ما تداعيات التصعيد في العلاقات الصومالية - الإثيوبية؟

بعد قرار مقديشو طرد سفير أديس أبابا

الرئيس الصومالي معلناً أمام برلمان بلاده رفض اتفاق إثيوبيا مع «أرض الصومال» (الرئاسة الصومالية على منصة إكس)
الرئيس الصومالي معلناً أمام برلمان بلاده رفض اتفاق إثيوبيا مع «أرض الصومال» (الرئاسة الصومالية على منصة إكس)
TT

ما تداعيات التصعيد في العلاقات الصومالية - الإثيوبية؟

الرئيس الصومالي معلناً أمام برلمان بلاده رفض اتفاق إثيوبيا مع «أرض الصومال» (الرئاسة الصومالية على منصة إكس)
الرئيس الصومالي معلناً أمام برلمان بلاده رفض اتفاق إثيوبيا مع «أرض الصومال» (الرئاسة الصومالية على منصة إكس)

دخلت العلاقات الصومالية - الإثيوبية منعطفاً جديداً من «التوتر»، بعد قرار الحكومة الصومالية طرد سفير إثيوبيا، وإغلاق قنصليتين إثيوبيتين، واستدعاء سفيرها في أديس أبابا، وسط احتدام للخلاف حول خطة إثيوبية للحصول على ميناء وقاعدة عسكرية في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي. ووفق خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» فإن التصعيد الأخير يزيد حدة المخاوف من تداعيات أمنية وسياسية، لا تقتصر فقط على العلاقات الصومالية - الإثيوبية، بل تمتد إلى «تهديد الاستقرار الإقليمي» في منطقة القرن الأفريقي التي تعاني توتراً متصاعداً.

واستدعت الحكومة الصومالية سفيرها في أديس أبابا، عبد الله محمد ورفا، وطالبت السفير الإثيوبي، مختار محمد واري، بمغادرة البلاد في غضون 72 ساعة. وأفاد بيان صادر عن وزارة الخارجية الصومالية بأن «السفير الإثيوبي لدى البلاد، أُرْسِلَ إلى بلاده»، كما صدر قرار بـ«إغلاق قنصليتين إثيوبيتين في ولاية بونتلاند الإقليمية وإقليم أرض الصومال»، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء الصومالية، الخميس. وأضاف البيان أن الحكومة الصومالية «مارست أقصى درجات ضبط النفس مع إثيوبيا، إثر توقيعها مذكرة تفاهم غير قانونية مع إقليم أرض الصومال، واتخذت هذا القرار حفاظاً على سيادتها الوطنية».

وقال مكتب رئيس الوزراء الصومالي، في بيان، تعليقاً على قرار طرد السفير الإثيوبي، إن «تدخل الحكومة الإثيوبية الواضح في الشؤون الداخلية للصومال يمثل انتهاكاً لاستقلال الصومال وسيادته».

رئيس الوزراء الإثيوبي خلال مراسم التوقيع مع رئيس «أرض الصومال» موسى بيهي عبدي بأديس أبابا في يناير الماضي (رويترز)

وكان رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، قد وقَّع في أول يناير (كانون الثاني) الماضي، مذكرة تفاهم تحصل بموجبها بلاده غير الساحلية على 20 كيلومتراً من الساحل في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي، لإنشاء قاعدة بحرية هناك، ما أثار غضب الصومال، ومخاوف من أن يتسبب الاتفاق في مزيد من الاضطراب بمنطقة القرن الأفريقي.

وسبق للرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أن وصف اتفاق الميناء بأنه «غير قانوني». وقال في فبراير (شباط) الماضي، إن بلاده «ستدافع عن نفسها» إذا مضت إثيوبيا فيه قدماً، كما أصدر محمود قراراً بإلغاء مذكرة التفاهم، كما تقدمت مقديشو بعدة شكاوى إلى مجلس الأمن، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي.

خطر حقيقي

التصعيد الأخير لا تقتصر تداعياته على العلاقات بين الصومال وإثيوبيا، بل يمتد تأثيره إلى التأثير على العلاقة بين الحكومة الصومالية الفيدرالية وبين إقليمي «بونتلاند» و«أرض الصومال»، هذا ما يراه الباحث الصومالي المتخصص في الشؤون الإقليمية، حسن عويس، الذي أشار إلى أن المخططات الإثيوبية تمثل «خطراً حقيقياً» على الصومال، وتسعى إلى إذكاء التوتر بين الحكومة الفيدرالية وبين إقليمي بونتلاند و«أرض الصومال»، إذ «تسعى أديس أبابا إلى تعزيز هذا التوتر ما يمكنها من النفاذ داخل تلك الأقاليم وتحقيق أهدافها».

وقال عويس إن قرار طرد السفير الإثيوبي وإغلاق القنصليتين جاء بعد سلسلة من التحركات الإثيوبية التي رأتها مقديشو «مزعزعة لأمن البلاد»، مشيراً إلى أن تلك الخطوة قد تكون «مقدمة لإجراءات تصعيدية أخرى مستقبلاً؛ إذا ما واصلت أديس أبابا نهجها في التعامل مع الصومال». ولفت في هذا الصدد إلى وجود خطط محتملة لمنع الرحلات الجوية الإثيوبية من الهبوط في مقديشو، وهرجيسا (عاصمة إقليم أرض الصومال)، وغاروي (عاصمة إقليم بونتلاند)، وهذا التطور حال اللجوء إليه سيكون بمثابة «تصعيد كبير في التوترات الدبلوماسية بين البلدين، وقد يؤدي إلى تعطيل السفر الجوي والتجارة الإقليمية».

ومن المتوقع ألا يؤدي طرد السفير الإثيوبي، وإغلاق القنصليتين إلى تصعيد التوتر مع أديس أبابا وحدها، بل مع إقليمي «أرض الصومال» و«بونتلاند»، اللذين تثور شكوك حول مدى امتثالهما لتنفيذ قرار الحكومة الفيدرالية، وفق ما يراه الباحث الصومالي المتخصص في الشؤون الإقليمية. وتصاعد التوتر بين مقديشو والسلطات في «بونتلاند»، مطلع الأسبوع الماضي، عندما قال مجلس ولاية «بونتلاند» إنه انسحب من النظام الاتحادي بالصومال، وسيحكم نفسه بشكل مستقل، وسط خلاف بخصوص تغييرات دستورية.

وأعلنت بونتلاند، وهي منطقة شبه صحراوية تقع في شمال شرقي الصومال الغنية بالنفط، وتضمّ ميناء بوصاصو الحيوي، الحكم الذاتي في عام 1998، وشهدت العلاقات مع الحكومة المركزية في مقديشو توتراً متكرراً خلال السنوات الماضية.

و«أرض الصومال»، هي أيضاً منطقة شبه صحراوية تقع على ساحل خليج عدن، محمية بريطانية ثم حصلت على استقلالها في عام 1960 واندمجت مع الصومال، التي كانت تحتلها إيطاليا لتكونا معاً جمهورية الصومال، ثم انفصلت «أرض الصومال» وأعلنت استقلالها عن جمهورية الصومال في عام 1991 عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق سياد بري، لكنها لم تحصل على اعتراف دولي.

جانب من استقبال مسؤولين إريتريين أطقم القطع البحرية الروسية في مصوع (حساب وزير الإعلام الإريتري على إكس)

فرض الأمر الواقع

ورأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية، نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، السفير صلاح حليمة، أن التصعيد الأخير بطرد الصومال للسفير الإثيوبي، وإغلاق قنصليتي «أرض الصومال» و«بونتلاند» يعكس إدراكاً من جانب السلطات الصومالية بعدم كفاية الإجراءات القانونية التي جرى اتخاذها للضغط على إثيوبيا للتراجع عن مساعيها للحصول على المنفذ البحري في «أرض الصومال» بصورة «غير شرعية». وأضاف حليمة أن بعض التقارير التي أشارت إلى إمكانية تراجع إثيوبيا بضغوط من قوى دولية كبرى في الآونة الأخيرة ثبت أنها مجرد «محاولات لكسب الوقت»، وهو ما دفع الحكومة الصومالية إلى التصعيد، لافتاً إلى أن استمرار أديس أبابا في نهج فرض الأمر الواقع ومخالفة قواعد القانون الدولي «تقود إلى تصعيد خطير» على السلم والأمن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وأشار مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية إلى أن التوتر الحالي لا يقتصر فقط على العلاقات الصومالية - الإثيوبية، بل «يمس الأمن الإقليمي في تلك المنطقة الهشة، ويهدد كثيراً من الدول»، من بينها الدول العربية والأفريقية المتشاطئة في البحر الأحمر، فضلاً عما يثيره التوتر من مخاوف بشأن انزلاق الأمر إلى «صدام مباشر وتدخل إقليمي ودولي»، خصوصاً في ظل وجود قوى بحرية عسكرية بكثافة في المنطقة، سواء في صورة أساطيل أو قواعد عسكرية، إضافة إلى المخاوف الأمنية المتعلقة بانتشار التنظيمات الإرهابية التي تسعى إلى استغلال التوتر الإقليمي لمزيد من التمدد في تلك المنطقة.

الفرقاطة «مارشال شابوشنكوف» في ميناء مصوع خلال مناورات ذكرى تأسيس العلاقات بين روسيا وإريتريا (وزير الإعلام الإريتري على إكس)

وحتى الآن لم يعلن عن مصير 3000 جندي إثيوبي متمركزين في الصومال في إطار مهمة حفظ سلام تابعة للاتحاد الأفريقي لمحاربة عناصر حركة «الشباب» المتطرفة التابعة لتنظيم «القاعدة»، بعد خطوة طرد السفير الإثيوبي، وإغلاق القنصليتين.

وتنشط في منطقة القرن الأفريقي كثير من التنظيمات المتطرفة، كما توجد في جيبوتي المجاورة للصومال عدة قواعد عسكرية لدول مثل الولايات المتحدة وفرنسا والصين واليابان، كما تنشط تحركات بحرية على خلفية استهداف «الحوثيين» للملاحة الدولية بالبحر الأحمر، وأجرت روسيا مناورات بحرية مع إريتريا، الأسبوع الماضي. ويُذكر أن الحكومة الصومالية وقعت في فبراير الماضي، اتفاقية دفاعية مع تركيا، تقضي بالتعاون في مجال الأمن البحري وحماية الشواطئ، وتدريب قوات من الجيش، حسبما أعلنت وزارة الدفاع الصومالية عقب توقيع الاتفاق.


مقالات ذات صلة

انتخابات إثيوبيا... شرعية جديدة منتظرة لآبي أحمد رغم الأزمات

أفريقيا جانب من الحملات الانتخابية لحزب «الازدهار» الحاكم (وكالة الأنباء الإثيوبية)

انتخابات إثيوبيا... شرعية جديدة منتظرة لآبي أحمد رغم الأزمات

تترقَّب إثيوبيا الانتخابات السابعة العامة في تاريخ البلاد، في الأول من يونيو المقبل، وسط كتلة تصويتية تتجاوز 50 مليوناً، ومناطق توتر مع الحكومة الفيدرالية.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)

من لبنان إلى الصومال... تصاعد بؤر التوتر ونقص التمويل يستنزفان بعثات السلام

تواجه بعثات حفظ السلام في مناطق عدة بأفريقيا والشرق الأوسط ضغوطاً متزايدة مع تصاعد بؤر التوتر وسط أزمات تمويل متفاقمة تهدد قدرتها على أداء مهامها الأمنية.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا عناصر من جيش «أرض الصومال» (الصفحة الرسمية لجيش الإقليم الانفصالي على «فيسبوك»)

تدريب ضباط «أرض الصومال» في إسرائيل... تعاون أمني يفاقم التوترات

دخلت العلاقات بين إسرائيل وحليفها في القرن الأفريقي، الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، مرحلة تعاون جديدة تتمثل في التدريبات الأمنية والمحادثات العسكرية.

محمد محمود (القاهرة )
العالم العربي رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر تعاون إسرائيل مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ اعترفت به في ديسمبر الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

«تمرد بونتلاند» يثير مخاوف بشأن تكرار سيناريو «أرض الصومال»

وجّهت مقديشو انتقادات حادة إلى رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، بعد إعلانه عدم الاعتراف بشرعية الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود.

محمد محمود (القاهرة)

البرهان: نمضي بخطوات ثابتة لسحق «التمرد»... واستعادة دارفور

رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
TT

البرهان: نمضي بخطوات ثابتة لسحق «التمرد»... واستعادة دارفور

رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

صعَّد رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، من لهجته تجاه «قوات الدعم السريع»، مؤكداً أنَّ الجيش السوداني يمضي بخطوات متسارعة وحاسمة للقضاء على ما وصفه بـ«التمرد»، وإنهائه بصورة نهائية، واستعادة دارفور.

وخلال مخاطبته كبار قادة القوات المسلحة بمقر القيادة العامة في العاصمة الخرطوم، مساء الخميس، شدَّد البرهان على أنَّ السودان يتجه بثبات نحو حسم المعركة عسكرياً، قائلاً إنَّ القوات المسلحة لن تسمح لـ«قوات الدعم السريع» أو لأي جهة تساندها أو ترفع راية التمرد بالعودة مجدداً إلى المشهد السوداني.

ونفى البرهان بشكل قاطع صحة ما تداولته بعض الوسائل الإعلامية بشأن وجود تفاهمات أو مصالحات جرت في البحرين أو رواندا بين طرفَي النزاع، مؤكداً أنَّ تلك الأنباء لا تستند إلى أي أساس من الصحة. وقال إن ما يتم تداوله حول وجود مفاوضات في المنامة أو كيغالي «مجرد شائعات»، مشيراً إلى أن «أي خطوات من هذا النوع سيتم الإعلان عنها رسمياً عبر مؤسسات الدولة المختصة».

لقاء البرهان كبار قادة الجيش في مقر القيادة بالخرطوم (إعلام مجلس السيادة)

وجاءت تصريحات البرهان بعد يومين من إعلانه ترتيبات لإطلاق حوار سياسي شامل داخل السودان؛ بهدف استكمال مسار الانتقال المدني الديمقراطي، مؤكداً أنَّ الحكومة ستوفِّر كل ما يلزم لإنجاح هذا الحوار بمشاركة مَن وصفهم بـ«أصحاب الوجعة»، في إشارة إلى القوى الوطنية المعنية بمستقبل البلاد.

وفيما يتعلق بالعناصر المنشقة أو الراغبة في الانسحاب من صفوف «قوات الدعم السريع»، جدَّد البرهان تأكيده أنَّ أبواب القوات المسلحة والدولة السودانية مفتوحة أمام مَن يرغب في العودة، لكنه أوضح أنَّ المؤسسة العسكرية تميِّز بين مَن تورطوا في ارتكاب جرائم، ومَّن تمَّ التغرير بهم.

وأكد أنَّ الحديث عن فتح الباب للجميع دون تمييز لا يعكس حقيقة الموقف، موضحاً أنَّ القوات المسلحة تدرك مَن المجرم ومَن الذي يمكن الاستفادة منه مستقبلاً، ومَن ينبغي تحييده أو محاسبته.

كما نفى البرهان ما يشاع حول أنَّ البلاد باتت تستقبل الجنجويد، في إشارة إلى قوات من «الدعم السريع»، مؤكداً أن ذلك «لم يحدث، ولن يحدث أبداً». كما أشار إلى أن الانفتاح الحالي يقتصر على القوى السياسية التي لم تتخذ مواقف عدائية تجاه القوات المسلحة أو الدولة السودانية، مشيراً إلى أن مَن ناصبوا الجيش العداء لا مكان لهم ضمن أي ترتيبات مستقبلية ما لم يغيروا مواقفهم ويعلنوا دعمهم للمؤسسة العسكرية.

وأكد أن الجيش سيواصل العمل مع القوى السياسية والمدنية الموجودة داخل البلاد من أجل تحقيق تطلعات الشعب السوداني.

البرهان يسلم على مساعده في شؤون التخطيط شمس الدين كباشي (إعلام مجلس السيادة)

وكان البرهان قد أعلن، في وقت سابق، أنَّ أبواب المصالحة الوطنية مفتوحة أمام كل مَن يرغب في الانضمام إلى الدولة، والوقوف في مواجهة «قوات الدعم السريع»، مؤكداً استمرار القوات المسلحة في القتال حتى استعادة السيطرة على كامل الأراضي السودانية.

وقال إنَّ العمليات العسكرية التي بدأت في الخامس عشر من أبريل (نيسان) 2023 - وهو التاريخ الذي وصفه بأنه يوم «العدوان على الشعب السوداني» - ستتواصل حتى استعادة جميع المناطق التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع»، وإنهاء وجود ما وصفهم بالمرتزقة والمتمردين. كما أشار إلى وجود مجموعات تقاتل إلى جانب الجيش داخل إقليم دارفور، مؤكداً أن الوقت سيأتي لتوسيع نطاق المواجهة هناك، واستعادة إقليم دارفور.

وشدَّد البرهان على أنَّ القوات المسلحة تمضي بخطوات مدروسة للخروج من الحرب عبر بناء جيش حديث يتمتع بكفاءة أعلى، وتنظيم أكثر تطوراً، وتسليح متقدم مقارنة بالماضي.

وأوضح أنَّ القدرات العسكرية للقوات المسلحة تشهد تطوراً متسارعاً، وأنَّ الروح المعنوية للمقاتلين تزداد قوة وثباتاً مع استمرار العمليات العسكرية الرامية إلى حسم ما أطلق عليها «معركة الكرامة».

وشهد اللقاء حضور أعضاء القيادة العسكرية العليا، بينهم مساعدا القائد العام الفريق أول شمس الدين كباشي، والفريق أول ياسر العطا، وعدد من كبار الضباط.

البرهان ورئيس هيئة أركان الجيش ياسر العطا (إعلام مجلس السيادة - «فيسبوك»)

وفي تطور ميداني متزامن، قُتل ما لا يقل عن 28 مدنياً، وأُصيب العشرات جراء هجمات نُسبت إلى «قوات الدعم السريع» استهدفت بلدات بولاية شمال كردفان.

وأعلنت «شبكة أطباء السودان»، في بيان نشرته عبر موقع «فيسبوك»، أن قوة تابعة لـ«قوات الدعم السريع» نفَّذت هجوماً في ثاني أيام عيد الأضحى على منطقتَي أم سعدون والمَرّة؛ ما أدى إلى مقتل 28 مدنياً وإصابة عشرات آخرين.

وأكدت الشبكة أنَّ المنطقتين المستهدفتين لا تضمان أي وجود عسكري، عادّةً أن استهداف القرى والمناطق المدنية وقتل المدنيين العزّل يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي.

من جانبه، أدان «حزب الأمة القومي»، أحد أبرز الأحزاب المنضوية تحت مظلة «تحالف صمود»، الهجمات المتكرِّرة التي تنفِّذها «قوات الدعم السريع» في المناطق الواقعة على أطراف محلية بارا في شمال إقليم كردفان.

وقال الحزب، في بيان رسمي، إنَّ تصاعد الهجمات ضد المدنيين في إقليم كردفان خلال الحرب المستمرة في السودان يحمّل قيادة «قوات الدعم السريع» المسؤولية المباشرة عن هذه الانتهاكات.

وأضاف أنَّ استمرار تمركز «قوات الدعم السريع» داخل المدن والقرى المأهولة بالسكان لا مبرِّر له، ويعرِّض حياة المدنيين لمخاطر جسيمة، كما يفتح المجال أمام مزيد من الانتهاكات والخسائر الأمنية والإنسانية.


فئات النقد المصري تلهث لملاحقة التضخم والغلاء

القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
TT

فئات النقد المصري تلهث لملاحقة التضخم والغلاء

القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)

فوجئت المصرية الثلاثينية، آلاء حواش، باستنزاف نزهة واحدة مع أولادها «لم تتضمَّن سوى تناول الطعام خارج المنزل» أكثر من 1500 جنيه (الدولار يعادل نحو 52.2 جنيه)، بعدما جمع الأبناء هذا المبلغ عيديةً من أقاربهم في عيد الأضحى. وتقول آلاء لـ«الشرق الأوسط»: «أي مبالغ نقدية لم تعد لها قيمة» في إشارة إلى الغلاء المتصاعد بالبلاد.

وتنوَّعت الفئات النقدية لدى أبناء آلاء الثلاثة بين 10 جنيهات و50 و100 و200 جنيه، والأخيرة هي الفئة النقدية الأكبر في مصر حالياً، والتي «لم تكفِ كل طفل لتناول وجبة طعام في أحد المطاعم بالمهندسين في محافظة الجيزة»، بحسب الأم المصرية، مشيرة إلى أن «أي فئة من العملة لم تعد تكفي؛ بل إن قيمتها قلت، فمثلاً عملة الـ100 جنيه فعلياً على أرض الواقع قلت كثيراً بسبب الغلاء».

وأمام موجات الغلاء التي يشهدها الشارع المصري، انتشرت شائعات عن توجه رسمي لإصدار فئات نقدية جديدة بمبالغ أعلى؛ بسبب انخفاض قيمة العملات المتداولة حالياً؛ نتيجة ارتفاع أسعار السلع، ومن بين هذه الفئات إصدار ورقة نقدية بقيمة 10 آلاف جنيه. وقد تداول متابعون على «السوشيال ميديا» صورة لعملة شبيهة بالـ200 جنيه كُتب عليها 10 آلاف جنيه، وهو ما نفته الحكومة.

وقال المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، أخيراً، إن البنك المركزي المصري أفاد بأنَّه «لم يتم إصدار أي قرارات بهذا الشأن، ولا توجد حالياً أي خطط أو دراسات تتعلق بطرح هذه الفئة النقدية أو أي عملات ورقية أو بلاستيكية من فئات جديدة، بخلاف الفئات المتداولة بالفعل داخل السوق».

مسؤولون يراقبون الأسواق بهدف مواجهة أي ارتفاع للسلع (جهاز حماية المستهلك)

ورغم النفي الرسمي، فإنَّ خبراء لم يستبعدوا أن «تضطر الحكومة لإصدار فئات نقدية جديدة في حالة تفاقم التضخم والغلاء».

وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة الإسكندرية، عاطف وليم لـ«الشرق الأوسط»: «إن إصدار فئات نقدية جديدة لن يكون سوى انعكاس لتفاقم الأزمة الاقتصادية في مصر، وتآكل قيمة العملة، بحيث تضطر الحكومة إلى إصدار فئات أعلى، بعدما انخفضت قيمة الفئات الموجودة بالفعل». لكنه في الوقت نفسه يرى أنَّ ذلك لن يحدث سوى لو وصلنا لمرحلة «التضخم الجامح».

وسجَّل معدل التضخم الشهري في أبريل (نيسان) الماضي 1.1 في المائة مقابل 3.2 في المائة في مارس (آذار) الماضي. كما سجَّل معدل التضخم السنوي في الشهر نفسه 13.8 في المائة.

ويعتقد وليم أن «معدلات التضخم التي يشعر بها المواطن في الشارع أكبر من المعدلات الرسمية»، قائلاً: «إن المواطنين يلهثون خلف الغلاء»، كما يرى أيضاً أن «الاقتصاد المصري بعيد نسبياً عن مرحلة (التضخم الجامح)»، عادّاً في الوقت نفسه أن «إصدار فئات نقدية جديدة بمبالغ أعلى لن يكون مؤشراً جيداً، وسيؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار».

عملات مصرية من فئة الـ200 جنيه (البنك الأهلي المصري)

في حين يرجح الخبير الاقتصادي الباحث في سوق المال، محمد مهدي عبد النبي، أنَّ «طباعة فئات نقدية جديدة أعلى من عملة الـ200 جنيه أمر وارد قريباً في ظلِّ تراجع القوة الشرائية للجنيه منذ عام 2022».

وكان مجلس الوزراء نفى في مايو (أيار) الحالي، التوقف عن إصدار العملة البلاستيكية من فئتَي 10 و20 جنيهاً.

وأضاف عبد النبي لـ«الشرق الأوسط»: «قد نشهد إصدار فئة نقدية أكبر، بمقدار 500 أو 1000 جنيه، حيث لم تعد الـ200 جنيه لها القوة الشرائية السابقة نفسها في ظلِّ الغلاء»، موضحاً أن «فئات العملات تلهث لملاحقة التضخم والغلاء».

مواطنون مصريون داخل سيارة أجرة في منطقة الجيزة (الشرق الأوسط)

عودة إلى عاطف وليم، الذي أشار إلى أنَّ «البرنامج الاقتصادي للحكومة على مدار سنوات لم يجنِ سوى تراجع قيمة الجنيه، فضلاً عن مزيد من الغلاء، والتضخم الذي يدفع ثمنه المواطن»، مطالباً بـ«تغيير البوصلة الاقتصادية نحو المشروعات الإنتاجية».

وتشهد مصر موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، متأثرة بالأوضاع الإقليمية، خصوصاً الحرب الإيرانية، فضلاً عن الزيادات المتكررة في أسعار السلع والخدمات، والتي تضع الأسر تحت ضغوط إضافية، مع ثبات ما لديها من عملات نسبياً، بينما تنخفض القوة الشرائية لهذه العملات.


سيول جنوب ليبيا تستحضر سؤال «السدود الغائبة»

سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
TT

سيول جنوب ليبيا تستحضر سؤال «السدود الغائبة»

سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)

عادت السيول الجارفة لتضع مدينتي تهالة وغات في جنوب غربي ليبيا تحت ضغط كارثة موسمية متكررة، بعدما شهدت المنطقتان القريبتان من الحدود الجزائرية أمطاراً غزيرة منذ أول يوم في عيد الأضحى (الأربعاء)، أدت إلى جريان واسع للأودية ونزوح العائلات من المناطق المنخفضة، وسط استنفار حكومي، ودعوات متجددة إلى إنشاء سدود وشبكات حماية مائية لوقف الخسائر المتكررة.

وفيما أعلنت السلطات المحلية، الجمعة، عدم تسجيل خسائر بشرية حتى الآن، فإن المخاوف تصاعدت من تكرار سيناريوهات سابقة شهدتها المنطقة، التي تتاخم الحدود مع الجزائر خلال الأعوام الماضية، حين تحولت الأمطار الموسمية إلى كوارث خلفت وفيات، وأضراراً واسعة في البنية التحتية والمزارع والمساكن.

وجدد محمد علي مختار، مدير مكتب الإعلام ببلدية تهالة، مطالبة الحكومتين في غرب ليبيا وشرقها «بالحاجة العاجلة إلى مشاريع حماية مستدامة، تشمل إنشاء سدود أو تحويل مسارات الأودية، بعيداً عن التجمعات السكنية، بل وحتى دراسة إنشاء تجمع سكاني بديل إذا استمرت الأخطار الطبيعية على حالها».

أحد عناصر الطوارئ في الهلال الأحمر خلال جولة رصد بمدينة غات بالجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)

وسلط المسؤول المحلي الضوء على معاناة المدينة التي تتكرر نتيجة السيول، وقال إنها دفعت جميع العائلات القاطنة في المدينة إلى النزوح نحو أماكن أكثر أماناً في إجراء احترازي، موضحاً أن الأضرار اقتصرت حتى اللحظة على خسائر مادية متفاوتة.

ولم تكن السيول الحالية الأولى التي تضرب المنطقة. ففي أغسطس (آب) قبل عامين، شهدت تهالة سيولاً قوية أودت بحياة ثلاثة أطفال، كما غمرت المياه الشوارع والمزارع، وألحقت أضراراً واسعة بالمنازل والبنية التحتية، بينما تعهدت السلطات حينها بإيجاد حلول جذرية، من بينها إقامة سدود لحجز المياه وتنظيم تدفق الأودية.

ويقول مختار إن المدينة تعاني منذ سنوات من هشاشة حادة في البنية التحتية، مشيراً إلى تكرار انقطاع الكهرباء وتعطل شبكات الاتصالات، وتوقف عدد من آبار المياه عن العمل مع كل موجة أمطار، مؤكداً أن الأزمة تتكرر منذ أعوام 2011 و2019 و2024 دون تنفيذ حلول جذرية تحد من أخطار السيول.

وتجددت مع الأمطار الأخيرة المطالب الشعبية والحقوقية بضرورة بناء منظومة سدود في الجنوب الغربي الليبي، خصوصاً في المناطق الواقعة على مسارات الأودية الآتية من المرتفعات الجزائرية.

وطالب الناشط السياسي والمدون فرج أبو سنينة بإنشاء سدود وحواجز مائية على الأودية المشتركة بين ليبيا والجزائر، إلى جانب إبعاد التجمعات السكنية عن مجاري السيول، وإنشاء بحيرات صناعية يمكن الاستفادة منها في الزراعة ومشروعات التشجير.

ويذهب سياسيون، من بينهم حسين الأنصاري، العضو السابق في «ملتقى الحوار الوطني» بجنيف السويسرية، إلى القول بأن بناء السدود في غات وتهالة بالجنوب الليبي أصبح «ضرورة وطنية حتمية» لحماية الأرواح والموارد، محذراً من أن استمرار تجاهل الحلول الهندسية الدائمة سيؤدي إلى مزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية.

أحد عناصر اللجنة العليا للطوارئ التابعة لحكومة الاستقرار يتفقد المركز الصحي بمدينة تهالة بالجنوب الليبي (بلدية تهالة)

وقال الأنصاري، إن «الدولة الليبية تنفق سنوياً ملايين الدنانير على عمليات الإغاثة الطارئة، والتعويضات وصيانة الطرق المتضررة بشكل مؤقت، بينما تبقى الحلول الترقيعية عاجزة عن منع تكرار الكوارث مع كل موسم أمطار»، وفق منشور عبر صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

وحسب تقدير العضو السابق في «ملتقى الحوار الوطني»، فإن إنشاء شبكة سدود ركامية وتخزينية في نقاط التحول الرئيسية داخل الأراضي الليبية، إلى جانب شق قنوات لتصريف المياه بعيداً عن المدن، سيكون أقل تكلفة على المدى البعيد مقارنة باستمرار سياسة «إدارة الأزمات». مشيراً إلى أن «الطبيعة الجغرافية لحوض غات وتهالة تجعل المنطقة في مواجهة مباشرة مع سيول ضخمة تنحدر من جبال التاسيلي داخل الجزائر، ما يتطلب تنسيقاً فنياً ومبكراً بين البلدين لدراسة حركة الأحواض المائية المشتركة وآليات الإنذار المبكر».

ومع تجدد الأزمة، أعلنت السلطات في شرق ليبيا على مدى يومين حالة الاستنفار لدعم المناطق المتضررة، حيث أصدر نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، الفريق أول صدام خليفة حفتر، الخميس، تعليمات بتقديم الدعم والإغاثة العاجلة لسكان تهالة، فيما وصلت قوافل طبية تابعة لوزارة الصحة التابعة للحكومة المكلفة من البرلمان إلى غات وتهالة لمتابعة التطورات الميدانية.

وكان نائب رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، في غرب ليبيا سالم الزادمة قد كشف قبل عامين عن خطة حكومية لإنشاء سدود على الأودية، التي تصب في مناطق الجنوب الغربي، وذلك عندما كان يشغل المنصب ذاته في الحكومة المكلفة من البرلمان، لكن هذه الوعود لم تر النور في ظل الانقسام السياسي والحكومي الذي تشهده البلاد.

وبينما يترقب السكان انحسار السيول، يعود ملف السدود الغائبة مجدداً إلى واجهة النقاش في ليبيا، بوصفه أحد أكثر الملفات ارتباطاً بأمن الجنوب وحماية مدنه من كوارث تتكرر كل عام تقريباً، في ظل غياب مشاريع بنية تحتية، قادرة على مواجهة التحولات المناخية والتقلبات الجوية الكثيرة.