكنانة ضد عصابة السيسي»، شاهد «قصيدة رابعة». ومن تبحر أكثر في دهاليز السياسة بتساؤلها: «من الذي أمر السيسي بعدم مغادرة الفندق كي لا يكون ضمن راكبي الطائرة المصرية التي تم إغراقها وفيها ضباط مصريون».
هذه صورة عامة عن منطقة نشطة من الحراك في السعودية والخليج، حراك النساء المنخرطات في ثقافة إخوانية أو صحوية، لتصل إليها، في العادة، أشعة الإعلام.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.