سعوديات في النشاطات الدينية.. ثلث قرن من التحولات

من الانكفاء على مدارس تحفيظ القرآن.. إلى المشاركات الإعلامية وحضور المحافل الدولية

سعوديات في النشاطات الدينية.. ثلث قرن من التحولات
TT

سعوديات في النشاطات الدينية.. ثلث قرن من التحولات

سعوديات في النشاطات الدينية.. ثلث قرن من التحولات

عبرت طلائع النخب النسائية، النشطة ضمن الجماعات الدينية في السعودية منذ أن تشكلت قبل ثلث قرون بتحولات مختلفة كانت ترجمة لما هو موجود لدى النخب الدعوية الذكورية باعتبارهم بوصلة القيادة للدعوة النسوية.
كانت البداية لهذا النشاط النسوي الدعوي الاجتماعي والممنهج مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، بحسب رصد بعض المؤرخين السعوديين، عبر التواصل بخطبها ورسائلها مع العلماء المعتبرين وشرح مشكلات النساء ومظاهر «الانحراف».
في هذا النوع من النشاط، اشتهرت أسماء عدد من الداعيات، تلاه ظهور المحاضرات الموجهة للمرأة من دعاة «الصحوة» وتوجيه فتيات الصحوة ومناقشة همومهن الدعوية، وتقديم بعض الأفكار لهن. بالتوازي مع ذلك، برز الخطاب الدعوي النسائي في السعودية أكثر فأكثر في مختلف المحافل النسائية، غير غافل عن اتباع الأساليب الحديثة وتوظيفها في المجال الدعوي، شمل ذلك شكل وبعض موضوعات الخطاب ذاته طالما حقق رضا الجماهير النسوية «العاطفية».
اليوم، نجد حصاد الماضي مترجما بتحقيق «عمل نسائي حركي منظم» بانضمام 77 جمعية نسوية تحت راية واحدة. قبل ذلك، نشير إلى أنه ورغم طبيعة التحفظ في العمل الدعوي النسوي ومحركاته وعدم شفافيته باعتماد مذهب «الاعتزال» الإعلامي باستثناء المنابر الخاصة، فإن نجاح الإخوان المسلمين، في العامين الأخيرين، في الوصول إلى الحكم في مصر وتونس ونفوذهم في ليبيا، وما تلاه من انتكاسة انتهت بعزل الدكتور محمد مرسي في مصر عن كرسي الرئاسة وتهديد حكومتهم في تونس - كانت كفيلة بكشف الأوراق لدى الكوادر الصحوية النسائية في السعودية؛ أكان ذلك بسبب التفاؤل المفرط بمستقبل «الإخوان» فيما يسمى «الربيع العربي» أو دعما لـ«رابعة العدوية» في اعتصامها، بعد سقوط السلطة الإخوانية. إطار عام، بدأ الحديث عن تشكيل «تنظيم نسائي دولي للإخوان المسلمين» في الظهور الإعلامي منذ 2009 عقب توجيه تهم للنائب الأول لمرشد «الإخوان» حينها محمود عزت بالسعي إلى تشكيل «تنظيم سري» للأخوات المسلمات.
في الأثناء، ظهرت أسماء داعيات سعوديات متهمات ضمن التنظيم الدولي السري للأخوات، بحسب ما نشرت صحيفة «الدستور» المصرية في 23-11-1431 هـ عن مشاركة 8 داعيات سعوديات ضمن التنظيم الدولي، إضافة إلى ما نشرته مجلة «روزاليوسف» 2012م في تقرير عنونته بـ«قائمة أسماء القيادات: التنظيم العالمي للأخوات المسلمات من الإسماعيلية إلى واشنطن».
داعيات سعوديات قياديات في تجمع غير سعودي
نشر مركز «التمكين للمستقبل للاستشارات والدراسات»، الذي يعنى بشؤون المرأة الاجتماعية والذي ترأسه الداعية الدكتورة نورة السعد، خبرا عن رعاية مركز «باحثات» في العاصمة السعودية الرياض إنشاء «رابطة المنظمات النسائية الإسلامية العالمية» واحتفاء مركز «آسيا» للدكتورة «الداعية» أسماء الرويشد عبر موقعه الإلكتروني بالخبر.
كان هذا الخبر كفيلا بإعادة الحديث عن «التنظيم الدولي للأخوات المسلمات» من جديد، ورصد إيقاعاته بين أوساط النخب الدعوية النسائية بالسعودية.
تعد «رابطة المنظمات النسائية الإسلامية العالمية»، بحسب ما نشره الراعي الرسمي لها، مركز «باحثات»، تجمعا للمنظمات الإسلامية النسائية في العالم بأسره، وتتحد هذه المنظمات لتحقيق مجموعة من الأهداف والبرامج والأنشطة تحت مظلة ترسيخ الاهتمام بقضايا المرأة المسلمة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي وصناعة المعايير المتعلقة بقضايا المرأة.
وتلخصت ضوابط هذه المؤسسة بالالتزام بالعمل المؤسساتي وقرارات الرابطة مع عدم إلغاء خصوصية كل منظمة أو مؤسسة تنتمي إلى عقيدة أهل السنة والجماعة والاهتمام بالعمل النسائي.
تركزت أهدافها في تحقيق التنسيق وتعزيز التعاون بين المنظمات النسائية الإسلامية في العالم وإيجاد قنوات اتصال وبناء شراكات بين المؤسسات الأعضاء في الرابطة والمنظمات الإقليمية والدولية العاملة التي تتقاطع معها في ذات المجال والاهتمام، وأخيرا بنشر التجارب الناجحة للمنظمات النسائية الإسلامية وتعميمها.
يتكون مجلس إدارة الرابطة من رئيس ونائب والأمين العام، وجرى الإعلان عن تشكيلته خلال استضافة مدينة إسطنبول التركية ملتقاه الأول بحضور 77 منظمة نسائية من أكثر من 26 دولة عربية وإسلامية.
وقع الاختيار لمنصب الأمين العام للرابطة والمتحدث الرسمي باسمها على المهندسة كاميليا حلمي، رئيس «اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل» ومسؤولة المرأة في حزب «الحرية والعدالة»، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمون في مصر، أما رئيس مجلس إدارة الرابطة فحازته الدكتورة نورة العمر مديرة الإدارة النسائية في مركز «باحثات» بالرياض، وفازت الدكتورة والداعية نورة السعد رئيسة مركز التمكين للمستقبل للدراسات والاستشارات في جدة بمنصب نائب الرئيس.
وضم مجلس إدارة الرابطة 8 عضوات هن: عائشة بلحجار رئيس «المنتدى الإسلامي العالمي للأسرة والمرأة» في بلجيكا، وبثينة عبد الله المدير التنفيذي لـ«الجنة العالمية لشؤون الأسرة» في قطر، وعزيزة البقالي من «منظمة تجديد الوعي النسائي» في المغرب المقربة من جماعة الإخوان المسلمين، والدكتورة أميرة الصاعدي من «مركز إسعاد النسائي» بمكة المكرمة، والدكتورة بثينة قروي المشرفة العامة على «منتدى الزهراء للمرأة المغربية»، وسيدة محمود رئيس قسم البحوث في «اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل» وعضو لجنة الداعيات في «الجمعية الشرعية» بمصر، وحليمة شيث رئيسة «جمعية النساء المسلمات» الأفريقية، وأسماء القرشي من «الاتحاد النسائي العالمي» في اليمن.
الراعي الرسمي مركز «باحثات»
نشأ مركز «باحثات» لدراسات المرأة في الرياض منذ 2006م بتصنيفه مؤسسة خاصة غير ربحية بترخيص من وزارة التجارة ليعنى بقضايا المرأة، يرأسه الدكتور فؤاد العبد الكريم، وتلاه تأسيس القسم النسائي في 2008م، الذي من أبرز أنشطته إعداد البحوث والدراسات والاستشارات في قضايا المرأة الفكرية والثقافية والعلمية.
وتتلخص أبرز مشاريعه منذ تأسيسه في إقامة «ملتقى المرأة السعودية ما لها وما عليها»، ومشروع حياة «البناء الفكري». بحسب ما روج له المركز، يعد المشروع تعليميا وتدريبيا وتأهيليا، ويسعى، حسب شرحه، إلى «تزويد الفتاة بالوعي والفهم اللازمين لإدراك متغيرات وصراعات الساحة الفكرية المتعلقة بقضايا المرأة، عبر إعداد أكاديمي عالي المستوى، يقوم على البرنامج نخبة من الأكاديميين، ومن المتخصصين، من كلا الجنسين، الذين تم انتقاؤهم بعناية تتناسب مع حجم وأهداف المشروع.
تبرز أهمية المركز في إعلانه من إسطنبول رعاية إنشاء «رابطة المنظمات النسائية الإسلامية العالمية»، خاصة بما ضم في عضويته من أسماء بارزة على الساحة الدعوية النسوية، متغلغلا أيضا في الساحة التعليمية الجامعية عبر كوكبة من الأكاديميات في الجامعات السعودية من مختلف المناطق.
لتبدأ المراكز الدعوية النسوية السعودية بالاتجاه أكثر نحو خطاب أقرب للنهج الإخواني الدولي، بانضواء هذه المراكز تحت مظلة واحدة تعرف بمركز «باحثات»، كل ذلك بذريعة قضايا المرأة المسلمة، مع الاتجاه خطوة نحو ضم أسماء نسوية عربية قيادية من جماعة الإخوان المسلمين العالمية، أو قريبة النهج منها.
ظهر ذلك جليا بعد استقبال كل من مركز «تمكين» للداعية نورة السعد ومركز «آسيا» للداعية أسماء الرويشد المهندسة كاميليا حلمي عضو حزب «الحرية والعدالة» المصري في الرياض على مدار 3 أيام لإلقاء المحاضرات بعد أن استضافها أولا المركز الأم «باحثات» في يوليو (تموز) للعام الحالي.
وفي محاولة من «الشرق الأوسط» الحصول على رأي مركز «باحثات»، اعتذرت الدكتورة نورة العمر، رئيسة مركز «باحثات» ورابطة المنظمات النسائية، عن المشاركة «بسبب انشغالها»، لنتوجه إلى السيدة علا، مسؤولة العلاقات العامة في المركز، التي أكدت أن «الرابطة انفصلت عن المركز بمجرد الإعلان عنها وهي كيان مستقل بذاته عن المركز، رغم أن كلا من رئيسة المركز والرابطة هي سيدة واحدة»، لتخاطب «الشرق الأوسط» بعد ذلك الرابطة على الإيميل الخاص بها من دون الحصول على أي إجابة.
نفق التمويل النسائي
تعد المرأة السعودية تحديدا، والخليجية بشكل عام، صيدا ثمينا لدى مختلف التنظيمات والجماعات، سواء أكان على صعيد التجييش العاطفي أو التمويل المالي، وهو الأمر الذي وظف من قبل تنظيم القاعدة بتجنيد النساء، مستغلا ما سماه «الحرائر» للتعبئة.
العنصر الخليجي النسوي بدأ يشكل أهمية لدى جماعة الإخوان والتيارات القريبة منها في الداخل والخارج في صورة «نفق تمويلي» جديد يمكن المراهنة عليه في عملية جباية الأموال، واستغلت هذه الجماعات ما تدره عضوية المراكز النسوية وما تتضمنه من دورات وأنشطة، إلى جانب أرباح المجلات والمواقع الإلكترونية وما تقدمه من خدمات الرسائل النصية.
يتضمن مركز «باحثات»، كنموذج، أنواعا مختلفة من العضويات، منها الشرفية والرائدة (مجانية) والماسية، تبلغ قيمة رسومها السنوية (1500 ريال)، بالإضافة إلى عضوية عاملة (500 ريال) تتحصل على خصم 50% على إصدارات المركز وأنشطته، وعضوية منتسبة (300 ريال) بنسبة خصم 30%.
تحولات الخطاب النسوي
عصفت رياح التغيير بخطاب النخب النسوية المتدينة، منذ بدايتها وحتى سنوات الربيع العربي، إثر مصادرتها منذ نشأتها من قبل طلائع النخب الذكورية على الساحة الدينية، وذلك في محاولة لاغتنام مواقف نسوية أكثر تشددا تجاه قضاياها الاجتماعية التي طالما ظلت في مقدمة قضايا خطاب الصحوة.
فبعد انكفاء «المتدينات» عن الظهور الإعلامي، واقتصار أنشطتهن على مدارس تحفيظ القرآن وما يقام فيها من دروس شرعية وفقهية تحت إشراف وزارة الشؤون الإسلامية بالإضافة إلى مدارس الفتيات، كانت البداية بتشجيع «فتيات الصحوة» في منتصف الثمانينات من قبل رموزهن الذكورية في الساحة الصحوية الحركية لمناقشة همومهن الدعوية وحثهن على دخول المجال الإعلامي من خلال المشاركة في الكتابة عبر الصحف والمجلات أو من خلال حضور المؤتمرات.
الدكتور سلمان العودة له دور ريادي في «التفاعل» مع «هموم» الفتاة المتدينة ومناقشتها، بحسب الباحث السعودي عبد العزيز الخضر في كتابه «السعودية سيرة دولة ومجتمع: قراءة في تجربة ثلث قرن من التحولات الفكرية والسياسية والتنموية». لذا، تواصل معه قطاع واسع من الناشطات، حيث كان العودة يبدو أكثر تسامحا مع المرأة المتدينة لتبدو بصورة عصرية لمصلحة الدعوة في مرحلة نجوميته الصحوية. وفي هذا السياق، انتقد العودة مبالغات المتدينات حول اللباس وتفاصيل الألوان.
واستثمرت بعد ذلك الداعيات شهرة أسمائهن في سماء الدعوة بإنشاء المجلات الإلكترونية والمراكز النسوية تحت اسم «مراكز للاستشارات التربوية والنفسية»، في خطوة لتوظيف اهتمام الشابات بمسائل التنمية الشخصية، وتطوير الذات ودورات الزواج الناجح كعوامل جذب يوظف من خلالها البعد الدعوي الحركي بالتنديد بـ«المؤامرة النسوية الغربية» و«تفكيك الأسرة»، والعزف بمقامات مختلفة على قضية القرن «اتفاقية سيداو» وعولمة «قضايا المرأة المسلمة» واعتبارها قضية «أممية».
كان الأبرز مركز «آسيا للاستشارات التربوية والنفسية» للداعية أسماء الرويشد، ومركز «التمكين للمستقبل» للاستشارات والدراسات للداعية نورة السعد، وموقع «لها أون لاين» الإلكتروني ومركز «النجاح للاستشارات» للداعية رقية المحارب. وجميع هذه المنابر تروج لمناشط ومحاضرات ودورات مختلفة، بالإضافة إلى اعتبارها صوتا إعلاميا خاصا بمالكاته.
أهداف تأسيس مراكز الدراسات والاستشارات النسائية والخطاب المروج له في أروقتها، لم تتضح معالمه لدى بعض الدارسين الغربيين، كما ظهر في أطروحة إميلي لورونار ودراستها الاستقصائية حول مجتمع النساء في السعودية الصادر بعنوان «النساء والفضاءات العامة في المملكة العربية السعودية» عن «الشبكة العربية للأبحاث والنشر». وبحسب رصد لورونار لخطاب الداعيات في المراكز النسائية، فهو لا يعد سوى خلط بين تحقيق الذات وتنمية الشخصية الإسلامية وعلم النفس والتدريب المهني، قائلة: «تجذب المحاضرات حول تنمية الشخصية كثيرات من طالبات علم النفس، لأنهن يعتقدن أن الشهادة التي سيحصلن عليها في نهاية المحاضرة ستكون صالحة في توظيفهن مستقبلا».. وتابعت قولها: «تقترح مراكز التدريب النسائي وهي في طور التكاثر دورات تدريبية حول مواضيع نمطية في هذه الآيديولوجيا ومشابهة لتلك التي يتم التطرق إليها في الفضاءات الدينية مثل (كيف نطور قدراتنا على التواصل وعلى المحاورة)، و(تحديد الأهداف)، و(إدارة الوقت)».
عبد العزيز البداح، وهو داعية سعودي، كان جليا بإيضاح أهمية اللجوء إلى البعد التنظيمي والحركي للعمل الدعوي النسائي من خلال مطالباته بإنشاء مراكز الدراسات الأسرية والاجتماعية في كتابه الذي نشرت ورقات منه في مكتبة مركز «باحثات» بعنوان «حركة التغريب بالسعودية.. تغريب المرأة أنموذجا». وهذا الكتاب في الأساس هو أطروحة دكتوراه قدمت لجامعة الأزهر، ومما قاله البداح في كتابه هذا: «من أساليب مواجهة حركة التغريب وبرامجها إنشاء مراكز الدراسات الأسرية والاجتماعية». وأبرز أهداف هذه المراكز، بحسبه، أن تستهدف ببرامجها ومشاريعها الحياة الاجتماعية بعامة والأسرة على وجه الخصوص وضرورة أن يكون العمل الموجه ضد حركة التغريب عملا منظما ومؤسسيا، خاصة أن الساحة الدعوية في السعودية ما زالت تفتقد العمل المنظم والمؤسسي.
وطالب البداح بتشجيع محاضن التربية والتوجيه النسائية، حيث لا يوجد من هذه المحاضن سوى مدارس تحفيظ القران، مؤكدا ضرورة زيادة أعدادها ودعمها ماديا ومعنويا وتنويع نشاطاتها وبرامجها، التي من أهدافها أيضا احتضان العاملات في الحقل الدعوي ورعاية العمل النسائي وتأهيل الداعيات. ومن ثم، أصبحت مراكز الاستشارات والدراسات، حسب الشرح السابق، بمثابة نقطة انطلاق جديدة ساهمت في تكثيف نشاط الداعيات، وعلى حجم تأثيرهن في الأوساط النسوية حتى بات لكل داعية جمهورها الخاص الذي سرعان ما يتم حشده فور الإعلان عن موعد محاضرة في حلقات الجوامع والمساجد، التي غالبا ما تنشط في شهر رمضان عقب صلاة التراويح وخلال حملات الحج التي لطالما كان التنافس على أشده في حجز شهيرات الدعوة النسوية كوسيلة لجذب وفود الحجيج.
وتبدأ بعد ذلك عملية تنقل الداعيات من بلد خليجي إلى قطر عربي آخر باسم مراكزهن النسوية الخاصة بالاستشارات النفسية والتربوية، وبالأخص، عقب ظهور فتاوى تساهلت في قضية مرافقة المحرم للمرأة خلال السفر، مجيزة ذلك «في حال أمنت الوجهة والمخاطر».
بحسب سهاد عكيلة، مديرة تحرير مجلة «منبر الداعيات» وعضو إدارة القسم النسائي في جمعية الاتحاد الإسلامي في لبنان، التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط» عن طبيعة العمل الدعوي النسوي في لبنان الذي وصفته بالمنظم، مشتملا الدعوة والتعليم الشرعي، بالإضافة إلى ما تنبثق عنه من مؤسسات خيرية اجتماعية وتربوية وتحفيظ قرآن، حيث لكل قسم لجنة تقوم عليها مسؤولة وعضوات ومتطوعات وإداريات معنيات بوضع البرامج والخطط وأخوات تنفيذيات يجتمعن أسبوعيا.
وأوضحت عكيلة أنه في إطار العمل الدعوي النسوي في جمعية الاتحاد الإسلامية استضاف القسم النسوي عددا من الداعيات الشهيرات على الساحة العربية والخليجية، من بينهن الدكتورة سناء العابد والدكتورة فاطمة ناصيف والدكتورة سميرة جمجوم، وجميعهن سعوديات، مشيرة إلى أن طبيعة العلاقة مقتصرة فقط على الاستضافة للاستفادة من الطرح الشرعي، قائلة: «لدينا مؤتمر سنوي في فصل الربيع، نسعى خلاله للاستفادة بشخصيات من الخارج».
إحدى المسؤولات في جمعية الإرشاد والإصلاح الخيرية في لبنان، التي تركز أعمالها الدعوية في الاهتمام بالمرأة دينيا وثقافيا واجتماعيا، بالإضافة إلى الدورات الفكرية وأخرى لإعداد الداعيات حيث برنامج «موارد» وبرنامج «كن خير داع» - أبلغت «الشرق الأوسط» عن وجود شريحة واسعة لإدارة العمل النسوي في الجمعية من حيث الدروس الدينية والمحاضرات الفكرية والثقافية، إلى جانب المواضيع الشرعية والفقهية والعقائدية والشبهات ضد المرأة وواجبات المرأة ودخولها معترك العمل.
وفيما يتعلق بالتواصل مع الداعيات من خارج لبنان، وتحديدا السعودية، أكدت هذه المسؤولة أن التواصل يجري عبر حضور المؤتمرات والملتقيات الخارجية، مستشهدة بمؤتمر القيادة الاجتماعية في تركيا، فقالت: «بدأنا نجرب تطوير العمل الدعوي خارج لبنان بتركيا ومصر، وبعد أن كان هناك إشكال حول سفر المرأة وحدها دون محرم حيث كنا متشددين في هذا الأمر، لكن الأمر تغير بعد أن ظهرت فتاوى تسامحت في هذا الشأن». وقالت: «لقد استضفنا الدكتورة سميرة جمجموم لإلقاء محاضرات حال وجودها في لبنان»، مضيفة أنه بحكم حضورها المكثف إلى لبنان، فإن لها «علاقات قوية بالجمعيات الخيرية اللبنانية»، بالإضافة إلى إعداد الدكتورة بدرية المطوع، وهي داعية كويتية، مؤتمرا في تركيا وحضور مؤتمر بمصر أعدت له كاميليا حلمي عضو حزب «الحرية والعدالة»، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في مصر.
في هذا السياق، حاولنا التواصل هاتفيا مع الدكتورة فاطمة ناصيف، فأتى ردها على لسان سكرتيرتها: «الدكتورة فاطمة تقول إنها اعتزلت المشاركات والظهور الإعلامي عبر كافة وسائل الإعلام».
نورة السعد نموذجا
نورة السعد، الأكاديمية والناشطة في مجال التثقيف الدعوي ونائبة رئيس رابطة المنظمات النسائية الإسلامية، قد تصلح مثالا كاشفا لاستعراض التحولات التي طرأت على الخطاب الدعوي النسائي في السعودية. وهي كانت - كما يذكر عبد العزيز الخضر في كتابه «السعودية سيرة دولة ومجتمع» - اسما تنويريا «معتدلا» في الكتابة النسائية خلال الثمانينات والتسعينات، وكانت كتاباتها في تلك المرحلة عن مشاكل المرأة أكثر واقعية من دون روح تمرد عبثية - كما وصفها الخضر - ومن دون رؤية محافظة تقليدية، مقدمة الكثير من المقالات العقلانية المتوازنة بشأن المرأة بطرح غير متصنع أو متكلف.
ويستدرك الخضر عن نورة السعد: «مع مرور الوقت، أخذت رؤيتها المستقلة تتغير وتتأثر بالرؤية الدينية السائدة بعد أن تغير خطاب الصحوة هو الآخر، وكان هذا التحول في بدايته مقبولا ويناسب كونها كاتبة محافظة متعقلة في مرحلة مبكرة، لكن فيما يبدو أن تزايد الفاكسات والإيميلات التي تميز بها جمهور الصحوة في دعم أي كاتب ينتصر للآراء المحافظة - أدى إلى دخولها أجواء جديدة أكثر نشاطا وجماهيرية وحماسة، فأخذ خطابها يتغير نحو آراء أكثر محافظة وصنفها البعض أنها متشددة». هذا الوقت الذي ذكره الخضر كان سابقا للربيع العربي الذي سرعان ما كان شاهدا على تحولات جديدة لدى الأكاديمية والداعية السعد، التي نشطت من خلال تغريداتها على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، وحسابها يحمل 30 ألف تغريدة، مزينا بشعار اعتصام «ميدان رابعة» بلونه الأصفر وأصابعه الأربعة. وإضافة إلى تغريداتها التي تعيدها استحسانا لكلمات سيد قطب، كانت هناك تغريدات أخرى حول الأحداث المصرية ودعم جماعة الإخوان هناك، ومن بينها هذه التغريدات: «ليت من يهاجم (الإخوان) يعظ نفسه ويتقي الله فيها ويراقب عبادته لله، فالحياة قصيرة والقبر أقرب إليهم».. وأخرى: «الله وحده العالم بحقيقة إخلاص الإخوان المسلمين..». وثالثة: «ما يحدث في مصر كارثة دينية تاريخية ستغير النسيج الاجتماعي لـ92 مليون، إن استمر هؤلاء في الحكم». وهناك تغريدة تشير فيها إلى : «قصيدة رائعة تجسد ملحمة العزة والثبات في أرض الكنانة ضد عصابة السيسي»، شاهد «قصيدة رابعة». ومن تبحر أكثر في دهاليز السياسة بتساؤلها: «من الذي أمر السيسي بعدم مغادرة الفندق كي لا يكون ضمن راكبي الطائرة المصرية التي تم إغراقها وفيها ضباط مصريون».
هذه صورة عامة عن منطقة نشطة من الحراك في السعودية والخليج، حراك النساء المنخرطات في ثقافة إخوانية أو صحوية، لتصل إليها، في العادة، أشعة الإعلام.



رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
TT

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة: «عليّ وعلى أعدائي يا ربّ» (وفي النصّ التوراتي: «لتَمُتْ نَفْسِي مَعَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ»)، ودمّر معبد الإله «داجون» التابع للفلسطينيين القدماء، في مدينة غزة. دمّره بهدم المعبد فوق رأسه ورؤوس أعدائه الفلسطينيين. ومنذ قامت إسرائيل بالردّ على هجوم حماس يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يشير كثيرون من الإسرائيليين إلى أن الحكومة تدير سياسة دمار ليس فقط ضد الفلسطينيين، بل أيضاً تدمر أموراً كثيرة في إسرائيل نفسها، ويصفون نتنياهو بأنه «جرّافة دي 9» (بلدوزر مصفح يستخدمه الجيش الإسرائيلي) يدوس بلا رحمة كل ما يعترض طريقه. وكذلك ينظر خصوم نتنياهو إلى المعركة الانتخابية القريبة في 27 أكتوبر، كمعركة لإنقاذ إسرائيل من سياسته «الشمشونية».

مع أن بنيامين نتنياهو لا يستسلم لقدره، ويرفض أن يخسر الحكم ويتشبث به، حتى لو أدى به الأمر إلى إلغاء الانتخابات وشن حرب، فإن رفاقه في السلطة يعملون بكل قوتهم على إحداث خراب يسبب لمَن يفوز بالحكم من بعدهم معاناة شديدة، ويجبره على إعمار إسرائيل من جديد. ولذا يراكمون العقبات أمامه ويشوهون كل بقعة بقيت خضراء.

لقد بقي شهران تقريباً على يوم الانتخابات. واستطلاعات الرأي بغالبيتها الساحقة تشير، حتى الأسبوع الماضي، إلى أن الحكومة الحالية ستسقط، في حال إجراء الانتخابات في موعدها. لكن استطلاعات هذا الأسبوع تشير إلى تساوي المعسكرين المتنافسين. والأمر يبعث الأمل في محيط نتنياهو.

تحييد ترمب؟

المعارضة من جهتها، تدير اتصالات حثيثة مع الولايات المتحدة حتى تمنع نتنياهو من شن حرب لخدمة مصالحه الحزبية والشخصية، وتطلب من البيت الأبيض الامتناع عن دعم نتنياهو في الانتخابات، للحفاظ على علاقات سوية بين الدولتين. والرئيس دونالد ترمب لم يعد يتكلم عن نتنياهو كـ«بطل قومي أدار الحرب بقوة وحكمة». بل لقد حاول التهرب من لقائه في البيت الأبيض طيلة تسعة شهور، وعندما رضخ في الزيارة الأخيرة، حاول جعله استقبالاً متواضعاً، من الباب الخلفي للبيت الأبيض، ومن دون صحافيين ومؤتمر صحافي، ومن دون بيان مشترك.

في المقابل، يسعى نتنياهو لالتقاء ترمب مجدّداً عندما يصل إلى نيويورك لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 من الشهر الحالي، وحتى الآن يتضح أن ترمب لن يلتقيه. وستكون زيارة نتنياهو قصيرة للغاية لمدة 30 ساعة.

وفي هذه الحالة، سيضطر نتنياهو إلى الاستمرار في الانتخابات، إلا إذا ساعدته إيران وشنت هجوماً على إسرائيل. والاستمرار في المعركة الانتخابية بلا حرب عسكرية، هو أيضاً حرب لدى نتنياهو بكل ما تعنيه الكلمة، بل هي حرب وجودية... مسألة حياة أو موت سياسي؛ فهو يعتقد أن الهزيمة في الانتخابات لن تكون خسارة سياسية له ولليمين فحسب، بل كارثة شخصية. ويعتقد أن وجوده في المعارضة سيوصل محاكمته إلى حكم بالسجن؛ لذلك يستخدم كل ما لديه من أسلحة للبقاء رئيس حكومة.

ضحية الدولة العميقة

وفي مثل هذه الحروب الداخلية، يعتبر نتنياهو أقدر من كل خصومه. وهدفه الأول هو توحيد صفوف اليمين وتمتين تحالفه ككتلة واحدة... وقد ينجح في ذلك.

الخطوة التالية ستكون تشويه خصومه، وإظهارهم يساريين (مع أنهم بغالبيتهم، خصوصاً نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان هم من اليمين الصلب)، واتهامهم بالتخطيط للتحالف مع العرب. والمقصود بالعرب هنا، الأحزاب العربية في إسرائيل وإقامة حكومة تستند إلى النواب العرب.

ومع أن نتنياهو نفسه كان قد اقترح على منصور عباس، ابن الحركة الإسلامية، أن ينضم إلى حكومته عدة مرات في الماضي، فإنه يُظهر تحالفاً كهذا اليوم «جريمة قومية»، و«دعماً للإرهاب الفلسطيني». وقد كشفت مصادر مقربة منه عن أن حزبه «الليكود» سيطرح مشروع اقتراح لشطب جميع القوائم العربية والإعلان عنها «مشجعةً للإرهاب». وكل من يفكر في ضمّها إلى الائتلاف القادم، يوضع في قفص الاتهام، كما لو أنه يتعامل مع حركة «حماس». وقد استخدم معسكره كلمة «خيانة».

الترويج لفكرة التآمر

لقد شهدنا، هذا الأسبوع، عينة لتكتيك نتنياهو؛ إذ أرسل زوجته، سارة، إلى القناة الـ14 الناطقة بلسانه، لتعزز فكرة التآمر مع «حماس» لإسقاطه عن الحكم. وفي حين تضع المعارضة قضية هجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023 عنواناً رئيساً لإخفاق الحكومة، ورئيسها، يضع نتنياهو هذا الهجوم بطريقة مقلوبة، بأن هجوم «حماس» كان معروفاً للجيش والمخابرات. وقد غضوا عنه الطرف حتى يظهروا نتنياهو ضعيفاً ويطيحوا به.

لتثبيت هذا الاتهام، ادعت سارة نتنياهو أن قادة الجيش والمخابرات لم يوقظوا نتنياهو ليخبروه بوجود معلومات عن هجوم «حماس»، وأنهم «لو أيقظوه في الوقت المناسب لكانت المعركة أديرت بشكل مختلف تماماً». ثم زعمت أن الجنرال يائير جولان، الذي يترأس اليوم حزب الديمقراطيين اليساري، والذي كان نائباً لرئيس أركان الجيش في العقد الماضي، كان على علم بهجوم «حماس» مسبقاً. وفي ساعة الهجوم، كان يرتدي زيه العسكري المكوي مستعداً للمعركة، لكي يقال إنه بطل قومي.

وهكذا، بدلاً من أن تفرض المعارضة على أجندة المعركة الانتخابية اتهام نتنياهو بالإخفاق، تنشغل في الدفاع عن النفس للبرهنة على أنها ليست شريكة في مؤامرة مع «حماس».

مع هذا، عملت المعارضة وأجهزة الإعلام حثيثاً حتى تظهر نتنياهو فاشلاً، وأنهم لو أيقظوه لما كان عمل شيئاً مختلفاً، وقدمت نماذج تدل على أنه عندما استيقظ في 7 أكتوبر بقي عدة أيام يتصرف كمن أصيب بصدمة نفسية بلا حول ولا قوة.

وحقاً، يُتوقع أن نشهد نماذج أخرى خلال الشهرين المقبلين، تجعل منافسي نتنياهو يدافعون عن أنفسهم، بينما يظهر هو ذلك «البطل القومي القوي الذي يخافه أعداء إسرائيل، ولكن الدولة العميقة في إسرائيل تريد التخلص منه غيرة وحسداً».

سارة نتنياهو قالت في المقابلة: «هناك مؤامرة لقتل نتنياهو. بدأت بعملية قتل شخصيته سياسياً بواسطة التحريض، ومن ثم بواسطة التحقيق معه ومحاكمته، ثم بمحاولة الانقلاب عليه، وحتى بواسطة قتله جسدياً. فقد تعرض بيتنا في قيسارية لهجوم بطائرة مسيرة من (حزب الله)، وتعرّض بيتنا في القدس لحصار من النيران، حيث أشعل المتظاهرون مواقد نار من جميع الجهات». وعندما سئلت عن سبب هذه الحملة ضده قالت: «الحسد. يحسدونه ويغارون منه».

وقد كشفت إحدى مستشارات نتنياهو، د. روت بار، التي عملت معه ثلاث سنوات وحللت شخصيته بعمق طيلة 33 سنة، عن أن السر وراء طريقة عمله للبقاء ينقسم إلى قسمين: الأول أنه يتعامل باستعلاء مع خصومه، ويعتقد جدياً أن الله أكرم به شعب إسرائيل ولم يخلق قائداً بقدراته، ولا حتى الرئيس الأميركي. والثاني إنه لأجل بقائه يسلك كل الوسائل شرعية. وأضافت في مقابلة إذاعية، الخميس، إنه اكتشف أن أقصر الطرق لمواجهة محاولات الإطاحة به هي في إحداث شرخ في المجتمع. ببساطة، التسبب في انقسام عميق بين الجمهور، معه وضده. ولم يتردد في تنفيذ المهمة.

ضمن حسابات حكومة أقصى اليمين أنها إذا خسرت الحكم فستترك وراءها أرضاً خراباً

نتنياهو... مستعد لفعل اي شيء للاحتفاظ بالحكم (آ ب)

المعركة الآيديولوجية

لكن حرب نتنياهو الشخصية تترافق مع حرب أخرى آيديولوجية. فقبل أربع سنوات، اختار نتنياهو حلفاء عقائديين أدركوا الفرصة التاريخية التي يوفرها لهم. هم يؤيدونه في معركة البقاء... وهو يصادق على مشاريعهم الآيديولوجية.

فمن جهة هناك الأحزاب الدينية «الحريدية»، التي طلبت إعفاء أبنائها من الخدمة العسكرية، ومنحهم كل الامتيازات التي يحصل عليها الجنود، والاعتراف بمؤسساتها التعليمية تدار بطريقة الحكم الذاتي من دون تدخل وزارة التعليم، وجعل تمويل أحزابها جزءاً لا يتجزأ من الموازنة العامة. وهناك من جهة أخرى، الأحزاب الصهيونية الدينية، التي تتبنى مبدأ «أرض إسرائيل الكاملة»، للقضاء على «اتفاقيات أوسلو» وتبعاتها، وإسقاط وتفكيك السلطة الفلسطينية وفرض السيادة الإسرائيلية ومنع إقامة دولة فلسطينية. ومع أن نتنياهو نفسه كان في الماضي قد أيد حل الدولتين (شرط أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح)، وهو بنفسه، عندما تولّى رئاسة الحكومة في الدورة الأولى (1996 - 1999) نفذ قسماً من «اتفاقيات أوسلو» (الانسحاب من الخليل ومن 13 في المائة من الضفة الغربية)، فإنه سار وراء حلفائه وصادق على خططهم الكثيرة والمدروسة.

«خطة الحسم»

لكن، أهم وأخطر هذه المشاريع هو «خطة الحسم»، التي وضعها فريق من خبراء اليمين العقائدي ووقع عليها بتسلئيل سموتريتش عام 2017، وراح منذ اليوم الأول لتشكيل الحكومة الحالية ينفذها بشكل منهجي مثابر.

لقد طلب سموتريتش وزارتي المالية والدفاع؛ لكي ينفذ خطته. لكن نتنياهو رفض منحه وزارة الدفاع، وأقنعه بأن يقبل منصب وزير المالية ووضعه وزيراً ثانياً في وزارة الدفاع مسؤولاً عن الاستيطان والمستوطنات. ومنحه حرية شبه مطلقة في توسيع وتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية ببناء 120 مستوطنة جديدة و140 بؤرة استيطان ومزرعة استيطانية، خصّص لها مليون دونم من الأراضي الفلسطينية. ولم يخفِ تأييده لخطط الترحيل للفلسطينيين من قطاع غزة ومن الضفة الغربية، التي وضعها سموتريتش وشريكه إيتمار بن غفير.

ومن يتابع الوقائع على الأرض يجد أن حكومة نتنياهو أحدثت انعطافاً تاريخياً في تمزيق الامتداد الجغرافي الفلسطيني للضفة الغربية، والتمهيد لمشروع مماثل ضد المواطنين العرب في إسرائيل، وتهويد الجليل والنقب. وإلى جانب خطة الانقلاب على منظومة الحكم التي يقودها حزب سموتريتش، من خلال رئيس لجنة الدستور البرلمانية، سمحا روتمان - بهدف إضعاف الجهاز القضائي وصبغه بطابع سياسي، وضرب حرية الإعلام والمؤسسات الأكاديمية - يحدث نتنياهو تغييراً جوهرياً يحطم فيه أركان الحياة السياسية اللبرالية التي قامت عليها إسرائيل وعاشتها طيلة 75 سنة.

في هذه المعركة، تصرّف نتنياهو ورفاقه مثل جرافة «الدي 9»، يدوس كل ما يعترض طريقه. إنه يحارب الجيش وأجهزة الأمن المختلفة، ويعد الشعب بأن يعيش على الحراب إلى أبد الآبدين، ويدير حرباً تلو الأخرى تضمن بقاء إسرائيل في حالة طوارئ لخدمة مصالحه. ولذا تحول بقاؤه إلى كابوس لدى الكثير من الإسرائيليين، الذين جعلوا هدفهم التخلص منه في هذه الانتخابات. وبالفعل، دلت الاستطلاعات على أن غالبية المواطنين، وبينهم قطاعات واسعة في اليمين، تريد إبداله. وما بقي هو أن يعرف خصومه كيف تدار عملية كهذه.

سوء إدارة المعارضةولكن، ما يظهر في أداء المعارضة أنها لا تحسن الإدارة بالشكل المطلوب. فهي لا تتفق حتى الآن على قائد واحد تنضوي تحت كنفه. والاستطلاعات تشير إلى أن الغالبية من معارضي نتنياهو يريدون غادي آيزنكوت رئيساً للحكومة، لكن حلفاءه نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان ويائير لبيد لا يقبلون به. ولقد اقترح عليهم آيزنكوت حلاً منطقياً: مَن يفز بأعلى عدد من المقاعد في الانتخابات فسوف نكلفه باسمنا جميعاً بتشكيل الحكومة، لكنهم لا يوافقون ويفضلون تقاسم رئاسة الحكومة. وهذا في حين يتفق جميع قادة أحزاب اليمين على أن نتنياهو هو القائد.

السيطرة على الآثار... نموذج لفرض السيادة

من أبرز النشاطات التي تقوم بها حكومة اليمين الاستيطاني المتطرفة عشية الانتخابات الإسرائيلية، السيطرة على الآثار القديمة ومحو معالمها العربية وتزييفها لتكرس بها الرواية اليهودية حول «أرض إسرائيل التاريخية». وفي تقرير نشره الصحافيان المحققان في صحيفة «هآرتس»، نوعا شبيغل ونير حسون (الأربعاء 2 سبتمبر «أيلول» 2026)، فإن ما يسمى «وحدة في الإدارة المدنية» كثفت في الأشهر الاخيرة من الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية، بما في ذلك أراضٍ في «المنطقة ب»، وذلك بحجة «تثبيت الحقائق» على الأرض قبل الانتخابات. الصحافيان يؤكدان أن الحكومة تخشى من السقوط، لذا قررت فرض وقائع على الأرض أمام الحكومة القادمة، واختارت موضوع الآثار أداة من عدة أدوات أخرى لذلك. وبحسب التقرير، فإنه «حتى وقت قريب كانت وحدة الآثار (ضابط في هيئة الأركان) وحدة صغيرة في الإدارة المدنية تعنى بالإشراف على المواقع الأثرية واجراء ما تسميه عمليات تنقيب إنقاذية» – وهي عمليات تنقيب تهدف إلى التأكد من عدم وجود أي مكتشفات أثرية مهمة في المنطقة المخصصة للتطوير. عام 2019 بلغت ميزانية الوحدة 14 مليون شيقل تقريباً (الدولار يساوي 3 دولارات) وكان فيها عشرة موظفين. ولكن منذ ذلك الحين زاد اهتمام المستوطنين بالآثار. وفي الوقت نفسه أدركوا أنه من خلال المواقع الأثرية يمكنهم الاستيلاء على الأراضي وإظهار وجودهم وإبعاد السكان الفلسطينيين. هذه الرؤية أدت إلى تغييرات جذرية في الوحدة. فقد بدأت الميزانيات تتدفق بسخاء، وتحولت من جهة مجرد دائرة ترد على الاستفسارات مثل الشكاوى المتعلقة بتضرر المواقع الأثرية وطلبات المقاولين أو الإدارة المدنية بإجراء «حفريات إنقاذ»، إلى جهة مبادرة، وذراع تنفيذية لوزارة التراث في الضفة الغربية. تبلغ ميزانية دائرة الآثار اليوم تقريباً 124 مليون شيقل، زيادة 800 في المائة خلال سبع سنوات، وارتفع عدد موظفيها إلى نحو 60 موظفاً. وقبل شهر تقريباً أعلنت وزارة التراث في القناة «14» عن تحويل 113 مليون شيقل لأعمال التطوير وتحسين إمكانية الوصول إلى 70 موقعاً أثرياً في الضفة الغربية. ويشير مصدر مطلع إلى أن هذه الميزانية لم تنفق بعد، وهي مخصصة لخمس سنوات. مع ذلك، بحسب موقع إعداد الميزانية، تم في شهر يوليو (تموز) تحويل مبلغين إلى منسق عمليات الحكومة في المناطق لهذا الغرض، أحدهما 35.5 مليون شيقل والثاني 64 مليون شيقل. ويجري العمل حالياً في عشرة مواقع من مجموع سبعين موقعاً. بعض المشاريع التي تروج لها وزارة التراث لا تتعلق بالآثار، مثل بناء مدرج روماني، وبحسب المصدر نفسه، فإن وحدة وزارة التراث تعدّ ذراعاً تنفيذية للوزارة وللمجالس الإقليمية.


إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
TT

إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام

منتصف الشهر الماضي كان عدد الطامحين لمنصب الأمين العام العاشر للأمم المتحدة قد بلغ سبعة مرشحين لخلافة البرتغالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته آخر السنة الجارية. وكان مجلس الأمن قد باشر بعقد اجتماعات دورية بهدف «غربلة» الأسماء السبعة، قبل إحالة المُصطَفين منهم إلى الجمعية العامة التي يعود لها القرار النهائي في اختيار من سيتولى قيادة المنظمة الدولية في أصعب المراحل التي مرّت بها منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن، ما كاد أعضاء مجلس الأمن ينتهون من مداولات جلستهم التشاورية الأولى حول المرشحين لمنصب أعلى وظيفة دولية، حتى كانت الأمانة العامة تتسلّم طلب ترشيح ثامن تقدمت به مملكة تونغا لصالح الدبلوماسية والسياسية الإكوادورية - المتحدرة من أصول لبنانية - إيفون عبد الباقي.

جاء في إعلان إيفون عبد الباقي ترشحها للمنصب: «أشعر بالتواضع، وأتشرّف بتقديم ترشيحي رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، الذي ستبته الجمعية العامة للمنظمة بطلب من مملكة تونغا. وإنني أتقدم بالشكر لجلالة الملك توبو السادس، ولولي العهد، ولرئيس الوزراء، ولوزير الخارجية، على ثقتهم برؤيتي وبرنامجي لتجديد الأمم المتحدة». وتابعت عبد الباقي في تغريدتها على منصة «إكس»: «لقد شهدت دمار الحروب، وأنا المرشحة الوحيدة التي تحمل إرثَي أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، والوحيدة التي لعبت دوراً أساسياً في التوصّل إلى اتفاق سلام بين دولتين من أعضاء الأمم المتحدة، وأنا جاهزة لتجديد الوعد المؤسس لميثاق المنظمة، وإنقاذ الأجيال المستقبلية من ويلات الحروب في عالم تتوالى فيه الأزمات».

تساؤلات بديهية

لعل أول سؤال يتبادر إلى الذهن حول هذا الترشيح هو: لماذا تقدّمت به مملكة تونغا وليس الإكوادور؛ البلد الذي وُلدت فيه عبد الباقي وتحمل جنسيته وتولّت فيه عدة مناصب سياسية ودبلوماسية؟

الجواب هو أن الإكوادور، بسبب تخلّفها عن سداد مساهماتها المقرّرة في الأمم المتحدة لفترة طويلة، فقدت حق التصويت، وأيضاً حق الترشح لمنصب في أجهزة المنظمة، بل إن هناك مرشحة أخرى من الإكوادور لمنصب الأمين العام، هي ماريا فرناندا إسبينوسا، تقدّمت بطلب ترشيحها أنتيغوا وباربودا؛ الدولة الجزيرية في البحر الكاريبي.

من جهة ثانية، كانت عبد الباقي قد أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أن لبنان سيقدم ترشيحها رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، وأنها تحظى بدعم قويّ من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي نشرت صوراً لها معه في المكتب البيضوي. ولكن مرّت الأسابيع ولم تعلن الحكومة اللبنانية عن تبنّيها هذا الترشيح من دون أن تُعرف الأسباب.

من هي عبد الباقي؟

أبصرت إيفون (ليلى) خويص عبد الباقي النور عام 1951 في مدينة غواياكيل، العاصمة الاقتصادية للإكوادور وكبرى مدنها. وفي غواياكيل تعيش أكبر جالية لبنانية في البلاد؛ إذ يزيد تعدادها على نصف مليون هاجر معظمهم أواسط القرن الماضي. وأكثر من هذا يتعاقب على رئاسة بلديتها منذ عقود متحدّرون من أصول لبنانية.

أما والدا إيفون فيتحدّران من أسرتين من الموحّدين الدروز في جبل لبنان: والدها فؤاد من آل خويص من بلدة بتاتر (قضاء عاليه)، ووالدتها إنعام من آل أبو شقرا من بلدة الهلالية في قضاء المتن الجنوبي (بعبدا).

وعائلياً، أيضاً، اقترنت إيفون وهي في السابعة عشرة من عمرها بالمهندس ورجل الأعمال اللبناني سامي محمد عبد الباقي، وانتقلت للعيش في لبنان حيث أقامت خلال السنوات الأولى من الحرب الأهلية، إلا أنها انتقلت إلى فرنسا في عام 1982، حيث التحقت بجامعة باريس - السوربون لدراسة الفنون، ثم إلى الولايات المتحدة حيث تخرّجت في جامعة هارفارد مجازة في الإدارة والسياسات العامة.

مناصبها الرسمية

تولّت عبد الباقي أول مناصبها الرسمية في الإكوادور كقنصل عام للإكوادور لدى لبنان، ثم في مدينة بوسطن الأميركية. وفي عام 1995 استدعاها رئيس الإكوادور وطلب منها الانضمام إلى الفريق المكلّف التفاوض مع البيرو من أجل التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الصراع المديد بين البلدين حول الحدود. وبالفعل، جرى توقيع ذلك الاتفاق في العاصمة البرازيلية برازيليا عام 1998. في ذلك العام وصل إلى رئاسة الإكوادور جميل معوّض، المتحدّر بدوره من أصل لبناني، وهو الذي قرر تعيين عبد الباقي سفيرة لبلاده لدى الولايات المتحدة، وبذا غدت المرأة الأولى التي تتولى مثل هذا المنصب. وإبان وجودها في واشنطن لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في إبرام عدد من الاتفاقات بين البلدين، كان أبرزها اتفاق المعاملة التفضيلية لصادرات الإكوادور الزراعية إلى الولايات المتحدة.

وبالتوازي استطاعت عبد الباقي بناء علاقات شخصية متينة مع عدد من الوجوه البارزة في الإدارة الأميركية، مثل الرئيس السابق جو بايدن وأسرته، والرئيس الحالي دونالد ترمب، وعدد من الأعضاء النافذين في الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وأيضاً أقامت علاقات وطيدة مع كبار المسؤولين العسكريين الذين تفاوضت معهم لإنشاء قاعدة مشتركة في مقاطعة مانتا الإكوادورية تشرف على أعمال مكافحة تجارة المخدرات في كولومبيا والبيرو والإكوادور وبوليفيا. وبعدما أمضت ست سنوات كسفيرة لبلادها في واشنطن، اختارها الرئيس الحالي دانييل نوبوا لتكون سفيرة لدى فرنسا. ولقد سبق لها أن تولت سفارة بلادها لدى قطر من عام 2017 إلى عام 2020.واشنطن «محطة رئيسة»

تعتبر إيفون عبد الباقي أن مرورها بواشنطن كسفيرة لبلادها كان المحطة الرئيسة في مسيرتها السياسية والدبلوماسية، وتفاخر بأن العلاقات الوطيدة التي بنتها مع الإدارة الأولى لدونالد ترمب، ثم مع إدارة جو بايدن، أعادت تنشيط التعاون التجاري والعسكري بين الولايات المتحدة والإكوادور، ومكّنت الأخيرة من الحصول على مساعدات وموارد مالية من صندوق النقد الدولي والبنك الأميركي للتنمية والبنك الدولي.

الترشح لرئاسة الجمهورية... ثم دخول الوزارة

في عام 2002 قرّرت عبد الباقي خوض معركة رئاسة الجمهورية كأول امرأة تترشح لهذا المنصب، مع أنها قالت: «لقد كنت أعرف أن حظوظي في الفوز معدومة، لكن التجربة كانت غنيّة جداً، أتاحت لي أن أتعرّف على الإكوادور الحقيقية خلال جولاتي الانتخابية على جميع المناطق».

بعد ذلك، أُسندت إليها حقيبة وزارة التجارة الخارجية في عهد الرئيس لوسيو غوتيريز من عام 2003 إلى عام 2005، ثم ترأست برلمان الأنديز الذي يضم برلمانات البلدان التي تتقاسم هذه السلسلة الجبلية من عام 2007 إلى عام 2009.

وإبان شغلها وزارة التجارة الخارجية تعرّفت عبد الباقي على الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب عندما استضافت الإكوادور مسابقة انتخاب ملكة جمال العالم، وكان ترمب يملك الشركة التي تنظم تلك المسابقة.

ويومذاك ردّت على الانتقادات التي تعرّضت لها بسبب التكاليف الباهظة لتلك المسابقة، بالقول إنها كانت «استثماراً لترويج صورة بلادها في الخارج». أيضاً تعرّضت عبد الباقي خلال تلك الفترة إلى انتقادات شديدة من جانب مجموعات السكان الأصليين بسبب شروط «اتفاق التجارة الحرة» الذي تفاوضت عليه وأبرمته مع واشنطن. في المقابل، قبل تولّيها وزارة التجارة الخارجية لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في معالجة الأضرار التي لحقت بمحمية جزر غالاباغوس الشهيرة عقب التلوّث الذي أصابها بسبب تسرّب كميات كبيرة من النفط على سواحلها، وحصلت على مساعدة من صديقها دونالد ترمب لتأسيس مركز لصيانة المحمية والعناية بها.

التناوب الجغرافي على المنصب

اليوم ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام، ومنطقة أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي هي التي يعود إليها هذا المنصب بعد نهاية ولاية الأمين العام الحالي.

أيضاً، ثمة اتجاه قويّ في الأوساط الأممية لإسناد هذا المنصب إلى امرأة لأول مرة منذ تأسيس المنظمة، وهو ما يفسّر كون عدد المرشحات يزيد على عدد المرشحين.

مع هذا، تقول أوساط دبلوماسية مطّلعة في الأمم المتحدة إن حظوظ إيفون عبد الباقي في السباق على منصب الأمين العام ضئيلة جداً، وخاصة أن ثمة مرشحين آخرين يتمتعون بسيرة مهنية أثقل وزناً، ويحظون بدعم سياسي قوي من حكومات بلدانهم، وسبق لهم أن تولوا مناصب عالية.

المرشحون السبعة الذين تتنافس معهم عبد الباقي هم: وزيرة خارجية غيانا السابقة كارولاين رودريغيز بيركيت، والمدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (من الأرجنتين)، ورئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشيليت، ووزيرة خارجية الإكوادور السابقة ماريا فرناندا إسبينوسا، والأوغندي أولارا أوتونّو الذي تولى سابقاً منصب الأمين العام المساعد في الأمم المتحدة، ورئيس السنغال الأسبق ماكي سال، ونائبة رئيس كوستاريكا السابقة ريبيكا غرينسبان. كذلك، ليس مستبعداً أن تظهر ترشيحات أخرى خلال الأيام المقبلة؛ إذ لا يحدّد نظام المجلس مهلة لتقديم الترشيحات، بل يترك ذلك للتوافق بين الدول الأعضاء.

لا شروط معتمدة رسمياً

من جانب آخر، حتى الآن، ورغم مرور 70 سنة على تأسيس الأمم المتحدة، لا توجد مجموعة شروط معتمدة للترشح لمنصب الأمين العام. لكن استناداً إلى العُرف والتجارب السابقة، توافقت الدول الأعضاء على الشروط التالية:

- أن يتمتع المرشح بخبرة دبلوماسية دولية ومهارات قيادية.

- أن يحظى بموافقة مجلس الأمن المخوّل وحده إحالة ترشيحه إلى الجمعية العامة.

- أن ينال غالبية أصوات البلدان الأعضاء، الحاضرة والمصوّتة، في الجمعية العامة.

- أن يكون قادراً على التصرّف بحياد.- وألّا يكون مواطناً لأي من الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس.


ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
TT

ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)

آخر التسريبات من الأوساط الدبلوماسية في منظمة المنظمة الدولية تفيد بأن ريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، هي التي تتصدّر حالياً قائمة المتنافسين على المنصب بعد الجولات الاستشارية الأولى داخل مجلس الأمن، لكن السباق لا يزال مفتوحاً بين المرشحين الثمانية.

أيضاً، يتردّد الدبلوماسيون المخضرمون في المنظمة ساعة التوقعات، نظراً للانقسام العميق الذي يسود العلاقات بين الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس، أي الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والصين وبريطانيا وفرنسا، الذي يذكّر بأشد فترات الحرب الباردة توتراً.

رافايل غروسّي (آ ب)

وهنا نشير إلى أن أحكام النظام الداخلي لمجلس الأمن تنصّ على أن أسماء المرشحين المتنافسين على منصب الأمين العام يحيلها المجلس إلى الجمعية العامة لاختيار واحد منها، وأن اعتراض أي عضو دائم على مرشح يقضي نهائياً على حظوظه، حتى وإن نال تأييد غالبية الأعضاء.

وهنا، يتوقّف أحد الدبلوماسيين الأوروبيين، الذي واكب انتخاب ثلاثة أمناء عامين للمنظمة عند إصرار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسّي على الترشّح، في الوقت الذي يسود اعتقاد بأن المنصب سيكون من نصيب امرأة هذه المرة، رغم الاعتراض الشديد الذي تبديه الصين وروسيا على إدارته وكالة الطاقة الذرية في أكثر من ملف حساس، مثل الحرب في أوكرانيا والتعاون النووي بين بريطانيا وأستراليا، ومعالجة التلوث الذي نجم عن حادث مفاعل فوكوشيما في اليابان، والبرنامج النووي الإيراني.

ماكي سال (آ ف ب)

وبحسب هذا الدبلوماسي، فإن غروسّي هو المرشح الذي تفضله الإدارة الأميركية، إلا أنها تحرص على تحاشي كشف أوراقها وراء دعمه. ثم إنه مدعوم بقوة من الحكومة الأرجنتينية اليمينية الحالية التي تعدّها واشنطن الركيزة الأساسية لسياستها الإقليمية.

ثم إن مراقبين كثيرين يزعمون أن أداءه في الوكالة الدولية اتسم بانحياز كامل للمواقف الأميركية والغربية، ما استدعى مراراً انتقادات شديدة من روسيا، وأيضاً من الصين التي شنّت عليه غير مرة هجوماً قاسياً وغير معهود في القاموس الدبلوماسي الصيني. ويضاف إلى ذلك، وفقاً للدبلوماسي المذكور، أن إدارة ترمب لا تحبّذ وصول امرأة إلى منصب الأمين العام مع أنها لن تفصح عن ذلك علناً. ومن ثم، لا يستبعد الدبلوماسي المذكور أن تذهب واشنطن في رهانها غير المعلن على غروسّي إلى حد «مقايضة» رفع «الفيتو» الروسي والصيني على ترشيحه، بتنازلات سخية في مناصب أخرى رفيعة داخل المنظمة الدولية أو الوكالات المتخصصة التابعة لها.