الجينات وبكتيريا الأمعاء تتنبآن بمخاطر الأمراض

اختباراتها يمكن أن ترصد أمراض السكري والسرطان مبكراً

الجينات وبكتيريا الأمعاء تتنبآن بمخاطر الأمراض
TT

الجينات وبكتيريا الأمعاء تتنبآن بمخاطر الأمراض

الجينات وبكتيريا الأمعاء تتنبآن بمخاطر الأمراض

أظهرت دراسة حديثة أن درجات المخاطر المستندة إلى اختبارات الجينات البشرية وبكتيريا الأمعاء يمكن أن تحسن التنبؤ بالأمراض مقارنة بعوامل الخطر التقليدية وحدها.

تحسين التنبؤ بمخاطر الأمراض

عندما يتعلق الأمر بالتنبؤ بخطر إصابة شخص ما بمرض الشريان التاجي أو السكري من النوع الثاني أو الزهايمر أو سرطان البروستاتا، فإن الجمع بين عوامل الخطر التقليدية التي يستخدمها الأطباء اليوم مع التقنيات الجديدة التي تحدد حجم المخاطر الجينية، أو ما يعرف بدرجات المخاطر المتعددة الجينات، وفحوصات ميكروبيوم الأمعاء، أدى إلى تنبؤات أقوى للأمراض المزمنة الشائعة.

وتساعد اختبارات «درجات المخاطر المتعددة الجينات» (PRSs) polygenic risk scores، في تقدير خطر الإصابة بمرض أي فرد بناءً على تركيبته الجينية الفريدة، ورغم أنها لا تقدم تنبؤات مطلقة فإنها تساهم برؤى قيمة لاتخاذ القرار الصحي الشخصي.

وتعد هذه الدراسة واحدة من أولى الدراسات التي نظرت في التأثير المشترك لعلم الوراثة وميكروبيوم الأمعاء على مخاطر الأمراض وتمهد الطريق لنهج أكثر دقة وقوة للتنبؤ بالمرض. وقد نُشرت في مجلة «نتشر ايجنغ» Nature Aging في 25 مارس (آذار) 2024 وأشرف عليها يانغ ليو من قسم علم الجينوم لأنظمة كمبريدج بيكر قسم الصحة العامة والرعاية الأولية جامعة كمبريدج البريطانية. واستندت إلى بيانات جمعت من أكثر من خمسة آلاف شخص بالغ. وهي ثمرة تعاون بين معهد بيكر للقلب والسكري وجامعة كمبريدج والمعهد الفنلندي للصحة والرعاية الاجتماعية.

وتتمثل أهم عوامل الخطر التقليدية في: العمر والجنس، ومؤشر كتلة الجسم، وضغط الدم، ومستويات الكوليسترول، ومستويات السكر التراكمي HbA1c ويعرف أيضاً بالهيموغلوبين السكري glycated hemoglobin، وقد أدى جمعها مع درجات المخاطر الجينية وبيانات الميكروبيوم المعوي إلى تحسن التنبؤ بالأمراض المذكورة أعلاه، كما أظهر إمكانات التحليل واسع النطاق لوراثة الشخص وبكتيريا الأمعاء في تحسين الأداء التنبؤي.

نهج تحليل بيولوجي متعدد

واستخدمت في البحث تقنيات متعددة الأوميك Multi – omic، وهي نهج تحليل بيولوجي قوي يوفر رؤية شاملة لصحة الإنسان من خلال الجمع بين البيانات عبر مستويات بيولوجية مختلفة، مما يؤدي إلى رؤى أعمق حول التطور الطبيعي والاستجابات الخلوية وتحليل البيانات المتعلقة بالأمراض، بدءاً من الجينوم والبروتين والحامض النووي الريبي إلى علم الإبيجينوم epigenome (الجينات المتأثرة بالبيئة) والميكروبيوم microbiome، كما يوضح كذلك مؤشرات حيوية جديدة لمختلف الأمراض الشائعة المرتبطة بالعمر، حيث يسمح هذا النهج الشامل بإجراء تقييم أكثر دقة وشخصية لمخاطر الأمراض.

واعتمدت الدراسة على بيانات من أكثر من 5670 شخصاً بالغاً من مجموعة فينريسك FINRISK 2002 القائمة على السكان، ما يوفر تحليلاً قوياً للتنبؤ بالمرض خلال فترة بلغت نحو 18 عاماً من متابعة سجلات الصحة الإلكترونية. ومجموعة فينريسك 2002 هي دراسة مهمة أجريت في فنلندا، كان هدفها الأساسي هو تقييم مشروع منطقة شمال كاريليا، وهي دراسة على مجتمع كبير تهدف إلى الحد من الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية في المقاطعة الواقعة شرق فنلندا. وركز المشروع على عوامل الخطر الرئيسية مثل ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم، وارتفاع ضغط الدم، وانتشار التدخين من خلال التغييرات السلوكية.

نهج تحليل بيولوجي قوي يوفر رؤية شاملة لصحة الإنسان

اختبار جيني للتنبؤ بمخاطر القلب

وكانت دراسة سابقة نُشرت في مجلة «Nature Middle East» في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. قد أشارت إلى تطوير طريقة جديدة للتنبؤ بمخاطر أمراض القلب لدى العرب باستخدام البيانات الوراثية، حيث إنهم يتحملون عبئاً كبيراً من أمراض القلب والأوعية الدموية.

ومن أجل معالجة هذا القصور قام باحثون من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست» في المملكة العربية السعودية بالتعاون مع باحثين من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بتطوير طريقة تستخدم بيانات «دراسات الارتباط على مستوى الجينوم» genome - wide association study (GWAS) والأدوات الحاسوبية للتنبؤ بخطر الإصابة بأمراض القلب بدقة كبيرة.

وقد تم تطبيق هذه الطريقة على مجموعات عربية، ومن الممكن توسيع نطاقها لتشمل مجموعات عرقية أخرى. ويُعد هذا البحث خطوة مهمة نحو تحسين الرعاية الصحية والتشخيص المبكر لأمراض القلب في المجتمعات المتنوعة.

وأخيراً، فإن التنبؤ المبكر بأمراض مثل مرض الشريان التاجي ومرض الزهايمر وسرطان البروستاتا ومرض السكري من النوع الثاني يتيح تنفيذ استراتيجيات الوقاية، حيث يتضمن ذلك تحديد المخاطر الشخصية والطرق غير الجراحية للكشف المبكر عن الأمراض.

وبشكل عام، تؤكد نتائج هذه الدراسة على أهمية دمج بيانات الأوميك المتعددة لتعزيز التنبؤ بالأمراض، مما يمهد الطريق لاستراتيجيات أكثر تخصيصاً وفاعلية في مجال الرعاية الصحية، لا سيما في الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة الشائعة والوقاية منها.


مقالات ذات صلة

هل قلّة الحركة تهدد صحة البروستاتا؟

صحتك الحفاظ على صحة البروستاتا يُعد أمراً أساسياً للحد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بها (بيكسلز)

هل قلّة الحركة تهدد صحة البروستاتا؟

قد لا تكون البروستاتا من الأعضاء التي تحظى باهتمام كبير في الحياة اليومية، لكن صحة هذه الغدة الصغيرة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بصحة الرجل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك زيت الزيتون قد يبطئ عملية إفراغ المعدة (بيكسلز)

ملعقة زيت زيتون قبل الأكل... هل تخفض سكر الدم فعلاً؟

يُعد زيت الزيتون من الأطعمة المرتبطة بالعديد من الفوائد الصحية، ولا سيما لصحة القلب؛ ولذلك يحرص كثيرون على إدراجه ضمن نظامهم الغذائي اليومي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك  خفقان القلب قد يحدث بأي وقت بما في ذلك أثناء الليل أو خلال فترات الراحة بالنهار (بيكسلز)

تشعر بخفقان قلبك بمجرد الاستلقاء؟ إليك الأسباب

قد يبدو الشعور بخفقان القلب عند الاستلقاء ولا سيما أثناء الليل مقلقاً أو مخيفاً خصوصاً عندما تصبح دقات القلب أكثر وضوحاً في لحظات الهدوء والراحة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك مرض السكري يؤثر في صحة البروستاتا بعدة طرق (بيكسلز)

هل يؤثر ارتفاع سكر الدم في أعراض تضخم البروستاتا؟

لا يقتصر تأثير مرض السكري على مستوى السكر في الدم، إذ يمكن أن تمتد آثاره مع مرور الوقت إلى عدد من أعضاء الجسم ووظائفه، بما في ذلك الجهاز البولي وصحة البروستاتا.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك لا ينبغي تطبيق أنظمة إنقاص الوزن التقليدية على الأمهات الجدد (بيكسلز)

7 نصائح لفقدان الوزن بعد الولادة

خسارة الوزن بعد الولادة ليست رحلة عادية لإنقاص الوزن فالجسم في هذه المرحلة يمر بعملية تعافٍ وتغيرات هرمونية إلى جانب قلة النوم ومتطلبات الرضاعة

«الشرق الأوسط» (لندن)

دراسة أميركية: الذكاء الاصطناعي يقضي على قدرتنا على التعبير الشخصي

دراسة أميركية: الذكاء الاصطناعي يقضي على قدرتنا على التعبير الشخصي
TT

دراسة أميركية: الذكاء الاصطناعي يقضي على قدرتنا على التعبير الشخصي

دراسة أميركية: الذكاء الاصطناعي يقضي على قدرتنا على التعبير الشخصي

أظهرت دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث Pew Research Center، أن أكثر من ثلث صفحات الإنترنت المنشورة منذ إطلاق برنامج «تشات جي بي تي» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي. وأصبح أسلوب الكتابة أبسط من أي وقت مضى، كما كتبت لويز إمبر(*).

مجموعة أضيق من التعابير اللغوية

قد يُغير هذا الكم الهائل من اللغة المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي طريقة كتابة البشر. فقد وجدت دراسة جديدة نُشرت في مجلة Nature Human Behavior أن نماذج اللغة المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي قد تدفع كتابات الناس نحو مجموعة أضيق من المعايير اللغوية، ما يُقلل التنوع في الأسلوب ويُخفي بعض إشارات الهوية الذاتية الكامنة في كلماتنا.

قبل ثلاث سنوات قرأ زيفار سوراتي الباحث الرئيسي في الدراسة كتاب «الحياة السرية للضمائر: ماذا تقول كلماتنا عنا» لجيمس بينيباكر، الذي استكشف كيف يمكن للقيم والخلفيات والمعتقدات الشخصية للأفراد أن تدفعهم إلى التعبير عن الأفكار نفسها باستخدام كلمات مختلفة. وبعدما ازدادت شعبية نماذج التعلم الآلي اللغوي، بدأ سوراتي يتساءل عما إذا كانت هذه التقنية قد تُقلل من التنوع اللغوي.

تحليل زمني للنصوص الفردية المعالجة

يقول سوراتي: «كنا نتساءل: ماذا سيحدث فعلاً عندما يتم إخضاع جميع النصوص للنماذج نفسها؟ إذا وُضعت هذه الطبقة (المولدة من هذه النماذج) فوق نصوص الجميع، فهل ستُغير أياً من المعلومات المعروفة لدينا عن نصوص الناس الفردية؟ هل ستؤثر عليها بشكلٍ ملحوظ؟ ما التداعيات الناجمة عن ذلك؟».

معايير مشتركة في الأسلوب

لذا، شرع في العمل لمعرفة ذلك. أولاً، أجرى سوراتي تحليلاً زمنياً باستخدام ما يقارب 80000 ورقة بحثية، و400000 مقال إخباري، و300000 منشور على موقع Reddit كُتبت قبل وبعد إطلاق «تشات جي بي تي». ووجد أنه بعد اعتماد أدوات الكتابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تقاربت الاختلافات في تعقيد الكتابة بشكل متزايد نحو معايير مشتركة في الأسلوب. وكان هذا الاتجاه ثابتاً في جميع مجموعات البيانات الثلاث.

بعد ذلك، أجرى سوراتي وفريقه تجربة أكثر تقليدية. استخدم الباحثون نماذج «جي بي تي 3.5» و«جيمناي» «لاما3» من«ميتا» لإعادة كتابة نصوص بشرية باستخدام مجموعة متنوعة من المحفزات. ورغم أن هذه النماذج حافظت إلى حد كبير على معنى النصوص، فإنها قللت من تباين تعقيد الكتابة بنسبة تتراوح بين 21 في المائة و50 في المائة.

إضعاف الهوية اللغوية الفردية

لكن سوراتي أراد الخوض في تفاصيل أكثر حول الآثار المجتمعية: كيف تُضعف نماذج اللغة المُحسّنة دلالات الهوية الفردية في كتاباتنا؟

لجأ فريقه إلى نصوص كتبها أشخاص تم تحديد سماتهم الشخصية من خلال استبيانات نفسية. وكما في التجربة السابقة، قام الفريق بتغذية النصوص بنموذج لغة مُحسّن. ثم استُخدمت نماذج إحصائية للتنبؤ بالسمات - بما في ذلك الخصائص الديموغرافية والشخصية والتعاطف والقيم الأخلاقية - بناءً على السمات اللغوية. وبعد تحسين النصوص باستخدام الذكاء الاصطناعي، انخفضت دقة التنبؤ بنسبة 6 في المائة في المتوسط. وفي المرحلة الثالثة من الدراسة، استكشف سوراتي بدقة ما يتم محوه. لم تكن النتائج متجانسة. فقد غيّرت نماذج اللغة المُحسّنة الإشارات اللغوية المختلفة بطرق مختلفة تبعاً للسمة الشخصية التي يتم تحليلها.

انحسار التنوع اللغوي... والتنوع المعرفي

يعتقد سوراتي أن الاعتماد على نماذج اللغة الكبيرة في جميع كتاباتك قد ينطوي على عواقب وخيمة. فهو يرى أن نوع حل المشكلات الضروري في عالمنا اليوم يعتمد على التنوع المعرفي، وليس التنوع اللغوي فحسب.

يقول سوراتي لمجلة فاست كومباني: «هذا هو الجانب المخيف. فإذا استخدم الجميع نماذج اللغة الكبيرة، فسيكون بإمكانهم إعادة صياغة ما يُعدّ صحيحاً اجتماعياً للتعبير عن فكرة ما، أو ما يُعتبر طريقة موثوقة لعرض وجهة نظر معينة».

تعلّم التفكير النقدي أولاً

يأمل سوراتي أن يأتي مستقبل يصبح فيه التنوع مبدأً أساسياً في تصميم نماذج اللغة الكبيرة. ويعتقد أن أكثر الفئات عرضةً لتأثيراتها المُوحِّدة هم أولئك الذين ما زالوا يطورون قدراتهم المعرفية، وخاصة الطلاب. ويقول إن الناس بحاجة إلى تعلم التفكير النقدي أولاً، وعندها يمكنهم استخدام نماذج اللغة الكبيرة بشكل أكثر إبداعاً.

ويضيف سوراتي: «إذا كنت تعرف بالفعل كيفية التفكير المنطقي، فربما يمكنك استخدام هذه النماذج للاستفادة من مزاياها فقط، دون التعرض لآثارها المدمرة على قدرات حل المشكلات الجماعية».

* مجلة «فاست كومباني».


فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض
TT

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

كشفت دراسة سكانية واسعة أن تحليل الحمض النووي من بضع قطرات من الدم المأخوذة من كعب الطفل بعد الولادة قد يساعد في اكتشاف طفرات وراثية تزيد خطر الإصابة ببعض سرطانات الطفولة قبل ظهور الأعراض.

وقاد الدراسة باحثون من مركز دانا - فاربر/بوسطن للأطفال لأمراض السرطان والدم بالتعاون مع باحثين من Mass General Brigham، وهو نظام صحي أكاديمي غير ربحي في الولايات المتحدة يجمع بين رعاية المرضى والبحث الطبي والتعليم.

وتشير النتائج التي نُشرت في مجلة «Nature Communications» في 12 أغسطس (آب) 2026 إلى أن إضافة الفحص الجيني إلى برامج فحوصات حديثي الولادة قد تتيح التعرف إلى الأطفال الأكثر عرضة لبعض السرطانات منذ الأيام الأولى من حياتهم، ما يفتح المجال أمام مراقبة طبية مبكرة، واكتشاف الأورام في مراحل أكثر قابلية للعلاج.

قطرة دم قد تكشف الخطر مبكراً

ويخضع الأطفال حديثو الولادة في الولايات المتحدة حالياً لفحوصات روتينية للكشف عن مجموعة من الأمراض النادرة، والقابلة للعلاج، من خلال تحليل بضع قطرات من الدم تؤخذ من كعب الطفل بعد نحو 24 ساعة من ولادته.

لكن هذه الفحوصات لا تبحث حالياً عن خطر الإصابة بالسرطان، لأن ذلك يتطلب تحليل تسلسل الحمض النووي (دي إن إيه). ويرى الباحثون أن عينات الدم نفسها يمكن أن توفر فرصة للكشف عن طفرات وراثية موروثة -أو جديدة- تجعل بعض الأطفال أكثر عرضة للإصابة بالسرطان في سن مبكرة بطريقة تشبه الفحوصات الجينية التي تحدد لدى البالغين خطر الإصابة ببعض السرطانات، مثل سرطان الثدي، أو القولون.

نحو 7 % يحملون طفرات مرتبطة بالسرطان

كما حلل الباحثون عينات دم مجففة محفوظة لـ1948 طفلاً ولدوا في ولاية ميشيغان، ثم أصيبوا لاحقاً بورم صلب، أو ورم في الدماغ قبل بلوغ سن الثامنة. وباستخدام فحص شمل 11 جيناً كلها معروفة بارتباطها بمتلازمات الاستعداد الوراثي للسرطان لدى الأطفال، اكتشف الفريق طفرات مرضية، أو يُرجح أن تكون مرضية لدى 132 طفلاً، أي نحو 7 في المائة من المجموعة.

وكانت الغالبية العظمى من هذه الطفرات مرتبطة بنوع الورم الذي أصيب به الطفل لاحقاً، إذ كان الجين مرتبطاً بنوع السرطان الذي تطور لدى 130 من أصل 132 طفلاً. ويقدر الباحثون أن تطبيق مثل هذا البرنامج على نطاق واسع في الولايات المتحدة يمكن أن يساعد في تحديد نحو ألف طفل سنوياً قد يستفيدون من المراقبة المبكرة، والعلاج في الوقت المناسب.

السرطان ظهر في عمر أصغر

ومن أبرز النتائج أن الأطفال الذين يحملون طفرات مرتبطة بالسرطان أصيبوا بالمرض في سن أصغر بكثير من الأطفال الذين لم تظهر لديهم هذه الطفرات. فقد بلغ متوسط العمر الوسيط عند التشخيص 14 شهراً لدى الأطفال الذين اكتُشفت لديهم طفرة مقارنة بـ32 شهراً لدى الأطفال الذين لم تكن لديهم طفرة مكتشفة.

ويرى الباحثون أن هذا الفارق يبرز أهمية معرفة الخطر مسبقاً، خصوصاً أن بعض الأورام قد تتطور خلال فترة قصيرة جداً من حياة الطفل.

سرطان العين نموذج واضح

وقدم سرطان الشبكية Retinoblastoma مثالاً واضحاً على الفائدة المحتملة للفحص الجيني المبكر.

فقد اكتشف الباحثون طفرات في جين RB1 لدى 69 طفلاً أصيب 68 منهم لاحقاً بسرطان الشبكية. وكان الأطفال الذين يحملون الطفرة يُشخّصون في عمر وسطي يبلغ 9 أشهر مقارنة بـ23 شهراً لدى المصابين الذين لم تظهر لديهم الطفرة.

ولو تم التعرف إلى هؤلاء الأطفال منذ الولادة لكان بالإمكان إخضاعهم لفحوصات منتظمة للعين بهدف اكتشاف الأورام في مراحل أبكر، وهو ما قد يساعد على الحفاظ على البصر، وتقليل الحاجة إلى علاجات أكثر شدة، مثل استئصال العين، أو العلاج الكيميائي، أو الإشعاعي.

خطوة نحو الوقاية قبل ظهور المرض

وظهرت أقوى الروابط الوراثية في بعض السرطانات التي يُعرف مسبقاً ارتباطها بمتلازمات وراثية محددة. فقد حمل جميع الأطفال الستة الذين أصيبوا بسرطان الغدة الدرقية النخاعي طفرة موروثة في جين RET، بينما ظهرت طفرة RB1 لدى 40 في المائة من الأطفال المصابين بسرطان الشبكية.

ولا يعني اكتشاف طفرة وراثية أن الطفل سيصاب بالسرطان حتماً، لكنه قد يشير إلى ارتفاع الخطر، ويتيح وضع خطة مراقبة خاصة بالحالة. ويعمل الباحثون حالياً على تطوير آليات لإدخال فحوصات جينية للكشف عن مخاطر السرطان ضمن برامج فحص حديثي الولادة، بحيث يمكن تحويل الأطفال الذين تظهر لديهم طفرات خطرة إلى برامج متابعة متخصصة.

وقد يمثل هذا النهج تحولاً مهماً من انتظار ظهور أعراض السرطان إلى البحث عن خطره منذ الولادة، بما قد يتيح اكتشاف الأورام في مراحل أبكر، وعلاجها بطرق أقل سمية، وأكثر فاعلية.


«ليب 2026»: يد اصطناعية ذكية تستشعر اللمس وتستجيب لإشارات العضلات

 «أبيليتي هاند» اليد الاصطناعية الذكية
«أبيليتي هاند» اليد الاصطناعية الذكية
TT

«ليب 2026»: يد اصطناعية ذكية تستشعر اللمس وتستجيب لإشارات العضلات

 «أبيليتي هاند» اليد الاصطناعية الذكية
«أبيليتي هاند» اليد الاصطناعية الذكية

من بين الابتكارات الطبية اللافتة التي يعرضها مؤتمر «ليب 2026» في الرياض، تبرز يد «أبيليتي هاند» (Ability Hand) التي طورتها شركة «سايونيك» (PSYONIC) الأميركية، وهي يد اصطناعية بيونية متقدمة تحاكي بعض وظائف اليد البشرية؛ إذ تستجيب للإشارات الكهربائية الصادرة عن عضلات المستخدم لتحريك الأصابع والإمساك بالأشياء، كما تتيح استشعار اللمس من خلال مستشعرات مدمجة في أطراف الأصابع. ويقدم هذا الابتكار نموذجاً للتطور المتسارع في الأطراف الاصطناعية، وللتقارب المتزايد بين جسم الإنسان والتقنيات الذكية.

الدكتور عديل أختر مؤسس «سايونيك»

يد «تستمع» إلى العضلات

ويستعرض الدكتور عديل أختر (Aadeel Akhtar)، مؤسس شركة «سايونيك» ورئيسها التنفيذي، هذه التقنية خلال اليوم الثاني من «ليب 2026»، في جلسة ضمن «تيك أرينا» (Tech Arena) بعنوان «اليد البيونية التي تتعلم منك» (The Bionic Hand That Learns From You)، موضحاً كيف يمكن للإشارات العضلية والتغذية الحسية الراجعة أن تمنح الأطراف الاصطناعية قدرة أكبر على التفاعل الطبيعي مع المستخدم والعالم المحيط.

تستجيب يد «أبيليتي هاند» (Ability Hand) للإشارات الكهربائية الدقيقة التي تولدها العضلات، والمعروفة باسم تخطيط كهربائية العضلات (Electromyography – EMG).

وتلتقط أنظمة التحكم هذه الإشارات من العضلات المتبقية لدى المستخدم، ثم تترجمها إلى أوامر تحرك أصابع اليد الاصطناعية وتتيح أنماطاً مختلفة من الإمساك. وتضم اليد خمسة أصابع متعددة المفاصل وإبهاماً قابلاً للدوران، بينما يبلغ وزنها نحو 490 غراماً، بما يجعل تصميمها قريباً من حيث الوزن والحركة من اليد البشرية.

لكن الجانب الطبي الأكثر إثارة لا يقتصر على الحركة؛ فاليد مزودة بمستشعرات للضغط في أطراف الأصابع ترصد مقدار القوة المستخدمة عند ملامسة الأشياء والإمساك بها، ثم تنقل هذه المعلومات إلى المستخدم في صورة تغذية حسية راجعة (Sensory Feedback) عبر الاهتزاز. وهكذا لا تبقى العلاقة مجرد أمر ترسله العضلات إلى طرف اصطناعي لينفذه، بل تتحول إلى حلقة تفاعل ثنائية الاتجاه: ترسل العضلات الإشارة، فتتحرك اليد وتستشعر الضغط، ثم تعيد جزءاً من المعلومات الحسية إلى المستخدم.

من إشارات العضلات إلى حركة اليد: كيف تعمل الأطراف الاصطناعية الذكية؟

الذكاء الاصطناعي المادي

ولا تتوقف أهمية هذه التقنية عند تعويض الطرف المفقود واستعادة بعض وظائف اليد، بل تفتح نافذة على مفهوم آخذ في الانتشار هو «الذكاء الاصطناعي المادي» (Physical AI)؛ أي انتقال الذكاء الاصطناعي من عالم الكلمات والصور والبيانات على الشاشات إلى أنظمة مادية تستطيع الاستشعار والحركة والتفاعل مع البيئة المحيطة.

واللافت أن انتقال المعرفة لا يسير في اتجاه واحد من التكنولوجيا إلى الإنسان، بل بدأ يتحرك في الاتجاه المعاكس أيضاً؛ من حركة الإنسان وتفاعله مع الأشياء إلى الروبوتات. ففي مارس (آذار) 2026، أعلنت شركة «سايونيك» تعاوناً مع شركة «إنفيديا» لدمج يد «أبيليتي هاند» في منصة «إسحاق لاب» (Isaac Lab) المخصصة لتدريب وتطوير الأنظمة الروبوتية، بما يتيح للباحثين دراسة حركات اليد وأنماط الإمساك والتفاعل مع الأشياء، والاستفادة منها في تطوير روبوتات أكثر مهارة ودقة.

وهكذا، فإن اليد المعروضة في «ليب 2026» لا تقدم مجرد صورة عن مستقبل الأطراف الاصطناعية، بل تشير إلى تحول أوسع تصبح فيه الحركة واللمس والتفاعل الجسدي جزءاً من البيئة التي يتعلم منها الذكاء الاصطناعي ويتعامل معها. فالحدود التي فصلت طويلاً بين الذكاء الرقمي والآلة المادية بدأت تصبح أقل وضوحاً.

حدود السلامة... والاستقلالية

ومع اقتراب هذه الأنظمة أكثر من جسم الإنسان، يبرز سؤال طبي لا يقل أهمية عن قدراتها التقنية: كيف نضمن سلامتها ودقتها، وأين نضع حدود استقلاليتها؟ فالخطأ في إجابة يولدها نموذج للذكاء الاصطناعي على شاشة يمكن مراجعته أو تجاهله، أما الخطأ في نظام ذكي يتحرك ويلامس الإنسان ويتفاعل مباشرة مع العالم المادي، فقد تكون له عواقب مختلفة تماماً. ولذلك، فإن الانتقال نحو «الذكاء الاصطناعي المادي» لا يحتاج إلى هندسة أكثر تطوراً فحسب، بل إلى معايير أكثر صرامة للسلامة والاختبار والحوكمة.