فرويد.. فاتح قارة اللاوعي

4 صفعات تلقتها البشرية هزّت أركانها وغيرت مفاهيمها

فرويد.. فاتح قارة اللاوعي
TT

فرويد.. فاتح قارة اللاوعي

فرويد.. فاتح قارة اللاوعي

يعد فرويد (1856 / 1939) أحد الأربعة الذين صفعوا البشرية وهزوا أركان فكرها، خلال القرون الأربعة السابقة.
الصفعة الأولى جاءت من نيكولاس كوبيرنيكوس (1473 / 1543) الذي قلب الفلك القديم رأسا على عقب، وجعل الأرض تغادر مركزها وتدور متخذة لها مكانا في السماء، واهبة إياه للشمس التي أصبحت ثابتة، والتي كانت من قبل تظهر للعيان متحركة شروقا وغروبا. وهو ما خلق للبشرية رجات متعددة الجوانب، أهمها أن الإنسان فقد مركزه في الكون.، كما جعلته يعيش أزمة إدراك حسي رهيب، أدت إلى موجة شك عارمة في الأدوات المعرفية للإنسان، إذ إن ما نراه لم يعد هو الحقيقة.
أما الصفعة الثانية فكانت من إسحاق نيوتن (1642 / 1727)، الذي دمج الأرض بالسماء في قوانين واحدة، فأصبح ما ينطبق على سقوط التفاحة ينطبق على دوران القمر. فالتفاحة يمكنها أن تدور إذا تحققت الشروط المناسبة، وهي المسافة والكتلة، وهذا ما يحدث للقمر الاصطناعي مثلا وهو يدور حول الأرض. وبالمثل نتحدث عن القمر، إذ يمكنه أن يسقط لو توفرت الشروط.، فالسقوط دوران والدوران سقوط. وبهذا المنجز العظيم يكون نيوتن قد ضرب فكرة الكمال العلوي في مقابل الانحطاط السفلي، التي كان يؤمن بها القدماء، فالعالم بنية واحدة لا انشطار فيها.
وأما الصفعة الثالثة فكانت من طرف تشارلز داروين (1809 / 1882)، الذي سعى إلى تذكير الإنسان بجذوره الحيوانية، وهو ما يضرب كبرياء الإنسان في الصميم.
وأما الصفعة الرابعة، وهي التي تهمنا هنا، فكانت من نصيب سيغموند فرويد، المحلل النفسي ذائع الصيت، وذلك باكتشافه قارة جديدة في النفس البشرية هي اللاشعور، ستجعل الإنسان كائنا غريزيا قبل أن يكون كائنا عاقلا، كائنا مفعولا به وليس فاعلا. فما المقصود باللاشعور؟

فكرة اللاوعي والنظرة الجديدة للإنسان
في تسعينات القرن التاسع عشر، قال فرويد في إحدى رسائله: «أنا لست عالما ولا بحاثا، وإنما أنا فاتح». أجل، لقد فتح فرويد منطقة اللاوعي، وقلب بذلك فكرتنا عن الإنسان رأسا على عقب، فلم يعد الإنسان ذلك الكائن الذي لديه وعي صاف وإليه يعود كل سلوكنا. فهذا الأمر أصبح مع فرويد وهمًا، فالوعي ما هو إلا القشرة الخارجية لحياة عقلية لا واعية قوية. وبتشبيه أكثر دقة نقول، إن الوعي هو مثل رأس الجبل الجليدي الذي يظهر فوق سطح البحر، بينما تظل كتل كبيرة من الجليد غير مرئية تحت الماء، هي اللاوعي. والكتل غير المرئية هي التي تحدد مركز جاذبية الجبل الجليدي، وحركته، ومجراه. لذا فجوهر شخصيتنا هو اللاوعي. فكيف يمكن تعريف هذا اللاشعور؟
يمكن القول إن اللاشعور هو خزان أو مقبرة ندفن فيها كل الرغبات المقموعة والذكريات المؤلمة التي يصعب استحضارها إلا عن طريق التحليل النفسي. فكثير من الأحداث التي وقعت للإنسان في الطفولة المبكرة لا يتذكرها، فمن المؤكد أن يكون المرء قد سقط مرات كثيرة، وجرى تعنيفه، ورأى مشاهد مرعبة، ووضع في مواقف محرجة، لكنها نسيت كلها، فأين هي فعلا؟ هل يمكن القول إنها قد مسحت ولم يعد لها أثر؟ الجواب عند فرويد طبعا بالنفي. إنها قد سجلت في ذاكرة مختلفة عن الذاكرة الواعية. إنها الذاكرة اللاواعية. إذن نصل مع فرويد إلى أن للمرء ذاكرتين: ذاكرة واعية يمكن استرجاعها بيسر، إذ يكفي أن يعود المرء إلى أرشيفه ويجد ما يريد. وذاكرة أخرى لا واعية، أي منسية وغائرة في غياهب النفس، يصعب استحضارها. فإذا ما سألت شخصا يعاني من فوبيا (رهاب) الأماكن العالية عن السر وراء ذلك، فسيكون جوابه: لا أدري. بمعنى أن الحدث المسبب لهذا الرهاب غائر ومنسي، لكنه يفعل أفاعيله في الشخص وهو في غفلة عن ذلك.
وقصد توضيح عالم اللاوعي وأدغاله، سنحكي قصة ذلك الطبيب العسكري الذي يعاني من فوبيا الأماكن المغلقة. كان الرجل يشعر بفزع شديد عندما يركب القطار، خصوصا إذا مر من نفق أو توقف في داخله. أما إذا كان مدعوا إلى حفل أو اجتماع فقد كان يحرص كل الحرص على البقاء قرب الباب، استعدادا للمغادرة في أي لحظة، ناهيك بأنه كان مهتما بقراءة قصص المحبوسين وقصص الذين يدفنون أحياء. وذات يوم، سينادى على الطبيب للالتحاق بساحة المعركة، قصد تقديم العلاجات الأساسية لجرحى الحرب. وبمجرد وصوله وجد الجنود مكدسين في الخندق، فبدأت مخاوفه، ومما عقد الأمر أكثر أنه أعطي فأسا لكي ينقذ نفسه في حال ردم عليه الخندق. فازداد قلقه، ولم يعد يحتمل الوضع، إلى درجة أنه سقط بشلل هيستيري هربا من المسؤولية. وجرى نقله إلى المستشفى، فاكتشف أن شلله ليس عضويا، بل نفسي. وخضع لعلاج عند محلل نفسي ولمدة طويلة. وتمكن الطبيب من جعله يتذكر مجموعة من الأحداث المنسية، انطلاقا من التداعي الحر، وتفكيك بعض الأحلام التي كان يقصها أثناء العلاج. وفي النهاية، وبعد طول عناء من الطبيب والمريض نفسه، جرى التوصل إلى الحدث الأساسي الذي هو الأصل في مخاوفه، والذي نذكره كالآتي: كان في بلد المريض متجر لشيخ عجوز يشتري فيه صاحبه الأغراض القديمة والمستعملة. وكان الأطفال، بمن فيهم صاحب الحالة، يأخذون إليه كل شيء قديم حصلوا عليه مقابل دراهم معدودة تمكنهم من شراء الحلوى. يقول المريض بعد تذكر شاق إنه حين كان في الرابعة من عمره ذهب إلى المتجر لبيع بعض الأغراض، وعندما همّ بالعودة وجد باب الممر المؤدي إلى البيت مغلقا. التفت إلى الجهة الأخرى فرأى كلبا ينبح. ويؤكد صاحب الحالة أنه نسي هذا الحدث تماما. ومع استمرار العلاج، حلم بأنه حصل على منحة للدراسة في اسكوتلندا. وعندما استيقظ تذكر اسما اسكوتلنديا هو اسم صاحب المتجر. وبهذا يكون المريض قد استعاد الحدث المؤلم بجميع تفاصيله، وتمكن من الشفاء من فوبيا الأماكن المغلقة. ومن ثم فالعلاج في التحليل النفسي ما هو إلا استخراج للحدث المؤلم من مستوى اللاشعور إلى مستوى الشعور.
ويسمي فرويد عملية قذف المقموعات في اللاشعور بالكبت الذي هو بمثابة الجدار الفاصل بين عالم الوعي وعالم اللاوعي، الذي يشتغل كآلية وقائية تحمي الإنسان من الألم. لكن المكبوتات بحسب فرويد تحاول الخروج نحو الوعي، وأحيانا بشكل جارف قد يؤدي إلى انفجار جدار الكبت. ولكي لا يحدث هذا الأمر الخطير، يقوم الكبت بمحاولة تنفيس للمكبوت، وكأنه ينشئ فجوات في جداره، تسمح بتدفق المكبوت بالتسلل إلى الوعي لكن بطريقة منضغطة، أي مشوهة. بعبارة أخرى نقول إن عودة المكبوت تكون بطرق ملتوية وبشكل مقنع، وكأنها تلبس زيا تنكريا، وتكون بمثابة طرق للتفريغ. هذه الطرق كثيرة، وقد توقف عندها فرويد، وهي كالآتي:
الحلم: لقد جعل فرويد الحلم طريقا ملكيا للتحليل النفسي. إنه الأرض الصلبة لإثبات اللاوعي، وهو سبيل من سبل العلاج أيضا. فالحلم شيء له معنى وإن بدا غامضا وملغزا. إنه تعبير عن رغبات اللاوعي التي تظهر في وعينا بشكل مشوه ومحرف. فإذا كان الأطفال يحلمون برغباتهم وملذاتهم التي حصلت في يومهم الماضي ولم تتحقق، فإن أحلام الراشد تحتوي على بقايا يوم الحلم، لكن ليس بوضوح كما لدى الأطفال. فهي تكون مشفرة ورمزية صعبة الفهم. ولمزيد من التوضيح، نضرب مثالا بالمراهق الذي يعنفه والده إلى درجة إهدار الكرامة. فالتعنيف يولد كرها، لكن الأمر في هذه الحالة يتمثل في الوالد الذي يجب أن نكنّ له الحب كمطلب اجتماعي. وحسب فرويد، فإن هذا الشاب سيظهر الحب ظاهريا، وسيخفي الكره في اللاشعور. وقد يحلم بأن ملكا قد مات، أو أنه يصارع أسدا، وهذه كلها رموز للسلطة. أو قد يكون الحلم أكثر صراحة، بحيث سيرى أنه يحمل والده إلى القبر، كل ذلك يعني أن الأحلام هي تنفيس للرغبات وبطرق ملتوية.
الحلم ما هو إلا طريقة من طرق أخرى للتفريغ. فهناك مثلا أحلام اليقظة. كأن يحلم طفل يعيش الحرمان أن الصنبور سيفتح فتخرج منه الشوكولاته والحلوى. أو يتيه الشاب في استيهامات ورغبات خيالية، ويرى نفسه راكبا دراجة نارية فاخرة، ويحمل معه فتاة جميلة بشعر يتطاير من شدة السرعة. إن كل هذا يحقق الرغبة غير المتحققة في أرض الواقع. كما أن هناك أيضا طريق الإبدال في التفريغ، المتمثل في العنف والمخدرات والشغب. وهي طرق سلبية مدمرة، لأنها تضر الشخص ومن حوله. وعلى عكس الإبدال توجد طريقة الإعلاء. وهي نوع من السمو بالرغبة المقموعة في اتجاه إيجابي غير مضر، كالصلاة، والرياضة، والفن، والموسيقى، والرقص، والدراسة، والرسم، والتطوع للأعمال الخيرية وغير ذلك. ناهيك بأن المرء قد يفرغ مكبوتاته عن طريق الكتابة على الجدران، وزلات اللسان، وزلات القلم. فهب أن لدينا رجلا جالسا في بيته يتفرج على التلفاز، بينما تقوم زوجته بأعمال البيت على إيقاع موسيقى عالية. همّ الرجل بإشعال سيجارة، لكنه سمع طرقا على الباب في اللحظة نفسها، فقام ليجد أن الطارق هو والده. أخفى السيجارة سريعا احتراما لوالده. وبينما هو يرحب به قال لزوجته: «أغلقي السيجارة»، عوضا عن «أغلقي المذياع أو المسجل». فهذه زلّة لسان، لأن الرغبة في التدخين قد قمعت، فوجدت لنفسها سبيلا ملتويا للتفريغ.
إن أطروحة فرويد متعددة الجوانب وجهازها المفاهيمي متشابك، اقتصرت فيه على المفهوم الجوهري وهو اللاوعي. وإذا ما سلمنا باللاوعي عند فرويد، فسيكون للأمر انعكاسات فلسفية خطيرة تمس قضية الحرية الإنسانية. فالقول بخضوع المرء لمؤثرات لاشعورية تصنع له قراراته، يؤدي إلى ضرب المسؤولية الأخلاقية والقانونية والدينية، إذ كيف يمكن تصور شخص يتحمل تبعات فعل يكون محركه غير مدرك وغير واع؟



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».