الجينات وبكتيريا الأمعاء تتنبآن بمخاطر الأمراض

اختباراتها يمكن أن ترصد أمراض السكري والسرطان مبكراً

الجينات وبكتيريا الأمعاء تتنبآن بمخاطر الأمراض
TT

الجينات وبكتيريا الأمعاء تتنبآن بمخاطر الأمراض

الجينات وبكتيريا الأمعاء تتنبآن بمخاطر الأمراض

أظهرت دراسة حديثة أن درجات المخاطر المستندة إلى اختبارات الجينات البشرية وبكتيريا الأمعاء يمكن أن تحسن التنبؤ بالأمراض مقارنة بعوامل الخطر التقليدية وحدها.

تحسين التنبؤ بمخاطر الأمراض

عندما يتعلق الأمر بالتنبؤ بخطر إصابة شخص ما بمرض الشريان التاجي أو السكري من النوع الثاني أو الزهايمر أو سرطان البروستاتا، فإن الجمع بين عوامل الخطر التقليدية التي يستخدمها الأطباء اليوم مع التقنيات الجديدة التي تحدد حجم المخاطر الجينية، أو ما يعرف بدرجات المخاطر المتعددة الجينات، وفحوصات ميكروبيوم الأمعاء، أدى إلى تنبؤات أقوى للأمراض المزمنة الشائعة.

وتساعد اختبارات «درجات المخاطر المتعددة الجينات» (PRSs) polygenic risk scores، في تقدير خطر الإصابة بمرض أي فرد بناءً على تركيبته الجينية الفريدة، ورغم أنها لا تقدم تنبؤات مطلقة فإنها تساهم برؤى قيمة لاتخاذ القرار الصحي الشخصي.

وتعد هذه الدراسة واحدة من أولى الدراسات التي نظرت في التأثير المشترك لعلم الوراثة وميكروبيوم الأمعاء على مخاطر الأمراض وتمهد الطريق لنهج أكثر دقة وقوة للتنبؤ بالمرض. وقد نُشرت في مجلة «نتشر ايجنغ» Nature Aging في 25 مارس (آذار) 2024 وأشرف عليها يانغ ليو من قسم علم الجينوم لأنظمة كمبريدج بيكر قسم الصحة العامة والرعاية الأولية جامعة كمبريدج البريطانية. واستندت إلى بيانات جمعت من أكثر من خمسة آلاف شخص بالغ. وهي ثمرة تعاون بين معهد بيكر للقلب والسكري وجامعة كمبريدج والمعهد الفنلندي للصحة والرعاية الاجتماعية.

وتتمثل أهم عوامل الخطر التقليدية في: العمر والجنس، ومؤشر كتلة الجسم، وضغط الدم، ومستويات الكوليسترول، ومستويات السكر التراكمي HbA1c ويعرف أيضاً بالهيموغلوبين السكري glycated hemoglobin، وقد أدى جمعها مع درجات المخاطر الجينية وبيانات الميكروبيوم المعوي إلى تحسن التنبؤ بالأمراض المذكورة أعلاه، كما أظهر إمكانات التحليل واسع النطاق لوراثة الشخص وبكتيريا الأمعاء في تحسين الأداء التنبؤي.

نهج تحليل بيولوجي متعدد

واستخدمت في البحث تقنيات متعددة الأوميك Multi – omic، وهي نهج تحليل بيولوجي قوي يوفر رؤية شاملة لصحة الإنسان من خلال الجمع بين البيانات عبر مستويات بيولوجية مختلفة، مما يؤدي إلى رؤى أعمق حول التطور الطبيعي والاستجابات الخلوية وتحليل البيانات المتعلقة بالأمراض، بدءاً من الجينوم والبروتين والحامض النووي الريبي إلى علم الإبيجينوم epigenome (الجينات المتأثرة بالبيئة) والميكروبيوم microbiome، كما يوضح كذلك مؤشرات حيوية جديدة لمختلف الأمراض الشائعة المرتبطة بالعمر، حيث يسمح هذا النهج الشامل بإجراء تقييم أكثر دقة وشخصية لمخاطر الأمراض.

واعتمدت الدراسة على بيانات من أكثر من 5670 شخصاً بالغاً من مجموعة فينريسك FINRISK 2002 القائمة على السكان، ما يوفر تحليلاً قوياً للتنبؤ بالمرض خلال فترة بلغت نحو 18 عاماً من متابعة سجلات الصحة الإلكترونية. ومجموعة فينريسك 2002 هي دراسة مهمة أجريت في فنلندا، كان هدفها الأساسي هو تقييم مشروع منطقة شمال كاريليا، وهي دراسة على مجتمع كبير تهدف إلى الحد من الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية في المقاطعة الواقعة شرق فنلندا. وركز المشروع على عوامل الخطر الرئيسية مثل ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم، وارتفاع ضغط الدم، وانتشار التدخين من خلال التغييرات السلوكية.

نهج تحليل بيولوجي قوي يوفر رؤية شاملة لصحة الإنسان

اختبار جيني للتنبؤ بمخاطر القلب

وكانت دراسة سابقة نُشرت في مجلة «Nature Middle East» في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. قد أشارت إلى تطوير طريقة جديدة للتنبؤ بمخاطر أمراض القلب لدى العرب باستخدام البيانات الوراثية، حيث إنهم يتحملون عبئاً كبيراً من أمراض القلب والأوعية الدموية.

ومن أجل معالجة هذا القصور قام باحثون من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست» في المملكة العربية السعودية بالتعاون مع باحثين من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بتطوير طريقة تستخدم بيانات «دراسات الارتباط على مستوى الجينوم» genome - wide association study (GWAS) والأدوات الحاسوبية للتنبؤ بخطر الإصابة بأمراض القلب بدقة كبيرة.

وقد تم تطبيق هذه الطريقة على مجموعات عربية، ومن الممكن توسيع نطاقها لتشمل مجموعات عرقية أخرى. ويُعد هذا البحث خطوة مهمة نحو تحسين الرعاية الصحية والتشخيص المبكر لأمراض القلب في المجتمعات المتنوعة.

وأخيراً، فإن التنبؤ المبكر بأمراض مثل مرض الشريان التاجي ومرض الزهايمر وسرطان البروستاتا ومرض السكري من النوع الثاني يتيح تنفيذ استراتيجيات الوقاية، حيث يتضمن ذلك تحديد المخاطر الشخصية والطرق غير الجراحية للكشف المبكر عن الأمراض.

وبشكل عام، تؤكد نتائج هذه الدراسة على أهمية دمج بيانات الأوميك المتعددة لتعزيز التنبؤ بالأمراض، مما يمهد الطريق لاستراتيجيات أكثر تخصيصاً وفاعلية في مجال الرعاية الصحية، لا سيما في الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة الشائعة والوقاية منها.


مقالات ذات صلة

هل ينهي الاستخدام المبكر لـ«مونجارو» معاناة مرضى السكري من النوع الثاني؟

صحتك يُباع «مونجارو» لعلاج مرض السكري والسمنة (رويترز)

هل ينهي الاستخدام المبكر لـ«مونجارو» معاناة مرضى السكري من النوع الثاني؟

أظهرت دراسة أن مرضى السكري الذين جرى تشخيص حالتهم في الآونة الأخيرة ولم يستجيبوا بشكل جيد للعلاج الأولي المعتاد، تحسنت حالتهم بعد إضافة عقّار «مونجارو».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا نواب البرلمان المصري في أثناء عرض برنامج الحكومة (مجلس الوزراء المصري)

مصر لزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم... هل استوفت الاستحقاقات الدستورية؟

أقرت الحكومة المصرية زيادات بموازنة قطاعي التعليم والصحة للعام المالي الجديد، التي يبدأ العمل بها مطلع يوليو (تموز) المقبل.

أحمد جمال (القاهرة)
أفريقيا مدير منظمة الصحة العالمية بعد وصوله إلى بونيا يوم 30 مايو (أ.ب)

«إيبولا» يتمدّد شرق الكونغو... ومدير «الصحة العالمية» يتفقد بؤرة التفشي

دعا المدير العام ‌لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، السبت، المجتمعات المحلية في منطقة تفشي فيروس «إيبولا» بالكونغو إلى الاضطلاع بدور محوري.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
صحتك غسل الدجاج قبل الطهي قد يضر أكثر مما ينفع (رويترز)

غسل الدجاج قبل الطهي... أضرار أكثر من الفوائد

على الرغم من أن غسل الدجاج قبل الطهي عادة شائعة، فإن هيئات سلامة الغذاء في العديد من الدول تحذر من ذلك، فغسل الدجاج قبل الطهي قد يضر أكثر مما ينفع.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك الشاي الأخضر يساعد في دعم مستويات الكوليسترول الصحية (رويترز)

5 مشروبات ترفع مستويات الكوليسترول... ماذا تشرب بدلاً منها؟

قد يؤدي الإفراط في تناول الكوليسترول عبر النظام الغذائي إلى ارتفاع مستويات الكوليسترول الضار (LDL) وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين تقرر الخوارزمية من يموت ومن يعيش... في الحروب الذكية

حين تعلم البشرية الخوارزمية كيف تقتل
حين تعلم البشرية الخوارزمية كيف تقتل
TT

حين تقرر الخوارزمية من يموت ومن يعيش... في الحروب الذكية

حين تعلم البشرية الخوارزمية كيف تقتل
حين تعلم البشرية الخوارزمية كيف تقتل

بينما يتسابق العالم لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تشخيص الأمراض بدقة أعلى وإنقاذ مزيد من الأرواح داخل المستشفيات، يتسارع في الجهة المقابلة سباق آخر أكثر قتامة: تعليم الخوارزميات كيف تدير الحروب، وتختار الأهداف، وتتخذ قرارات القتل خلال أجزاء من الثانية.

وهنا يبرز أحد أكثر الأسئلة الأخلاقية إرباكاً في عصر الذكاء الاصطناعي: هل يمكن للعالم أن يتحدث عن «ذكاء اصطناعي أخلاقي» في الوقت الذي تُمنح فيه الخوارزميات تدريجياً سلطة تحديد من يعيش... ومن يموت؟

من الطب إلى ساحات القتال

خلال السنوات الأخيرة، ارتبط الذكاء الاصطناعي في أذهان الناس غالباً بتحسين جودة الحياة، خصوصاً في مجالات الطب والتعليم والخدمات الإنسانية. لكن التطويرات العسكرية المتسارعة كشفت وجهاً آخر أكثر تعقيداً وقلقاً لهذه التقنية.

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحليل البيانات العسكرية أو دعم القرار البشري، بل بدأ يدخل تدريجياً إلى قلب القرار القتالي نفسه، عبر أنظمة قادرة على تحليل الصور الحرارية، وتتبع الأهداف، وتقييم التهديدات خلال أجزاء من الثانية.

هل تفهم الخوارزمية معنى الحياة؟

إخراج الإنسان من دائرة اتخاذ القرار

وفي دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 بعنوان: «الذكاء الاصطناعي في حروب المستقبل: الأطر الأخلاقية وتنظيم الأسلحة الذاتية القاتلة» (Artificial Intelligence in Future Warfare: Ethical Frameworks and the Regulation of Lethal Autonomous Weapons)، حذّر الباحث محمد فيصل صديقي من أن تطور الذكاء الاصطناعي العسكري بات أسرع من قدرة القوانين الدولية على مواكبته وتنظيمه.

وأشارت الدراسة إلى أن بعض الأنظمة الحديثة بدأ يعمل ضمن ما يُعرف بـ«الإنسان خارج الحلقة» (Human-out-of-the-loop)، أي أن القرار القتالي قد ينتقل تدريجياً من الإنسان إلى الخوارزمية نفسها.

أين تختفي المسؤولية؟

في الطب، حتى مع التوسُّع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي، يبقى الطبيب حاضراً داخل القرار النهائي، ويتحمّل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن أي خطأ أو سوء تقدير.

أما في الحروب، فالصورة تبدو أكثر غموضاً وتعقيداً. فإذا أخطأت خوارزمية عسكرية ذاتية في تحديد هدف مدني، فمن يتحمل المسؤولية؟

هل هو المبرمج؟ أم الشركة المطوّرة؟ أم القائد العسكري؟ أم الدولة؟ أم أن المسؤولية تضيع داخل طبقات معقدة من البرمجيات والقرارات الآلية؟

تحذيرات من الأسلحة الذاتية القاتلة

هذا السؤال دفع الأمم المتحدة وعدداً من منظمات حقوق الإنسان إلى التحذير من خطورة ما يُعرف بـ«الأسلحة الذاتية القاتلة» (Lethal Autonomous Weapons)، وهي أنظمة قادرة على تنفيذ الهجوم دون تدخل بشري مباشر في اللحظة الأخيرة.

ووصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذه الأنظمة بأنها:

«مرفوضة سياسياً ومقززة أخلاقياً»، داعياً إلى حظرها عالمياً، ومؤكداً أن قرارات الحياة والموت يجب ألا تُترك للخوارزميات وحدها.

حين تضيع المسؤولية بين الإنسان والخوارزمية

* الذكاء الاصطناعي لا يفهم معنى الرحمة أو قيمة الحياة البشرية

هل تفهم الخوارزمية معنى الحياة؟

المشكلة الأعمق أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت دقته، لا يفهم معنى الرحمة أو قيمة الحياة البشرية. فالخوارزمية لا تمتلك ضميراً، ولا تشعر بالخوف أو الألم أو الندم، بل تعمل وفق احتمالات رياضية وأنماط بيانات فقط، دون إدراك حقيقي لمعنى الفقد الإنساني أو تبعات القرار الأخلاقي.

وحديثاً حذَّر البابا ليو الرابع عشر هذا الشهر، مايو (أيار) 2026، من أن بعض أنظمة الأسلحة الذاتية أصبحت «عملياً خارج السيطرة البشرية»، داعياً إلى إخضاع الذكاء الاصطناعي العسكري لضوابط أخلاقية وقانونية صارمة.

كما حذَّرت دراسة حديثة نُشرت هذا العام بعنوان: «نهاية الحكم البشري في سلسلة القتل؟» (The End of Human Judgment in the Kill Chain؟) من أن الأنظمة الذكية الجديدة بدأت تنقل سلطة التفسير والمبادرة تدريجياً من الإنسان إلى الخوارزمية نفسها، ما قد يجعل السيطرة البشرية مجرد حضور شكلي لا أكثر.

وهنا يكمن أحد أخطر التحوُّلات في عصر الذكاء الاصطناعي: أن تتحول الحرب تدريجياً من مأساة إنسانية معقدة إلى عملية حسابية باردة تُدار بالخوارزميات.

التناقض الأخلاقي العالمي

المفارقة اللافتة أن كثيراً من الشركات التي تطور أنظمة ذكاء اصطناعي للرعاية الصحية والتعليم والخدمات الإنسانية، تشارك في الوقت نفسه في مشروعات عسكرية متقدمة تعتمد على الخوارزميات والتحليل القتالي الذكي.

وفي اللحظة التي يناقش فيها العالم مفهوم «الذكاء الاصطناعي الرحيم» داخل المستشفيات، تتوسع مختبرات أخرى في تطوير أنظمة قادرة على الاستهداف واتخاذ قرارات قتالية بسرعات تتجاوز القدرة البشرية. وكأن البشرية تحاول، في الوقت نفسه، تعليم الآلة كيف تُنقذ الإنسان... وكيف تقتله أيضاً.

وهذا التناقض يفتح باباً فلسفياً وأخلاقياً شديد الحساسية: هل تكمن المشكلة في الذكاء الاصطناعي نفسه، أم في الطريقة التي يختار الإنسان توظيف هذه القوة بها؟

مخاوف الحروب الجينية

مخاوف الحروب الجينية

ويزداد القلق الأخلاقي تعقيداً مع تصاعد النقاشات العالمية حول ما يُعرف بـ«الحروب الجينية»، أي استخدام التقنيات الحيوية والذكاء الاصطناعي لفهم الفروقات الجينية بين المجموعات البشرية، أو استهدافها نظرياً بوسائل بيولوجية متقدمة.

ويحذر بعض خبراء أخلاقيات التقنية والأمن الحيوي من أن توظيف الذكاء الاصطناعي في هذا المجال قد يفتح مستقبلاً الباب أمام أشكال خطيرة من الاستهداف القائم على الهوية الجينية أو العرقية، وهو ما يقترب أخلاقياً وقانونياً من مفاهيم «التطهير العرقي» وجرائم الحرب المحظورة دولياً.

ورغم أن كثيراً من هذه السيناريوهات لا يزال ضمن حدود الجدل العلمي والاستراتيجي، فإن مجرد طرحها يكشف إلى أي مدى بدأت التكنولوجيا تقترب من مناطق كانت تُعد سابقاً خارج حدود الأخلاق الإنسانية نفسها.

الإنسان... الحلقة الأخيرة

ربما لا تكمن المشكلة الكبرى في أن الذكاء الاصطناعي أصبح أكثر ذكاءً، بل في احتمال أن يبدأ الإنسان تدريجياً بالتخلي عن مسؤوليته الأخلاقية لصالح الخوارزمية.

* الحضارة لا تُقاس فقط بما تستطيع التكنولوجيا فعله... بل أيضاً بما يختار الإنسان ألّا يسمح للتكنولوجيا بفعله

الخطر الحقيقي ليس أن تفكر الآلة... بل أن يتوقف الإنسان عن التفكير.

ولهذا قد لا تصبح القضية الأهم في السنوات القادمة تطوير أنظمة أكثر قوة فحسب، بل الحفاظ على بقاء الإنسان حاضراً داخل القرار النهائي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالحياة والموت.

ولعل المفارقة أن الحضارات القديمة، رغم بساطة أدواتها، وضعت للحرب حدوداً أخلاقية واضحة. ففي واحدة من أشهر الوصايا العربية في القتال، أوصى الخليفة أبو بكر الصديق الجيوش بألا يُقتل طفل أو امرأة أو شيخ، وألا تُقطع الأشجار ولا تُهدم سبل الحياة بلا ضرورة.

أما اليوم، فيبدو العالم وكأنه يقترب تدريجياً من تسليم بعض هذه القرارات إلى خوارزميات لا تعرف الرحمة، ولا تفهم معنى الحياة أو الموت.

إن الحضارة لا تُقاس فقط بما تستطيع التكنولوجيا فعله... بل أيضاً بما يختار الإنسان ألَّا يسمح للتكنولوجيا بفعله.


الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء

الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء
TT

الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء

الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء

هناك كثير من الأمور التي نعدّها بديهيةً على كوكب الأرض، لكنها تُصبح صعبة في الفضاء الخارجي. مثلاً حاسة التذوق تضعف، ويصبح قضاء الحاجة مُرهقاً ويتطلب استخدام مضخات إفراغية، ويغدو النوم مُشكلةً حقيقيةً؛ بسبب انعدام الجاذبية وشروق الشمس كل 90 دقيقة.

تجربة على أجنّة فضائية

أحد الأمور التي لم يدرسها العلماء بدقة حتى الآن، هو إمكانية إنجاب البشر خارج كوكب الأرض... لكن هذا على وشك التغيير.

تُجري الصين تجربةً على محطتها الفضائية، تأمل أن تُساعد على تسليط الضوء على المخاطر المُصاحبة للحمل في بيئة ذات جاذبية منخفضة أو معدومة. وقد تُسفر هذه التجربة عن معلومات بالغة الأهمية مع تقدُّم جهود استعمار القمر والمريخ، سواء العامة أو الخاصة.

الجنس ليس جزءاً من التجارب الصينية

والجنس ليس جزءاً من التجارب الصينية، إذ إنها لا تُرسل رواد فضاء إلى ارتفاع 250 ميلاً (400 كيلومتر) في السماء لممارسة الجنس. وبدلاً من ذلك، أُرسلت تراكيب شبيهة بالأجنة (لا تملك القدرة على التطوُّر إلى ما بعد مرحلة الجنين)، مصنوعة من خلايا جذعية بشرية، إلى المحطة الفضائية لها، لتقضي 5 أيام في مدار أرضي منخفض.

تطور الجنين... وتشكُّل الأعضاء

في هذه المرحلة، يحدث التطور المبكر بعد الإخصاب، وتبدأ غالبية الأعضاء بالتَّشكُّل. يمكن أن تؤثر التشوهات في هذه المرحلة على نمو الإنسان. يهتم العلماء بدراسة تأثير انعدام الجاذبية على الأجنة، بما في ذلك ما إذا كان سيزيد من خطر التشوهات الخلقية.

وبمجرد أن يفهم العلماء أي تأثير محتمل، سيعملون على تطوير تدخلات من شأنها التخفيف من أي آثار.

تجربة يابانية سابقة على الفئران

ليست هذه أول دراسة تُجرى على الإخصاب في بيئة انعدام الجاذبية. فقبل 3 سنوات، أحضر علماء يابانيون جنينين من الفئران إلى محطة الفضاء الدولية، وقاموا بإنمائهما لمعرفة تأثير هذه البيئة. وكانت النتيجة: لا شيء يُذكر.

مع ذلك فإن الفئران ليست بشراً. لذا، فإن تجربة الصين، على الرغم من استخدامها أجنة مصنوعة من الخلايا الجذعية، فإنها تُثير مزيداً من التساؤلات.

حتى وقت قريب، لم يكن من الممكن إجراء هذا النوع من الدراسات، نظراً لوجود اتفاقات دولية تقصر دراسة الأجنة البشرية المُستنبتة في المختبر على 14 يوماً. إلا أن «الجمعية الدولية لأبحاث الخلايا الجذعية» خففت هذا القيد في عام 2021، شريطة أن يخضع فريق البحث لمراجعة أخلاقية، ويجتازها.

5 أيام اختبار فضائية... تقابلها «أرضية» مماثلة

تمَّ تحضير العينات قيد الاختبار في الليلة السابقة للإطلاق، وسُلِّمت إلى وكالة الفضاء قبل 12 ساعة من الإقلاع. وبمجرد انتهاء فترة الاختبار التي تستغرق 5 أيام، سيتم تجميدها وإعادتها إلى الأرض لتحليلها.

تتضمَّن عينات الأجنة المصنعة هذه نوعين من النماذج: أحدهما مُستنبت على خلايا رحمية، والآخر موضوع داخل شريحة ميكروية سائلية. والهدف هو فهم كيفية تأثير بيئة انعدام الجاذبية في الفضاء على التطور الجنيني البشري في مراحله المبكرة. كما تُجرى دراسات متزامنة على عينات مماثلة في مختبرات على الأرض.

مقارنة العينّات

وقال يو لي تشيان، قائد مشروع التجربة، في بيان: «نأمل من خلال مقارنة نمو عينات الفضاء والأرض، أن نتمكَّن من تحديد العوامل المؤثرة على نمو الجنين البشري في المراحل المبكرة في بيئة الفضاء، ومعالجة المخاطر والتحديات التي قد يواجهها البشر خلال الإقامة الطويلة الأمد في الفضاء».

صعوبات ممارسة الجنس في الفضاء

على الرغم من أنَّ هذه الدراسة تُعدُّ خطوةً مهمةً، فإنَّ انعدام الجاذبية قد يُشكِّل عوائق أخرى أمام الإنجاب على الكواكب الأخرى. وحتى الآن، لم يُقر أي رائد فضاء بممارسته الجنس في الفضاء. ولكن عندما يتعلَّق الأمر بالجماع في الفضاء، تشير الدراسات العلمية إلى أنَّه سيكون أكثر تعقيداً بكثير مما هو عليه في الأرض.

ينصُّ قانون نيوتن الثالث للحركة (الفعل وردّ الفعل)، على سبيل المثال، على أنه إذا بذلت قوة على شخص ما، فإنَّ هذا الشخص سيبذل قوة مساوية ومعاكسة لك. لذا، فإنَّ أي دفعات ستؤدي إلى إبعاد الشريك. وللجماع، ستحتاج إلى نوع من وسائل التقييد، والتي قد تتراوح من كيس لنوم الزوجين إلى الأربطة المطاطية.

يميل الدم أيضاً إلى التجمع في الرأس في بيئة انعدام الجاذبية، ما قد يجعل العلاقة الحميمة صعبة. كما أن العرق لا يتساقط على الجسم في الفضاء، بل يلتصق بالجلد ويتجمَّع، وقد ينفصل أحياناً على شكل كتل. يا له من أمر مُحبط!

تصورات حول الحمل والولادة في الفضاء

حتى لو تمَّ الحمل ووُلد الطفل في الفضاء، فهناك عالم من التساؤلات حول ما سيحدث بعد ذلك. وقد أثار الدكتور كريس ليناردت، الأستاذ المساعد آنذاك في طب الطوارئ بكلية الطب بجامعة جورج واشنطن والأستاذ المساعد في جامعة الفضاء الدولية، في ندوة عام 2017 مخاوف حول ذلك حين قال: «إننا لا نعرف حتى كيف سينمو الأطفال المولودون في الفضاء، سواء في بيئة انعدام الجاذبية أو على سطح جرم سماوي». وتساءل: «هل ستنمو عظامهم كما ننمو نحن؟ وهل سيتمكَّنون يوماً ما من العودة إلى الأرض والوقوف؟».

وقد تكون التجارب الصينية الخطوة الأولى نحو إيجاد هذه الإجابات.

* مجلة «فاست كومباني».


هل سيتآكل «الحكم السريري» للطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي؟

حين تبدأ الآلة بالتفكير بدلاً من الطبيب
حين تبدأ الآلة بالتفكير بدلاً من الطبيب
TT

هل سيتآكل «الحكم السريري» للطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي؟

حين تبدأ الآلة بالتفكير بدلاً من الطبيب
حين تبدأ الآلة بالتفكير بدلاً من الطبيب

دخل الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة إلى قلب القرار الطبي، بعد أن بدأت الخوارزميات تُستخدم في قراءة الأشعة، وتحليل النتائج، والتنبؤ بالمضاعفات، واقتراح التشخيصات والخطط العلاجية بسرعة تفوق الإنسان أحياناً.

الخطر ليس أن تخطئ الخوارزمية بل أن يتوقف الطبيب عن التفكير

من غرفة الأشعة إلى قلب القرار الطبي

لكن مع هذا التوسع المتسارع، بدأ يظهر سؤال أكثر حساسية داخل الأوساط الطبية: ماذا يحدث عندما يبدأ الطبيب بالاعتماد على الخوارزمية أكثر من اعتماده على حكمه السريري الشخصي؟

هل يتآكل الحكم السريري تدريجياً؟

الطب لم يكن يوماً مجرد الوصول إلى التشخيص الصحيح فقط، بل القدرة على فهم التفاصيل غير الواضحة، وربط الأعراض بالسياق الإنساني للمريض، واتخاذ القرار في ظروف معقدة لا تكون الإجابات فيها دائماً مباشرة أو مكتملة.

وفي دراسة حديثة ناقشها باحثون هذا العام في مجلة «الذكاء الاصطناعي في الطب» (Artificial Intelligence in Medicine)، حذّر متخصصون من أن الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية قد يقود تدريجياً إلى ما يُعرف بـ«تآكل الحكم السريري» (Clinical Judgment Erosion)، خصوصاً لدى الأطباء الأصغر سناً الذين يتدرّبون داخل بيئات تعتمد بشكل متزايد على التوصيات الرقمية الجاهزة.

ويخشى بعض الباحثين أن يتحول الطبيب مع الوقت من صانع قرار سريري إلى مجرد «مراجع» لما تقترحه الخوارزمية، خصوصاً عندما تبدو نتائج الأنظمة الذكية دقيقة وسريعة ومقنعة بصرياً.

الخوارزمية تعرف النتيجة لكن هل نفهم كيف وصلت إليها

المشكلة ليست في الذكاء... بل في محدودية البيانات

وتزداد حساسية القضية لأن الذكاء الاصطناعي لا يفهم المريض بالطريقة البشرية نفسها، بل يعتمد على تحليل البيانات والأنماط الإحصائية. وهذا يعني أن دقة الخوارزمية قد تتأثر أحياناً إذا كانت البيانات ناقصة، أو إذا واجهت حالات تختلف عن البيئات التي تدربت عليها أصلاً.

وفي تقرير حديث صادر عن جامعة كينغز كوليدج لندن (King’s College London)، أشار باحثون إلى أن أحد أكبر تحديات الطب القادم لن يكون تقنياً فقط، بل يتعلق بالحفاظ على مهارات التفكير النقدي والحكم السريري لدى الأطباء مع تزايد الاعتماد على الأنظمة المؤتمتة.

الطبيب المقبل... شريك للخوارزمية لا تابع لها

لكن هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يمثل خطراً بحد ذاته. فعندما يُستخدم بصورة صحيحة، فإنه يستطيع أن يقلل الأخطاء، ويسرّع التشخيص، ويساعد الأطباء على التعامل مع الكم الهائل من المعلومات الطبية الحديثة، كما أصبح أداة مهمة في دعم الكشف المبكر وتحسين كفاءة الأنظمة الصحية.

ولهذا يرى كثير من الخبراء أن القضية الحقيقية ليست في مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل في كيفية استخدامه بوصفه أداة تدعم الطبيب، لا بديلاً عنه.

الخوارزمية التي تعلمت من الغرب... هل تفهم مرضانا؟

عصر الطب المقبل... مَن صاحب القرار الأخير؟

الخطر قد لا يكون أن تُخطئ الخوارزمية أحياناً، لأن الطبيب نفسه قد يخطئ أيضاً، بل أن يفقد الإنسان تدريجياً قدرته على التفكير السريري المستقل داخل غرفة العلاج. ولهذا ربما يبقى السؤال الأهم في الطب المقبل: كيف يمكن للطبيب أن يستفيد من قوة الخوارزمية، من دون أن يتخلى عن حدسه الإنساني وخبرته السريرية؟