«ولاد بديعة» المُنطلِق ببراعة هل قضى على نفسه؟

التفوّق الأدائي «يشفع» للوهج خفوته... ولا يُبرّره

يامن الحجلي وسلافة معمار بشخصيتَي «ياسين» و«سكر» الملطَّخين (لقطة من المسلسل)
يامن الحجلي وسلافة معمار بشخصيتَي «ياسين» و«سكر» الملطَّخين (لقطة من المسلسل)
TT

«ولاد بديعة» المُنطلِق ببراعة هل قضى على نفسه؟

يامن الحجلي وسلافة معمار بشخصيتَي «ياسين» و«سكر» الملطَّخين (لقطة من المسلسل)
يامن الحجلي وسلافة معمار بشخصيتَي «ياسين» و«سكر» الملطَّخين (لقطة من المسلسل)

الانبهار ببدايات المسلسل السوري «ولاد بديعة» تساقط مع تقدُّم حلقاته. خفُتَ إيقاعٌ مُتسارع شكَّل عامل جذب يُجمِّل المتابعة، ليحلَّ مكانه ما يبدو مجرّد إلحاح على ملء الثلاثين حلقة. هذا العمل أمكن أن يكون من الأوائل. قصّته (علي وجيه ويامن الحجلي) شدَّت، وإخراجه مثير بقيادة كاميرا رشا شربتجي البارعة. أبطاله تفوّقوا في الأداء المحترف، وبعضهم قدَّم أجمل أدواره، منهم محمود نصر، ومصطفى المصطفى، ورامز الأسود بشخصية «وفا الشامي» بعد أدوار زجّته في النمطية. 15 حلقة فقط، كانت لتُبقي مرتبته عالية. انقلب على نفسه حين سلَّم أمره للحشو.

محمود نصر يتفوّق بأداء شخصية «مختار الدباغ» المضطرب (لقطة من المسلسل)

قدَّم المسلسل (إنتاج «بنتالنس») نجومه بتألُّق لم يقتصر على الأدوار الرئيسية. واستطاع خَلْق حالة حين جعل من ثيمة مُستهلَكة (حرب إخوة على الميراث)، مسرحاً للمفاجأة الدرامية والحدث المُنتَظر. ذلك كله راح يتبخَّر منذ الدخول في الزمن الثاني للأحداث، كأننا أمام مسلسل آخر. وإنْ استطاعت مَشاهد شدَّ الانتباه، منها رقصة «سكر» (سلافة معمار الوفية للشخصية) على قبر «أبو الهول» (محمد حداقي بأداء متمكّن) بعد قتله، فإنَّ المُسيطر على النصف الثاني هو برودة الحرارة. فعودة «أبو الهول» من الموت سدَّدت صفعة لعمل اختلَّ توازنه تدريجياً، بعدما كاد يصنع الفارق في «كونسبت» الدراما السورية المعاصرة. عودة «مجانية»، لا وظيفة لها في السياق سوى مزيد من تكريس العنف، حين انهال على «سكر» بالضرب الوحشي. سوى ذلك، تقريباً فراغات.

الإضاءة على شراء الشهادات المزوّرة، وزيف مواقع التواصل حين تتيح للمدّعين اعتلاء المنابر، مسائل مهمّة. ومع أهميتها، بدا كأنّ المسلسل يملأ بها ما يستطيع عليه لإطالة عُمر الحكاية. لم تُتح تلك المقاربات شعوراً بأنها «ملتحمة» بأعماق النصّ، بقدر ما تراءت «موظَّفة» للإطالة. منذ تحوّل «ولاد بديعة» من قصة إلى ذريعة لاستمرار الثلاثين حلقة، تفكّك التعلُّق به، وأحاله على العادية، بعدما انطلق بهِمَّة المسلسلات الواثقة من التميُّز والجديرة به.

نادين تحسين بيك وسامر إسماعيل بشخصيتَي «هديل» و«شاهين» (لقطة من المسلسل)

العمل بالدرجة الأولى كاركتيرات أتقن الكاتبان مدَّها بالروح، ورفعت المخرجة مقامها. التفوّق الأدائي «يشفع» للحكاية تراجُع إيقاعها، من دون أن يُبرّر لها. صحيح أنه من غير المُوفَّق حصر الخطّ الدرامي بإشكالية الصراع على المال، وزجِّه بسلوكيات الإخوة الوحشية الحائمة حول المصالح والأنانيات. تعدُّد الخيوط مفيد، لكنَّ جرَّه إلى الاختلال هو المُضرّ. ذلك عدا الشحن المتمادي واستحالة مرور نسمة تبلسم الاختناق، عدا مشهد التطهُّر وانتقال «أبو الوفا» (حضور ممتاز لتيسير إدريس) إلى العالم الآخر. الحب مقتول في مسلسل قائم على القتل بشتّى أشكاله. يمكن تفهُّم أنّ جوَّه قاتم ومساراته وعرة، لكنه أفرط في الوقوف بصفّ الظلمة، وبالغ في إنكار وجود الضوء. حتى «عبير» (روزينا لاذقاني) لم تُبرَّر أحلامها الوردية بعد. قُضي عليها فوراً، ولم يكد يولد الحب حتى جرفته الكراهية. الجميع تقريباً في مغطس الدم الساخن. باستطاعة الحضور العذب لولاء عزام بشخصية «زهور»، مع اللافتة نادين خوري بشخصية والدتها «أم جمعة»، وهافال حمدي بدور زوجها «نظمي» (أداء لامع)، مدَّ السوداوية ببعض اللطافة. الشاب وسام رضا بشخصية «السيكي» (أداء ممتاز ومُبشِّر) هو الناجي الوحيد من المقاربة «الفجّة». رغم ماضيه الأليم، يُشكّل مُتنفَّساً.

إمارات رزق بدور «بديعة» أنجبت أولاداً يمتهنون النهش (لقطة من المسلسل)

المكان المهجور حيث القطارات المُعطَّلة، فضاءٌ لتصفية حسابات لا تُعدّ. هناك تعمّقت مناكفات الطفولة بين الإخوة، أولاد «بديعة»؛ «سكر»، و«ياسين» (يامن الحجلي بأداء لافت جداً) و«شاهين» (سامر إسماعيل بأحد أبرز أدواره)، وشقيقهم «مختار» (محمود نصر المُتقِن تجسيد الاضطراب النفسي)، وتكرَّست الأحقاد الكبيرة. وهناك تُشنَق القطط (نوَّه المسلسل إلى اتّخاذ إجراءات السلامة) لتأكيد الرغبة في التشفّي وإعلان الحدّ الأقصى من القسوة. وهناك تدفن «سكر» جنيناً حلمت به، ويُصاب «مختار» بالعجز عن الإنجاب حين يهشِّم شقيقاه رجولته. مسرح مكشوف على أسوأ الاحتمالات. تعمُّد المسلسل التخلّي التام عن الرحمة مقابل تمجيد العنف، وإنْ أراده إسقاطاً على الواقع السوري بعد الحرب، وما يتخطّى الجغرافية السورية إلى حيث الإنسان يُترك وحيداً في الغابة الكونية، مرمياً للذئاب، مُحالاً على النهش بشتّى أشكاله؛ ينقلب ثقله على صنّاعه ويعمُّ السواد الحالك، فتحلّ كل فضيلة ثانياً، حتى الإبداع.

فادي صبيح بشخصية «عارف الدباغ» بحضور محترف (مواقع التواصل)

ورغم أنه إبداع ظاهر ومؤكد، يبلغ ذرواته بلقطات كوابيس «سكر» (الدموية أيضاً)، وبترك «يحيى» (إبراهيم الشيخ) لمصيره بعد عذابات نفسية قاسية يمارسها «مختار» عقاباً لنذالته، وتصويره على أنه نسخة جديدة عن «بديعة»؛ وبانهيار عالم «جمعة» (مصطفى المصطفى) حين تطهو والدته ديك المراهنات، فيملأ معدته بحلمه المُجهَض... بجانب ذروات أخرى. حقُّ هذا الإبداع الاعتراف به، مع تعقيب يبدأ بـ«ولكن»، فتصبح المعادلة: «ولاد بديعة» لم يمرَّ عابراً... ولكن. المديح يرتطم بما يحول دون التغنّي به.

مصطفى المصطفى في أحد أجمل أدواره (لقطة من المسلسل)

المال «وسخ الدنيا» كما يُسمّيه «ياسين» كلما ادّعى الترفُّع؛ يُظهر المعادن على حقيقتها، فتتراءى صدئة، لا تساوي فرنكاً في سوق الصرف. الدفاتر القديمة مفتوحة بالكامل، ولا شيء يُمنَح بلا مقابل. حتى أفعال الخير، تريد بها «سكر» تكفيراً عن ماضٍ مُلطَّخ. ليس العطاء إلا تعويضاً عن التمادي في الأخذ. الدمُّ ولَّد دماً، وجَرَفَ النهر الأحمر كل ما عداه، حتى التلذُّذ بالمُشاهدة. يعيد التاريخ نفسه حين يتكرّر سيناريو «عارف» (فادي صبيح بدور رائع) و«بديعة» (إمارات رزق مفاجأة الموسم الرمضاني) في زيجات أولادهما المُطعَّمة بالحرام وسوء النوايا. حتى «شاهين» يعجز عن تغيير جلده، وإن تزوّج ابنة الزواة؛ ولا ينجو «مختار» من نفسه وإنْ تزوَّج «هديل» (نادين تحسين بيك بأداء منضبط). أولاد «بديعة» تطاردهم خطيئة المكان والظروف والأهل، ولا يعُد مهماً إن ارتدوا ربطة عنق أو امتهنوا كاراً آخر غير الدبَّاغة.

ولاء عزام... حضور عذب بشخصية «زهور» (لقطة من المسلسل)

ليقول المسلسل إنّ ماضي المرء يُنغّص مستقبله، أجَّج قتامته وكثَّف شطحاته. يظلّ ذلك مُبرّراً لتجسيده واقعاً لا يقلّ فظاعة، واختزاله أصنافاً بشرية تتساوى بالوحشية. إفلاته سياقه، وظنّه أنّ سخونة الحدث مستمدَّة فقط من العنف، كادا يقضيان عليه، لولا عين رشا شربتجي، وبراعة الأداء أمام كاميرتها.


مقالات ذات صلة

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

يوميات الشرق المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة - المدينة المنورة)
يوميات الشرق حنان مطاوع تشارك بمسلسلين في الموسم الرمضاني (صفحتها في فيسبوك)

حنان مطاوع: «المصيدة» مغامرة محسوبة و«الترند» ليس مقياساً للنجاح

تتوقّف حنان مطاوع عند شخصية «زمزم»، مؤكدة أنها ستلفت الانتباه بشكل أكبر في النصف الثاني من أحداث المسلسل المكوَّن من 30 حلقة...

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس»

دراما رمضان المصرية تبرز قضايا نسائية شائكة في «شهر المرأة العالمي»

تزامناً مع الاحتفال بيوم المرأة العالمي الذي يوافق 8 مارس من كل عام، وشهرها العالمي الذي يواكب هذا الشهر أيضاً، تُبرز دراما رمضان المصرية قضايا نسائية.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الإضاءات والفوانيس المنتشرة تخلق أجواء رمضانية وتضيف بعداً جمالياً (تصوير: تركي العقيلي) p-circle 01:58

«الديرة»... قلب الرياض التاريخي ينبض بالحياة في ليالي رمضان

في قلب العاصمة السعودية، حيث تلتقي الأصالة بحداثة التنظيم، تحول حي «الديرة» التاريخي إلى بوصلة تجمع سكان الرياض وزوارها بعد صلاة التراويح في كل ليلة رمضانية.

فاطمة القحطاني (الرياض)
يوميات الشرق مصحف معروض في المتحف يعود إلى القرن 13هـ/ 19م تقديراً (متحف القرآن بمكة)

كنوز قرآنية من العصور الأولى تستعرض تاريخ تدوين المصحف الشريف

على مقربة من جبل النور؛ حيث انبثقت أنوار الوحي الأولى، يقف «حي حراء الثقافي» بمكة المكرمة شاهداً على رحلة تدوين القرآن الكريم عبر العصور.

عمر البدوي (الرياض)

«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
TT

«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)

كان دخول الدراما الكورية وموسيقى الـK-Pop (كي بوب) إلى قلوب الناس حول العالم سريعاً. سبقَ التبنّي الجماهيري لتلك المسلسلات والأغاني الناطقة بلغةٍ غير مفهومة، اعترافَ المحافل الفنية العالمية بالصناعة الترفيهية الكورية الجنوبية.

لكن خلال السنوات القليلة الماضية، توالت الإنجازات الدرامية والموسيقية الكورية على منابر عريقة مثل حفلَي جوائز «إيمي» و«غرامي». من فريق BTS الغنائي المحبوب، مروراً بمسلسل «لعبة الحبّار Squid Game»، وليس انتهاءً بفيلم «فرقة البوب الكورية: صائدات الشياطين K-Pop Demon Hunters».

K-Pop Demon Hunters أحدث إنجازات الآلة الترفيهية الكورية (نتفليكس)

الـ«كي بوب» إلى الأوسكار

هذا الفيلم الذي أنتجته منصة «نتفليكس» وحقق أرقاماً مليونيّة عليها، يتّجه صوب الأوسكار منافساً على جائزتَين: أفضل فيلم رسوم متحركة وأفضل أغنية. وإذا جاءت الجائزتان أو إحداهما من نصيب الفيلم، فإنه سيحقق بذلك إنجازاً تاريخياً للبوب الكوري في هوليوود.

كل الذين تبنّوا الموسيقى الكورية أو أيّ محتوى ترفيهي آتٍ من سيول، وهُم بمعظمهم من «الجيل زد»، يظنّون أنّ تلك الظاهرة حديثة العهد. لكن فيلم «صائدات الشياطين» حَرص في مقدّمته على التذكير بأنّ لهذا الفنّ رائدات مؤسِّسات. في مشهدٍ افتتاحيّ يرجع الفيلم 65 سنة إلى الوراء، ليقدّم تحية مصوّرة إلى فريق «الشقيقات كيم The Kim Sisters».

إعدامات ولجوء وجوع

ألهمَت تلك الفتيات الثلاث أجيالاً من مغنّي البوب الكوري، بمَن فيهم البطلات الافتراضيات لفيلم «صائدات الشياطين». فمَن هنّ «الشقيقات كيم» اللواتي أسّسن البوب الكوري وصدّرنه إلى العالم، قبل حتى أن يصير اسمه K-Pop؟ وكيف تحوَّلت حكايةُ القهر التي طلعن منها إلى قصة مجدٍ على الأراضي الأميركية؟

بدأ كل شيء في مطلع خمسينيات القرن الماضي، بينما كان الاجتياح الكوري الشمالي يعصف بكوريا الجنوبية. وجدت المغنّية الشهيرة لي نان يونغ نفسها بلا مالٍ ولا مأوىً، بعد إعدام زوجها المايسترو كيم ها سونغ على أيدي قوات كوريا الشمالية. لم تكن يونغ بمفردها، بل كانت مسؤولة عن أولادها السبعة، ومن بينهم ابنتَاها سو وآيجا، وابنة عمّهما ميا التي توفّي والدُها الموسيقيّ هو الآخر فتبنّتها يونغ.

في المخزن الذي لجأت إليه بعد أن أحرق الشماليون بيتها، عاشت يونغ وأولادها في مساحة ضيّقة مع 22 شخصاً لا تربطها بهم أي صِلة. أمضوا أياماً من دون طعام وتشاركوا الحمّام ذاته مع اللاجئين الآخرين، وفق ما توثّق سو كيم في حوار مع منصة «هيستوري». بقيت الأوضاع على حالها إلى أن حلّ يونيو (حزيران) 1950 وجلبَ معه الجيش الأميركي إلى سيول، بعد أن انضمّت واشنطن إلى الحرب الكورية مسانِدةً الجنوبيين.

الشقيقات كيم كما ظهرن في فيلم K-Pop Demon Hunters (يوتيوب)

سو وآيجا وميا يغنّين للمارينز

وجدت يونغ الخلاص في «المارينز» فاسترجعت صوتها وبدأت بإقامة الحفلات في المخيّمات العسكرية الأميركية. سرعان ما جلبَ ذلك طعاماً إلى المائدة وسدّ جوع الأولاد، فالجنود كانوا يقدّمون لها صناديق المشروبات الكحولية بدلاً عن أتعابها فتستبدلها بالأرزّ والمواد الغذائية في السوق السوداء.

من السوق السوداء، أحضرت يونغ كذلك أسطوانات لأغانٍ أميركية معروفة. من بين الأولاد انتقت سو وآيجا وميا لتدرّبهنّ على حفظ تلك الأغاني من دون أي معرفةٍ للّغة الإنجليزية. وهي أيضاً لم تكن تنطق بتلك اللغة. كانت الفتيات حينها بين الـ8 والـ9 من العمر، لكنّ ذلك لم يَحُل دون اعتلائهنّ الخشبة والغناء والعزف أمام الجنود.

الشقيقات سو وآيجا وميا كيم (إنستغرام)

المنتج الأميركي في كوريا من أجلهنّ

بآلاتهنّ الموسيقية المتعددة وأصواتهنّ البريئة، لفتن الأنظار والأسماع وأيقظن الحنين إلى الأرض رغم اللكنة الكورية في أداء الأغاني. كبرت الفتيات بين صفوف الجنود واحتكرن الترفيه الفنيّ عنهم، فاستحققنَ اسماً رسمياً عام 1953: The Kim Sisters أي «الشقيقات كيم».

استمرت الحال هذه حتى 1958 وكانت قد بلغت شعبية الأخوات الثلاث ذروتها بين الجنود، الذين خطّوا رسالة للمنتج الأميركي طوم بال مطالبين إياه بزيارة كوريا الجنوبية لمشاهدة عرضٍ للفرقة. لبّى بال الطلب، وكما جنود بلاده، أُعجب كثيراً بهنّ فقدّم لهنّ عقدَ عمل في الولايات المتحدة.

تميزت الشقيقات كيم في الغناء والعزف على آلات متعددة (إنستغرام)

من لاس فيغاس إلى التلفزيون

تأخّر الحصول على فيزا لكن بحلول 1959، حطّت الشقيقات كيم رحالهنّ في لاس فيغاس. بدأت هناك رحلة الغناء في الفنادق من دون أي ضمانات لناحية الحصول على إجماع الحاضرين. فالجنود الأميركيون في كوريا الجنوبية تعلّقوا بهنّ لأنهن جلبن إليهم نفحةً من هواء الوطن، لكنّ التحدّي في لاس فيغاس كان التميّز بين عشرات الفنانين الأميركيين والعالميين الذين لا يتعثّرون في اللغة الإنجليزية.

لم تكن المهمة صعبة، إذ أسرت الفتيات قلوب الجماهير، وسرعان ما انتقلن من فنادق لاس فيغاس وقاعات الرقص فيها، إلى شاشات التلفزة الأميركية. ظهرن في 22 حلقة من «برنامج إد سوليفان» والذي كان يُعدّ الأكثر جماهيريةً حينذاك. بالزيّ التقليديّ الكوريّ أو الـ«هانبوك»، كرّرن الإطلالات التلفزيونية إلى أن بتنَ وجوهاً وأصواتاً معروفة على امتداد الولايات الأميركية.

قصة نجاح أو دعاية سياسية؟

غير أنّ الرحلةَ لم تَخلُ من الصعوبات، فالشقيقات كيم واجهنَ العنصريّة حيال العرق الآسيويّ والنظرة الدونيّة تجاه المرأة ذات البشرة الصفراء. مع ذلك، هنّ تصدّرن أغلفة أهمّ المجلّات كـ«نيوزويك» و«لايف»، وأصدرن ألبومهنّ الأول عام 1963 ليصبحن بذلك أول فريق آسيوي ينتج الموسيقى داخل الأراضي الأميركية.

كانت المنفعةُ متبادلة، فمع تراجع الدعم الشعبي الأميركي للحرب الكورية، جرى استخدام قصة نجاح الشقيقات كيم كبروباغندا أو دعاية سياسية ساعدت في تبرير القرار الأميركي بالدفاع عن كوريا الجنوبية. كما شكّلن الدليل القاطع على أنّ تحقيق «الحلم الأميركي» ليس مستحيلاً، مما أدّى إلى نشوء ظواهر مشابهة في سيول من دون أن تحقّق النجاح ذاته.

الشقيقات كيم على غلاف مجلة «لايف» عام 1960 (إنستغرام)

جدّات الكي بوب

في حوارها مع «هيستوري» عام 2019، أي بعد 44 سنة على اعتزال الفريق، تقول سو كيم إنها «متأكدة من أن الشقيقات كيم مهّدن الطريق أمام نجوم الـK-Pop الحاليين».

صحيح أنّ الموسيقى الكورية المعاصرة لا تُشبه في شيء ما كانت الشقيقات يقدّمنه، غير أنّ ثمة نقاطاً مشتركة. تجتمع النسختان القديمة والجديدة على مسار المثابرة والقصة الملهمة التي يطلع منها الفنانون. كما أنّ المظهر الموحّد أساسي في الإطلالة. ليست الأصوات الجميلة مهمة بقَدر أهمية الصورة البرّاقة والقدرات الاستعراضية.

ليس مُستغرباً إذن أن تؤدّي بطلات «صائدات الشياطين» التحيّة لجدّاتهنّ «الشقيقات كيم»، وذلك نيابةً عن سائر نجوم الكي بوب الذين يغزون العالم بأغانيهم ورقصاتهم وألوانهم.


97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».